الدراجات النارية مصدر جديد للرعب في شوارع دمشق

مطالبات بمكافحة هذه الظاهرة و{ضبط الأمن»

شابان يقومان بحركات بهلوانية على دراجة في دمشق (الشرق الأوسط)
شابان يقومان بحركات بهلوانية على دراجة في دمشق (الشرق الأوسط)
TT

الدراجات النارية مصدر جديد للرعب في شوارع دمشق

شابان يقومان بحركات بهلوانية على دراجة في دمشق (الشرق الأوسط)
شابان يقومان بحركات بهلوانية على دراجة في دمشق (الشرق الأوسط)

بسرعة لافتة مع مؤشرات رعب على وجوههم، لجأ مارة إلى جانبي طريق في أحد أحياء شرق دمشق، عندما سمعوا صوتاً مخيفاً لدراجة نارية آتية من بدايته بأسلوب جنوني.
التصرف السابق من المارة لم يحُلْ دون اصطدام الدراجة التي كان يقودها شابان لم يكملا العقد الثاني من العمر، بعدد من الأشخاص رغم وقوفهم أمام واجهة محل لبيع الألبان على جانب الطريق، بينهم رجل مسنّ في العقد السادس من العمر، ما أدى إلى سقوط معظمهم على الأرض وإصابتهم برضوض كثيرة في الأطراف، خصوصاً الرجل المسنّ الذي كان الأقرب إلى الدراجة.
الحادث أثار سجالاً كبيراً بين من سقطوا على الأرض وبعض المارة من جهة؛ والشابين اللذين كانا يقودان الدراجة من جهة ثانية، ولم يقتنعا بأن قيادة الدراجة بسرعة كبيرة وعدم الانتباه للمارة في الطريق هما السبب في حصول الحادثة، وحمّلا المارة المسؤولية وانهالا على الرجل المسنّ بالضرب حتى سالت الدماء من أنفه وفمه ورأسه.
كثير من مسلحي «القوات الرديفة» الموالية للحكومة المنتشرين في الطريق لـ«الحفاظ على الأمن»، ورغم حصول الحادثة أمامهم، اقتصر تدخلهم على تخليص الرجل المسنّ من الشابين، ومن ثم صرفهما من دون اتخاذ أي إجراءات عقابية بحقهما.
الرجل المسنّ ومن تضرروا من الحادثة وكثير من المارة وبعد انفضاض الجمهرة شتموا سراً الشابين ومن يقودون الدرجات النارية بتهور، بينما ارتفعت أصوات تطالب الجهات المسؤولة بوضع حد لمثل هذه التصرفات التي تدل على «الفلتنة والزعرنة وقلة الأدب والأخلاق والاستهتار بحياة الناس»، حسب قول أحدهم.
الحادثة السابقة واحدة من عشرات الحوادث التي باتت تحصل بشكل يومي في شوارع دمشق، بعد ازدياد عدد الدراجات النارية في الشوارع خلال سنوات الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من 8 سنوات، إلى عشرات أضعاف ما كان عليه في الفترة السابقة.
ازدياد حيازة الدرجات النارية في سنوات الحرب الأولى ظهر في أوساط المنتمين للمجموعات المسلحة الموالية للحكومة، ولكن في السنوات الثلاث الأخيرة تعدى الأمر ذلك ليشمل الشباب اليافعين والمراهقين وحتى الأطفال، وقيادتها في الطرقات بسرعات كبيرة ورعونة، إضافة إلى قيامهم بحركات بهلوانية، تخيف المارة من أشخاص وسيارات وتتسبب في كثير من الحوادث يكون البعض منها مميتاً للسائق أو الأشخاص الأخرين، بينما تنتج عن بعضها عاهات دائمة للمتضررين منها.
«أبو محمد» يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه على الدوام يحذر أفراد عائلته من السير على طرف الطريق بمحاذاة الرصيف ويطلب منهم السير على الرصيف وفي المنطقة الأقرب إلى المحال التجارية منه، نظراً لكثرة الدرجات النارية في الطرقات والسرعات الجنونية التي يتم قيادتها بها. ويقول: «غالباً ما يخرجون معي، ولكن قد تحكم الظروف ويخرجون وحدهم إلى السوق، الأقارب أو الأصدقاء، وبالتالي في ظل الوضع الحالي ووجود هؤلاء المتهورين، المطلوب توخي كثير من الحذر؛ فحياة الإنسان لديهم رخيصة للغاية، وفي كل يوم نسمع بحوادث دهس دراجات نارية لأشخاص، أو تصادم مع سيارات، إضافة إلى انقلاب كثير من الدراجات على الطرقات بسبب السرعات الكبيرة».
ولا توجد إحصاءات رسمية لعدد الدراجات النارية الموجودة حالياً في سوريا، لكن بحسب تقارير؛ فإن عددها قبل الحرب يفوق المليون دراجة، بينما تحدثت وزارة الداخلية التابعة للحكومة منتصف 2018، عن أنه منذ بداية ذلك العام وحتى تاريخ الإعلان تم حجز 3 آلاف و167 دراجة نارية غير نظامية في دمشق، نظمت الضبوط اللازمة بحق سائقيها.
«حدّث ولا حرج» عبارة رد بها موظف في قسم الإسعاف بأحد المشافي، لدى سؤاله عن عدد الحوادث التي تتسبب فيها الدراجات النارية وتصل إلى المشفى في اليوم، ويؤكد أن هذه الحوادث في السنتين الأخيرتين تضاعف عددها عشرات المرات عمّا كان عليه في الأعوام السابقة.
الطالب الجامعي وسيم يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أنه في ظل أزمة وسائل النقل العامة وارتفاع أجورها، لجأ كثير من المواطنين إلى شراء درجات نارية للذهاب إلى أماكن عملهم وإيصال أفراد عائلاتهم إلى مناطق يرغبون في الذهاب إليها، و«هؤلاء يقودون دراجاتهم بطريقة لبقة ولا مشكلة معهم. المشكلة تكمن في الزعران الذين يقتنون الدرجات للتباهي ويقودونها بطرق غير سليمة؛ وبالتالي يعرضون الناس وأنفسهم للموت والعاهات».
«أم جلال»، موظفة في أحد البنوك الخاصة وتمتلك سيارة تقودها بنفسها للذهاب إلى مكان عملها، تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «تصرفات وقحة للغاية» يقوم بها كثير من المراهقين الذين يقودون درجات نارية كأن «يقف أحدهم لفترة زمنية طويلة بدراجته في منتصف طريق ضيقة ليتبادل الحديث مع شاب آخر يقود أيضاً دراجة نارية وبالتالي يقطعان الطريق ويصبح خلفهما في الاتجاهين طابور من السير ينتظر انتهاء حديثهما، وما من أحد من سائقي السيارات يجرؤ على الطلب منهما فتح الطريق، لأن المسدسات الموضوعة على خصريهما تشير إلى أنهما منتميان إلى القوات الموالية للحكومة».
أيضا تلفت «أم جلال» إلى أن معظم «الزعران» الذين يقودون درجات نارية يضعون لها أضواء «مبهرة للغاية» ويتقصدون تسليطها على أعين سائقي السيارات في الليل مما يؤدي إلى انعدام الرؤية لديهم، وبالتالي التسبب بوقوع الحوادث؛ «عدا أصوات تلك الدرجات المزعجة للأهالي، خصوصاً بعد تعمد أصحابها فك المصفاة المركبة في الاشطمان؛ الأمر الذي يجعل صوتها أكثر ازعاجاً».
وبسبب حالة الفلتان الأمني والفوضى التي تفاقمت في مناطق سيطرة الحكومة منذ اندلاع الحرب في البلاد، باتت الدراجات النارية وسيلة لسرقة السيدات، حيث كثيراً ما يقوم شبان يقودون دراجات نارية في طرق تكون حركة المارة فيها ضعيفة بخطف حقائب السيدات المارات في الطريق.
ورغم مطالبات كثير من النشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي، السلطات بـ«مكافحة ظاهرة انتشار الدراجات النارية المخالفة» (التي لا تحمل لوحات مسجلة في إدارة المرور) وتردد كثير من الأنباء عن حملات لمصادرة تلك الدراجات، فإن المشهد في الطرقات؛ سواء في شوارع العاصمة الرئيسية أو الفرعية أو شوارع الأحياء، لا يدل على أن هناك حملات لمكافحة هذه الظاهرة.
وتتنوع ماركات الدراجات الجديدة المنتشرة في الأسواق الدمشقية التي تستوردها مجموعة من الوكلاء المعتمدين، بينما توقف استيراد ماركات يابانية، إضافة إلى وجود ماركات تدخل إلى البلاد عن طريق التهريب. ويتراوح سعر الدراجة الجديدة حالياً، بين ألف و4 آلاف دولار أميركي، بينما يبدأ سعر المستعملة من 300 دولار، ويزداد حسب حالة الدراجة، علما بأن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار يساوي أكثر من 610 ليرات حالياً بعد أن كان قبل الحرب نحو 50 ليرة.
وبسبب ارتفاع أثمان الدراجات النارية، باتت هدفاً للسرقة في مناطق سيطرة الحكومة، حيث تسجل يومياً عشرات حالات السرقة لها في أحياء العاصمة.



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.