الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - أجنحة داخل «فتح» شعرت بأنها أقوى من النظام الأردني وبدأت تفكر في إسقاطه

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
TT

الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر تنقل أرملته السيدة نوزاد الساطي تفاصيل عن بدايات الصراع بين الأردن والفصائل الفلسطينية التي كانت قد بدأت في تعزيز وجودها ونفوذها في عمان ومدن أردنية أخرى، فيما أصبح معروفاً بـ«أيلول الأسود». وتروي المذكرات التي تصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان معلومات غير معروفة سابقاً عن التحضيرات والاستعدادات التي كانت تجري في صفوف قيادات الجيش الأردني، التي كان زيد بن شاكر من أبرزها. كما تروي ظروف القرار الصعب الذي اتخذه الملك حسين بإقالة زيد والشريف ناصر بن جميل (خال الملك حسين) من الجيش تجاوباً مع مطلب للجبهة الشعبية مقابل إطلاق مجموعة من الرهائن كانت تحتجزهم في فندقين في عمان.

على الرغم من الإنجاز الذي تحقق في معركة الكرامة، فإن أجواء البلد «الملبدة» بالترهيب الفكري والسياسي لم تكن تسمح لنا بالشعور بفرحة النصر والاحتفال به، حتى معركة الكرامة سجلت في الإعلام العربي بوصفها إنجازاً عسكرياً للفدائيين، وانتصاراً لهم على إسرائيل، وذلك على الرغم من الدور الأساسي والفاصل للجيش العربي في الانتصار، في مقابل حقيقة أن مشاركة الفدائيين في المعركة كانت محدودة؛ كونها كانت معركة دروع أساساً وليس مشاة.
كان الجيش يوفر الغطاء المدفعي للفدائيين، ويساعدهم ويعطيهم حرية الحركة والتسلح والتجنيد والعمل، ولم يتردد حينها الحسين في شرعنة هذا العمل والوجود بشعاره المعروف «أنا الفدائي الأول» كما عرض عليهم وصفي التل - كما يذكر صلاح خلف (أبو إياد) ـ أن يتعاون الجيش والفدائيون لتدشين حرب العصابات في مواجهة إسرائيل، وهو المشروع الوطني الذي كان يتبناه وصفي.
إلا أن حركة «فتح» والفصائل المتحالفة معها رفضت هذا العرض، بدعوى عدم رغبتها في أن يرتهن العمل الفلسطيني إلى نظام رسمي عربي، مشددة على مزاعم الاستقلالية الفلسطينية.
في تلك الفترة نفسها؛ بين خريف 1968 وشتاء 1969، بدأت الفصائل الفلسطينية الأخرى بالظهور والصعود، وكان أبرزها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» (التي ولدت من رحم حركة القوميين العرب ‪‪(بقيادة جورج حبش ومعه وديع حداد. ثم انشقت عنها لاحقاً «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» بقيادة نايف حواتمة. كما كانت هناك منظمة النضال الشعبي لبهجت أبو غربية.
المشكلة تعاظمت عندما بدأت ردود الفعل الإسرائيلية تدفع بالفدائيين وقياداتهم إلى الخروج من القواعد والتخلي عنها، والتوجه نحو المدن، حيث تخلوا بالنتيجة عن دورهم الفدائي الحقيقي لصالح التحول إلى أعضاء ميليشيات تمثل سلطة موازية لسلطة الدولة.
أساء القادة الفلسطينيون، حينها، تقدير وضع النظام وردود فعل الحسين على هذا التوسع الكبير في النشاط والتمدد في المدن، وفسّروه بأنه ضعف من الحسين وعجز عن المواجهة بعد خسارة الضفة الغربية. ومن ثم، أساءوا كل الوقت الذي منحه لهم الحسين لكي لا تصل الأمور إلى حدود المواجهة.

انتقال المعسكرات إلى المدن
‪لقد كان انتقال «المعسكرات» إلى المدن أولى محطات الاحتكاك الحقيقية التي تنذر بما هو أسوأ، في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1968، كان هناك تطور غير طبيعي وغير عادي في عمان؛ إذ اختطفت مجموعة «ألوية النصر» بقيادة طاهر دبلان ضابطاً من الحرس الملكي؛ ما أثار غضب الحسين. فطلب قادة «فتح» وأنذرهم بشدة إن لم يتم الإفراج عن الضابط وتسليم المسؤولين للقضاء. وفي الوقت نفسه، كما عرفت لاحقاً، فإن تلك الجماعة نفسها هاجمت مخفراً للجيش في الهاشمي الجنوبي، وتولى اللواء الذي يقوده زيد إحباط العملية بتدخل عسكري.
تدخلت القوات التي يقودها زيد في الكثير من المواقع في عمان لحفظ الهدوء والاستقرار، بعدما حدثت مواجهات بين قوات الأمن وعناصر تابعة للمنظمات الفلسطينية التي كانت تتحدى أي قرار يصدر عن الحكومة وترفض تطبيقه، وتعتبر نفسها سلطة مسلحة موازية لسلطة الدولة.
في تفاصيل وتطورات يسردها الكتاب عن مواجهات ومحاولات لزعزعة الأمن، فقد انتهت مواجهات خلال إحدى المسيرات بذكرى «وعد بلفور» بتفاهمات عقدت بين الحسين والحكومة من جهة، وقادة منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى، وعرفت باتفاق 19 نوفمبر 1969، فيها تأكيد على منع حمل السلاح وعدم ارتداء الملابس العسكرية من قبل أفراد الفصائل والميليشيات في شوارع المدن، ومنع تفتيشهم للسيارات المدنية والعسكرية، كما كان يحدث سابقاً.

شروط الصدام وإرهاصاته
إن الشروط الموضوعية والعوامل الواقعية كانت تدفع باتجاه المواجهة بين الدولة والميليشيات منذ أحداث نوفمبر 1968، لسببين جوهريين؛ الأول: فقد كانت هناك شكوك عميقة من كل طرف بنوايا الآخر، وبصورة خاصة من قبل الفصائل المسلحة. فبالنسبة إليها الحسين متآمر، متحالف مع الغرب، وسماحه للعمل الفدائي ليس إيماناً منه بضرورة استعادة الضفة الغربية، بل لأسباب أخرى شخصية؛ إما تحسين وضعه التفاوضي مع إسرائيل، أو لضغوط عربية عليه، أو لعجز منه عن الحسم العسكري، فلم يكن زواجاً بالتراضي بين الحسين والفصائل المسلحة، بل بالإكراه، مليئاً بالشكوك وسوء التقدير وانعدام الثقة بين الجانبين.
أما السبب الآخر: فيتمثل بأن منظمة التحرير والفصائل الأخرى - كانت ترى نفسها ممثلاً ليس للفلسطينيين في الضفة الغربية، بل الجميع، بمن فيهم الأردنيون من أصول فلسطينية في‪ الأردن؛ لذلك تعامل معهم وكأنه هو الذي يمثلهم في مواجهة الدولة، وهو السلطة الفعلية في تلك المناطق، فانتقلت تلك الفصائل من القواعد في الأغوار، التي يفترض أنها تمثل المقر الوحيد لهم في إطار حرب الاستنزاف، ودخلوا في مشروع مختلف تماماً عبر التواجد والتجنيد والتدريب في المدن الرئيسية، فأصبحت المعركة الحقيقية وساحة الصراع الواقعي في المدن الأردنية؛ والخصم رقم واحد هو النظام الأردني قبل إسرائيل، وهي الوقائع الجديدة التي جرت بدورها تحولاً لاحقاً في شعارات الميليشيات؛ عبر التأكيد أن الأولوية هي تحرير العواصم العربية من الأنظمة الرجعية، مثل عمان، قبل تحرير القدس والمدن الفلسطينية!.
كانت هناك 3 سيناريوهات رئيسية نجمت عن الصراع على السلطة ‪ وقيام دولة في مواجهة الدولة أو في داخل الدولة. السيناريو الأول، هو أن يقبل الحسين بتسليم السلطة للمنظمات الفلسطينية، ويتخلى عن الدولة. ولم يكن ذلك ليؤدي إلى الاستقرار، بل إلى حرب أهلية داخلية بالطبع؛ إلا أن هذه المنظمات لا ترى نفسها ممثلاً للأردنيين، ولا أحزاباً سياسية أردنية، بل قوى عسكرية تمثل الفلسطينيين والأردنيين من أصل فلسطيني‪‪.
أما السيناريو الثاني، فهو القبول بازدواجية السلطة وانفصامها، ما يمكن أن يستمر لفترة من الوقت، وقد حدث ذلك، لكنه ليس خياراً ممكناً على المدى البعيد. والثالث، يتمثل بالحسم العسكري والسياسي منذ البداية. وهو الخيار الذي أخّره الحسين رغبة في تجنب سفك الدماء، ورغبة في الوقوف في وجه الدعاية العربية الإعلامية التي تريد أن تصوره بوصفه دمية بيد الأميركيين والغربيين.
السؤال التالي يتمثل بأسباب الاستقواء على الأردن في تلك المرحلة، على الرغم من أن الحسين، باعترافهم، سمح بإقامة قواعد، وترك لهم المجال للقيام بعمليات فدائية، ووفر لهم الجيش الغطاء العسكر المدفعي في كثير من الأحيان، بينما مُنعوا من القيام بالأمر نفسه على الحدود السورية - الإسرائيلية، بأمر واضح ومباشر من السلطات هناك، كما تؤكد مذكرات قياداتهم.

