«نوتة الظلام»... أحلام كتبتها عين الكاميرا

البنية المعمارية لرواية فجر يعقوب تعتمد تقنية السيناريو

«نوتة الظلام»... أحلام كتبتها عين الكاميرا
TT

«نوتة الظلام»... أحلام كتبتها عين الكاميرا

«نوتة الظلام»... أحلام كتبتها عين الكاميرا

تأخذنا رواية «نوتة الظلام» لفجر يعقوب، الصادرة عن دار «الدراويش» في بلغاريا، إلى المنطقة الرمادية التي يتماهى فيها الخيال المُجنّح مع الواقع الأسيان، وهي تحتاج مثل غالبية رواياته الأخرى إلى علامات دالة تُرشد المُتلقّي في متاهة النص وتذكّره إن كان يمشي على الأرض أو يُحلّق في تجليات الأحلام. ومَنْ ينتهي من قراءة الفصل الأول من هذه الرواية، يكتشف أنّ البطل كان مُستغرقاً في حلمه الأول، وأنّ ما يجري في متن النص ما هو إلاّ تداعيات حُلُمية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن معظم الأحلام، إن لم نقل كلها، تنبثق من نتوءات واقعية قبل أن تتسامى إلى ملكوت الخيال الذي ينطوي على كثير من السحر والدهشة والغموض. لا تنأى البنية المعمارية لهذه الرواية بنفسها عن تقنية السيناريو، كثيراً، إن لم تكن في الأصل قصة سينمائية كُتبت كي تُصوّر لتتحول في نهاية المطاف إلى فيلم يحمل عنوان الرواية نفسه، الأمر الذي يتيح لنا أن نقرأ الرواية قراءة واقعية، وإن كُتبت بمنظور حُلُمي مُرهف بواسطة عين الكاميرا، أو العين الثالثة التي شُفيت بالتدريج من عاهة الارتخاء، ولم يعد جفنها العلوي متهدلاً يُسبب بعض الإحراج لصاحبها الموهوب الذي لا يشبع من مطاردة الأحلام في مخيلته السينمائية الشاسعة.
ولكي لا نُشتِّت ذهن القارئ بالتفاصيل الكثيرة التي تؤثث متن الرواية، سنحاول أن نجسِّم صورة العمود الفقري لهذا النص الإشكالي الذي لا يخلو من الدلالات الرمزية التي تشيع في نسقه السردي الذي يتكشّف عبر شخصية مهيار الذي يستهل الرواية وينتهي بها. وما نعنيه بالعمود الفقري هو ثيمة النص الرئيسية التي تتردد على مدار الرواية برمتها، وتؤسس حبكتها، وتكشف عن ترابط أحداثها، ونموّ شخصياتها الرئيسية على وجه التحديد. تتلخص ثيمة النص «بأنّ الراوي مهيار يتلقى رسالة من السيدة أغاثا كريستي تدعوه فيها للحضور وسرد قصته أمام لجنة مختصة في مائتي دقيقة فقط». ولو تأملنا هذه الثيمة لوجدناها تحتاج إلى بعض الرتوش، فالسارد لديه مشكلة في الإلقاء، ولن يتغلّب عليها، ما لم يلمّ بالقاعدة الذهبية التي تمنحه القدرة على سلاسة السرد التي لن تتم إلاّ بمساعدة السيدة الأرستقراطية أغاثا كريستي ولجنتها المؤلفة من 12 شخصاً مختصاً. وكلما تقدّمنا في قراءة الرواية سنكتشف أنّ على مهيار أن يخوض 5 امتحانات قبل أن يسرد قصته في مقاطع شفهية مُتقنة تؤهله لتأدية الدور الذي رآه شاقاً وعسيراً، وفق الإمكانات التي يتوفر عليها، إضافة إلى العوق المُشار إليه سلفاً. يتمثل الامتحان الأول بعرض 9 لقطات من 9 أفلام متنوعة لا تتجاوز مدة العرض ثانية واحدة لكل لقطة، وعليه أن يعرف اسم الفيلم واسم مُخرجه. وبرمشة عين أعاد مهيار ترتيب الأفلام في ذاكرته اليقظة، وعرف الجواب بسرعة أثارت إعجاب السائلين، ودهشة السيدة التي أثنت على مهيار وبدايته المُبهرة في تجاوز العتبة الأولى من الامتحان. قبل أن يتهيأ لخوض الامتحان الثاني، أخبرته السيدة الأرستقراطية بأنها ليست فقط رئيسة اللجنة الموقرة للامتحانات، وإنما هي مديرة مصفاة تكرير النفوس الحائرة، وتقع على عاتقها مسؤولية معالجة النفوس الحيرى كي تتمكن من سرد حكايتها بطريقة مثالية، وهذه حيلة فنية كي تتشظى الرواية إلى أنساق سردية أخرى، تتبنى إحداها السيدة أغاثا نفسها لتذكِّرنا بروايتها المعروفة «جريمة في قطار الشرق السريع»، وتتعالق مع أحداثها المهمة، لعل أبرزها الجريمة التي وقعت في القطار، والشخصيات الـ12 الذين وضعوا خطة للتخلّص من «راتشيب» في القطار الذي ينطلق من مدينة حلب، ويُفترض أن يتعطّل في يوغوسلافيا. ثم تتشظى أحداث الرواية إلى والده بكر الذي تعلّق بامرأة جميلة سماها «الشافية»، من دون أن يعرف اسمها الحقيقي، كما يتوسع في الحديث عن قبر جده «الطاهر» الذي تحوّل إلى مزار.
يتمحور الامتحان الثاني على الصور الفوتوغرافية التي التقطها مهيار بكاميرة مستعارة، بعد أن تعطّلت كاميرته الشخصية، فأثارت موجة من الإعجاب لدى أعضاء اللجنة، بعد أن اشتغل بطريقة فنية على تكويناتها، وأسرارها بالأسود والأبيض، فمنهم مَنْ قال عن مُصوِّرها أنه يمتلك «عين حسّاسة»، وآخر قال «إن شعوره مُرهف بالضوء»، وذهب ثالث إلى «أنه رسّام فوتوغرافي من طراز نادر». فشعر لأول مرة بأنّ عاهة عينه اليسرى قد تلاشت تقريباً.
أما في الامتحان الثالث، فقد طلبت منه السيدة أن يستعيد لقطة عماد حمدي، وهو يصفع حليم بالملهى في فيلم «أبي فوق الشجرة»، فنجح في الامتحان نجاحاً مبهراً دفع صاحب «المونوكول»، لأن يُعرب عن إعجابه ويقول «إن في داخله ممثلاً ينتظر إشارة حارقة من مُخرج كبير». ليس بالضرورة أن يكمل الروائي الامتحانين المتبقيين، فلقد عرفنا من السياق المتصاعد أنه سينجح فيهما، وأنّ نبرة الإعجاب سوف تتصاعد، فلا غرابة أن يضع الكاتب حداً لهذه الاختبارات، بحيث تعتبره رئيسة اللجنة مفخرة للجميع، وتُهديه مذياعاً للاستمتاع برحلة العودة إلى الديار. وأكثر من ذلك، فإن المُخرج روي أندرسون أبدى إعجابه بالطريقة التي روى فيها مهيار قصته المدهشة حقاً التي رواها بأسهل الطرق وأيسرها، وعليه أن يعود لكي يحضر حفل زواج شقيقته آليس.
في محطة القطار، اصطدم مهيار بفتاة عشرينية جميلة تُدعى سيدرا من أبوين غير سويديين تعمل موديلاً، إضافة إلى كونها طالبة فنون جميلة، وقبل أن يُعرّف نفسه قالت إنها تعرف عنه كل شيء؛ اسمه، وتركه المبكِّر للدراسة، وممارسته للتصوير والكتابة، وأنه لاجئ في السويد، ومدعّو من قبل السيدة كريستي لسرد قصته في غضون 200 دقيقة. هل قرأت سيدرا أفكاره، أم أنها كانت تطارده، خصوصاً بعد أن عرفنا أنه لا يؤمن بالمناهج التي فرضتها حكومة «النمصي»؟ أما هي فلم تكتفِ بتقديم نفسها، وإنما عرّفته بالقط فردريك الذي سيكون له وللقطط الأخرى دور في هذه الرواية. وبين تضاعيف النص نعرف أن والد مهيار قد اختفى أو تخلى عن أمه «صبحية»، وأنه قضى 10 سنوات جحيمية بسبب امرأة لم يلمح وجهها، لكنه عاد واغتصبها في ليلة معتمة لتنجب ابنتها آليس، ثم يختفي مرة أخرى إلى الأبد، وقيل إنه مات بين أغصان شجرة الكينا. أما الابن مهيار، فسوف يموت هو الآخر عندما يرتقي الشجرة، ويفارق الحياة قبل طلوع الفجر.
تفتح السيدة كريستي جهاز «اللابتوب»، وتكتب عن النوم الملتبس الذي يختلف عن حالتي النوم واليقظة، وما يتخلله من أحلام متفاوتة في المدة الزمنية «فالدجاجة تحلم 25 دقيقة في الليلة، والقردة 60 دقيقة، والإنسان 100 دقيقة، والقط بطل الحالمين بلا منازع فهو يحلم 200 دقيقة في الليلة». ثمة أحداث أخرى تتعلق بانحدار الأب بكر الطاهر الجيلالي من المغرب وذهابه إلى الحج، ووفاته، ثم دفنه على قمة في عين الحايك، ثم تحوله إلى مزار قبل أن يفقد رتبة الولي العارف بعد 10 سنوات. وهناك قصص وأحداث أخرى لا يتسع المجال للتوقف عندها جميعاً، وحسبنا أن الثيمة الرئيسة ستقدم للقارئ ما يكفي من الأحداث التي تُدخله في فضاء النص، وتعرّفه بالشخصيات الرئيسية التي نسجت «نوتة الظلام»، وأسفرت عن عمل روائي لا تنقصه الخبرة، ولا تعوزه الحرفية والإتقان.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.