سطوة المال... وستيفن هوكِنغ

سطوة المال... وستيفن هوكِنغ
TT

سطوة المال... وستيفن هوكِنغ

سطوة المال... وستيفن هوكِنغ

ليس هناك من يجادل في أن ستيفن هوكنغ، الفيزيائي الراحل، واحدٌ من ألمع علماء عصرنا. فقد حصل الرجل على معظم الجوائز التي تحصلها أعاظم الفيزيائيين قبله، وكانت جائزة نوبل قريبة منه لولا أن أعراف الجائزة تقضي بمنحها لمن يمكن التثبت من مقارباته الفيزيائية النظرية بالقياسات العملية المؤكدة، ولن ننسى كون الرجل وريث العبقري الإنجليزي «إسحق نيوتن»، عندما شغل مرتبة الأستاذية التي كان نيوتن يشغلها في جامعة كامبردج قبل نحو ثلاثة قرون ونصف القرن. هذه كلها حقائق معروفة مقطوع بصحتها؛ لكني أود في هذه المقالة تناول خصيصة محدّدة في شخصية هوكنغ، وهي كونه مؤلفاً للكتب واسماً ذائع الصيت شغل دور النشر والقرّاء في شتى أرجاء العالم.
لم يكن ستيفن هوكنغ اسماً معروفاً في الأوساط الشعبية على مستوى العالم قبل نشر كتابه ذائع الصيت «موجز تاريخ الزمان» عام 1987 (تولّت دار المأمون العراقية نشر الترجمة العربية الأولى للكتاب مطلع تسعينات القرن الماضي، ثمّ تتالت الترجمات العربية بعد ذلك)، ولم يكن ذلك الكتاب أوّل كتاب يؤلّفه هوكنغ، فقد كانت له مؤلفات أخرى ذات طابع أكاديمي متشدد ولغة رياضياتية صارمة. وأذكر هنا كتابه الأول الذي نشره عام 1973 بعنوان «بنية الزمكان على المقياس الكبير»، بالتعاون مع الفيزيائي «جورج إيليس»، وتولّت جامعة كامبردج طبعه وتوزيعه. إنّ ما يميّز كتاب «موجز تاريخ الزمان» كونه الكتاب الأوّل الذي كتبه هوكنغ لعامّة القرّاء، طبقاً لتوجيهات صارمة وخطوط إرشادية لدار النشر التي تولّت نشر الكتاب. وقد أفرد هوكنغ في كتاب منشور له عام 2013 بعنوان «موجز تاريخ حياتي» فصلاً كاملاً أراه من بين أوضح ما كُتِب بشأن التفاصيل الدقيقة التي تحكم علاقة الكاتب بالناشر، والتي غالباً ما تخفى على عامّة الناس. نقرأ في مقدّمة ذلك الفصل العبارات التالية:
راودتني للمرة الأولى فكرة كتابة كتاب علمي لعامة الناس حول الكون عام 1982. كانت نيّتي من وراء كتابة ذلك الكتاب - جزئياً - هي الحصول على ما يكفي من المال اللازم لتسديد نفقات دراسة ابنتي (الحقيقة أنّ الكتاب نُشِر بعد أن بلغت ابنتي سنتها الدراسية الأخيرة!!)؛ لكنّ الدافع الأكبر لكتابة كتابي ذاك هو رغبتي الجامحة في جعل الناس يدركون كم بلغنا في فهمنا للكون، وكم نحن قريبون من بلوغ نظرية قادرة على وصف الكون وكلّ شيء فيه.
كنت أفكّر آنذاك أنني إذا ما عزمت على بذل ما يكفي من الوقت والجهد في كتابة كتاب، فينبغي له أن يبلغ أكبر عد ممكن من القراء. جرت العادة أن تُنشر كتبي التقنية السابقة من قبل مطبعة جامعة كامبردج المرموقة، التي نشرتها بعد بذل جهود طيبة محمودة؛ غير أنّ شعوري السائد بشأن كتابي المتوقع هو أن جامعة كامبردج لا تملك مزاج النشر لكتابٍ من النوع الذي أسعى لوصوله إلى عامة الناس. لذا اتصلتُ بوكيل أدبي يدعى آل زوكرمان (Al Zuckerman)، كنت قد تعرّفتُ عليه سابقاً بوصفه صهر زميلٍ لي، وسلّمته مسوّدة الفصل الأول من كتابي، وأخبرته بأنني أريد للكتاب أن يكون من نمط الكُتُب التي كثيراً ما نشهدها تُباع في أكشاك بيع الكتب المنتشرة في المطارات. أخبرني زوكرمان لاحقاً بأنه ليس ثمة فرصة للكتاب في أن يحقق ما أصبو إليه، فهو قد يحقق مبيعات جيدة بين أوساط الأكاديميين والطلّاب، ولكنه لن يرقى بأي حال من الأحوال إلى تخوم مملكة «جيفري آرتشر».
ثم يتابع هوكنغ بعد هذا المقطع الافتتاحي تفاصيل رحلته في عالم النشر المخصّص لعامّة القرّاء، وهي تفاصيل رائعة أرى من المهمّ أن يطّلع عليها كلّ من يعتزم الكتابة في حقل ما أصبح يسمّى «الثقافة الثالثة» التي تسعى لتجاوز كلّ من الثقافتين الكلاسيكيتين الأدبية والعلمية نحو ثقافة جديدة تسائلُ أصول الأشياء: أصل الكون، والوعي، والحياة. لم يكن باستطاعة هوكنغ أن يغفل عن ملاحظة زوكرمان، فأعاد النظر في المسودة الأولى قصاً وتشذيباً وإعادة كتابة، وراحت المسودات تتنقل بين هوكنغ والمحرر لمرات كثيرة حتى استقر الكتاب على شكله النهائي الذي راقَ للناشر.
حقّق كتاب «موجز تاريخ الزمان» نجاحاً مدوياً مستحقاً لهوكنغ؛ والحقّ أنّ هذا الكتاب هو أحد أفضل الكتب التي تناولت تاريخ الكون ومستقبله، ولستُ في حاجة للقول إنّ هذا الكتاب جعل من هوكنغ مليونيراً، يكاد مرتبه الجامعي يبدو شيئاً تافهاً، بالمقارنة مع الملايين الكثيرة التي هبطت عليه من ريع كتابه هذا.
كتب هوكنغ بعد نشر كتابه «موجز تاريخ الزمان» عدداً آخر من الكتب، تفصل بينها فترات قصيرة نسبياً. وبالعودة إلى خاتمة الفصل الأخير من كتاب «موجز تاريخ حياتي» سابق الذكر، نقرأ العبارات التالية:
منذ نشر كتاب «موجز تاريخ الزمان»، نشرتُ عدداً من الكتب الأخرى بقصد توضيح بعض التفاصيل العلمية لأوسع عدد ممكن من الناس. ومن بين هذه الكتب: الثقوب السوداء والأكوان الوليدة، والكون في قشرة جوز، والتصميم العظيم. وأرى أنّ من الأمور عظيمة الأهمية أن يمتلك الناس فهماً أساسياً للعلم، لكي يحوزوا القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات جوهرية في عالمنا الذي بات معتمداً أكثر من ذي قبل على الإنجازات العلمية والتقنية، ولا ينبغي هنا نسيان الإشارة إلى أنني وبمعية ابنتي لوسي كتبنا سلسلة من الكتب تحت عنوان رئيسي يجمعها هو «جورج»؛ وهي كتب مؤسسة على حكايات صيغت في قالب مغامرات علمية الطابع موجّهة للأطفال الذين هم شباب الغد.
ثمة قناعة سائدة عند العلماء والمتخصّصين بالنشر أنّ كتاب «موجز تاريخ الزمان» كان العمل الأفخم الذي كتبه هوكنغ، وأنّ كتبه اللاحقة جاءت نسخاً مكتوبة على عجالة، وفيها كثير من الإسهاب وإعادة الأفكار والدوران حول صياغات محدّدة، وبما يوحي للقارئ الحصيف وكأنّ هوكنغ صار شخصية مطواعة لا تعمل لغير ترضية متطلبات الناشرين، وكسب المال منهم. وأنا هنا أشير لحقيقة حصلت، ولا أريد اعتبار الأمر مثلبة ارتكبها هوكنغ.
يخبرنا واقع الحال السائد أنّ كثيراً من الذين يحققون مبيعات ضخمة لأحد كتبهم (سواء أكانوا روائيين أو علماء أو كُتّاباً في شتى المناشط المعرفية) غالباً ما تنشأ بينهم وبين دور النشر علاقة عُرْفية غير مكتوبة، مفادُها: واصل الكتابة بأي شكل من الأشكال لكي تستثمر اسمك وتربح المال! وحتى لو افترضنا وجود شيء من الطهرانية التي تترفّع على إغراء تحصيل المال بعد أن انفتحت مغارة «افتح يا سمسم» أمام هؤلاء، فلربما سيصبحون مدفوعين بضغوط شديدة لا يستطيعون ردّها من قبل عوائلهم (الزوجة أو الزوج أو الأولاد) من أجل تحصيل القدر الأكبر من الأموال المتاحة. إنّ أمثولة هؤلاء في الحياة هي أن الدنيا شطارة، واغتنام الفرص المتاحة حق مكتسب، حتى لو جاء بغير جهد أو اجتهاد.
حَضَرَتْ كلّ تلك التساؤلات أمامي بعد أن أكملتُ قراءة الكتاب الأخير الذي نُشِر باسم هوكنغ عقب وفاته، وهو بعنوان «إجابات موجزة عن أسئلة كبيرة»، ورحتُ أتساءل: هل يضيف هذا الكتاب شيئاً مؤثراً للقارئ المتطلب الشغوف بالقراءات العلمية الجادة؟ لو استعرضنا الكتاب بقراءة مسحية سريعة، لرأينا أنه يتناول طائفة ما يسمّى «الأسئلة الكبرى»، أي الأسئلة التي تتناول أصول الأشياء، وقد أسهب هوكنغ في الحديث عنها في مقالات وحوارات سابقة له، فعلامَ إذن استعجل أبناؤه في تجميع هذه المقالات ونشرها في كتاب؟ هل أرادوا استغلال اسم أبيهم وحلب آخر قطرة من المال يمكن أن يجود بها؟ وهل ستنفع الأكسسوارات التي أضافها الناشر (كتابة مقدّمتين للكتاب: واحدة لفيزيائي ذائع الشهرة، والأخرى للممثل البريطاني الذي أدى دور هوكنغ في فلم «نظرية كل شيء») في إثراء المادة التي يحتويها؟
هذه بعض مظاهر سطوة المال في عالم كنّا نظنّ فيه أنّ أبناء هوكنغ (ومن خلفهم دور نشر بالطبع) ستكرّم ذكرى هوكنغ بطريقة أرفع من استغلال اسمه لحلب أموال إضافية لهم.
نحن نقدّر هوكنغ، ونرى فيه ممثلاً عظيماً للروح الإنسانية الخلاقة في أعظم تجلياتها؛ ولكنّ عالم المال له حساباته المتغوّلة التي تأبى أن تنكفئ حتى أمام ذكرى عبقري مقعد قضى معظم حياته وهو مُقيّد إلى كرسي بعجلتين!
- كاتبة وروائية ومترجمة
عراقية تقيم في الأردن



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً