ماكرون متفائل بقرب قمة أميركية ـ إيرانية... وترمب يعتبر انعقادها «واقعياً»

الرئيس الأميركي حذّر طهران من زيادة نسبة التخصيب ولوّح بـ«القوة العنيفة»

ترمب وماكرون لدى عقدهما مؤتمراً صحافياً في ختام قمة السبع في بياريتز أمس (أ.ف.ب)
ترمب وماكرون لدى عقدهما مؤتمراً صحافياً في ختام قمة السبع في بياريتز أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون متفائل بقرب قمة أميركية ـ إيرانية... وترمب يعتبر انعقادها «واقعياً»

ترمب وماكرون لدى عقدهما مؤتمراً صحافياً في ختام قمة السبع في بياريتز أمس (أ.ف.ب)
ترمب وماكرون لدى عقدهما مؤتمراً صحافياً في ختام قمة السبع في بياريتز أمس (أ.ف.ب)

في تطور غير متوقع، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عصر أمس، أن «الظروف قد توافرت للقاء (بين الرئيسين الأميركي والإيراني)، وبالتالي التوصل إلى اتفاق» بشأن الملف النووي الإيراني. وأعرب إيمانويل ماكرون، الذي كان يتحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع دونالد ترمب، في نهاية قمة السبع في منتجع بياريتز عن أمله في أن يحصل اللقاء الذي وصفه بـ«الواقعي» في «الأسابيع المقبلة».
من جانبه، أعلن الرئيس الأميركي عن استعداده لمثل هذا اللقاء «إذا توافرت الشروط لذلك». ورداً على سؤال، اعتبر ترمب أن احتمال حصول لقاء كهذا «واقعي». لكن ترمب عجّل في توجيه تحذير إلى روحاني بأنه «ينبغي على إيران أن تكون طرفاً جيداً، ولا يمكن أن يفعلوا ما كانوا يقولون إنهم سيفعلونه؛ لأنهم إذا فعلوا فسيقابلون بقوة عنيفة للغاية؛ ولذلك أعتقد أنهم سيكونون جيدين». ورغم أن ترمب لم يدخل في تفاصيل ما يعنيه، فالأرجح أنه كان يشير إلى عزم طهران على الخروج من التزامات إضافية منصوص عليها في الاتفاق النووي، وتحديداً زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، وهي قد بدأت بذلك قبل أسابيع عندما أكدت طهران تخطيها سقف الـ3.67 في المائة المتاح لها.
وسبق للجانب الإيراني أن منح البلدان الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) مهلة شهرين إضافيين تنتهي الأسبوع المقبل بالإقدام على هذه الخطوة، ما لم توفر لطهران إمكانية تصدير كميات من نفطها، وأن تمكنها من العودة إلى الدورة المالية الدولية.
رغم المناخ الإيجابي و«الاختراق» الذي ستمثله قمة أميركية - إيرانية في حال حصولها، فإن الواقع يدعو إلى الحذر. لذا؛ أعلن ماكرون أن «شيئاً لم يتحقق، والأمور بالغة الهشاشة إلا أننا حددنا طريقاً وحققنا تقدماً». وذهب ترمب في الاتجاه نفسه بقوله، إن مساراً كهذا - في إشارة إلى اجتماع قمة مع روحاني - «يمكن أن ينجح، كما يمكن ألا ينجح». وسبق للمستشارة الألمانية أن اعتبرت صباح أمس أن معالجة الملف النووي الإيراني «عملية هشة وطويلة وصعبة إلى حد كبير». ووعد ماكرون بأن يكون حاضراً «في مثل هذا الموعد المهم» في القمة الأميركية - الإيرانية التي تعمل باريس من أجل عقدها.
وثمة إجماع على أنه إذا حصل مثل هذا التطور، فإن ماكرون يكون قد ربح رهانه بالقيام بوساطة في ملف بالغ التعقيد. وحرصاً منه على تجنب التشويش، فقد امتنع عن الخوض في تفاصيل ما تم التوافق عليه. وبعد أن شكر ترمب مرات عدة، ورغبة منه في طي نهائي لصفحة سوء التفاهم، وما سماه «التوتر» الذي ساد في بداية القمة، أكد مجدداً أنه أطلع ضيفه الأميركي مسبقاً على كل خطواته بما فيها دعوة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للمجيء إلى بياريتز الأحد الماضي، وهو ما أكده ترمب بدوره.
وأماط ماكرون اللثام عن جانب من الاتصالات التي أفضت إلى هذه النتيجة، مشيراً إلى أنه قال للرئيس الإيراني، خلال اتصال، إنه إذا قبل لقاء الرئيس ترمب، فإن التوصل إلى اتفاق «يصبح أمراً ممكناً». وكان الرئيس الروحاني قد أرسل وزير خارجيته إلى باريس يوم الجمعة الماضي لبحث آخر المقترحات. وعبّر ماكرون عن تشجعه مما صدر عن الأخير الذي كان قد أعلن صباحاً أنه «يتعين (على الإيرانيين) أن يستخدموا كافة الوسائل لخدمة المصالح الوطنية»، في إشارة ضمنية للعمل الدبلوماسي. الأمر الذي فهم في بياريتز على أنه استعداد للقاء ترمب الذي يطالب منذ أشهر بلقاء كهذا، لكن بشروط.
وأضاف روحاني «إذا كنت أعلم أن ذهابي إلى اجتماع يمكن أن يقود إلى الازدهار في بلدي وإلى تسوية مشاكل الناس، فلن أتردد في ذلك»، مكرراً تأكيده بأن الأساسي بالنسبة إليه هو «المصلحة الوطنية». ووصف ترمب محادثات ظريف في بياريتز مع الفرنسيين، لكن أيضاً مع مستشارين من بريطانيا وألمانيا بأنها كانت «ناجحة»، ما يتوافق مع الوصف الفرنسي ويفسر الكشف عن احتمال قمة ترمب - روحاني.
لم يكن ترمب بخيلاً في إطراء الرئيس الفرنسي الذي «يقوم بعمل جيد» بالنسبة للملف النووي «ما يتناقض مع تغريداته السابقة»، وأيضاً بخصوص الملفات الأخرى التي عالجها القادة السبعة، حيث سعى ماكرون، كما قال أمس، إلى خلق دينامية إيجابية. ومنذ البداية، حدد الرئيس الفرنسي هدفاً رئيسياً بشأن الملف المذكور، وهو التوصل إلى «نهج مشترك» لإدارته، أي إلى ردم الهوة الكبيرة التي كانت تفصل بين الاستراتيجية الأميركية والمقاربة الفرنسية - الأوروبية. وعزا ماكرون التوافق إلى غدائه المنفرد مع ترمب وإلى العشاء الجماعي مساء السبت.
رغم هذا التطور الرئيسي، فإن أوساطاً دبلوماسية أوروبية تنبه من «الإسراع في التفاؤل»، وتؤكد أن قمة أو قمم عدة «ليست بالضرورة ضمانة بالنجاح». وتستدل على ذلك بالقمم المتلاحقة بين ترمب وزعيم كوريا الشمالية التي لم تفض حتى الآن إلى أي نتيجة إيجابية. وتضيف هذه المصادر، أن المهم أن يكون الجانب الفرنسي قد حصل على «تصورات واضحة» من الطرفين الأميركي والإيراني حول ما هو مقبول أو غير مقبول منهما.
وتضيف هذه المصادر، أنه إذا كان الإعلان عن احتمال حصول قمة أميركية - إيرانية في الأسابيع المقبلة يشكل «ضربة دبلوماسية» ناجحة لماكرون، فإن التتمات ستكون «بالغة الصعوبة». وتذكر هذه المصادر بأن التوصل إلى اتفاق 2015 تطلب مفاوضات شاقة امتدت لأكثر من عشر سنوات.
وأمس، برزت إحدى الصعوبات؛ إذ استبق ترمب أي اتفاق بإعلانه، أنه ليس منفتحاً على منح إيران تعويضات عن العقوبات التي تفرضها واشنطن على اقتصادها منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع القوى العالمية في 2015، لكنه كشف في المقابل عن أن دولاً قد تقدم خط ائتمان لإيران لتمكينها من تسيير أمورها، وأن شيئاً كهذا يمكن أن يكون بضمان النفط الذي وصفه بأنه ضمان كبير. وأضاف ترمب بلهجة حازمة: «لا لن ندفع، نحن لا ندفع». وكرّر اتهاماته لإدارة الرئيس السابق باراك أوباما بأنها وفرت للسلطات الإيرانية 150 مليار دولار، وأن طهران استخدمتها للعبث بأمن المنطقة.
هكذا، في اليوم الثالث والأخير لقمة السبع، غلبت لهجة التفاؤل في موضوع هيمن عليه طيلة يومين التشويش والتسريبات المغلوطة التي رافقت الدعوة الفرنسية لوزير الخارجية الإيراني المفاجئة إلى بياريتز. والمدهش الذي لفت انتباه المراقبين أنه بعد النفي الأميركي الذي صدر عن البيت الأبيض لأن يكون الرئيس الأميركي على علم بدعوة ظريف، عمد دونالد ترمب، أمس، شخصياً لتصحيح الخبر، مؤكداً في أكثر من مناسبة أنه «كان على علم» بدعوة ظريف، وأنها تمت «بموافقته»، وأنه «يوافق تماماً على ما يقوم به (الرئيس) ماكرون». وأفادت مصادر فرنسية بأن هذه الدعوة لم تكن «بنت ساعتها»، بل اتفق عليها بمناسبة اجتماعات الوزير الإيراني يوم الجمعة الماضي مع ماكرون في قصر الإليزيه. وفهم أمس أن ماكرون اقترح عليه المجيء إلى بياريتز «في حال توافرت الشروط»، بمعنى إذا قبل الطرف الأميركي.
ولذا؛ فإن ما حصل هو أن ماكرون الذي تناول الملف النووي مطولاً أولاً مع ترمب في غدائهما المغلق ظهر السبت ثم في العشاء الموسع مع قادة السبع كافة، أعلم المجتمعين بنيته دعوة ظريف ولم يلق اعتراضاً أميركياً، بل إن ترمب قال له: «امضِ في ذلك». وقطعاً لكل التباس، عمدت المصادر الفرنسية إلى تكرار أن باريس «تعمل بكل شفافية» فيما خص الملف الإيراني مع شركائها كافة أوروبيين وأميركيين.
لكن الليونة الأميركية يوم الأحد لم تصل إلى حد قبول الاجتماع بالوزير الإيراني؛ إذ اعتبر أن أمراً كهذا «ما زال مبكراً ولم أشأ ذلك». ورغم غياب اللقاء المباشر مع ظريف، فإن ترمب اعتبر بمناسبة اجتماعه مع المستشارة الألمانية أن القمة كانت «ناجحة تماماً»، وأن «تقدماً كبيراً» قد تحقق في الملف الإيراني الذي توافرت حوله «وحدة (المشاركين) بدرجة كبيرة»، وإنهم توصلوا بشأنه إلى اتفاق «تقريباً».
حقيقة الأمر، أن هذه التطورات «الإيجابية» تعود بالدرجة الأولى للجهود التي بذلها ماكرون، رغم الصعوبات التي واجهها سابقاً في إقناع ترمب بالموافقة على وساطته وتتوافق من جهة أخرى، مع «الدور» الذي يريده لفرنسا أن تكون قوة وساطة واستقرار وتوازن في العالم، وقادرة على التحدث للجميع مع احتفاظها بحرية الإقرار والتحرك. وإذا صدقت تصريحات ترمب ولم يكذبها في تغريدات لاحقة، فإن ماكرون يكون قد نجح في إقناع ضيفه الأميركي بـ«فائدة» الوساطة التي يقوم بها. وثمة محللون يعتبرون أنه يساعد الرئيس الأميركي على الخروج من «الورطة» الإيرانية؛ لأن سياسة «الضغوط القصوى» لا تعطي أُكلها، وأنه لا يريد الحرب، بل يسعى إلى اتفاق جديد مع طهران يشمل بالطبع الملف النووي، لكن أيضاً البرنامج الصاروخي وسياسة إيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة.


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».


واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة


غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
TT

واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة


غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)
غارة على مقر تابع لوزارة الدفاع الإيرانية في منطقة باسداران شمال شرقي طهران صباح أمس (شبكات التواصل)

طرحت واشنطن خيار انسحاب «سريع» من حربها مع إسرائيل ضد إيران، مع الإبقاء على فكرة العودة لتنفيذ ضربات خاطفة.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن الولايات المتحدة ستنسحب من إيران «بسرعة كبيرة»، بعدما ضمنت عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي. وأضاف لـ«رويترز» أن واشنطن قد تعود لتنفيذ «ضربات محددة» إذا لزم الأمر.

وفي حين ربط ترمب أي نظر في إنهاء القتال بإعادة فتح مضيق هرمز، تمسك «الحرس الثوري» بإبقائه مغلقاً أمام من وصفهم بـ«الأعداء».

وعبّر ترمب عن عدم اكتراثه بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب، لأنه «عميق جداً تحت الأرض»، لكنه قال إن واشنطن ستراقبه بالأقمار الاصطناعية. وقيّم أن طهران باتت «غير قادرة» على تطوير سلاح نووي.

ومن دون أن يحدد اسماً، أفاد ترمب بأن «رئيس النظام الجديد» في إيران طلب وقف إطلاق النار، غير أنه رهن النظر في ذلك عندما يكون مضيق هرمز «مفتوحاً وحراً وآمناً».

في المقابل، قال «الحرس الثوري» إنه وضع مضيق هرمز «تحت سيطرة حاسمة ومطلقة» للقوة البحرية التابعة له، و«لن يفتح أمام أعداء هذه الأمة».

ونقل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، عبر وسطاء، إلى طهران أن ترمب «غير صبور»، وهدد بأن الضغط على البنية التحتية الإيرانية سيتزايد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ ضربات على نحو 400 هدف خلال يومين، بينها موجة واسعة على ما قال إنها «بنى عسكرية، ومواقع تصنيع أسلحة» في قلب طهران، فيما شوهد الدخان يتصاعد من مقرات لوزارة الدفاع في شرق وغرب طهران.

في المقابل، قال «الحرس الثوري» إن قواته نفّذت عمليات بصواريخ ومسيرات ضد أهداف «قواعد أميركية» وإسرائيل، كما أعلن الجيش الإيراني استهداف مواقع عسكرية مرتبطة بطائرات الإنذار المبكر والتزود بالوقود في إسرائيل. وأعلنت فرق الإسعاف الإسرائيلية، أمس، إصابة 14 شخصاً بعد رصد رشقة صاروخية من إيران.