إذاعي مصري يروي أسرار «يوم النكسة» بعد 5 عقود

السيد الغضبان يتذكرها من كواليس الإعلام والسلطة

الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»
الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»
TT

إذاعي مصري يروي أسرار «يوم النكسة» بعد 5 عقود

الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»
الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»

لم يكن الإذاعي المصري السيد الغضبان يتصوّر وهو في طريق سيره المعتاد لمبنى «ماسبيرو» يوم الخامس من يونيو (حزيران)، أنه على مشارف ورطة تاريخية، ورطة بحجم الاتهام بتضليل الشعب في نكسة 1967.
فبعد استدعائه مبكراً في الصباح من قبل وزير الإعلام المصري آنذاك محمد فايق، قطع الغضبان الطريق من بيته إلى «ماسبيرو» سيراً على الأقدام، مُتشبثاً بالراديو «الترانزستور» الذي كان لا يفارقه، كما عموم المصريين آنذاك، فجاءته أصداء البيانات العسكرية عالية، فانتشى مُحدثاً نفسه بنبرة يقين بأنها لو كانت الحرب فستكون مصر هي صاحبة الانتصار الكاسح، فجميع المؤشرات الأولية تُفيد بجاهزية الجيش، مؤشرات تؤكد أن مصر ستُلقن إسرائيل درساً قاسياً.
ومضات صاخبة كما دراما الحروب، يستدعيها الإذاعي والكاتب المخضرم السيد الغضبان بعد أكثر من 50 عاماً على نكسة 1967، يتذكرها على الملأ عبر منصة موقع «أصوات أونلاين»، مُتحدثاً إلى الإعلامية المصرية منى سلمان في حلقات برنامج تفوح من عنوانه رائحة السيرة الذاتية «أثير العمر».
في حديثه لـ«الشرق الأوسط» اعتبر الغضبان أن قراره تسجيل هذا البرنامج لم يكن أمراً سهلاً، فقد حاولت الإعلاميتان منى سلمان ولينا الغضبان على مدار عامين إقناعي بالأمر، لكنني بعد أن تابعت ردود الفعل حول الحلقات المُذاعة، اكتشفت أن ترددي كان في غير محله، خاصة ردود أفعال الأجيال المُتعطشة لمعرفة حقائق خاصة بفترة النكسة، التي نُقل كثير منها مُشوهاً ومبتوراً.
في الحلقة الأولى مهدّت منى سلمان لهذا التردد، وتحدثت عن حرصها على إقناع الإذاعي القدير الغضبان منذ احتفاله بعيد ميلاده التسعين بأهمية مشاركة شهاداته بشكل واسع، لا سيما حول لحظات مفصلية في تاريخ الوطن والإذاعة، حيث كان الغضبان هو مسؤول التنظيم الطليعي للإذاعة المصرية وقت نكسة يونيو 1967، مما يجعله شاهداً رئيسياً على كواليس الإعلام والسلطة في هذه الفترة الحرجة، وعلى إلصاق اتهامات التضليل في هذا الوقت بالإذاعة، وغيرها العديد من رؤوس الموضوعات التي تُحاول كل حلقة التطرق لطرف منها، حيث كان الوطن والإذاعة والأحلام في خندق واحد.

