من هو موليير... مفخرة الآداب الفرنسية؟

منذ أكثر من أربعة قرون لا تزال مسرحياته تُعرض كل موسم

لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862
لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862
TT

من هو موليير... مفخرة الآداب الفرنسية؟

لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862
لوحة «موليير ولويس الرابع عشر» للرسام جان ليون جيروم 1862

مَن منّا لم يسمع باسم موليير؟ عناوين مسرحياته فقط أصبحت على كل شفة ولسان: البخيل، طرطوف أو المنافق، طبيب رغم أنفه، المريض الوهمي أو بالوهم والوسواس، إلخ... وفي كل مرة تكاد تموت من الضحك وتستفيد! أقصد تستفيد علماً ومعرفةً وتعمقاً بالذات البشرية. وبالتالي فهي متعة وثقافة في ذات الوقت. وحتى هذه اللحظة ومنذ أكثر من أربعة قرون لا تزال هذه المسرحيات تُلعب على خشبة المسرح الفرنسي. إنها لا تشيخ. يبلى الزمن ولا تبلى. هل يشيخ شكسبير؟ مَن يستطيع أن يقتل شكسبير؟ العظماء لا يموتون.
فمَن هذا الشخص يا تُرى؟ وُلد جان باتيست بوكلان الملقب بموليير عام 1622 في باريس، وكان والده يشتغل في صناعة الفرش والسجاد، وأما جده فكان مولعاً بالفنون، وهو الذي كان يأخذه معه إلى المسرح غالباً. وهذا ما زاد من إعجاب الصبي موليير بالمسرحيات الهزلية على وجه الخصوص. ثم دخل إلى إحدى المدارس الثانوية الباريسية لإكمال تعليمه، ويقال إن زميله على مقعد الدراسة كان أحد الأمراء الفرنسيين، وهو الذي رعاه وحماه فيما بعد عندما أحس بموهبته وعبقريته. ولكن موليير اختلف مع والده عندما كبر، لأن هذا الأخير كان يريده أن يشتغل معه في صناعة السجاد والفرش، بل وأن يستلم المخزن مكانه بعد أن يكبر ويشيخ... أما هو فلم يكن يريد تكريس حياته لهذه المهنة التي لا يحبها، ولذلك دخل كلية الحقوق، ثم تعرف بعدئذ على عائلة فنانين تدعى بيجار، وأصبح صديقاً لهم. وعندئذ غيّر اسمه ولقب إلى موليير لأول مرة ولم يعرف أحد سبب هذا التغيير المفاجئ الذي طرأ عليه. ولا لماذا اختار اسم موليير دون غيره. ثم بالأخص ما كان يعرف أن هذا الاسم سوف يصبح أشهر من نار على عَلم وسوف يغطي على اسمه الحقيقي كلياً ونهائياً. فمن هو جان باتيست بوكلان؟ مَن هو هذا النكرة؟ وهل يعني لكم هذا الاسم شيئاً؟ هكذا نلاحظ أن الاسم المستعار أهم أحياناً ألف مرة من الاسم الحقيقي.
ثم حظي بعدئذ برعاية ولي العهد وشقيق الملك، الشيء الذي أتاح له أن يلعب في مسرحية تراجيدية أمام الملك لويس الرابع عشر، وهو من أشهر ملوك فرنسا إن لم يكن أشهرهم. ولكنها كانت مسرحية مملة، ثم لعب مسرحية هزلية ونجح فيها واستطاع أن يُضحك الجمهور وعلى رأسهم الملك. وعندئذ أدرك موليير أنه يمتلك مواهب كبيرة في الهزل لا الجد. فصوته وإشاراته وحركاته كانت كافية لجعل المشاهدين يموتون من الضحك. ولهذا السبب نال شهرة واسعة في مجال المسرح الفكاهي أو الهزلي. وعندئذ خصص له الملك مكانة دائمة في المسرح الموجود داخل قصر فرساي الشهير لكي يضحكه ويروّح عن نفسه عندما يشاء... وكانت عادة الملوك آنذاك أن يحيطوا أنفسهم بكبار الموهوبين من كتّاب وفنانين.
وكانت أول مسرحية هزلية كبيرة يلعب فيها موليير هي تلك المدعوة «المتحذلقات المثيرات للسخرية». وقد لعبها لأول مرة عام 1659، أي عندما كان في الثامنة والثلاثين من عمره. وقد نجحت هذه المسرحية نجاحاً باهراً ونالت رضا الملك إلى درجة أنه أغدق عليه العطايا والهبات. ولكن السيدات المتحذلقات اللواتي سخر منهن موليير حقدن عليه وهدمن مسرحه. وعندئذ بنى الملك لموليير مسرحاً جديداً خاصاً به.
وفي العام ذاته راح يهتم بموضوع مسرحي غير مطروق أو غير معهود في ذلك الزمان وهو: وضع المرأة في المجتمع. وكتب عندئذ مسرحية بعنوان «مدرسة النساء». وقد حققت نجاحاً صارخاً. ولكن حزب رجال الدين تضايق منه وراحوا يشككون في أخلاقية موليير ويعتقدون أنه شخص إباحي. وخافوا من تأثيره السيئ على الملك. ولذلك أدان الأصوليون هذه المسرحية واعتبروها خلاعية ومضادة للدين. يضاف إلى ذلك أن اهتمام الملك به وإيثاره له وإغداقه الهبات عليه جعل الممثلين الآخرين يغارون منه ويكرهونه كما حصل للمتنبي عند سيف الدولة. وقد رد عليهم عن طريق كتابة مسرحيات جديدة تستهزئ بهم. فالرجل كان واثقاً إلى حد الغرور. وفي عام 1664 صدر أمر سامٍ بتعيين موليير مسؤولاً عن قسم الترفيهات في القصر الملكي. وهو منصب رفيع بالنسبة لذلك الزمان. وفي العام نفسه كتب موليير إحدى مسرحياته الشهيرة بعنوان «طرطوف» أي المنافق، أو مدّعي التقوى والورع وهو ليس كذلك إلا ظاهرياً. وفيها أدان ازدواجية بعض رجال الدين الذين يُظهرون الورع ويُخفون عكسه. وقال إنهم يستخدمون الورع الظاهري لاستدرار عطف الناس عليهم واحترامهم لهم، ثم بالأخص لنيل الزكوات والأموال. وأفهمنا موليير أن بعض رجال الدين أكثر مكراً ودهاءً مما نظن، ولهم وجهان... فهم يخفون مآربهم الدنيوية بل وجشعهم تحت ستار كثيف من التُّقى الظاهري والتسبيحات والتهليلات والخشوع المنافق الذي ينطلي على عامة الشعب. ولكن هذه المسرحية أحدثت فضيحة في الأوساط الدينية الفرنسية. وقامت الدنيا ولم تقعد بسببها. وقد اضطر الملك إلى تعليقها أو إيقاف تمثيلها لكي يخفف من سخط الكهنة والخوارنة الذي كان قد بلغ أوجه. فالملك نفسه كان يخاف من رجال الدين، أي الخوارنة والرهبان والمطارنة، هذا ناهيك بالبابا! ولكن موليير تحايل على الرقابة وقدم حفلات تمثيل خاصة لها. تصوروا الوضع: لويس الرابع عشر، الملك الشمس، باني قصر فرساي، وأعظم ملوك فرنسا، يخاف من رجل دين! كانت فرنسا آنذاك لا تزال أصولية من أقصاها إلى أقصاها. أما اليوم فأصبح رجال الدين هم الذين يخافون ولم تعد لهم أي قيمة أو هيبة في فرنسا المعاصرة. وهكذا انتقلنا من نقيض إلى نقيض. وخير الأمور أوساطها.
وفي عام 1665، أبدعت عبقرية موليير مسرحية جديدة بعنوان «دون جوان»، وقد لاقت هي الأخرى أيضاً نجاحاً منقطع النظير. وأصبح اسم موليير على كل شفة ولسان. وبلغت شهرته أوجها إلى درجة أن الملك دعا فرقته المسرحية باسم «فرقة الملك» شخصياً. وهكذا أصبح موليير أهم فنان في عصره، ونال المجد من جميع أطرافه، وطبقت شهرته الآفاق.
ثم ألّف بعدئذ مسرحية شهيرة تحت عنوان «كاره المجتمع» أو «مبغض البشر»، وفيها يعبِّر عن ألمه ومرارته بسبب افتراقه عن زوجته أرماند أو تطليقه لها. ثم كتب مسرحية أخرى تحت عنوان «الطبيب رغماً عنه» وبعدئذٍ حاول أن يمثل مسرحية «طرطوف المنافق» تحت اسم آخر، ولكن رجال الدين أحسوا بالأمر فمنعوها فوراً من جديد. وفي عام 1668، كتب مسرحيته الشهيرة عن «البخيل»، واشتهر «بخيل موليير» في شتى أنحاء العالم. فكل من يريد أن يضحك على البخل والبخلاء ويموت من الضحك ما عليه إلا أن يذهب إلى المسرح الفرنسي ويشاهد هذه المسرحية الرائعة. ولكن لا بأس في أن تقرأوا كتاب «البخلاء» للجاحظ. فقد تموتون من الضحك أيضاً. الجاحظ أيضاً كان موليير العرب قبل موليير. والآداب العربية لا تقل خطورة وأهمية عن الآداب الفرنسية. ولكنّ هذا موضوع آخر. أما آخر مسرحية كتبها موليير فكانت بعنوان «المريض الوهمي»، أي الذي يتوهم أنه مريض وهو لا يشكو من أي شيء في الواقع. ولكن موليير أُصيب في أثناء تمثيلها بوعكة صحية على خشبة المسرح. ثم تفاقمت وتغلبت عليه وسقط صريعاً أمام الجمهور وهو يمثلها. وهكذا مات أجمل موتة على خشبة المسرح وسقط شهيد الفن.
ولكن، كما قلنا، لا يزال معظم هذه المسرحيات إن لم يكن كلها تُمثَّل على خشبة المسرح في باريس باعتبارها من روائع الأدب العالمي. نعم منذ نحو أربعة قرون لا يزال موليير صامداً يجذب إلى مسرحياته كل عام بل كل أسبوع أو كل شهر آلاف المشاهدين! إنه المسرح الخالد، المسرح الذي لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. أخيراً، من الممتع أن نقرأ المقدمة التي كتبها موليير لمسرحيته الشهيرة التي جرّت عليه المشكلات مع رجال الدين: «أي طرطوف المنافق» فهو يقول ما معناه:
«هذه المسرحية أحدثت من الضجة والفرقعة أكثر من غيرها بكثير. وقد اضطهدوها وحاربوها ومنعوها أكثر من جميع مسرحياتي الهزلية السابقة. وهذا يدل على أن رجال الدين هم أقوى الفئات في المجتمع وأكثرها هيبة وجبروتاً. ففي السابق تهكمت على النساء المتحذلقات، أو على الأطباء الفاشلين، أو على الأرستقراطيين من دوق ومركيز، إلخ أو على المخدوعين من قِبل زوجاتهم... ولكن لم يهددني أحد منهم على الرغم من كل ذلك ولم تُمنع مسرحياتي بسببهم. وحدها المسرحية التي تتهكم على رجال الكنيسة أو بعضهم وتصوِّرهم على هيئة منافقين أو دجالين مُنعت فوراً بعد أول عرض لها وجلبت لي المشكلات المزعجة من كل النواحي، بل وهددت حياتي الشخصية. وقد كان رجال الدين ملاعين جداً ودهاة وأذكياء في محاربة هذه المسرحية. والسؤال المطروح: لماذا هاجموها؟ لأنها تفضح مخازيهم وحيلهم الهادفة لخداع الناس واستدرار الأموال منهم. فقد زعموا أنها تسيء إلى الدين نفسه، وإلى التُّقى والورع، لا إلى الدجالين الذين يتكسبون بالدين والتُّقى والورع. إنهم يضعون قناع الدين على وجوههم وهو منهم براء. هكذا احتالوا على الموضوع ولم يواجهوه صراحةً، ولولا ذلك لما استطاعوا الإساءة إليَّ ومنع المسرحية من التمثيل. فقد زعموا أني أهاجم الدين في حين أنني لا أهاجم إلا المتاجرين به! وزعموا أني زنديق أو خليع، في حين أني مؤمن بالله كبقية البشر... باختصار: لقد قاموا بحملة شنيعة وكبيرة لتشويه سمعتي ومقاصدي الحقيقية. وللأسف فإنهم نجحوا في ذلك ولو لفترة من الزمن. فقد انطلت الحيلة على الناس».
أحياناً يتساءل المرء: هل يتحدث موليير عن عصره أم عن عصرنا؟ الفرق بينهم وبيننا هو أن التنوير الذي جاء بعد موليير مباشرةً نجح عندهم وحجّم رجال الدين وما عادوا بقادرين على تهديد أحد أو استغلاله. أما نحن؟



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.