سنوات السينما: «القلوب المحترقة»

سنوات السينما: «القلوب المحترقة»

الجمعة - 29 ذو الحجة 1440 هـ - 30 أغسطس 2019 مـ رقم العدد [ 14885]
هشام بهلول في «القلوب المحترقة»
«القلوب المحترقة»
ذكريات ألم ورسالة غفران
• إخراج: أحمد المعنوني
• المغرب (2007)
• تقييم: (ممتاز)
في مطلع هذا الفيلم الجريء عبارة إهداء تقول: «إلى أمي التي لم أعرفها». يليها لقطات لبلدة مكتظة ولشاب اسمه، كما سيعلمنا الفيلم لاحقاً، أمين (هشام بهلول) وهو يركب الدراجة في بعض شوارعها. مئذنة. مقبرة. رجل يصلي فوق هضبة ثم تعليق لرجل آخر سنتعرف عليه أكثر في المشاهد التالية وهو يشرح بصوته من هو ذلك الشاب ومن أين أتى.
قبل كل شيء «قلوب محترقة» هو فيلم العودة بالنسبة للمخرج أحمد المعنوني من بعد نحو عشرين سنة على تحقيقه فيلمين وثائقيين ترحاليين هما «حال» و«الأيام... الأيام»، يحتوي أيضاً على ألوان من الموسيقى التي أحب والتي تتنوّع فنّا وأسلوباً وعزفاً من موقع مغربي إلى آخر ومن عنصر شعبي إلى ثان.
لكن «قلوب محترقة» ليس فيلماً موسيقياً. هذه المرّة ما يريد المخرج طرحه هو دراما عن الذاكرة السوداء المتعَبة والرغبة في الخلاص منها. الرغبة التي تنتهي إلى إدراك أن الطريقة الوحيدة لحياة من دون ألم هو المغفرة. عودة بطله الشاب أمين لزيارة عمّه العجوز في المستشفى منهكة قبل أن تبدأ لأنه بصدد لم شتات ماضيه بما فيها آلامه من ذكريات الشقاء التي عاشها تحت جناح ذلك العم.
يدلف الفيلم من هنا في رحلة الذاكرة. هذا هو أمين صبياً فقد والده وآل إلى عمّه الذي يعامله بقسوة وعنف. ينتقل أمين ومعه الفيلم بين ماضيه طفلاً وحاضره رجلاً، وبين هذا وذاك منطقة زمنية متوسّطة هي شبابه وحكايات عاطفية بينه وبين الفتاة التي أحب، وبين صديق له والمرأة التي تكبره سنّاً وظالتي وجدته سبباً لسعادتها. لكن ليس من أهداف الفيلم سرد حكاية متسلسلة الأحداث، بل سرد لأحداث متّصلة ترد كالذكريات عادة يربطها أمين وما زال يعايشه من آلام حملها طوال تلك السنين ولا يزال.
هذا الوجع يبقى معه إلى النهاية حين يأتي إلى رحاب مسجد في مشهد هو الوحيد من مشهدين بالألوان (إذ صوّر المخرج معظم فيلمه بالأبيض والأسود وهي جرأة مشهودة من ناحية ونهج ملائم للموضوع من ناحية أخرى) ويجلس قريباً من شيخ يقرأ. هناك يسمع منه ما يهديه إلى ضرورة أن يغفر ويسامح كطريق وحيد لنسيان الأمس ومرارته. ها هو أمين الآن يولد من جديد. يتلمس طريقاً لم يجربه من قبل وهو أن يغفر لعمّه كل ما تسببه له من أذى وألم وأن يبتسم لذلك ويرتاح من عناء حمل متاعبه طوال تلك السنين مرة واحدة وإلى الأبد.
كل ذلك هو الجانب الدرامي من الفيلم، لكن المعنوني مرر هذه القصّة في رواق من الموسيقى والغناء القديمين. لم ينتظر مناسبة، بل جعل المناسبة تفرض نفسها في مواطن يريد لها أن تثير انتشاء في أوصال بطله كما في أوصالنا. المعنوني صنع فيلماً مستوحى من ماضيه لنفسه ولنا معاً والكثير من ماضيه هو عشق الأذن والعين للغناء والرقص وهو يصنع منها مشاهد تنبع من ألفة المخرج وشغفه لتلتف حول فيلمه كما الورق على جذع الشجرة. ‫ما يجعل فيلم المعنوني جيّداً ليس الموضوع وطرحه فقط، بل ذلك النسيج الحسّـاس من ذكريات (وآلام) المخرج نفسه. وفي الوقت الذي لا ينوي فيه المخرج تقديم فيلم بيوغرافي كامل، يكتفي باستعارة من الذات ومن أحداث وشخصيات مضت في أمس المخرج ذاته. ‬
لم يشهد الفيلم نجاحاً إعلامياً كالذي حصده يوسف شاهين ومحمد ملص عندما سردا ذكرياتهما في أفلامهما، إلا أنه نال تهنئة مشهودة من المخرج مارتن سكورسيزي الذي كان أعجب أيما العجب بفيلم معنوني السابق «الأيام… الأيام».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة