البلاستيك في العالم العربي... 20 مليون طن تلوث البيئة سنوياً

البلاستيك في العالم العربي... 20 مليون طن تلوث البيئة سنوياً
TT

البلاستيك في العالم العربي... 20 مليون طن تلوث البيئة سنوياً

البلاستيك في العالم العربي... 20 مليون طن تلوث البيئة سنوياً

كانت الصين، حتى وقت قريب، الوجهة المفضلة للتخلص من النفايات، تحت اسم «تجارة المواد القابلة للتدوير»، واستقبلت وحدها نحو 45 في المائة من نفايات العالم البلاستيكية منذ سنة 1992، إلا أن كل شيء تغيّر بعد قرار الحكومة الصينية تطبيق إجراءات تصاعدية في سياستها المعلنة لتقييد استيراد المخلفات القابلة للتدوير، وزيادة التفتيش على خلو الواردات من الشوائب والمواد الملوثة منذ مطلع سنة 2018.
دفعت هذه الخطوة الصينية، إلى جانب الدراسات المتزايدة حول انتشار التلوث البلاستيكي، لا سيما في المحيطات، دول العالم إلى مواجهة التكلفة الحقيقية لإدمان استخدامها البلاستيك، وأثرت إيجاباً على الثقافة العالمية التي تتجاهل عادة مصير النفايات المطلوب التخلص منها. وبينما تقدم أنواع كثيرة من البلاستيك خدمات مفيدة تدعم التطور الاقتصادي والاجتماعي، وتقلل من استنزاف موارد أخرى، تشكّل المنتجات التي تستخدم لمرة واحدة، مثل عبوات المياه وأكياس التسوق، معظم كمية النفايات البلاستيكية المشكو منها.
وأخذت كثير من البلدان تتبنى خيارات أفضل لإدارة النفايات، مثل توسيع قدرات المعالجة في أميركا الشمالية وأوروبا، وتحفيز المصنعين على جعل منتجاتهم أكثر قابلية لإعادة التدوير. وعلى صعيد العمل المشترك، وافقت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، خلال محادثات جرت في نيروبي خلال شهر مارس (آذار) الماضي، على الحد بشكل كبير من تداول البلاستيك ذي الاستخدام الواحد، كالأكياس والقوارير والأكواب، بحلول سنة 2030.
وفي مايو (أيار) الماضي، اتفقت 180 دولة على إجراء تعديلات ملزمة في اتفاقية بازل، تتضمن إضافة شحنات النفايات المختلطة، أو البلاستيكية غير الخطرة ولكن غير الجاهزة لإعادة التدوير، إلى قائمة المواد التي تتطلب موافقة مسبقة من المستوردين. وبذلك تم تحسين اللوائح التنظيمية الخاصة بتجارة النفايات البلاستيكية، وأصبح من الصعوبة بمكان التخلص من النفايات البلاستيكية في البلدان النامية التي لا تستطيع التعامل معها وإدارتها بشكل سليم.
وأمام الاتجاهات العالمية الجديدة، ما زال الموقف العربي ينطوي على كثير من التناقضات، فهو من جهة يشجّع على التقليل من استهلاك المواد البلاستيكية، وفق ما تظهره كثير من المبادرات على المستويات المحلية والوطنية، لكنه من جهة أخرى لا يظهر الحماس لدعم القيود العالمية، بل يتجه للاصطفاف مع الولايات المتحدة ودول أخرى ترى في هذه التحولات خطراً على صادراتها من البوليميرات.
ضعف في إدارة المخلفات البلاستيكية
تعد بعض أنواع النفايات مواد أولية يمكن استردادها بالتدوير وإعادة الاستخدام. ويقدّر حجم السوق العالمية المرتبطة بجمع المواد القابلة للتدوير واسترجاعها بنحو 400 مليار دولار، ولا يشمل ذلك الحصة الضخمة التي يعمل بها القطاع غير المنظم، مثل جامعي المخلفات في القاهرة.
ونظراً لارتفاع كلفة تدوير النفايات البلاستيكية بالتحديد، نجد أن معدل التدوير العالمي قبل تطبيق الحظر الصيني كان يقارب نحو 9 في المائة فقط، في حين كان يتم حرق 12 في المائة من هذه النفايات، بينما يتم التخلص من باقي الكمية في مكبات النفايات أو على نحو عشوائي في الأماكن المفتوحة والأنهار والمحيطات.
ولا تقتصر مشكلة البلاستيك على التخلص منه عشوائياً، إذ إن حجم الإنتاج العالمي من اللدائن يزداد سنة بعد سنة. وفيما كان وزن المنتجات البلاستيكية نحو مليوني طن في سنة 1950، ارتفع إنتاج العالم من البلاستيك إلى 381 مليون طن في سنة 2015، أي بمعدل نمو يبلغ 8.4 في المائة سنوياً. فإذا استمر الإنتاج في التصاعد وفق هذا المعدل، واستمر التخلص العشوائي من النفايات البلاستيكية كما هو قائم حالياً، فمن المتوقع أن تكون كمية البلاستيك المتراكم في مكبات النفايات وفي البيئة الطبيعية نحو 12 مليار طن بحلول سنة 2050، وهذا الوزن يزيد على وزن الهرم الأكبر في الجيزة بألفي مرة.
وفي الدول العربية، تقدر كمية النفايات المتوقع التخلص منها في سنة 2020 بنحو 200 مليون طن في السنة، تشكل فيها المواد العضوية ما نسبته 50 إلى 60 في المائة. وتتباين كمية المواد البلاستيكية في هذه النفايات، حسب معدلات الدخل وطبيعة المجتمعات، فنسبتها في مصر تتراوح بين 3 و12 في المائة من مجمل النفايات المتولدة، بينما تبلغ في السعودية ما نسبته 5 إلى 17 في المائة، وفي الجزائر ولبنان نحو 12 في المائة. فإذا افترضنا أن نسبة المواد البلاستيكية إلى مجمل النفايات التي يتم التخلص منها في العالم العربي هي في حدود 10 في المائة وسطياً، ومع إهمال ما يجري استرجاعه بالتدوير، حيث لا تزيد نسبة تدوير مجمل أنواع النفايات عربياً عن 4 في المائة، نجد أن كمية النفايات البلاستيكية التي ستجد طريقها إلى مكبات النفايات والأوساط الطبيعية في الدول العربية هي في حدود 20 مليون طن في سنة 2020 وحدها.
وتتسرب النفايات البلاستيكية إلى مجمل الأوساط الإيكولوجية، بما فيها التربة والماء والهواء، لتصل إلى جسم الإنسان في نهاية المطاف. وأظهرت دراسة قامت بها جامعة مينيسوتا في سنة 2017 أن 83 في المائة من عينات المياه المأخوذة من الصنابير في 8 مناطق حول العالم ملوثة بالألياف البلاستيكية، حيث كانت الولايات المتحدة صاحبة أعلى معدل تلوث بنسبة 94.4 في المائة، يليها في المنطقة العربية لبنان، بمعدل تلوث يصل إلى 93.8 في المائة، فيما كانت عينات مياه الدول الأوروبية هي الأقل تلوثاً.
ووفقاً لتقرير توقعات البيئة العالمية السادس (جيو 6)، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة هذه السنة، تُقدر كمية النفايات البلاستيكية التي تصل إلى المحيطات سنوياً بنحو 8 ملايين طن، وذلك نتيجة الإدارة السيئة للنفايات البلدية في المناطق الساحلية. وإذا استمرت الأمور على ما هي عليه، فمن المتوقع أن تبلغ كمية المواد البلاستيكية المتراكمة في البحار ما بين 100 و250 مليون طن في سنة 2025.
وفيما تحتل الصين المرتبة الأولى عالمياً في مساهمتها بتلويث المحيطات بالنفايات البلاستيكية، بنسبة 27.7 في المائة، تليها إندونيسيا بنسبة 10.1 في المائة، يأتي العرب مجتمعون في المرتبة الثالثة عالمياً بنسبة 8.6 في المائة. وتحتل مصر منفردة المرتبة الأولى عربياً، والسابعة عالمياً، بنسبة 3 في المائة، تليها الجزائر في المرتبة الـ13 عالمياً، بنسبة 1.6 في المائة، ثم المغرب في المرتبة الـ18 عالمياً، بنسبة 1 في المائة.

التدوير وحده ليس الحل

يظن البعض أن تدوير المخلفات البلاستيكية هو الهدف الأهم في الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، لكن هذا غير صحيح. ذلك أن الهوس بتدوير البلاستيك يشجع على استهلاك المزيد من المنتجات ذات الاستخدام الواحد، بعيداً عن تحقيق الغاية الأهم، وهي خفض استهلاك المواد البلاستيكية.
وقد خلصت دراسة قام بها باحثون من جامعتي كاليفورنيا ولوس أنجليس إلى أن الأشخاص الذين يتخلصون من القوارير البلاستيكية في حاويات إعادة التدوير لا يهتمون باستخدام هذه القوارير أكثر من مرة قبل التخلص منها، ولذلك فإن استهلاكهم من المواد البلاستيكية يبقى مرتفعاً. كما أن إغراق الأسواق بالمواد المصنعة من بلاستيك معاد تدويره يدفع سعره إلى الانخفاض، ويزيد من الطلب على المواد الخام. والتدوير يكون مجدياً فقط في حال أدى إلى خفض إنتاج البلاستيك الخام. ويذكر أن معدل استهلاك الفرد من الأكياس البلاستيكية سنوياً في بعض الدول العربية يصل إلى 40 كيلوغراماً للشخص، في مقابل المعدل العالمي الذي يبلغ 24 كيلوغراماً.
ويشهد العالم خطوات متصاعدة لمواجهة الإفراط في استهلاك المواد البلاستيكية. ووفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بعنوان «الحدود القانونية للمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد والميكروبلاستيك»، كانت 127 دولة قد فرضت إطاراً تنظيمياً يخص الأكياس البلاستيكية، وذلك قبل شهر يونيو (حزيران) 2018. ومن بين هذه الدول، حظرت 27 دولة استهلاك أو إنتاج نوع أو أكثر من المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وسيزداد عدد الدول مع دخول الحظر الأوروبي على بعض هذه المنتجات حيز التنفيذ بحلول سنة 2021.
وفي العالم العربي، بدأت بعض الدول بفرض حظر على تصنيع وتداول واستيراد الأكياس البلاستيكية، مع تفاوت في التطبيق. وقد تكون التجربة المغربية الأشمل والأنجح في هذا المجال، حيث يتم فرض الحظر بشكل كامل تقريباً، مع توفير بدائل من أكياس مصنوعة من مواد ورقية. وفي مصر انفردت محافظة البحر الأحمر بتطبيق حظر محلي على الأكياس والمنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. أما في العراق، فاقتصر الحظر على استيراد الأغذية المغلفة بمواد بلاستيكية معاد تدويرها. وفي لبنان، توجد بعض المبادرات المحلية لحظر استهلاك الأكياس البلاستيكية، كما في جبيل وبيت مري. أما في سوريا وقطر وعُمان والصومال، فتوجد بعض القيود على استخدام المواد البلاستيكية التي تكون على تماس مباشر مع الأغذية، من دون وجود حظر تام. وتعد البحرين آخر الدول العربية التي فرضت حظراً على الأكياس البلاستيكية حتى الآن، وكان ذلك في شهر يونيو (تموز) الماضي.
هذه المبادرات العربية لتقييد إنتاج وتداول واستهلاك المواد البلاستيكية لا تزال أقل من المطلوب، بالمقارنة مع عشرات ملايين أطنان النفايات البلاستيكية التي يتم التخلص منها عشوائياً كل سنة. ولعل السياسة التي اتبعتها الصين في إطار خطة أطلقت عليها اسم «السيف الوطني» للحد من التلوث وتشجيع التدوير تكون حافزاً لتطبيق «سيف عربي» يضع حداً لهذه المشكلة.


مقالات ذات صلة

200 ألف وفاة جراء القيظ بأوروبا في 4 سنوات... كيف تحمي نفسك من حر الصيف؟

صحتك امرأتان تستخدمان المراوح لمحاربة الحرارة الحارقة خلال موجة الحر في إشبيلية إسبانيا 13 يونيو 2022 (أ.ف.ب)

200 ألف وفاة جراء القيظ بأوروبا في 4 سنوات... كيف تحمي نفسك من حر الصيف؟

حذّرت منظمة الصحة العالمية من تزايد خطر موجات الحر، ودعت إلى إجراءات وقائية تشمل الترطيب والتبريد، وحماية الفئات الأكثر عرضة، لتفادي الوفيات المرتبطة بالحرارة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
يوميات الشرق تلوث الهواء يعد من أبرز التحديات البيئية والصحية عالمياً (جامعة يوتا)

الهواء الملوث يؤثر سلباً على التعافي بعد العمليات

حذَّرت دراسة أميركية من أنَّ التعرُّض لمستويات مرتفعة من تلوث الهواء يرتبط بزيادة ملحوظة في مخاطر حدوث مضاعفات بعد العمليات الجراحية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك «المواد الكيميائية الأبدية» شائعة الاستخدام منذ اكتشافها فقد دخلت في تصنيع عدد كبير من المنتجات (بيكسلز)

دراسة: «المواد الكيميائية الدائمة» ترتبط بسرطان الدم لدى الأطفال

أصبحت مجموعة المواد الكيميائية القائمة على الفلور، والمعروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية»، شائعة الاستخدام منذ اكتشافها في منتصف القرن العشرين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الأطفال الذين يتعرضون لمستويات عالية من تلوث الهواء في الحمل يستغرقون وقتاً أطول لتعلم الكلام (رويترز)

التعرض لتلوث الهواء أثناء الحمل يبطئ مهارات تعلم الكلام عند الرضع

تشير دراسة حديثة إلى أن الأطفال الذين يتعرضون لمستويات عالية من تلوث الهواء في المراحل المبكرة من الحمل يستغرقون وقتاً أطول لتعلم الكلام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

خاص الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

بعد سنوات من النزاع المُسلح الذي خلّف دماراً كبيراً بالسودان، لم يتأثر به سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم، بل امتد التأثير إلى البيئة بشكل مخيف.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)
TT

علماء يكتشفون سر مصيدة نبتة «فينوس» التي تفترس الحشرات

حشرة (بلوس وان)
حشرة (بلوس وان)

ما أتعس الحشرة التي تختار الوقوف على نبتة «فينوس» صائدة الحشرات؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى وليمة شهية تتغذى عليها النبتة لأيام!

فعندما يدفعها حظها العاثر لملامسة تراكيب شبيهة بالشعيرات على جسم هذا النبات العجيب، سرعان ما يطبق عليها بأوراق تشبه الفك المفترس، ثم يفرز أنزيمات تساعده على الهضم.

وتمكن العلماء الآن من كشف الآلية الفيزيائية الكامنة وراء إطباق النبات أوراقه على الحشرات.

وقال باحثون إن التجارب أظهرت أن انغلاق مصيدة نبتة «فينوس» يبدأ بتليين سريع يحدث في جدران الخلايا في الطبقة الخارجية للمصيدة، وهي عبارة عن ورقة متحورة بدرجة كبيرة وممتدة في شكل فصين يشبهان فكين تبرز منهما أسنان.

وعلى مدى أكثر من قرن، كانت الفرضية السائدة تفيد بأن انغلاق المصيدة يحدث بفعل إعادة توزيع سريعة للماء داخل الورقة؛ إذ ينتقل الماء بين الخلايا مسبباً انتفاخاً في أحد جانبَي الورقة. لكن البحث الجديد يشير إلى آلية بيولوجية مختلفة.

وقال الفيزيائي يوئيل فورتير، من المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس) وجامعة إيكس مارسيليا، وهو المؤلف الرئيسي للدراسة التي نُشرت الخميس في مجلة «ساينس»: «أحد أشهر النباتات في العالم لا يزال قادراً على إدهاشنا. فبعد أكثر من قرن من البحث، ما زلنا نكتشف أشياء جديدة جوهرية حول طريقة عمله». وينمو هذا النبات الصغير المفترس في منطقة محدودة من ولايتَي نورث كارولاينا وساوث كارولاينا في الولايات المتحدة. وكغيره من النباتات المفترسة التي تتغذى على اللحوم، ينمو النبات في بيئات فقيرة محرومة من العناصر الغذائية، ويعوض ذلك باصطياد الحشرات وهضمها.

وفي تجارب أُجريت في مرسيليا، استخدم الباحثون أدوات من بينها تقنية التصوير عالي السرعة وتطبيق القياسات الميكانيكية للطبقة الخارجية للنبات. كما أجروا قياسات لانتقال الماء داخل أنسجة النبات من أجل استبعاد كونه سبباً مؤثراً في عملية انغلاق المصيدة.

وقال فورتير: «تستخدم النبتة شعيرات حساسة متخصصة على السطح الداخلي للمصيدة. عندما تلمس الحشرة هذه الشعيرات مرتين خلال فترة زمنية قصيرة، تحدث عملية الانغلاق. ويمكن أن يحدث الانغلاق في غضون بضعة أجزاء من الثانية».

وأضاف: «تفترض نظريتنا أن المصيدة تكون مشدودة ميكانيكياً مسبقاً، تماماً مثل الملف المعدني (الزنبرك). وعند تحفيز المصيدة، تلين جدران خلايا الطبقة الخارجية بسرعة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة تقريباً، مما يعني أن جدار الخلية يصبح أكثر مرونة. من شأن ذلك أن يحرر الضغوط الداخلية المخزنة في الأنسجة، مما يؤدي إلى انحناء المصيدة وحدوث الانغلاق. ويحدث هذا التليين في غضون ثانية واحدة تقريباً».

وبمجرد أن تنغلق المصيدة، تُحتجز الحشرة في الداخل لتبدأ عملية هضمها. وبعد أن تمتص النبتة السائل الغني بالعناصر الغذائية الناتج عن عملية الهضم، يُعاد فتح المصيدة من جديد.


علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

علماء يفتشون في ذاكرة نهر الفرات بالمسوح الزلزالية ويتعرفون على أصوله القديمة

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

كانت مياه الفرات تغذي أوروك، أول مدينة كبرى في العالم ومهد اللغة المكتوبة، وكذلك بابل، أعظم مدن بلاد ما بين النهرين القديمة.

وكان السهل الخصب الواقع بين الفرات وجاره ورفيقه في رحلة أبدية، نهر دجلة، مهداً لواحدة من أعرق الحضارات البشرية.

وبالرجوع إلى الزمن السحيق، لأبعد بكثير من عصر هذه المراكز الحضرية العظيمة التي نشأت قبل آلاف السنين، تمكن باحثون من فك الشفرة ومعرفة السر وراء تشكل نهر الفرات لأول مرة.

واستناداً إلى صور زلزالية لرواسب مدفونة وبيانات أخرى، قالوا إن نهر الفرات ظهر إلى الوجود على ما يبدو منذ ما بين 3.6 مليون و1.6 مليون سنة عندما اندمج نظامان نهريان سابقان بسبب النشاط التكتوني في جبال طوروس بجنوب تركيا حالياً. ونهر الفرات هو أطول نهر في جنوب غربي آسيا ويمتد لنحو 2800 كيلومتر، إذ ينبع من تركيا، ويتدفق عبر سوريا والعراق قبل أن يصب في الخليج. وتشمل المدن الحالية على ضفاف نهر الفرات بيرجيك في تركيا والرقة في سوريا والرمادي والفلوجة والناصرية في العراق. ومن بين المدن القديمة على نهر الفرات أيضاً أور وماري.

غروب الشمس فوق نهر الفرات في الرقة شرقي سوريا، 30 أكتوبر 2013. (رويترز)

ورغم أن نهر الفرات شكل المنطقة جيولوجيا لمدة طويلة، فإن توقيت تشكله وتطور مساره الحالي ظل غامضاً. وقال الباحثون إن فك شفرة تاريخ النهر شيء ملهم لفهم المعالم البارزة في الثقافة البشرية في مجالات الزراعة والكتابة والتنمية الحضرية وغيرها من المجالات التي شهدتها سهوله الفيضية.

صياد يلقي شباكه في نهر الفرات بالفلوجة غربي بغداد، 2 مايو 2008. (رويترز)

واكتشف علماء جيولوجيا باستخدام بيانات المسوح الزلزالية تحت سطح الأرض، خلال محاولتهم تحديد احتياطيات الغاز المحتملة تحت البحر المتوسط، ملامح لتضاريس مدفونة تشبه القنوات، وتعود إلى أكثر من 5 ملايين عام مضت عندما جفت أجزاء كبيرة من البحر، وهو حدث يعرف باسم «أزمة الملوحة الميسينية». وخلصوا إلى أن نهرين منفصلين، وهما سلفا نهري قره صو ومراد الموجودين حالياً في تركيا، كانا يتدفقان عبر منطقة تمتد بين تركيا وسوريا، ويصبان في حوض البحر المتوسط.

قارب صيد على ضفاف أحد فروع نهر الفرات في ضواحي الحلة وسط العراق (أ.ف.ب)

ويعتقد العلماء أن النشاط التكتوني في هذه المنطقة المعرضة للزلازل تسبب في تحويل مسار سلف نهر مراد نحو الخليج، بينما انضم إليه لاحقاً سلف نهر قره صو، وقالوا إن هذا شكّل نظاماً نهرياً واحداً قوياً وهو نهر الفرات.

وكانت إحدى الأدوات الرئيسية التي استخدمها العلماء هي التصوير الزلزالي، وهي تقنية تنشئ خرائط مفصلة ثنائية وثلاثية الأبعاد لباطن الأرض من خلال تسجيل كيفية انتقال الموجات الصوتية عبر طبقات الصخور الجوفية وارتدادها عنها. ومن خلال هذا التصوير الزلزالي، تمكنوا من اكتشاف ملامح قنوات نهرية قديمة تختفي تحت قاع البحر.

وقال سيمون لانج الجيولوجي بجامعة وسترن أستراليا الذي ساعد في الدراسة المنشورة بدورية «نيتشر جيوساينس» برفقة الجيولوجي آندرو مادوف من شيفرون: «هذه التقنية تعادل استخدام الموجات فوق الصوتية لتصوير التفاصيل الدقيقة لجنين في طور النمو، أو لركبة مصابة بالتهاب في المفاصل، لكن في هذه الحالة نستخدمها لتصوير (عناصر) الحصى والرمال والطين والحجر الجيري والملح المدفونة التي تعرضت للضغط، وتحولت إلى صخور».

سكان يسيرون وسط أراضٍ زراعية غمرتها مياه نهر الفرات قرب دير الزور السورية، 29 مايو 2026. (أسوشيتد برس)

وتوصل العلماء، من خلال صنع نماذج للمعالم الجوفية، إلى أن هذين النهرين القديمين كانا يتمتعان بمعدلات تدفق تفوق معدلات تدفق أنهار النيل ودجلة والفرات في العصر الحديث.

وبالرجوع إلى الوراء، تتبع العلماء مسار النهرين القديمين إلى الأراضي التركية. ومن خلال فحص البيانات الجيولوجية من الرواسب في الوديان ورواسب الفحم التي ارتفعت الآن لتشكل جبال طوروس، توصلوا إلى أن نهري قره صو ومراد الحاليين كانا على الأرجح المصدرين الأصليين لتلك القنوات المدفونة.

وقال لانج: «لكن بطريقة ما انقطعا عن وديانهما الغربية السفلية، واندمجا معاً لتشكيل ما يُعْرف اليوم بنهر الفرات. وتلك الطريقة هي، بالطبع، النشاط التكتوني عبر شرق الأناضول».

وأضاف: «اليوم، تتحد مياه نهري الفرات ودجلة بالقرب من البصرة لتشكل دلتا ضخمة عند مصب الخليج. وغمرت هذه المياه مساحة كبيرة من سهل بلاد ما بين النهرين الذي تطورت فيه الزراعة المبكرة، بما في ذلك المدن المستقلة القديمة، وتطورت الكتابة المسمارية التي كانت حيوية للغاية لتطور البشرية في المراحل المبكرة».

ويمكن أن يتغير مجرى حتى أقوى الأنهار بفعل أحداث جيولوجية قوية. وقال لانج: «كان أكبر نهر على كوكب الأرض، نهر الأمازون، يتدفق غرباً نحو كولومبيا وبيرو حالياً باتجاه ساحل دلتا المحيط الهادي القديم قبل ظهور جبال الأنديز. ومع ارتفاع جبال الأنديز بفعل ارتفاعات ضخمة في القشرة الأرضية، انعكس اتجاه جميع الروافد السابقة على مدى ملايين السنين، والآن يتدفق نهر الأمازون إلى المحيط الأطلسي».


دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
TT

دراسة تقلب المفاهيم: الغذاء الملكي وحده لا يصنع ملكة النحل... تحتاج إلى «قصر»

مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)
مستعمرة النحل تبني نوعاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية (بكسلز)

لطالما اعتقد العلماء، على مدى عقود، أن مصير يرقة نحل العسل في أن تصبح ملكة بدلاً من عاملة يتحدد حصراً من خلال تغذيتها على الغذاء الملكي الغني بالعناصر الغذائية، إلا أن دراسة جديدة تُعدّ اختراقاً علمياً تشير إلى أن البيئة الفيزيائية والكيميائية للغرفة التي تنمو فيها اليرقة تؤدي دوراً حاسماً أيضاً في تشكيل الملكة المستقبلية.

«القصر الملكي» لا يقل أهمية عن الغذاء الملكي

أظهرت الدراسة (نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلها موقع «إندي 100») أن الخلية الشمعية الخاصة التي تبنيها العاملات لتربية ملكة جديدة ليست مجرد وعاء سلبي، بل تؤدي وظيفة أساسية في عملية النمو.

وقال كاي وانغ، الباحث في معهد أبحاث تربية النحل التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية أحد قادة الدراسة: «الغذاء الملكي لا يعني شيئاً من دون قصر ملكي».

ويتكوَّن عش نحل العسل عادة من خلايا شمعية سداسية الشكل تفرزها العاملات وتُستخدم لتخزين الغذاء أو تربية الصغار. لكن المستعمرة تبني أيضاً نوعاً ثالثاً مميزاً من الحجرات مخصصاً للملكات المستقبلية. وتُعرف هذه الحجرات لدى مربي النحل بأنها مؤشر على الاستعداد للتطريد أو استبدال الملكة، وتُشبِه في شكلها قشرة الفول السوداني، وتتدلى إلى الأسفل من قرص العسل.

حاضنة ذكية مصممة بعناية

وأوضح وانغ أن هذه الحجرات المتخصصة تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة.

وكشفت الدراسة، التي ركزت على نحل العسل الغربي، أن الشمع المستخدَم في بناء الخلايا الملكية يتمتع بخصائص فريدة؛ فهو أكثر ليونة، ويذوب عند درجة حرارة أعلى، كما يطلق «عطراً» كيميائياً مختلفاً.

ويرى الباحثون أن الجدران الأكثر ليونة توفر مساحة كافية لتمدد اليرقة أثناء نموها، في حين قد تعمل الروائح الخاصة بوصفها محفزات هرمونية مهمة.

وأظهرت النتائج أنه حتى عندما تتغذى اليرقات على الغذاء الملكي، فإن تعرضها لشمع الخلايا العادية الخاصة بالعاملات يؤدي إلى تراجع جودة تطورها كملكات وارتفاع معدلات النفوق بشكل ملحوظ.

ويشير ذلك إلى أن «رائحة وملمس» الشمع الملكي عنصران أساسيان لبقاء اليرقة وتحولها إلى ملكة.

الحجرات المتخصصة لملكات النحل تمثل «حاضنة ذكية» عالية الهندسة (بكسلز)

العاملات يتحولن إلى «أفران حية»

كما أظهرت الدراسة أن العاملات المكلفة بناء الخلايا الملكية تخضع لتغيرات لافتة أثناء أداء هذه المهمة؛ فقد تبين أن درجة حرارة منطقة الصدر لديها ترتفع بشكل غير معتاد، كما تتغير أنماط نشاط بعض الجينات لديها.

وقال وانغ: «لصياغة هذا الشمع الخاص الذي يتمتع بدرجة انصهار مرتفعة، يتعين على هذه العاملات الفتيَّة أن تحوّل أجسامها إلى أفران حية صغيرة؛ إذ ترتفع حرارة صدورها إلى أكثر من 39 درجة مئوية، كما لو أنها تعاني من الحمى».

وأوضح أن هذه النحلات لا تنتمي إلى فئة متخصصة دائمة، بل هي «عاملات عادية ومرنة» تتولى دوراً مؤقتاً وطارئاً.

وخلال هذه الفترة تتغير أنماط التعبير الجيني لديها لمساعدتها على معالجة الشمع، ما يجعلها «متعددة المهام بامتياز»، إذ تبني الخلايا الملكية، وفي الوقت نفسه تواصل مهامها اليومية، مثل توزيع الغذاء وتفقد الخلايا الأخرى.

تحدٍّ لمعتقد علمي راسخ

وأعرب وانغ عن دهشته من أن الفرضية الراسخة التي سادت طويلاً، القائلة إن الغذاء الملكي وحده هو المسؤول عن تحديد مصير الملكة، تبيّن أنها غير مكتملة.

ورغم أن الدراسة لم تحدد بعد العامل الدقيق المسؤول داخل الشمع، فإن الخطوة التالية تتمثل في اكتشاف «المفتاح الجزيئي» الذي يطلق عملية التحول.

وقال وانغ: «نريد معرفة أي رائحة كيميائية أو أي إحساس فيزيائي هو الذي يخبر الحمض النووي ليرقة الملكة: أنتِ الملكة».

آثار تمتد إلى ما وراء النحل

ويرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد لا تقتصر على نحل العسل فقط، بل ربما تنطبق أيضاً على حشرات اجتماعية أخرى؛ حيث قد تؤدي الهياكل التي تبنيها، مثل أعشاش النمل الأبيض أو الدبابير، وظائف تتجاوز مجرد توفير المأوى لتؤثر في تطور المستعمرة نفسها.

أهمية كبيرة لمربي النحل والزراعة

ومن الناحية العملية، قد تساعد هذه النتائج مربي النحل على إنتاج ملكات أكثر صحة وكفاءة، وفقاً لبوريس باير، أستاذ صحة الملقحات في جامعة كاليفورنيا - ريفرسايد، أحد قادة الدراسة.

وتُعد الملكات السليمة عنصراً أساسياً للحفاظ على مستعمرات قوية، وهي بدورها ضرورية لتلقيح أكثر من 80 محصولاً زراعياً رئيسياً.

وأشار باير إلى أن الفهم الأعمق للآليات الطبيعية التي تنتج من خلالها المستعمرات ملكات عالية الجودة قد يسهم في دعم تجمعات نحل أكثر قدرة على الصمود؛ خصوصاً في ظل الخسائر الكبيرة التي يبلغ عنها مربو النحل حول العالم.

«المنزل المثالي» يغيّر المصير

وفي ختام الدراسة، رأى وانغ أن هذه الاكتشافات تؤكد أن مستعمرة النحل تمثل «كائناً فائقاً» يعمل فيه الأفراد بصورة جماعية لتحويل يرقة عادية إلى أمهم المستقبلية.

وقال: «التغذية الجيدة مهمة، لكن العيش في المنزل المثالي هو ما يغيّر المصير حقاً».