دولة الميليشيات في الأردن
انتهت أحداث الرابع من نوفمبر باتفاق بين الحسين وقيادة منظمة التحرير، كما ذكرنا سابقاً. في عام 1969، ومع نمو «الجبهة الشعبية» وذيوع صيتها، والتنافس بينها وبين «الجبهة الديمقراطية»، بدأت تظهر شعارات جديدة وأفكار تعكس انحراف البوصلة لدى هذه الفصائل. وحدث خلط بين هدف تحرير الأراضي المحتلة وبين الآيديولوجية اليسارية التي تتبناها تلك المنظمات وتقوم على الصراع الطبقي والثورة الداخلية؛ فبدأت تلك المنظمات ترفع شعارات من قبيل: كل السلطة للمقاومة؛ والسلطة الرجعية هي الحليف الموضوعي للاستعمار؛ وتحرير القدس يبدأ من تحرير العواصم العربية، وفي مقدمتها عمان.
ولم تعد تلك اللغة غريبة حتى على أجنحة داخل حركة «فتح» التي شعرت في مرحلة من المراحل بأنها أقوى من النظام، وبدأت تراودها فكرة إسقاط الحكم الهاشمي. ويعترف أبو داود بأنه لم يكن ضد هذه الفكرة، وكان حينها قائد ميليشيات «فتح» العسكرية في الأردن‪.
تزامن صعود الشعارات الراديكالية ضد النظام وتوازى مع تمدد الميليشيات على أرض الواقع، لتتكرس حالة ازدواجية السلطة بصورة كاملة. وأصبحنا، في واقع الحال، على «مفترق طرق»؛ فإما أن تكون هناك ‪ دولة تحاول استعادة سلطة الدستور والقانون والسيادة على الأرض، أو أن تترك الحبل على الغارب لحالة الفوضى الداخلية، وصولاً إلى فشل الدولة أو «الدولة الفاشلة». لذلك؛ لما تفاقم الأمر ووصل إلى مرحلة كبيرة من الفوضى والتمرد على الدولة ومحاولات فرض كل فصيل لقانونه وسلطته الخاصة، واستخدام السلاح بصورة عشوائية، أراد الحسين أن يضبط الأمور مرة أخرى في 10 فبراير (شباط) 1970، فحضر جلسة مجلس الوزراء برئاسة بهجت التلهوني حينها، وصدرت قرارات مهمة باتجاه استعادة القانون والأمن والتخلص من حالة الفوضى الكبيرة.
اعتبرت تلك الفصائل أن قرارات 10 فبراير بمثابة نقض لاتفاق نوفمبر 1968 بين الحكومة الأردنية وقيادات «فتح»، وأعلنت حالة الاستنفار القصوى من قبلها، وأعطى أبو داود التعليمات لمقاتليه بالرد على أي محاولة من قبل الجيش لانتزاع سلاحهم أو السيطرة على مواقعهم، وجرى وضع حراس على أبواب مخيمات اللاجئين لمنع الجيش من دخولها. أي أن الميليشيات تصرفت بالفعل كما لو أنها السلطة السياسية والقوة العسكرية التي تواجه الدولة والنظام، وأنها المسؤولة، عن الأردنيين من أصل فلسطين.


(1) زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة


الشرارة التي أشعلت المواجهات بين الجيش والميليشيات، بدأت في جبل التاج عندما أراد الجيش أن يزيل موقعاً لإحداها هناك مطلاً على القصور الملكية ويهددها أمنياً وعسكرياً. إذ رفض المسلحون إخلاءه فحدثت مواجهات بين الطرفين أدت إلى إصابات متعددة. لكن الهدوء عاد في صباح اليوم التالي مع بروز محاولات للتهدئة، قبل أن تشتعل مرة أخرى عندما حاولت مجموعات الاعتداء على مركز أمن البادية بالقرب من «الوحدات»، وقصفه بالمولوتوف، في حين كانت قوات البادية ترد على تلك الاعتداءات؛ ما أدى إلى شهداء ومصابين من تلك القوات والمدنيين. وفي مساء يوم 21 فبراير تم تعليق القرارات الحكومية التي اتخذت قبل يومين، بعد اجتماعات بين الحكومة والفصائل‪...
لكن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الميليشيات كانت تتمثل في استفزاز العسكريين، من ضباط وجنود، خلال عودتهم إلى منازلهم أو وهم في سياراتهم؛ وتعمد إهانتهم وتفتيشهم، وفي أحيان اعتقالهم، الأمر الذي تراكم مع مرور الوقت وخلق حالة احتقان شديدة لدى القوات المسلحة.
وهنا، أيضاً، لا تعوزنا اعترافات من قبل قيادات تلك الميليشيات بما قدمت أيديها حينها من إساءة واستفزاز للعسكريين وعائلاتهم وشرفهم العسكري، (....).