بث مشترك
يُؤكد الغضبان أن انتماءه للتنظيم الطليعي الذي شُكل أيام عبد الناصر، استغرق منه تفكيراً طويلاً، وأن ما شجعه على الموافقة أنه كان آلية لإصلاح المؤسسات آنذاك، بعيداً عن استغلال النفوذ بالاقتراب من المسؤولين، حيث كان أعضاء التنظيم لا يُعلنون عن أنفسهم ويعملون سراً، وإن كانوا يعرفون بعضهم داخل دوائرهم النوعية، فكان بوصفه مسؤول التنظيم الطليعي داخل الإذاعة المصرية على تواصل دائم مع زملائه بالتنظيم في قطاع الإعلام وقت زلزال النكسة.
يسترسل الغضبان خلال البرنامج في تذكر اللقاء الذي دعاه إليه وزير الإعلام صباح الخامس من يونيو (حزيران)، ومعه عدد آخر على رأسهم رئيس الإذاعة المصرية آنذاك عبد الحميد الحديدي، حيث تقرر ضم جميع موجات الراديو في بث مشترك، ومنح جميع العاملين بمبنى الإذاعة والتلفزيون إجازة ما عدا العاملين بقسم الأخبار، والمذيعين، ومهندسي الصوت.
يروي الغضبان أنه تم تقسيم عمل المذيعين إلى خمس مجموعات، يقودها كل من الإذاعيين جلال معوض، وأحمد سعيد، وطاهر أبو زيد، وفاروق خورشيد، وأنا.
يقول: «كنا معزولين عن العالم، نتناوب قراءة البيانات العسكرية التي تصل إلينا والنشرات ونداءات الانتصار، كنا نتنافس من منا سيقرأ البيان الجديد»، ويتابع الغضبان: «أن تلك الحالة الحماسية ظلت هي المسيطرة، إلى أن غيّرت وكالات الأنباء العالمية دفة هذا الحماس، حتى أتاه رئيس قسم الأخبار آنذاك إسحق حنا، في يده نشرة الأخبار مصحوبة بانفجاره في البكاء.
«إسرائيل تقترب من شط القناة»، هكذا بدأت أخبار «النكسة» تتسرب، ومعها انقطاع التواصل مع القيادة السياسية، حتى وزير الإعلام ورئيس الإذاعة كانا تحت الصدمة، مما جعل الاجتهاد الشخصي هو سيد الموقف، فاقترح الغضبان أن يتم تخفيف نبرة الانتصار الزاعقة، فبدلاً من استخدام مصطلحات مثل «سننتصر» تُخفف لتصبح «ثابروا»، وهو قرار التزم به جميع المذيعين إلا الإذاعي الشهير أحمد سعيد الذي لم يُغير من نبرة حماسه، مُستنداً إلى موقف شخصي بأنه يدعم بصيص الأمل في تغير الموقف لصالح مصر.
يتذكر الغضبان: «كنا نقرأ بيانات الانتصار ونحن نعلم أننا مهزومون، كانت معاناة نفسية ضخمة، كنا نتمزق من الداخل»، مضيفاً: «البلد كانت في حالة حرب، لم يكن هناك مجال للتمرد، كنا نحن المذيعين كجنود مهزومين».

ترانزستور وميكروفون
يقول الغضبان لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصحف في هذا الوقت كانت مُضللة أيضاً؛ لكن أكبر أثر سلبي كان من الإذاعة، فالشعب في هذا الوقت كان شديد الارتباط بها، والراديو (الترانزستور) كان يصحب الكل، في المقاهي، في البيوت، في الشارع».
وصف الغضبان انفعال الجميع يوم التاسع من يونيو بـ«الـموكب الجنائزي»، وهو يوم خطاب التنحي الشهير لعبد الناصر، وضاعف البلبلة الإعلان عن رئيس جديد للبلاد، وهو زكريا محيي الدين، الذي حكى الغضبان عن وصول شريط مُسجل له لماسبيرو، يُعلن فيه رفضه تولي منصب رئيس الجمهورية إثر تنحي جمال عبد الناصر، وهو الشريط الذي قرر ومعه زملاؤه في التنظيم الطليعي عدم إذاعته خشية إثارة الفتنة السياسية، ما بين رئيس أعلن تنحيه ورئيس يرفض تولي السلطة، فيبدو المشهد وكأن مصر أصبحت بلا رئيس... أيضاً بدا المشهد وكأن المذيعين في هذه الفترة قد تحرروا من دورهم المنوط بهم أمام الميكروفون، وراحوا يتخذون مواقف جذرية كقرار عدم إذاعة خطاب محيي الدين، وكذلك قرار عدم إذاعة خطاب المشير عبد الحكيم عامر، خوفاً من محتواه، وحال عدم حضور المشير للمبنى دون تنفيذ قرارهم، إضافة لوقف إذاعة أي أغانٍ تُمجد في عبد الناصر، وإذاعة الأغاني الوطنية، وحتى اتخاذ قرار بتحديد ساعات الإرسال، يقول الغضبان: «لم نكن نعرف ماذا نقدم طوال تلك الساعات الطويلة»، يتحدث عن حالة السيولة السياسية التي عصفت بمصر وقتها.
يمر حديث الغضبان بالإجراءات التي سعت الإذاعة المصرية في اتخاذها لمواجهة أزمة الثقة لدى الجماهير التي تسببت فيها النكسة، بما فيها التعامل مع ترتيب نشرات الأخبار حسب أهمية الأخبار، وليست بأولوية جولات الرئيس، علاوة على خروج مجموعة من البرامج ذات نبرة نقدية أصبحت من كلاسيكيات الإذاعة، مثل «كلمتين وبس» الذي كان يقدمه الفنان الراحل فؤاد المهندس، و«همسة عتاب»، و«بعد التحية والسلام» للشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي.
يقول الغضبان: «كان المحتوى الثقافي للإذاعة المصرية وقتها يتمتع بحرية كبيرة، حتى أنه تم تحويل رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) لمسلسل أذيع في (صوت العرب)، رغم ما أثاره نشرها في جريدة الأهرام وقتها من انتقادات وصلت حدتها لمنع طبعها في مصر، علاوة على استيعاب مختلف أطياف الفكر، فكانت هناك أحاديث لمحمد مندور ويوسف إدريس وأنيس منصور وغيرهم».

مفترق طرق
يعتبر الغضبان أن قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس قاده لمفترق طرق شخصي، فقد كان الغضبان مُعتقلاً في السجن الحربي ضمن من اعتقلوا بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في حادث المنشية 1954. علاوة على أنه كان في السابق مسؤول جماعة «الإخوان المسلمين» في جامعة الإسكندرية، مما جعله ناقماً على عبد الناصر وثورته، حتى كان قرار تأميم قناة السويس 1956 فتراجع الغضبان عن هذا السخط. ويقول: «شعرت بالألم في السجن الحربي، حتى سمعت خطاب عبد الناصر تأميم قناة السويس، شعرت وقتها بأن زلزالاً حقيقياً قد حدث داخلي»، مضيفاً: «عندما اتخذ عبد الناصر قرار التأميم أدركت عندها أنه يتحدى الغرب، وشعرت أنه موقف وطني يجب أن يُؤازر».
طلب الغضبان أن يُسمح له بالمشاركة في تغطية الإذاعة الخارجية لموكب الرئيس عبد الناصر إبان قرار التأميم، وكان وصفه لموكب عبد الناصر لافتاً، لدرجة أشاد بها عبد الناصر نفسه، الذي طلب بنفسه أن يُسافر الغضبان لتغطية ردود أفعال الجمهور في لبنان على التأميم، وهناك قضى شهراً ونصف الشهر، والتقى الفنان السوري الذي كتب قصيدة عن التأميم، غنتها الفنانة نجاح سلام، ومطلعها «اليوم اليوم يوم النصر» وأذاعتها الإذاعة المصرية، وهم يتقدمون مسيرة تأييد للتأميم في «المصيطبة» اللبنانية.
ويقول الغضبان: «عبد الناصر كان مثقفاً جداً، أذكر أننا توجهنا مرة لمكتبه لإذاعة بيان، وهناك لفتت نظري الكتب التي يبدو أنه كان يُسجل بها هوامشه، وكذلك أسطوانات الموسيقى التي شاغبنا وقتها بألا نقترب منها».
ويعتبر الغضبان أن ثمة موقفين يؤكدان أن عبد الناصر قد راجع موقفه من الحريات قبل النكسة، الأول هو عزمه افتتاح إذاعة جديدة وهي «إذاعة الطليعة»، وكان الافتتاح مُقرراً له يوم 23 يوليو (تموز) 1967. وحال وقوع النكسة دون افتتاحها، وكانت تضم مواد تنتقد سياسة عبد الناصر بشكل صريح، وكان عبد الناصر يُبارك هذا التوجه. أما الموقف الثاني فكان تكليف الغضبان بكتابة باب الحريات في حزب جديد كان يعتزم عبد الناصر إطلاقه.

كُتاب وبرنامج
استرسال الغضبان يحمل بوح السيرة، فسألناه إذا كان «أثير العمر» هو سيرته الذاتية؟. فأجاب: «هو فعلاً كذلك، لكن الحقيقة أنني بدأت منذ فترة تدوين سيرتي في كتاب، وعندما تحدثنا عن فكرة تسجيل الحلقات، طلبت أن أجعل هذا الأمر لاحقاً على تبويب الكتاب، حتى يتبلور أمامي على الورق ما أخطط أن أتحدث عنه، ثم اتفقنا أن نبدأ الحلقات بالتزامن مع ذكرى النكسة، فوجدنا أن نبدأ الحلقات من هذا الحدث، أما في الكتاب فسأبدأ من فترة التكوين المبكرة، وعلاقتي بأبي الذي علّم نفسه بنفسه حتى صار يقرض الشعر»، مضيفاً: «أذيعت إلى الآن 7 حلقات من البرنامج، وستستمر الحلقات المقبلة على محطات بارزة أخرى منها أسباب تركي لجماعة (الإخوان)، ونهاية عملي بالإذاعة، وحتى عملي لفترة سائق تاكسي وغيرها... ويجب أن يُراجع الإنسان نفسه باستمرار، يعترف أنه كان مُخطئاً، ويُعدّل مساره».



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».