الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - أجنحة داخل «فتح» شعرت بأنها أقوى من النظام الأردني وبدأت تفكر في إسقاطه

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
TT

الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر تنقل أرملته السيدة نوزاد الساطي تفاصيل عن بدايات الصراع بين الأردن والفصائل الفلسطينية التي كانت قد بدأت في تعزيز وجودها ونفوذها في عمان ومدن أردنية أخرى، فيما أصبح معروفاً بـ«أيلول الأسود». وتروي المذكرات التي تصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان معلومات غير معروفة سابقاً عن التحضيرات والاستعدادات التي كانت تجري في صفوف قيادات الجيش الأردني، التي كان زيد بن شاكر من أبرزها. كما تروي ظروف القرار الصعب الذي اتخذه الملك حسين بإقالة زيد والشريف ناصر بن جميل (خال الملك حسين) من الجيش تجاوباً مع مطلب للجبهة الشعبية مقابل إطلاق مجموعة من الرهائن كانت تحتجزهم في فندقين في عمان.

على الرغم من الإنجاز الذي تحقق في معركة الكرامة، فإن أجواء البلد «الملبدة» بالترهيب الفكري والسياسي لم تكن تسمح لنا بالشعور بفرحة النصر والاحتفال به، حتى معركة الكرامة سجلت في الإعلام العربي بوصفها إنجازاً عسكرياً للفدائيين، وانتصاراً لهم على إسرائيل، وذلك على الرغم من الدور الأساسي والفاصل للجيش العربي في الانتصار، في مقابل حقيقة أن مشاركة الفدائيين في المعركة كانت محدودة؛ كونها كانت معركة دروع أساساً وليس مشاة.
كان الجيش يوفر الغطاء المدفعي للفدائيين، ويساعدهم ويعطيهم حرية الحركة والتسلح والتجنيد والعمل، ولم يتردد حينها الحسين في شرعنة هذا العمل والوجود بشعاره المعروف «أنا الفدائي الأول» كما عرض عليهم وصفي التل - كما يذكر صلاح خلف (أبو إياد) ـ أن يتعاون الجيش والفدائيون لتدشين حرب العصابات في مواجهة إسرائيل، وهو المشروع الوطني الذي كان يتبناه وصفي.
إلا أن حركة «فتح» والفصائل المتحالفة معها رفضت هذا العرض، بدعوى عدم رغبتها في أن يرتهن العمل الفلسطيني إلى نظام رسمي عربي، مشددة على مزاعم الاستقلالية الفلسطينية.
في تلك الفترة نفسها؛ بين خريف 1968 وشتاء 1969، بدأت الفصائل الفلسطينية الأخرى بالظهور والصعود، وكان أبرزها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» (التي ولدت من رحم حركة القوميين العرب ‪‪(بقيادة جورج حبش ومعه وديع حداد. ثم انشقت عنها لاحقاً «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» بقيادة نايف حواتمة. كما كانت هناك منظمة النضال الشعبي لبهجت أبو غربية.
المشكلة تعاظمت عندما بدأت ردود الفعل الإسرائيلية تدفع بالفدائيين وقياداتهم إلى الخروج من القواعد والتخلي عنها، والتوجه نحو المدن، حيث تخلوا بالنتيجة عن دورهم الفدائي الحقيقي لصالح التحول إلى أعضاء ميليشيات تمثل سلطة موازية لسلطة الدولة.
أساء القادة الفلسطينيون، حينها، تقدير وضع النظام وردود فعل الحسين على هذا التوسع الكبير في النشاط والتمدد في المدن، وفسّروه بأنه ضعف من الحسين وعجز عن المواجهة بعد خسارة الضفة الغربية. ومن ثم، أساءوا كل الوقت الذي منحه لهم الحسين لكي لا تصل الأمور إلى حدود المواجهة.

انتقال المعسكرات إلى المدن
‪لقد كان انتقال «المعسكرات» إلى المدن أولى محطات الاحتكاك الحقيقية التي تنذر بما هو أسوأ، في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1968، كان هناك تطور غير طبيعي وغير عادي في عمان؛ إذ اختطفت مجموعة «ألوية النصر» بقيادة طاهر دبلان ضابطاً من الحرس الملكي؛ ما أثار غضب الحسين. فطلب قادة «فتح» وأنذرهم بشدة إن لم يتم الإفراج عن الضابط وتسليم المسؤولين للقضاء. وفي الوقت نفسه، كما عرفت لاحقاً، فإن تلك الجماعة نفسها هاجمت مخفراً للجيش في الهاشمي الجنوبي، وتولى اللواء الذي يقوده زيد إحباط العملية بتدخل عسكري.
تدخلت القوات التي يقودها زيد في الكثير من المواقع في عمان لحفظ الهدوء والاستقرار، بعدما حدثت مواجهات بين قوات الأمن وعناصر تابعة للمنظمات الفلسطينية التي كانت تتحدى أي قرار يصدر عن الحكومة وترفض تطبيقه، وتعتبر نفسها سلطة مسلحة موازية لسلطة الدولة.
في تفاصيل وتطورات يسردها الكتاب عن مواجهات ومحاولات لزعزعة الأمن، فقد انتهت مواجهات خلال إحدى المسيرات بذكرى «وعد بلفور» بتفاهمات عقدت بين الحسين والحكومة من جهة، وقادة منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى، وعرفت باتفاق 19 نوفمبر 1969، فيها تأكيد على منع حمل السلاح وعدم ارتداء الملابس العسكرية من قبل أفراد الفصائل والميليشيات في شوارع المدن، ومنع تفتيشهم للسيارات المدنية والعسكرية، كما كان يحدث سابقاً.

شروط الصدام وإرهاصاته
إن الشروط الموضوعية والعوامل الواقعية كانت تدفع باتجاه المواجهة بين الدولة والميليشيات منذ أحداث نوفمبر 1968، لسببين جوهريين؛ الأول: فقد كانت هناك شكوك عميقة من كل طرف بنوايا الآخر، وبصورة خاصة من قبل الفصائل المسلحة. فبالنسبة إليها الحسين متآمر، متحالف مع الغرب، وسماحه للعمل الفدائي ليس إيماناً منه بضرورة استعادة الضفة الغربية، بل لأسباب أخرى شخصية؛ إما تحسين وضعه التفاوضي مع إسرائيل، أو لضغوط عربية عليه، أو لعجز منه عن الحسم العسكري، فلم يكن زواجاً بالتراضي بين الحسين والفصائل المسلحة، بل بالإكراه، مليئاً بالشكوك وسوء التقدير وانعدام الثقة بين الجانبين.
أما السبب الآخر: فيتمثل بأن منظمة التحرير والفصائل الأخرى - كانت ترى نفسها ممثلاً ليس للفلسطينيين في الضفة الغربية، بل الجميع، بمن فيهم الأردنيون من أصول فلسطينية في‪ الأردن؛ لذلك تعامل معهم وكأنه هو الذي يمثلهم في مواجهة الدولة، وهو السلطة الفعلية في تلك المناطق، فانتقلت تلك الفصائل من القواعد في الأغوار، التي يفترض أنها تمثل المقر الوحيد لهم في إطار حرب الاستنزاف، ودخلوا في مشروع مختلف تماماً عبر التواجد والتجنيد والتدريب في المدن الرئيسية، فأصبحت المعركة الحقيقية وساحة الصراع الواقعي في المدن الأردنية؛ والخصم رقم واحد هو النظام الأردني قبل إسرائيل، وهي الوقائع الجديدة التي جرت بدورها تحولاً لاحقاً في شعارات الميليشيات؛ عبر التأكيد أن الأولوية هي تحرير العواصم العربية من الأنظمة الرجعية، مثل عمان، قبل تحرير القدس والمدن الفلسطينية!.
كانت هناك 3 سيناريوهات رئيسية نجمت عن الصراع على السلطة ‪ وقيام دولة في مواجهة الدولة أو في داخل الدولة. السيناريو الأول، هو أن يقبل الحسين بتسليم السلطة للمنظمات الفلسطينية، ويتخلى عن الدولة. ولم يكن ذلك ليؤدي إلى الاستقرار، بل إلى حرب أهلية داخلية بالطبع؛ إلا أن هذه المنظمات لا ترى نفسها ممثلاً للأردنيين، ولا أحزاباً سياسية أردنية، بل قوى عسكرية تمثل الفلسطينيين والأردنيين من أصل فلسطيني‪‪.
أما السيناريو الثاني، فهو القبول بازدواجية السلطة وانفصامها، ما يمكن أن يستمر لفترة من الوقت، وقد حدث ذلك، لكنه ليس خياراً ممكناً على المدى البعيد. والثالث، يتمثل بالحسم العسكري والسياسي منذ البداية. وهو الخيار الذي أخّره الحسين رغبة في تجنب سفك الدماء، ورغبة في الوقوف في وجه الدعاية العربية الإعلامية التي تريد أن تصوره بوصفه دمية بيد الأميركيين والغربيين.
السؤال التالي يتمثل بأسباب الاستقواء على الأردن في تلك المرحلة، على الرغم من أن الحسين، باعترافهم، سمح بإقامة قواعد، وترك لهم المجال للقيام بعمليات فدائية، ووفر لهم الجيش الغطاء العسكر المدفعي في كثير من الأحيان، بينما مُنعوا من القيام بالأمر نفسه على الحدود السورية - الإسرائيلية، بأمر واضح ومباشر من السلطات هناك، كما تؤكد مذكرات قياداتهم.

دولة الميليشيات في الأردن
انتهت أحداث الرابع من نوفمبر باتفاق بين الحسين وقيادة منظمة التحرير، كما ذكرنا سابقاً. في عام 1969، ومع نمو «الجبهة الشعبية» وذيوع صيتها، والتنافس بينها وبين «الجبهة الديمقراطية»، بدأت تظهر شعارات جديدة وأفكار تعكس انحراف البوصلة لدى هذه الفصائل. وحدث خلط بين هدف تحرير الأراضي المحتلة وبين الآيديولوجية اليسارية التي تتبناها تلك المنظمات وتقوم على الصراع الطبقي والثورة الداخلية؛ فبدأت تلك المنظمات ترفع شعارات من قبيل: كل السلطة للمقاومة؛ والسلطة الرجعية هي الحليف الموضوعي للاستعمار؛ وتحرير القدس يبدأ من تحرير العواصم العربية، وفي مقدمتها عمان.
ولم تعد تلك اللغة غريبة حتى على أجنحة داخل حركة «فتح» التي شعرت في مرحلة من المراحل بأنها أقوى من النظام، وبدأت تراودها فكرة إسقاط الحكم الهاشمي. ويعترف أبو داود بأنه لم يكن ضد هذه الفكرة، وكان حينها قائد ميليشيات «فتح» العسكرية في الأردن‪.
تزامن صعود الشعارات الراديكالية ضد النظام وتوازى مع تمدد الميليشيات على أرض الواقع، لتتكرس حالة ازدواجية السلطة بصورة كاملة. وأصبحنا، في واقع الحال، على «مفترق طرق»؛ فإما أن تكون هناك ‪ دولة تحاول استعادة سلطة الدستور والقانون والسيادة على الأرض، أو أن تترك الحبل على الغارب لحالة الفوضى الداخلية، وصولاً إلى فشل الدولة أو «الدولة الفاشلة». لذلك؛ لما تفاقم الأمر ووصل إلى مرحلة كبيرة من الفوضى والتمرد على الدولة ومحاولات فرض كل فصيل لقانونه وسلطته الخاصة، واستخدام السلاح بصورة عشوائية، أراد الحسين أن يضبط الأمور مرة أخرى في 10 فبراير (شباط) 1970، فحضر جلسة مجلس الوزراء برئاسة بهجت التلهوني حينها، وصدرت قرارات مهمة باتجاه استعادة القانون والأمن والتخلص من حالة الفوضى الكبيرة.
اعتبرت تلك الفصائل أن قرارات 10 فبراير بمثابة نقض لاتفاق نوفمبر 1968 بين الحكومة الأردنية وقيادات «فتح»، وأعلنت حالة الاستنفار القصوى من قبلها، وأعطى أبو داود التعليمات لمقاتليه بالرد على أي محاولة من قبل الجيش لانتزاع سلاحهم أو السيطرة على مواقعهم، وجرى وضع حراس على أبواب مخيمات اللاجئين لمنع الجيش من دخولها. أي أن الميليشيات تصرفت بالفعل كما لو أنها السلطة السياسية والقوة العسكرية التي تواجه الدولة والنظام، وأنها المسؤولة، عن الأردنيين من أصل فلسطين.


(1) زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة


الشرارة التي أشعلت المواجهات بين الجيش والميليشيات، بدأت في جبل التاج عندما أراد الجيش أن يزيل موقعاً لإحداها هناك مطلاً على القصور الملكية ويهددها أمنياً وعسكرياً. إذ رفض المسلحون إخلاءه فحدثت مواجهات بين الطرفين أدت إلى إصابات متعددة. لكن الهدوء عاد في صباح اليوم التالي مع بروز محاولات للتهدئة، قبل أن تشتعل مرة أخرى عندما حاولت مجموعات الاعتداء على مركز أمن البادية بالقرب من «الوحدات»، وقصفه بالمولوتوف، في حين كانت قوات البادية ترد على تلك الاعتداءات؛ ما أدى إلى شهداء ومصابين من تلك القوات والمدنيين. وفي مساء يوم 21 فبراير تم تعليق القرارات الحكومية التي اتخذت قبل يومين، بعد اجتماعات بين الحكومة والفصائل‪...
لكن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الميليشيات كانت تتمثل في استفزاز العسكريين، من ضباط وجنود، خلال عودتهم إلى منازلهم أو وهم في سياراتهم؛ وتعمد إهانتهم وتفتيشهم، وفي أحيان اعتقالهم، الأمر الذي تراكم مع مرور الوقت وخلق حالة احتقان شديدة لدى القوات المسلحة.
وهنا، أيضاً، لا تعوزنا اعترافات من قبل قيادات تلك الميليشيات بما قدمت أيديها حينها من إساءة واستفزاز للعسكريين وعائلاتهم وشرفهم العسكري، (....).

المطالبة بعزل زيد
كان كل شيء مؤذناً بالانفجار، فالوضع يغلي؛ أفراد الميليشيات ينتشون وينتشرون ويتوسعون في العدد والتسليح والسلطة، والجيش لم يعد قادراً على الاحتمال، في حين الحسين يعمل على ضبط إيقاعه سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، يساعده في الجيش القادة والضباط الكبار، ومنهم زيد.
الشرارة الجديدة جاءت في السابع من يونيو (حزيران) 1970، عندما حاولت مجموعة من «الجبهة الديمقراطية» ابتزاز المال من جندي أردني بقوة السلاح، وفق رواية أبي داود؛ فتحول الحادث لاحقاً إلى مواجهات عنيفة بين الجيش وعناصر أخرى في صفوف الميليشيات، وتم اعتقال 24 عنصراً من الأخيرة، وامتدت المواجهات إلى الزرقاء وعمان ومناطق مختلفة ‪‪)في مساء اليوم نفسه، اختطفت «الجبهة الشعبية» السكرتير الأول في السفارة الأميركية، موريس درايبر، وأعلنت عن شروط إطلاق سراحه، منها إطلاق المعتقلين الـ24، وعزل الشريفين ناصر (بن جميل خال الملك حسين) وزيد من الجيش، ومجموعة أخرى من الشروط.
وقد انضمت «الجبهة الديمقراطية» إلى ‪‪«الجبهة الشعبية» في مطالبها، ما هو أخطر وقع بعد يومين (أي في التاسع من يونيو عندما تعرض موكب الحسين لهجوم من قبل أفراد ميليشيا في صويلح ‪‪(بالقرب من منزله في الحمر نجا منه واستشهد جندي وأصيب آخرون. وبعد ساعات قليلة، كانت مجموعة تابعة للجبهة الشعبية تقتحم فندق الإنتركونتيننتال، فتحتجز عدداً من الصحافيين والضيوف الأجانب، ثم بعد ذلك بساعات تقوم مجموعة أخرى باقتحام فندق فيلادلفيا، حيث ‪تحتجز عددا آخر‪‪.)أخذ الوضع يتجه نحو الأسوأ، بينما الاشتباكات تدور عنيفة في عمان بين الميليشيات والجيش العربي، وبصورة خاصة اللواء المدرع الذي يقوده زيد)؛ إذ تحرك باتجاه الوحدات وجبل الحسين ومناطق أخرى لحماية عمان ولمواجهة مصادر النيران والمسلحين، وتأمين قوات‪.الجيش الأخرى.
في حين هاجمت ميليشيات عدداً من المقرات الرسمية، مثل دائرة المخابرات العامة والبريد المركزي، وتم احتلال وزارة الداخلية لبضع ساعات، وأطلقت صواريخ على محطات الكهرباء والمياه. مع المساء، كانت عمان أشبه بساحة حرب حقيقية، وغرقت مع قدوم الليل في الظلام الذي كان يضاء في فترات متقطعة بنيران الأسلحة الرشاشة والمواجهات الواقعة بين الجيش والميليشيات ‪‪في الأثناء، كانت المفاوضات منعقدة بين الحسين والحكومة من جهة وقادة منظمة التحرير من جهة أخرى برئاسة عرفات. ثم لحقت اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية، أو القيادة العليا، بشروط كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، بربط وقف إطلاق النار بعزل‪ الشريف ناصر وزيد وبالإفراج عن معتقلي الميليشيات (....).

إعفاء زيد والفرصة الأخيرة
في صباح يوم الأربعاء 10 يونيو 1970، كانت المواجهات مشتعلة، وأفراد الميليشيات يتحصنون في الأحياء وفوق المنازل ووسط الأهالي، حتى إن الصحف ووكالات الأنباء كانت تتحدث عن سيطرة الميليشيات على 80 في المائة من أحياء عمان، بالإضافة إلى احتلال فندقين واحتجاز رهائن وصحافيين فيهما؛ أي أن الأمور كانت تسير في العاصمة نحو الأسوأ. وقد استمرت الاجتماعات بين الحكومة بحضور رئيسها بهجت التلهوني، وممثلي الميليشيات الذين تصلبوا في موقفهم - التي أعلنها جورج حبش في مؤتمر صحافي - المطالب بعزل الشريف ناصر وزيد، وسحب الجيش من المدينة، من أجل إطلاق سراح الرهائن والمعتقلين لدى ‪.الفصائل ووقف إطلاق النار
في الأثناء، بثت إذاعة «صوت العاصفة»، الناطقة باسم «فتح» من القاهرة، بياناً دعت فيه الحسين صراحة إلى الاختيار ما بين سقوط نظام حكمه، أو عزل المستشارين المقربين منه، والمقصود هنا الشريفان ناصر وزيد، بالتأكيد ‪ الأغرب من هذا التعالي في الخطاب مع رأس السلطة في البلاد، هو موقف تيار عريض من النخبة السياسية، كما ذكرنا سابقاً، كان أفراده ينافقون المنظمات.
على الرغم من ذلك، شعر الحسين بأن إنقاذ حياة الرهائن والمعتقلين هو أولوية له، فإذا ما تم قتلهم على يد «الجبهة الشعبية»، فإن ذلك سيعزز من الدعاوى الدولية والإقليمية بأن الأردن تحول إلى دولة فاشلة بصورة كاملة.
لتلك الاعتبارات كافة، قبل الحسين شروط التنظيمات المسلحة فقطعت الإذاعة الأردنية أخبارها فجأة بعد منتصف ليلة الخميس (11 يونيو)، وبثت رسالة صوتية مؤثرة من الحسين إلى الشعب الأردني، أعلن فيها عزل زيد وناصر. لكنه دافع عنهما بشراسة وشجاعة في ثنايا الخطاب (....).
في الخطاب أعلن الحسين توليه شخصياً قيادة القوات المسلحة مباشرة. وأسندت قيادة السلاح المدرع الملكي بالوكالة إلى العقيد كاسب صفوق، قائد قواتنا في معركة الكرامة، وشدد الحسين على أنها الفرصة الأخيرة التي لا فرصة بعدها.
لقد أطلق فعلا سراح الرهائن المحتجزين في الفندقين عقب قرار الحسين. وكنت أتمنى أن يلتقط الطرف الآخر كلمته الواضحة المهمة في ثنايا الخطاب، عندما وصف ما قام به بأنه «الفرصة الأخيرة».
في الحقيقة، انتقل زيد للمرة الأولى في حياته بعد هذا القرار من حيز العمل العسكري التنفيذي أو الميداني، إلى مهمة عسكرية مرتبطة بالقرارات السياسية. إذ عمل خلال تلك الفترة المحدودة من ابتعاده عن القيادة العامة إلى جوار الحسين ووصفي التل وعدد من السياسيين والعسكريين والأمنيين الموثوقين في الظل إدارة الأزمة القائمة والتعامل معها، أي في «المطبخ السياسي ‪ المصغر ‪‪وعلى الرغم من أن قرار عزل زيد كان شكلياً، فإن الجيش لم يتقبل ذلك، وزادت حالة التململ في القوات المسلحة، والشعور بالغبن. وكان زيد يضطر إلى شرح أبعاد القرار بنفسه للجيش وللمتصلين الغاضبين؛ خشية أن يساء تفسير الأمر.
‪ في تلك الفترة، تم إطلاق النار على مضر بدران (وكان أمين عام الديوان الملكي وقتها) وأصيب في يده من قبل الميليشيات. كما اختطف الضابط أحمد عبيدات (الذي أصبح لاحقاً مديراً للمخابرات العامة ورئيساً للوزراء.) وهكذا الحال مع عشرات الجنود والضباط الذين إن وقعوا بأيدي الميليشيات يكون مصيرهم إما الاختطاف أو القتل أو التعذيب أو الإهانة، لا لشيء إلا لأنهم أفراد في الجيش العربي. ‪
يتحدث زيد نفسه عن حالة الغليان تلك في القوات المسلحة: «خلال الشهرين أو الثلاثة التي سبقت قرار التدخل في عمان والمدن الأخرى، كان هناك تذمر شديد في القوات المسلحة، وكدنا أن نفقد الانضباطية. أكثر من كتيبة كانت تتحرك من دون أوامر لتتجه إلى عمان لتتخذ إجراء ضد الفدائيين في عمان.
وكرسالة أخرى أكثر وضوحاً وإمعاناً في حسن النوايا من قبل الحسين تجاه المنظمات المسلحة، فإنه وافق على استقالة حكومة بهجت التلهوني، وأوعز إلى عبد المنعم الرفاعي (في 27 يونيو 1970)، الذي تعتبره الميليشيات صديقاً ومتعاطفاً معها، بتشكيل الحكومة الجديدة، التي نصف عدد وزرائها من أصول فلسطينية، واعتبرت قيادات المنظمة 6 من هؤلاء الوزراء من حلفائها وأصدقائها ‪‪.قبل ذلك بيوم واحد، كانت الحكومة تلغي قانون التجنيد الإلزامي، ويقبل الحسين طلب اللواء الشريف ناصر، رئيس هيئة الأركان، بإحالته على التقاعد.



الإرياني لـ«الشرق الأوسط»: مَن يروّج لعودة الإرهاب هم داعموه

TT

الإرياني لـ«الشرق الأوسط»: مَن يروّج لعودة الإرهاب هم داعموه

وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني معمر الإرياني (سبأ)
وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني معمر الإرياني (سبأ)

أكد وزير الإعلام والثقافة والسياحة اليمني معمر الإرياني أن قوات مكافحة الإرهاب اليمنية المدربة تدريباً عالياً في السعودية جاهزة للقيام بدورها في حماية اليمن وكل المحافظات اليمنية.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من مطار الريان بالمكلا (شرق البلاد) أن «هناك من يحاول أن يروج لعودة الإرهاب... وهم من كانوا يدعمون الإرهاب ويستخدمونه في السابق».

وأضاف: «لكن نطمئنكم، لدينا قوات مكافحة الإرهاب المدربة تدريباً عالياً في السعودية ستقوم بدورها في حماية اليمن وحضرموت وكل المحافظات».

تلقت قوات مكافحة الإرهاب اليمنية تدريباً عالياً في السعودية (الشرق الأوسط)

وثمّن الوزير الجهود السعودية في تدريب قوات مكافحة الإرهاب وتجهيزها، وقال إن «مكافحة الإرهاب يجب أن تتم حصراً عبر مؤسسات الدولة الشرعية وضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح؛ إذ إن أي جهود تنفذ خارج هذا الإطار لا تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد، وتوسيع دائرة الانتهاكات، وتقويض فرص الاستقرار».

وتابع: «ما نشهده اليوم من اختلالات أمنية هو نتيجة مباشرة لتجاوز مؤسسات الدولة والعمل خارج سلطتها، وتؤكد الدولة التزامها الراسخ بمكافحة الإرهاب بالتعاون والتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، وبالشراكة مع المجتمع الدولي، وبما يضمن احترام القانون وحماية المدنيين وتعزيز الأمن والاستقرار».

أكد الوزير الإرياني أن من يروّج لعودة الإرهاب هم داعموه (الشرق الأوسط)

وعبّر وزير الإعلام عن التزام الحكومة اليمنية بـ«حماية الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية باعتبارها مسؤولية وطنية وإقليمية ودولية، وذلك من خلال التعاون الفاعل مع تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، والشركاء الدوليين، بما يسهم في صون الأمن البحري، وحماية المصالح المشتركة».

وأضاف: «ستواصل الدولة بالتعاون مع تحالف دعم الشرعية جهودها الحازمة لمكافحة الإرهاب، وتهريب الأسلحة إلى ميليشيا الحوثي الإرهابية، وتجفيف مصادر تسليحها؛ لما يشكله ذلك من تهديد مباشر للأمن الوطني والإقليمي والدولي».

قوات مكافحة الإرهاب اليمنية في جهوزية عالية بمطار الريان بالمكلا (الشرق الأوسط)

وشدد الإرياني على أن «استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان أولوية وطنية لا تتحمل التأجيل»، مشيراً إلى أن «الدولة ستعمل بالتعاون مع التحالف بقيادة السعودية على استكمال مشروع التحرير واستعادة مؤسسات الدولة سلماً متى ما كان ذلك ممكناً، وبالقوة حين تفرض الضرورة ذلك، حفاظاً على سيادة اليمن وأمنه واستقراره».


العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.