المطالبة بعزل زيد
كان كل شيء مؤذناً بالانفجار، فالوضع يغلي؛ أفراد الميليشيات ينتشون وينتشرون ويتوسعون في العدد والتسليح والسلطة، والجيش لم يعد قادراً على الاحتمال، في حين الحسين يعمل على ضبط إيقاعه سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، يساعده في الجيش القادة والضباط الكبار، ومنهم زيد.
الشرارة الجديدة جاءت في السابع من يونيو (حزيران) 1970، عندما حاولت مجموعة من «الجبهة الديمقراطية» ابتزاز المال من جندي أردني بقوة السلاح، وفق رواية أبي داود؛ فتحول الحادث لاحقاً إلى مواجهات عنيفة بين الجيش وعناصر أخرى في صفوف الميليشيات، وتم اعتقال 24 عنصراً من الأخيرة، وامتدت المواجهات إلى الزرقاء وعمان ومناطق مختلفة ‪‪)في مساء اليوم نفسه، اختطفت «الجبهة الشعبية» السكرتير الأول في السفارة الأميركية، موريس درايبر، وأعلنت عن شروط إطلاق سراحه، منها إطلاق المعتقلين الـ24، وعزل الشريفين ناصر (بن جميل خال الملك حسين) وزيد من الجيش، ومجموعة أخرى من الشروط.
وقد انضمت «الجبهة الديمقراطية» إلى ‪‪«الجبهة الشعبية» في مطالبها، ما هو أخطر وقع بعد يومين (أي في التاسع من يونيو عندما تعرض موكب الحسين لهجوم من قبل أفراد ميليشيا في صويلح ‪‪(بالقرب من منزله في الحمر نجا منه واستشهد جندي وأصيب آخرون. وبعد ساعات قليلة، كانت مجموعة تابعة للجبهة الشعبية تقتحم فندق الإنتركونتيننتال، فتحتجز عدداً من الصحافيين والضيوف الأجانب، ثم بعد ذلك بساعات تقوم مجموعة أخرى باقتحام فندق فيلادلفيا، حيث ‪تحتجز عددا آخر‪‪.)أخذ الوضع يتجه نحو الأسوأ، بينما الاشتباكات تدور عنيفة في عمان بين الميليشيات والجيش العربي، وبصورة خاصة اللواء المدرع الذي يقوده زيد)؛ إذ تحرك باتجاه الوحدات وجبل الحسين ومناطق أخرى لحماية عمان ولمواجهة مصادر النيران والمسلحين، وتأمين قوات‪.الجيش الأخرى.
في حين هاجمت ميليشيات عدداً من المقرات الرسمية، مثل دائرة المخابرات العامة والبريد المركزي، وتم احتلال وزارة الداخلية لبضع ساعات، وأطلقت صواريخ على محطات الكهرباء والمياه. مع المساء، كانت عمان أشبه بساحة حرب حقيقية، وغرقت مع قدوم الليل في الظلام الذي كان يضاء في فترات متقطعة بنيران الأسلحة الرشاشة والمواجهات الواقعة بين الجيش والميليشيات ‪‪في الأثناء، كانت المفاوضات منعقدة بين الحسين والحكومة من جهة وقادة منظمة التحرير من جهة أخرى برئاسة عرفات. ثم لحقت اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية، أو القيادة العليا، بشروط كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، بربط وقف إطلاق النار بعزل‪ الشريف ناصر وزيد وبالإفراج عن معتقلي الميليشيات (....).

إعفاء زيد والفرصة الأخيرة
في صباح يوم الأربعاء 10 يونيو 1970، كانت المواجهات مشتعلة، وأفراد الميليشيات يتحصنون في الأحياء وفوق المنازل ووسط الأهالي، حتى إن الصحف ووكالات الأنباء كانت تتحدث عن سيطرة الميليشيات على 80 في المائة من أحياء عمان، بالإضافة إلى احتلال فندقين واحتجاز رهائن وصحافيين فيهما؛ أي أن الأمور كانت تسير في العاصمة نحو الأسوأ. وقد استمرت الاجتماعات بين الحكومة بحضور رئيسها بهجت التلهوني، وممثلي الميليشيات الذين تصلبوا في موقفهم - التي أعلنها جورج حبش في مؤتمر صحافي - المطالب بعزل الشريف ناصر وزيد، وسحب الجيش من المدينة، من أجل إطلاق سراح الرهائن والمعتقلين لدى ‪.الفصائل ووقف إطلاق النار
في الأثناء، بثت إذاعة «صوت العاصفة»، الناطقة باسم «فتح» من القاهرة، بياناً دعت فيه الحسين صراحة إلى الاختيار ما بين سقوط نظام حكمه، أو عزل المستشارين المقربين منه، والمقصود هنا الشريفان ناصر وزيد، بالتأكيد ‪ الأغرب من هذا التعالي في الخطاب مع رأس السلطة في البلاد، هو موقف تيار عريض من النخبة السياسية، كما ذكرنا سابقاً، كان أفراده ينافقون المنظمات.
على الرغم من ذلك، شعر الحسين بأن إنقاذ حياة الرهائن والمعتقلين هو أولوية له، فإذا ما تم قتلهم على يد «الجبهة الشعبية»، فإن ذلك سيعزز من الدعاوى الدولية والإقليمية بأن الأردن تحول إلى دولة فاشلة بصورة كاملة.
لتلك الاعتبارات كافة، قبل الحسين شروط التنظيمات المسلحة فقطعت الإذاعة الأردنية أخبارها فجأة بعد منتصف ليلة الخميس (11 يونيو)، وبثت رسالة صوتية مؤثرة من الحسين إلى الشعب الأردني، أعلن فيها عزل زيد وناصر. لكنه دافع عنهما بشراسة وشجاعة في ثنايا الخطاب (....).
في الخطاب أعلن الحسين توليه شخصياً قيادة القوات المسلحة مباشرة. وأسندت قيادة السلاح المدرع الملكي بالوكالة إلى العقيد كاسب صفوق، قائد قواتنا في معركة الكرامة، وشدد الحسين على أنها الفرصة الأخيرة التي لا فرصة بعدها.
لقد أطلق فعلا سراح الرهائن المحتجزين في الفندقين عقب قرار الحسين. وكنت أتمنى أن يلتقط الطرف الآخر كلمته الواضحة المهمة في ثنايا الخطاب، عندما وصف ما قام به بأنه «الفرصة الأخيرة».
في الحقيقة، انتقل زيد للمرة الأولى في حياته بعد هذا القرار من حيز العمل العسكري التنفيذي أو الميداني، إلى مهمة عسكرية مرتبطة بالقرارات السياسية. إذ عمل خلال تلك الفترة المحدودة من ابتعاده عن القيادة العامة إلى جوار الحسين ووصفي التل وعدد من السياسيين والعسكريين والأمنيين الموثوقين في الظل إدارة الأزمة القائمة والتعامل معها، أي في «المطبخ السياسي ‪ المصغر ‪‪وعلى الرغم من أن قرار عزل زيد كان شكلياً، فإن الجيش لم يتقبل ذلك، وزادت حالة التململ في القوات المسلحة، والشعور بالغبن. وكان زيد يضطر إلى شرح أبعاد القرار بنفسه للجيش وللمتصلين الغاضبين؛ خشية أن يساء تفسير الأمر.
‪ في تلك الفترة، تم إطلاق النار على مضر بدران (وكان أمين عام الديوان الملكي وقتها) وأصيب في يده من قبل الميليشيات. كما اختطف الضابط أحمد عبيدات (الذي أصبح لاحقاً مديراً للمخابرات العامة ورئيساً للوزراء.) وهكذا الحال مع عشرات الجنود والضباط الذين إن وقعوا بأيدي الميليشيات يكون مصيرهم إما الاختطاف أو القتل أو التعذيب أو الإهانة، لا لشيء إلا لأنهم أفراد في الجيش العربي. ‪
يتحدث زيد نفسه عن حالة الغليان تلك في القوات المسلحة: «خلال الشهرين أو الثلاثة التي سبقت قرار التدخل في عمان والمدن الأخرى، كان هناك تذمر شديد في القوات المسلحة، وكدنا أن نفقد الانضباطية. أكثر من كتيبة كانت تتحرك من دون أوامر لتتجه إلى عمان لتتخذ إجراء ضد الفدائيين في عمان.
وكرسالة أخرى أكثر وضوحاً وإمعاناً في حسن النوايا من قبل الحسين تجاه المنظمات المسلحة، فإنه وافق على استقالة حكومة بهجت التلهوني، وأوعز إلى عبد المنعم الرفاعي (في 27 يونيو 1970)، الذي تعتبره الميليشيات صديقاً ومتعاطفاً معها، بتشكيل الحكومة الجديدة، التي نصف عدد وزرائها من أصول فلسطينية، واعتبرت قيادات المنظمة 6 من هؤلاء الوزراء من حلفائها وأصدقائها ‪‪.قبل ذلك بيوم واحد، كانت الحكومة تلغي قانون التجنيد الإلزامي، ويقبل الحسين طلب اللواء الشريف ناصر، رئيس هيئة الأركان، بإحالته على التقاعد.



موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.


العليمي يشدد على تسريع الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
TT

العليمي يشدد على تسريع الإصلاحات واستعادة الثقة الدولية

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني يشدد على تعظيم الموارد الحكومية (سبأ)

وسط مؤشرات على تحسن موقع اليمن في دوائر القرار الاقتصادي الدولي، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، على تثبيت المكاسب التي حققتها الحكومة خلال مشاركتها في «اجتماعات ربيع 2026» لمجموعة «البنك الدولي» و«صندوق النقد»، عبر مقاربة تربط بين استعادة الثقة الخارجية وتسريع الإصلاحات الداخلية، بما يضمن ترجمة الدعم الدولي إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وخلال اجتماع عقده العليمي مع الوفد الحكومي المشارك في الاجتماعات التي استضافتها واشنطن، بحضور رئيس الوزراء شائع الزنداني، استعرضت الحكومة حصيلة لقاءاتها مع مسؤولي «البنك الدولي» و«صندوق النقد»، إلى جانب ممثلين عن شركاء اليمن والمنظمات والصناديق المانحة، في اجتماعات عكست، وفق التقييم الرسمي، تحسناً واضحاً في نظرة المجتمع الدولي إلى أداء الحكومة ومسارها الإصلاحي.

وأظهرت الإحاطات التي قدمها رئيس الوزراء ومحافظ «البنك المركزي»، أحمد غالب، ووزيرَي المالية والتخطيط، أن اللقاءات شهدت تفاعلاً إيجابياً مع البرنامج الحكومي، لا سيما بشأن الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية، وما نتج عنها من ارتفاع في مستوى الثقة بالحكومة بصفتها شريكاً قادراً على إدارة الدعم الخارجي بكفاءة ومسؤولية، واستيعاب الالتزامات التمويلية ضمن أطر مؤسسية منظمة.

مؤشرات على تحسن موقع اليمن على خريطة ثقة المؤسسات المالية الدولية (سبأ)

وأفاد الإعلام الرسمي بأن العليمي وضع نتائج «اجتماعات واشنطن» في سياق أوسع من مجرد نجاح دبلوماسي أو اقتصادي عابر، عادّاً أن ما تحقق يمثل تحولاً مهماً في مسار علاقة اليمن بالمؤسسات المالية الدولية، خصوصاً مع استئناف التواصل والعمل مع «صندوق النقد الدولي» والبرامج التمويلية المرتبطة به، و«هو تطور يحمل دلالات واضحة على عودة البلاد إلى مسار الدعم الدولي المنظم بعد سنوات من التعثر والاضطراب».

حماية الإنجاز

وفق المصادر الرسمية، فقد أشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالانطباعات الإيجابية التي خرج بها شركاء اليمن ومجتمع المانحين تجاه أداء الحكومة، عادّاً أن هذا التحسن لم يكن وليد ظرف سياسي مؤقت، «بل نتيجة مباشرة لجهود متواصلة بذلتها الحكومة و(البنك المركزي) في ضبط السياسات المالية والنقدية، وتعزيز الانسجام داخل مؤسسات السلطة التنفيذية؛ بما أسهم في تقديم صورة أشد تماسكاً للدولة وقدرة على إدارة ملفاتها الاقتصادية بمسؤولية».

لكن العليمي، في الوقت ذاته، شدد على أن هذا المسار لا يزال بحاجة إلى حماية سياسية وإدارية، محذراً بأن أي تراجع في وتيرة الإصلاحات، أو عودة ازدواجية القرار الاقتصادي، من شأنهما التقويض السريع لما تحقق من مكاسب، وتبديد حالة الزخم التي بدأت تتشكل في علاقة اليمن بالمؤسسات الدولية والمانحين.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استعادة الثقة إلى تثبيت الشراكة مع المجتمع الدولي، «عبر الالتزام الصارم بتنفيذ البرنامج الحكومي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد والتمويلات، وربط الدعم الخارجي بمخرجات عملية تنعكس مباشرة على حياة المواطنين، خصوصاً في قطاعات الخدمات الأساسية».

الحوكمة وتعظيم الموارد

في موازاة الرهان على الشراكات الدولية، وضع رئيس مجلس القيادة اليمني ملف الموارد العامة في صدارة أولويات المرحلة، مؤكداً أن نجاح الحكومة سيقاس بقدرتها على تحسين الإيرادات وتوظيفها بصورة رشيدة ومسؤولة في خدمة المواطنين، «بما يستدعي معالجة الاختلالات القائمة، ومضاعفة الجهود لتعظيم الموارد السيادية، ووقف أي هدر أو تجنيب للإيرادات خارج الأطر القانونية».

وجدد العليمي تأكيده على ضرورة استكمال إغلاق الحسابات خارج «البنك المركزي»، وتوريد جميع الإيرادات إلى الحساب العام للدولة، إلى جانب تعزيز الحوكمة والرقابة المؤسسية، والتنفيذ الصارم لـ«قرار مجلس القيادة رقم 11 لسنة 2025»، بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لإعادة ضبط الإدارة المالية العامة.

كما وجه رئيس مجلس القيادة بتفعيل الأجهزة الرقابية، والمضي في أتمتة العمليات المالية، ضمن خطة شاملة لمكافحة الفساد، «بما يسهم في بناء نموذج إداري أعلى انضباطاً وكفاءة في المحافظات المحررة، ويعزز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في آن معاً».

وربط العليمي هذا التحسن في الحضور الدولي باستمرار الدعم السعودي لليمن، مشيراً إلى «الدور القيادي للمملكة في دعم استقرار الاقتصاد الوطني، وتأمين التمويلات الحيوية للخدمات الأساسية، ومساندة جهود الحكومة في تنفيذ الإصلاحات»، مؤكداً أن «الشراكة الاستراتيجية مع الرياض تمثل إحدى الركائز الرئيسية لتعزيز الاستقرار ودفع مسار التعافي».


حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
TT

حضرموت تستعيد ذكرى تحريرها باستعراض قوتها

حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)
حضرموت قطعت شوطاً كبيراً في دمج التشكيلات الأمنية والعسكرية (إعلام حكومي)

في ظل متغيرات سياسية وأمنية وعسكرية متسارعة، تواصل محافظة حضرموت ترسيخ حضورها في صدارة المشهد اليمني، مستندة إلى ما تحقق من استقرار أمني وتقدم في إعادة تنظيم المؤسسات العسكرية والأمنية، بالتوازي مع حضورها السياسي المتنامي في النقاشات المتعلقة بمستقبل الدولة وترتيبات المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أحيت السلطة المحلية في المحافظة، إلى جانب قيادة المنطقة العسكرية الثانية والأجهزة الأمنية، الذكرى العاشرة لتحرير ساحل حضرموت من سيطرة تنظيم «القاعدة»، في فعالية رسمية حملت رسائل رمزية وميدانية بشأن تثبيت الأمن وتعزيز الجاهزية.

وتأتي هذه المناسبة في وقت تواصل فيه المنطقتان العسكريتان، الأولى والثانية، تنفيذ عملية دمج التشكيلات المسلحة ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، بإشراف سعودي، في مسار يستهدف إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس أكثر انتظاماً ومهنية، واستكمال جهود تطبيع الأوضاع في مدن المحافظة عقب الأحداث التي شهدتها مطلع العام الحالي، بما يُعزز الاستقرار ويدعم حضور مؤسسات الدولة.

مناسبة تحرير ساحل حضرموت جاءت مع تصدر المحافظة المشهد اليمني (إعلام حكومي)

وفي إطار إحياء هذه الذكرى، وضع وكيل محافظة حضرموت حسن الجيلاني، ممثلاً عن عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي، ومعه قائد المنطقة العسكرية الثانية اللواء محمد اليميني، ومدير عام الأمن وشرطة ساحل حضرموت العميد عبد العزيز الجابري، إكليلاً من الزهور على ضريح الجندي المجهول في النصب التذكاري وساحة الشهداء بمدينة المكلا.

وأكد الجيلاني حرص قيادة السلطة المحلية على تخليد تضحيات الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً لحضرموت والوطن، مشيراً إلى أن تلك التضحيات ستظل محل فخر واعتزاز، بعدما سطّر أصحابها أروع ملاحم البطولة في مواجهة التنظيمات الإرهابية واستعادة مؤسسات الدولة.

وما لفت الانتباه خلال الفعالية ارتداء فرقة الموسيقى العسكرية زي قوات البادية الحضرمية التي تشكّلت قبل الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في أواخر ستينات القرن الماضي، في خطوة رمزية هدفت إلى استحضار الإرث العسكري المحلي، وربط الحاضر بجذور تاريخية شكلت جزءاً من هوية حضرموت العسكرية والوطنية.

جاهزية قتالية

وشهدت حضرموت سلسلة من الفعاليات العسكرية والوطنية وفاءً لتضحيات مَن أسهموا في دحر الإرهاب واستعادة الأمن والاستقرار؛ حيث نظّم معسكر «قيادة لواء حضرموت» في مديرية دوعن عرضاً عسكرياً وحفلاً خطابياً بالمناسبة، تخلله الاحتفاء بتخرج دفعة جديدة من المشاركين في دورة تنشيطية، بحضور قائد اللواء العميد الركن سالم بن حسينون، ورئيس شعبة التدريب بقيادة المنطقة العسكرية الثانية العميد ناصر الذيباني.

وأكد بن حسينون ضرورة الحفاظ على الجاهزية القتالية في أعلى مستوياتها، مع الالتزام الصارم بالضبط والربط العسكري، مشيداً بصمود أفراد اللواء في مواجهة التحديات الأمنية خلال الأحداث الأخيرة، مشيراً إلى أن تلك التجارب أسهمت في تعزيز قدراتهم القتالية وخبراتهم الميدانية، ورفعت من مستوى الاستعداد للتعامل مع مختلف السيناريوهات الأمنية والعسكرية.

فرقة الموسيقى العسكرية بالزي التراثي لجيش البادية الحضرمي (إعلام حكومي)

وشدّد على أن اللواء سيظل درعاً منيعة في مواجهة أي تهديدات، مؤكداً أن وعي المقاتلين وثباتهم أفشل مختلف الرهانات المعادية، وأن مواصلة برامج التدريب المكثف تُمثل ضرورة لتعزيز كفاءة الأفراد ورفع مستوى الجاهزية العامة للوحدات، بما يضمن الحفاظ على المكتسبات الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

من جانبه، أشاد رئيس شعبة التدريب بمستوى الأداء والانضباط الذي أظهره المشاركون في الدورة التنشيطية، معتبراً ذلك ثمرة مباشرة للجهود التدريبية المكثفة خلال المرحلة الأولى من العام التدريبي، ومؤكداً أن المنطقة العسكرية الثانية تواصل، بمختلف وحداتها، مسيرة التميز والانضباط بدعم متواصل من قيادتها، وبما يُرسخ الأمن والاستقرار في حضرموت.

كما استعرض ركن التدريب في اللواء النقيب محمد الميدعي مراحل الإعداد القتالي والمعنوي التي خضعت لها الدفعة المتخرجة، مؤكداً جاهزيتها للانخراط في مختلف المهام العسكرية، قبل أن تختتم الفعالية بعرض عسكري، استعرضت خلاله السرايا والوحدات المشاركة مهاراتها القتالية بانضباط عالٍ، ما عكس مستوى متقدماً من التدريب والاستعداد الميداني.

عرض بحري

في السياق نفسه، شهد خور مدينة المكلا عرضاً بحرياً لتشكيلات من قوة خفر السواحل ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى العاشرة لتحرير ساحل المحافظة من سيطرة تنظيم «القاعدة»، بحضور عدد من القيادات في السلطة المحلية والعسكرية والأمنية، إلى جانب حشد من السكان الذين تابعوا الاستعراض البحري الذي حمل بدوره رسائل واضحة بشأن تطور القدرات الأمنية في حماية الساحل.

واستعرضت زوارق الدوريات البحرية تشكيلات منتظمة عكست مستوى الجاهزية والانضباط العالي الذي تتمتع به قوة خفر السواحل، وقدرتها على تنفيذ المهام الأمنية في المياه الإقليمية بكفاءة واقتدار، إلى جانب تنفيذ مناورات بحرية متنوعة ضمن مجموعات، واستعراض الزوارق الخاصة والمجهزة التي تُستخدم في حماية الشريط الساحلي ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة.

تشكيلات خفر السواحل تستعرض قدراتها في سواحل المكلا (إعلام حكومي)

وأكد قائد قوة خفر السواحل بحضرموت، العقيد البحري عمر الصاعي، أن هذا العرض يُجسد ما وصلت إليه القوات من تطور ملحوظ في مجالات التدريب والتأهيل، بفضل الدعم والاهتمام الذي توليه القيادة السياسية والعسكرية، معتبراً أن تحرير ساحل حضرموت شكّل نقطة تحول مفصلية في تعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ دعائم الدولة.

وأوضح أن قوات خفر السواحل تواصل أداء مهامها الوطنية بعزيمة عالية لحماية الشريط الساحلي، ومواجهة مختلف التحديات الأمنية، بما يُسهم في حفظ الأمن والاستقرار، ويُعزز قدرة الدولة على بسط حضورها في المجال البحري، في امتداد لجهود أوسع تشهدها حضرموت لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ نموذج أمني أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات.