(1) رفض الملك حسين تعهد اشكول عدم مهاجمة الأردن ودخل حرب 1967

مذكرات الشريف زيد بن شاكر كما ترويها أرملته

الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر
الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر
TT

(1) رفض الملك حسين تعهد اشكول عدم مهاجمة الأردن ودخل حرب 1967

الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر
الملك حسين والرئيس عبد الناصر وظهر في خلفية الصورة (إلى اليمين) زيد بن شاكر

تكشف السيدة نوزاد الساطي، أرملة الأمير الأردني الشريف زيد بن شاكر، في كتاب تروي فيه مذكرات زوجها، معلومات بالغة الأهمية عن مراحل مفصلية من الحياة السياسية في الأردن والعالم العربي في فترة تاريخية تمتد من حرب 1967 وصولاً إلى غزو الكويت وحرب الخليج، والاتصالات التي قامت في تلك الفترة بين العاهل الأردني الراحل الملك حسين والرئيس العراقي آنذاك صدام حسين. ويتضمن الكتاب الذي وضعت له عنوان: «زيد بن شاكر... من السلاح إلى الانفتاح» مواقف تروى للمرة الأولى عن تفاصيل اجتماعات أركان القرار الأردني في مفاصل مهمة عاشتها البلاد خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي. روايات السيدة نوزاد الساطي جاءت في سياق معلومات وذكريات زوجها لمعلومات تركها عندها في محاولة منه لكتابة مذكراته، قبل وفاته عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من أن زيد بن شاكر كان من أكثر المقربين من الملك حسين ورافقه على مدى عقود، وتدرج في الرتب العسكرية من قائد لواء للدروع، إلى قائد للجيش، ووزير للدفاع ورئيس للديوان الملكي ورئيس للوزراء، في ظروف دقيقة. كما منحه الملك حسين رتبة مشير التي لم يحظَ بها حتى ذلك العهد سوى الملك الأردني الراحل وأيضاً القائد العام للقوات المسلحة حابس المجالي، فكان هو ثالثهم. وفي سنة 1996 منحه الملك حسين لقب أمير. واعتباراً من اليوم تنفرد «الشرق الأوسط» بنشر حلقات من الكتاب، وذلك قبل الرابع من سبتمبر (أيلول) موعد صدوره، في حفل جرى التحضير له منذ الأشهر الماضية. وستنشر «الشرق الأوسط» أبرز المعلومات التي تناولت أحداثاً كبرى كحرب عام 1967. ومعركة الكرامة عام 1968. و«أحداث أيلول» وما شهدته الأعوام من 1970 - 1973 من اضطرابات شهدتها المملكة الأردنية، وسط أحداث دراماتيكية في العلاقة بين الراحل الملك الحسين والرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وفي الكتاب أيضاً تفاصيل عن موقف الأردن خلال حرب الخليج الثانية، وتطورات العلاقة بين الراحل الملك الحسين والرئيس الراحل صدام حسين، وصولاً إلى أزمة استضافة عمّان لمسؤول التصنيع العسكري في الجيش العراقي صهر صدام حسين، حسين كامل، قبل عودته إلى العراق وقتله. ويتوقع أن تثير هذه المذكرات جدلاً واسعاً بشأن محطات تاريخية تتعلق بمفاصل مهمة من تاريخ الأردن والمنطقة على مدى أربعة عقود. وفيما يلي نص الحلقة الأولى:

كانت أحداث السموع «نقطة تحول» في مسار المناوشات العسكرية بين إسرائيل والعرب. وشعر الحسين بأنها «إنذار مباشر» بنوايا إسرائيل لاحتلال الضفة الغربية. ورغم التطمينات الأميركية المباشرة التي صدرت عن الرئيس ليندون جونسون للحسين، فإن «الشكوك العميقة» سكنت في عقله بأن عين إسرائيل على الضفة الغربية، وبأن أجواء الحرب بدأت تهيمن على المنطقة، عبر الرسائل العسكرية المتبادلة.
بالفعل، أخذت الأمور منحى تصاعدياً منذ مايو (أيار) 1967، وذلك باندلاع مواجهات عسكرية على الجبهة السورية - الإسرائيلية، وصولاً إلى تصريح إسحق رابين (وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك) بأنه سيحتل دمشق‪.‬‬
ورغم أن عبد الناصر كان متورطاً في الصراع العسكري باليمن، وكان لا يريد الحرب مع إسرائيل، ومتردداً بشأن قدرة العرب على كسب المواجهة العسكرية، فإنه اتخذ على إثر هذه التطورات على الجبهة السورية قرارات حاسمة دفعت بالمشهد الإقليمي إلى حافة الهاوية؛ إذ طلب من قوات الطوارئ الدولية الموجودة في سيناء على الحدود مع إسرائيل المغادرة، وقام بإغلاق مضائق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وحشد قوات كبيرة من الجيش المصري في سيناء على الحدود مع إسرائيل.
لم يكن عبد الناصر متحمساً للحرب، لكنه قام بهذه الخطوات - التي اعتبرتها إسرائيل بمثابة «إعلان حرب» - تحت ضغط الخطاب الشعبي الذي كان يهيمن على مواقفه السياسية وتصرفاته، فهو من خلق مناخ «حانحارب» (سنحارب). كما فعل ذلك لمواجهة الدعاية السياسية الأخرى التي كانت تروّج بأن وجود قوات الطوارئ بمثابة عازل دولي بين مصر وإسرائيل، ما يلقي بثقل الحرب على الجانب السوري‪.‬‬
في ذروة هذا التوتر الذي سبق الحرب، وصلت معلومات استخبارية من موسكو تفيد بنية إسرائيل الهجوم على الجبهة السورية. وهي المعلومات التي أثارت لاحقاً أسئلة وشكوكاً كبيرة، بعدما ظهر تالياً ما ينفيها، لكنها كانت في حينه مؤثرة تماماً على موقف عبد الناصر وقراراته بوضع قواته في حالة تأهب، لتوجيه رسالة واضحة لإسرائيل بأن موقف مصر حاسم إلى جانب سوريا.
هكذا وصل الحسين إلى قناعة بأن مناخ الحرب يهيمن على المنطقة. ورغم أنه كان متقدماً من الناحية الاستخباراتية على العرب الآخرين، ولديه مصادر معلومات أكثر دقة وعمقاً، فإن رسائله المتعددة لم تكن موضع ثقة لدى عبد الناصر للأسف الشديد‪.‬‬
ولعل الرسالة المهمة الأولى التي بعث بها الحسين لعبد الناصر، كما يعترف مؤرخ عبد الناصر والكاتب المقرب جداً منه، محمد حسنين هيكل، هي تحذيره عبد الناصر مبكراً، في بداية مايو (أيار)؛ إذ طلب اللقاء مع القائد العسكري المصري عبد المنعم رياض، والذي أخبره (الحسين) بالمعلومات المهمة التي بحوزته عن «الفخ» الذي يأتي عبر التصعيد على الجبهة السورية، لجر مصر إلى حرب خاسرة. لكن المصريين لم يفهموا تلك الرسالة ولم يقدروها، فكانوا متأثرين بالمعلومات السوفياتية وبالأخبار الواردة من الجبهة السورية.
في 30 مايو (أيار)، أي قبل الحرب بأيام قليلة، اتخذ الحسين قراره الحاسم بالسفر إلى مصر للقاء عبد الناصر، مع وفد رسمي رفيع المستوى يتشكل من رئيس الوزراء سعد جمعة، ووزير الخارجية أحمد طوقان، ورئيس هيئة الأركان عامر خماش، وقائد سلاح الجو الملكي صالح الكردي. فالتقوا بعبد الناصر، حيث مازح الحسين بقوله: «بما أن الزيارة سرية يمكنني أن أعتقلك؟ فأجاب الحسين: لم أفكر في هذا الأمر».
خلال اللقاء سأل الحسين عبد الناصر إن كان مستعداً للمواجهة وجاداً في قرار الحرب إذا وقعت، وأعرب الحسين عن خشيته على مصير القدس، فكان جواب عبد الناصر، كما نقله عامر خماش لاحقاً لزيد: «ح ادكاها لك» (سوف أدك القدس) من القاهرة. ولإظهار وقوفه المفصلي إلى جانب العرب في المواجهة، فاجأ الحسين عبد الناصر بطلبه توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين، شبيهة بالمعاهدة المصرية - السورية، والتي تم فعلاً استبدال كلمة الأردن بدلًا من سوريا، ووقع عليها الحسين وعبد الناصر.
كذلك، طلب الحسين من عبد الناصر إرسال عبد المنعم رياض معه إلى الأردن ليقود الجبهة الأردنية، وليكون مسؤولاً عن القوات الأردنية والقوات العربية المتوقع قدومها من العراق والسعودية، ولأن العلاقات كانت متوترة بين الأردن ومصر على خلفية طرد الأردن لأحمد الشقيري (رئيس منظمة التحرير الفلسطينية) بعد شعور الحكومة بالضيق من تصرفات قادة المنظمة خلال وجودهم في الأردن، فقد طلب عبد الناصر من الشقيري القدوم إلى الاجتماع ولقاء الحسين لإزالة الاحتقان بينهما، بل وتوسط لدى الحسين لاصطحاب الشقيري معه بالطائرة في رحلة العودة إلى عمّان، بالإضافة إلى عبد المنعم رياض‪.‬‬
بقي سؤال المليون الذي ما زال جدلياً في الأوساط الأكاديمية، والسياسية والعسكرية، يتمثل بالأسباب التي دفعت الحسين إلى الدخول بالحرب، والإقدام على تلك الخطوة الحاسمة؛ زيارة عبد الناصر وتوقيع المعاهدة، ثم دخوله الحرب لاحقاً إلى جانب القوات العربية الأخرى، رغم خشيته من غلبة الجانب العسكري الإسرائيلي، ومن عدم جدية استعداد العرب وغياب التخطيط الاستراتيجي عنهم‪.‬‬
يعزز هذا السؤال المهم أن هناك فريقاً معتبراً من السياسيين الأردنيين، حينها، في مقدمهم وصفي التل، وقفوا بآرائهم ضد هذه الخطوات، لإدراكهم أن الهدف الإسرائيلي أو الهدية التي تنتظرها إسرائيل من الحرب هي الضفة الغربية، واستكمال «حلم صهيون»، على حد تعبير حسنين هيكل نفسه.
لكن من الصعوبة بمكان الاقتراب من الجواب عن هذا السؤال بمعزل عن سياق الظروف الإقليمية والداخلية التي أثرت على قرار الحسين ومواقفه، وهي ظروف مستمرة غير منقطعة منذ انقلاب عام 1958 في العراق، وقتل العائلة المالكة هناك. فقد شاعت حالة من «الارتياب» (بارانويا) بين الشعب الأردني؛ اجتماعياً وسياسياً، فمسلسل الأحداث التي وقعت منذ عام 1958 وحتى عام 1967، دفع الحسين إلى المبالغة في إظهار وقوفه إلى جانب عبد الناصر عندما بدأت إرهاصات حرب 1967 بالظهور. كان الحسين يتخوف من نتائج مثل هذه الحرب في حال وقوعها، ولا سيما إن لم يشارك فيها، فبادر إلى زيارة عبد الناصر وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك معه، رغم ظنه أنها ستكون حرباً خاسرة. كما أن الاتهامات للأردن وإفقاد الثقة به عربياً (من قبل أحمد سعيد في «صوت العرب» وغيرها من وسائل الإعلام المصرية)، هي ما دفعت الحسين إلى الطلب من عبد الناصر إرسال قائد عسكري مصري (عبد المنعم رياض) ليتولى قيادة العمليات من الأردن. وقد عبّر الحسين عن ذلك صراحة في لقائه مع عبد الناصر، بقوله له إن القيادة المصرية تتهم الأردن وقيادته، وهو لذلك يريد قائداً مصرياً ليرى كيف نخوض المعركة.
ورغم أن الوقت أظهر نجاح سياسات الحسين في مقابل فشل سياسات عبد الناصر، والزمن هو أكبر حكم، فإنه يظل أكثر ما يحز في النفس - لدى زيد وأنا - ما واجهه الحسين من صعوبات ومعاناة لإثبات مصداقيته. فعقب الانقلاب في العراق، بلغ الحد بعبد الناصر أن يشتم والدة الحسين، جلالة الملكة زين الشرف، في أحد خطاباته، بالتزامن مع الحملات الإعلامية غير المنقطعة، التي كانت تصف الحسين بأنه «من أذناب الاستعمار».
أمام ذلك، لم يكن أمام الحسين إلا الوقوف مع العرب في تلك الحرب، لأن الظروف الداخلية والحالة الشعبية أيضاً كانت في حالة غليان، وجاء الاعتداء الإسرائيلي على قرية «السموع» ليصب الزيت على النار، مع توتر العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية والدعاية التي تملأ الأجواء العربية ضد الأردن، وعدم تمييز العرب والفلسطينيين تحديداً بين الشعارات الشعبوية التعبوية من جهة، ومتطلبات الحرب الحقيقية من جهة أخرى‪.‬‬
ومع خشية القيادة الأردنية من أننا مقبلون على حرب خاسرة قد نفقد فيها الضفة الغربية، فإن قرار الحسين بالوقوف مع العرب جاء أيضاً لعدم ثقته بالضمانات الأميركية وبالنوايا الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، عاجلاً أم آجلاً. وهو الأمر الذي كان يدركه زيد بعمق.
قبل يومين من الحرب، زار الحسين قوات أردنية في الضفة الغربية، وبدأ باللواء 60 الذي يقوده زيد، وقال للضباط والجنود: «إن وقعت الحرب، الله لا يمتحننا، لأننا غير قادرين وغير مستعدين لمواجهة إسرائيل في الظرف الذي نحن فيه الآن (نحن ليس الأردن فقط، وإنما الدول العربية كلها). ولأن النتائج ستكون عكس ما نأمل وعكس ما يتطلع إليه المواطن العربي في كل مكان. لكن إذا حدثت الحرب أنتم أمام طريق واحدة، هي أن ترفعوا رأس بلدكم وتحافظوا على تقاليد جيشكم وتحاربوا بقدر ما تستطيعون. وإن شاء الله سيأخذ بيدنا».
قدّم الملك الحسين تحذيره الأخير لعبد الناصر - عقب تحذيرين مماثلين سابقين في 30 مايو (أيار) و3 يونيو (حزيران) - كان يوم الرابع من يونيو (أي قبل اندلاع الحرب بساعات)، بناء على معلومات من السفير التركي في عمّان، تم تأكيدها أيضاً بشكل منفصل من السفير العراقي، بأن «إسرائيل ستبدأ هجومها يوم الخامس أو السادس من يونيو -حزيران بغارات جوية تستهدف المطارات المصرية»، وهو التحذير الذي رد عليه المصريون بأنهم «يتوقعون مثل هذا الهجوم وهم مستعدون له».

ساعة الصفر

في صباح اليوم التالي 6 يونيو (حزيران) كانت ساعة الصفر، وانجلى الغبار سريعاً عن حقائق مروعة مبكرة لنتيجة المعركة التي كان الكل ينتظرها ويترقبها ويستعد لها منذ أشهر. فقد قامت الطائرات الإسرائيلية بالإغارة على المطارات المصرية ودمّرت الطائرات الحربية في مرابضها، عبر موجات خاطفة. وعملياً، كانت هذه الغارات بمثابة الضربة القاضية للقوات العربية كلها، إذ كانت تعوّل على الغطاء الجوي المصري في مواجهة إسرائيل‪!‬‬
ساد ارتباك شديد القيادة العسكرية المصرية، نتيجة هذه الضربة الجوية الحاسمة. لكن لم يرِد قائد الجيش المصري عبد الحكيم عامر الاعتراف بهذه الهزيمة، وروّج رواية - أتت بنتائج كارثية - نقلها الإعلام المصري بأن المضادات الجوية المصرية تصدت للطائرات الإسرائيلية وقضت على 75 في المائة منها. وهي الكذبة التي أرسل بها عامر إلى عبد المنعم رياض والجبهة الأردنية، طالباً من الجيش العربي بدء القتال والالتحام بالقوات الإسرائيلية‪.‬‬
بالفعل، بدأت القوات المسلحة الأردنية بقصف المواقع الإسرائيلية المجاورة في القدس، وتقدمت للأمام وسيطرت على بعض المواقع المتقدمة في القدس، في حين أغارت الطائرات الأردنية في الساعة 11 صباحاً على مطارات إسرائيلية. لكنها لم تجد طائرات حربية إسرائيلية، إذ كانت في عمليات جوية ضد الطيران المصري‪.‬‬
تالياً، أغارت الطائرات الإسرائيلية مباشرة على الطائرات الأردنية وهي تستعد لغارة ثانية وتتزود بالوقود، فقامت بتدميرها. واستشهد الضابط الطيار الأردني فراس العجلوني، وهو يستعد للإقلاع بطائرته. وكذلك كان مصير الطائرات السورية والعراقية. هكذا، ومع ساعات الظهيرة، كانت إسرائيل قد قضت على سلاح الجو العربي كاملاً، وانفردت بقصف الجيوش العربية في الجبهتين المصرية والأردنية، حيث واجه الطرف العربي القوات الإسرائيلية من دون أي غطاء جوي يذكر!


(الحلقة الثانية)
التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة


تلقى الحسين رسالة مهمة في بداية الحرب، بعد القضاء على القوات الجوية المصرية، من رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول، عبر وسطاء أوروبيين (وآخرين أميركيين)، يتعهد فيها أشكول بأن إسرائيل لن تهاجم الأردن إذا لم يبدأ جيشنا بالقتال. لكن الحسين رفض ذلك قائلاً: «أنا عربي ومن واجبي المشاركة في القتال».
لم يكن الحسين يعرف أن القوات الجوية المصرية قد تم تدميرها بالكامل، وذلك بناء على الرواية المصرية الزائفة. وقد اعترف لاحقاً أنه لو كان يعلم بالأمر لما دخل حرباً خاسرة حكماً.
أتاح تدمير القوات الجوية العربية خلال الساعات الأولى امتلاك إسرائيل الجو كاملاً؛ فكان الجيش المصري يتلقى الضربات في صحراء سيناء المكشوفة، مما دفع بالقيادة العسكرية إلى اتخاذ قرار الانسحاب في صباح اليوم التالي من سيناء. لكن بسبب حالة الفوضى وغياب التخطيط الاستراتيجي والارتجال في إدارة المعركة العسكرية، جاءت تكلفة الانسحاب باهظة جداً على الجيش المصري، كما يعترف هيكل؛ إذ كان عدد الشهداء من الجيش المصري في اليوم الأول 642 جندياً، لكن في مساء 8 يونيو (إلى حين التوقف الرسمي للقتال) بلغ العدد 6811 شهيداً، مما يعني أن الجيش لم يكن ينسحب، بل كان في حالة فوضى أدت إلى تلك الكارثة.

الأردنيون يقاتلون ببسالة

على الجبهة الأردنية، وخلال الساعات الأولى لليوم الأول، قاتل الجنود الأردنيون ببسالة، وسيطروا على مواقع إسرائيلية في القدس. لكن الأمور اختلفت بالكلية في مساء اليوم نفسه، عندما بدأت تتضح نتائج مغالطات وأخطاء وادعاءات القيادة العسكرية المصرية؛ إذ بدأت الضربات الجوية الإسرائيلية تغيّر ميزان القوة على الأرض بالكامل. وذاق الجنود الأردنيون الأمرّين من هذا الاختلال الكبير، فكانوا يهربون من قصف جوي إلى آخر، بلا أي سند جوي.
قبل 48 ساعة من الحرب صدرت الأوامر من القيادة للواء زيد بالتحرك نحو الخليل من منطقة خان الأحمر غرب أريحا حيث كان يوجد. وكان زيد يشرف بنفسه على الخطط وسير الأمور في أرض الميدان‪.‬‬
مع إخفاء حقيقة تدمير سلاح الجو المصري تماماً، قضت الأوامر بأن يلتقي لواء زيد مع الجيش المصري الذي كان يفترض أن يكون قادماً من جهة النقب باتجاه مدينة الخليل. من أجل ذلك، أمر زيد بفتح طريق صحراوية ترابية نحو الخليل، بعيداً عن الطريق التقليدية، لاختصار الوقت والمسافات لتحقيق تلك المهمة، كما يذكر مساعد قائد سلاح الهندسة حينها عبد الهادي المجالي، الذي كان ينسّق مع زيد.
ويروي لنا عيد الروضان، الذي كان بجوار زيد خلال فترة الحرب، تفاصيل مهمة عن تلك اللحظات التراجيدية الحزينة، فيقول: «في بداية الحرب كنت مع زيد في السيارة، وبقيت معه خلال مرحلة الحرب كاملة. وصلنا إلى منطقة الظاهرية بعد الخليل، حيث كان هناك مخفر للشرطة الأردنية. فصعدنا إلى أعلى المبنى لنستكشف الطريق التي من المفترض أن نسير عليها من أجل الوصول إلى نقطة الالتقاء مع الجيش المصري. لكن في الأثناء تسلم مأمور المخفر برقية جاء فيها أن مقرات اللواء قُصفت من قبل الطيران الإسرائيلي، فعدنا إلى هناك ووجدناها محترقة بالكامل. ووجدنا أنفسنا بعد ساعات قليلة من بدء الحرب أمام واقع مؤلم؛ فكل ما كانت تتحدث عنه إذاعة «صوت العرب» من القاهرة لم يكن صحيحاً؛ أي البطولات الوهمية وتدمير 75 في المائة من الطائرات الإسرائيلية! العكس هو الصحيح؛ إذ تم تدمير طائرات المصريين بالكامل، ولم يكن الجيش المصري يتقدم، بل ينسحب من سيناء تحت القصف الإسرائيلي، فتغيرت الأمور وتحولت مهمة اللواء 60 إلى وحدات احتياط للوحدات التي تدافع عن القدس بعد أن انتقل الضغط الإسرائيلي بالتدريج إلى الجبهة الأردنية.‬
خلال تلك الفترة ونتيجة القصف الجوي الإسرائيلي المكثف وغياب الغطاء الجوي لجيشنا، صدرت أوامر لقادة الجبهة الغربية بالانسحاب. كان المحور الوحيد لذلك هو أريحا - القدس، فذهبنا إلى هناك مع زيد. في اليوم الثاني للحرب، جاءت أوامر الانسحاب للجيش العربي من الضفة الغربية، من قبل قائد القوات العربية على هذه الجبهة، عبد المنعم رياض. وقد طلب منه الأردن أن يوقع رسمياً على هذا القرار، كي لا يقال في التاريخ إن الجيش العربي انسحب وترك سكان الضفة (نصف مواطني المملكة) وتخلى عنهم، فالكل كان يعلم تماماً أن الخيار الآخر البديل للانسحاب من الضفة الغربية، بعد انسحاب الجيش المصري في صباح اليوم نفسه، هو إبادة القوات الأردنية بالكامل بسبب الطيران الإسرائيلي والتفاوت الكبير بينهما في التسليح، بعد أن بدأت قطاعات الجيش الإسرائيلي تركز خلال تلك الفترة على الجبهة الأردنية تحديداً.‬‬
ويذكر زيد عبد المنعم رياض بالخير. ويرى أنه ظُلم بقرار تسلمه للقوات الأردنية في الجبهة؛ إذ لم تكن لديه معرفة بطبيعة المنطقة ولا بالقوات الأردنية وبالجبهة التي يقاتل فيها، فقد جاء قبل أيام معدودة من بدء القتال. رغم ذلك، كان قراره بالانسحاب من الناحية العسكرية والمنطقية حكيماً وصائباً، ووصفه زيد بالشهم والشجاع‪.‬‬
في تلك الأثناء، دعا عبد الناصر نفسه (يؤكد ذلك ما ورد في رواية هيكل عن الحرب) الحسين إلى طلب وقف إطلاق النار وعودة إسرائيل إلى حدود الهدنة، وإنقاذ الضفة من الاحتلال. لكن الإسرائيليين الذين جاءتهم هذه الفرصة على طبق من ذهب رفضوا. وفي النهاية، وافق الأردن على طلب وقف إطلاق النار مجرداً من أي شروط، بعدما أصبحت الخشية كبيرة من فقدان الجيش العربي بكامله، وبما كان سيؤدي إلى مشكلات سياسية وأمنية، وربما حالة فوضى في الضفة الشرقية أيضاً، وليس في الضفة الغربية فقط. يضيف عيد الروضان في روايته لتلك الأحداث: «خلال الأيام الثلاثة الأولى بدأت تسقط مدن وقرى الضفة الغربية الواحدة تلو الأخرى بيد جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما فيها القدس».
بعد قرار الانسحاب بدأت تصل القوات العراقية إلى المنطقة المطلوبة لبدء العمليات العسكرية. لكن كان ذلك بعد فوات الأوان، فضلاً عن أن القوات العراقية وصلت منهكة تماماً؛ إذ تعرضت خلال مسيرها من القاعدة العسكرية ‪ إلى الكرامة، لقصف إسرائيلي جوي شديد. وعقد معهم أبو شاكر وقادة الجيش العربي اجتماعاً مشتركاً بعد وصولهم مباشرة‪.
في تلك الأيام جاءنا قائد الجبهة الشرقية اللواء مشهور حديثة بعد انهيار الجبهة الغربية، ونقل قيادته من الزرقاء إلى السلط. وكان الأمر الأساسي الذي يشكو منه أبو شاكر مع مشهور (وكنت أستمع إليه وأنا في معيته) هو تضارب الأوامر الصادرة لوحدات الجيش وغياب الوعي الحقيقي بالميدان من قبل القيادة العربية المشتركة برئاسة عبد المنعم رياض‪.‬‬ الشخصية القيادية لزيد ظهرت أيضاً عبر إمساكه بزمام المبادرة العسكرية في القوات المسلحة، والحفاظ على أدائها العسكري والاحترافي والفني خلال أيام الحرب. وقد برز ذلك بوضوح عندما تراجعنا من الضفة الغربية إلى الشرقية بعد أوامر الانسحاب؛ فقد قام بسرعة شديدة بتنظيم بقايا الجيش لإغلاق المحاور الثلاثة التي يمكن أن تعبر منها القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية: محور القدس، ومحور وادي شعيب، والمحور الشمالي، من خلال ما تبقى من جنود ومعدات، ضمن خطة سريعة. ثم جاءت معلومات لاحقة تؤكد قصف إسرائيل للجسور، مما خلق قناعة راسخة لديه بأنهم لا ينوون التقدم شرق النهر‪.
ويقول فاضل فهيد وكان قائد سرّية دبابات في اللواء الذي يقوده زيد: «أُصبنا بإحباط شديد. وكان أبو شاكر يصل إلى الوحدات يتجول ويمر على الدبابات لرفع معنويات الأفراد، ولم يشعرنا بانهيار مصر. الساعة 9 مساء من اليوم الثامن من يونيو، تم إبلاغنا من قبل قائد كتيبتنا أن القدس سقطت، وطلب إخفاء الأمر عن الأفراد حماية للمعنويات. وعندما تجمعنا شرق النهر، كانت هناك كتيبة مدفعية يقودها أحد الضباط، سأله الشريف: هل سحبت مدافعك؟ فقال له: بقيت هناك غرب النهر، فقال له الشريف: الآن تذهب لإحضارها. وفعلاً هذا ما حصل».



تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
TT

تحركات مصرية لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة

إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)
إحدى الفعاليات التي نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» الشهر الماضي (صفحة اللجنة على «فيسبوك»)

كثّفت «اللجنة المصرية في قطاع غزة» من تحركاتها مع تردي الأوضاع الإنسانية، وتوالي الشكاوى من شح الغذاء والسلع الرئيسية في ظل تضييق إسرائيلي مستمر على دخول المساعدات وتراجع التمويل الإغاثي الدولي.

وأكدت «اللجنة المصرية»، في بيان لها، السبت، أن «القيادة المصرية وجهت بضخ كميات كبيرة من الدقيق إلى قطاع غزة لتعزيز الإمدادات ودعم المخابز والعمل على حل أزمة الدقيق والخبز التي يعاني منها أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك ابتداءً من الأحد، وبشكل يومي في إطار الجهود المصرية المتواصلة لدعم أهلنا في القطاع وتخفيف معاناتهم».

وكانت اللجنة قد أكدت، مساء الجمعة، أنها بدأت بتسيير شاحنات محمّلة بكميات من الطحين إلى قطاع غزة بهدف دعم المخابز وتعزيز قدرتها على مواصلة العمل والمساهمة في توفير الخبز للمواطنين بأسعار مناسبة.

وأشار المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المخابز عادت للعمل في القطاع، السبت، بعد ثلاثة أيام من توقف عدد كبير منها، وهو ما كان مثار قلق الكثير من العائلات الفلسطينية التي باتت تتساءل عما إذا كانت الأزمة مقدمة لعودة المجاعة مرة أخرى، مشيراً إلى أن «اللجنة المصرية» بالتعاون مع المنظمات الإنسانية العاملة في القطاع ساهمت في عودة عمل 20 مخبزاً، واختفت الطوابير التي كانت معتادة أمامها مع توفير كميات إضافية من الدقيق.

وأضاف «أن مصر استجابت سريعاً لنداءات الفلسطينيين خلال الأيام الماضية، وقامت بإدخال قوافل تحمل على متنها عشرات الآلاف من أطنان الدقيق التي تدفقت خلال الساعات الماضية»، مشيراً إلى أن القاهرة «مستمرة في تقديم الدعم اللازم بما يضمن تحسين الأوضاع الإنسانية».

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، في تقرير لها، مساء الجمعة، إلى أن «اللجنة المصرية» بالشراكة مع مؤسسة «المطبخ المركزي العالمي»، توزع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يومياً على الأسر الفلسطينية في شمال القطاع ووسطه وجنوبه، بما يسهم في تخفيف جانب من الأعباء اليومية عن السكان.

حملة توعوية نظمتها «اللجنة المصرية في غزة» هذا الشهر للتوعية من مرض سرطان الثدي (صفحة اللجنة المصرية على «فيسبوك»)

ويعاني قطاع غزة من أزمة جراء النقص الحاد في مادة الطحين وارتفاع أسعار الخبز. وحذرت وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع «من تداعيات إنسانية كارثية، في أعقاب التوقف القسري لعدد كبير من المخابز، بسبب نقص الدقيق والمواد التشغيلية اللازمة لاستمرار عملها».

وأكدت الوزارة «أن منع دخول شحنات الطحين والإمدادات الغذائية يهدد بتقويض قدرة الأسر النازحة والأشد فقراً على الحصول على الخبز، الذي يشكل أحد أهم مصادر الغذاء اليومية لكثير من العائلات».

وأشارت «اللجنة المصرية» إلى أنها «تواصل جهودها الحثيثة للتخفيف من معاناة المواطنين والوقوف إلى جانب العائلات الفلسطينية في هذه الظروف الصعبة، بما يحد من تداعيات الأزمة ويمنع استغلال حاجة المواطنين ورفع الأسعار بصورة غير مبررة».

وأوضح محمد منصور في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «تعمل على قدم وساق للاستعداد لفصل الشتاء وتعمل بشكل يومي على تركيب 3 آلاف خيمة مجهزة لاستقبال العائلات الأكثر احتياجاً، بخاصة من هم بالقرب من الخط الأصفر»، والذين تعرضت خيامهم للتلف ويقيمون في خيام مهترئة ومراكز إيواء غير مؤهلة، وأكد أن الحملة تنظم «حملة شتاء دافئ عبر تقديم الخيام وتجهيزها وتقديم المساعدات الصحية والغذائية».

وتتفاقم أزمة الغذاء في قطاع غزة مع تقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل الدولي، وسط استمرار القيود الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

ففي 19 أكتوبر الحالي، أعلن «برنامج الأغذية العالمي» تقليص مساعداته الغذائية، ما أدى إلى انخفاض عدد المستفيدين بنحو نصف مليون شخص.

وعلى المستوى السياسي، شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، «على أهمية مواصلة الجهود المبذولة للتنفيذ الكامل لخطة الرئيس الأميركي ترمب الشاملة للسلام في قطاع غزة».

كما حذر من خطورة الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض الأمر الواقع، مشيراً إلى تداعياته السلبية على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما طالب وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماعهم الجمعة في إسطنبول، بضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار غزة دون انقطاع، مؤكدين أن الشعب الفلسطيني يعاني من كارثة إنسانية مستمرة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً.


جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
TT

جبهات تعز تستعصي على الحوثيين رغم القصف والحصار

أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)
أعمدة الدخان تتصاعد من موقع تعرض للقصف خلال معارك الجيش اليمني ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

تصطدم هجمات الجماعة الحوثية على جبهات مدينة تعز اليمنية بمقاومة شرسة رغم القصف والحصار والتعزيزات المتواصلة، في وقت تكثف فيه القوات الحكومية هجماتها المضادة وتوسع الطائرات الحربية ضرباتها على مواقع الجماعة في ريف المحافظة وأطراف المدينة المحاصرة، بالتزامن مع إحباط هجمات حوثية في جبهة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، والتصدي لمحاولة تمدد الجماعة في مديرية المقاطرة باتجاه لحج جنوباً.

وتحاول الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، التي سيطرت على أجزاء واسعة من ريف تعز، توسيع مكاسبها الميدانية والضغط على المدينة المحاصرة، بينما تواجه مقاومة من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، مع امتداد الاشتباكات إلى جبهات الأقروض والشقب وكحلان، وتصاعد المواجهات في مناطق المقاطرة بمحافظة لحج، حيث تسعى الجماعة إلى التقدم نحو مناطق جديدة جنوباً.

وفي أحدث التطورات، استهدفت القوات الحكومية مركز قيادة وسيطرة ودبابتين داخل فندق سوفتيل المهجور في تعز، وفق ما أعلنه المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الذي قال إن الحوثيين اتخذوا المبنى منطلقاً لاستهداف المدنيين في المدينة، وإن الضربة استهدفت تعطيل هذا النشاط وحماية السكان.

مقاتل في الجيش اليمني يصوّب سلاحه الرشاش خلال معارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وعلى الجبهة الجنوبية لمدينة تعز، أفادت القوات الحكومية بتحقيق تقدم في جبهة الأقروض، وتنفيذ هجمات مضادة على مواقع الحوثيين، بالتزامن مع اشتباكات متقطعة في الشقب وكحلان بمديريتي صبر والمسراخ، وسط أنباء عن دفع الجماعة بتعزيزات بشرية نحو خطوط التماس.

وفي الجبهة الغربية، أفادت مصادر يمنية محلية بمقتل القيادي الحوثي محمد قيران، المعروف بكنية «أبو هاشم»، مع سبعة من مرافقيه، خلال مواجهات الجمعة. كما أُعلن مقتل القيادي محمد إسماعيل الدرب، الذي قالت مصادر عسكرية إنه كان يشرف على العمليات الرامية إلى اجتياح تعز، مع عدد من مرافقيه في جبهة الأقروض.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق عدة في ريف المحافظة، بينها مديرية الشمايتين، حيث استهدفت مقاتلات مواقع للحوثيين في برج المنة ووادي الفجر وبرح الحداد وجبل جربب. وأفادت مصادر ميدانية بمقتل عشرة مسلحين على الأقل وإصابة آخرين، إلى جانب تدمير أسلحة ثقيلة ومعدات عسكرية.

قوات ألوية العمالقة الجنوبية تتصدى لهجمات حوثية في جبهة باب المندب (إعلام عسكري)

وفي جبهة كهبوب، تمكنت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن من صد هجمات حوثية، وفق بيانات عسكرية. وقالت قوات درع الوطن إن اللواء السابع في الفرقة الأولى تصدى لهجوم استمر نحو 30 ساعة، وحافظ على مواقعه وأفشل محاولة التقدم، فيما تحدثت قوات العمالقة عن اشتباكات عنيفة انتهت بتراجع المهاجمين وتكبيدهم خسائر بشرية ومادية.

وتكتسب هذه الجبهة أهميتها من موقعها الاستراتيجي قرب مضيق باب المندب، حيث يتقاطع القتال البري مع المخاوف المتعلقة بأمن الممرات البحرية. وفي المقاطرة بمحافظة لحج، تحدثت إفادات ميدانية عن كمين مسلح في منطقة هيجة العبد، أوقع عشرات الحوثيين بين قتيل وجريح، وأوقف محاولة للتقدم والسيطرة على مناطق جديدة.

صواريخ منفلتة

بالتوازي مع القتال البري، تضع القوات الحكومية اليمنية القدرات الصاروخية الحوثية في صلب روايتها للتطورات الأخيرة. وقال النزيلي إن الجيش رصد خلال الأيام الماضية حالات فشل في إطلاق صواريخ باليستية، أو انحرافها وسقوطها في مناطق مأهولة، محذراً من مخاطرها على المدنيين، فضلاً عن تهديد الملاحة والتجارة الدوليتين.

واستشهد الناطق العسكري بصاروخ قال إن الحوثيين أطلقوه من منطقة عيال صياد في مديرية نهم، الجمعة، قبل أن يسقط على منزل المواطن محمد أحمد القشعة أثناء اجتماع أفراد أسرته، ما أدى، حسب روايته، إلى مقتل جميع الموجودين داخله وتضرر منزل مجاور. وأضاف أن حوادث مماثلة وقعت في صنعاء وتعز وإب وصعدة.

مقاتل في القوات الحكومية اليمنية يشير بيده خلال معارك ضد الحوثيين غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

وعزا النزيلي تراجع أداء المنظومات الصاروخية، وفق تقدير الجيش، إلى ضربات استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن الصواريخ ومنصات إطلاقها، بالتزامن مع عمليات جوية للتحالف استهدفت أهدافاً عسكرية في صعدة، قال إنها أسفرت عن تحييد خبراء وقيادات متخصصة في تشغيل الصواريخ وإطلاقها. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة أو من تقديرات الجيش بشأن حجم التراجع في القدرات الصاروخية.

مئات الضربات

في مؤشر آخر على اتساع العمليات، أعلنت القوات المسلحة تنفيذ 1392 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية التي شملها بيانها، ترافقت مع غارات جوية وهجمات أرضية وضربات نيرانية على امتداد الجبهات. وقالت إن العمليات طالت تجمعات وتعزيزات ومصادر نيران وتحصينات وآليات عسكرية، وإنها أدت، وفق الحصر الميداني الأولي، إلى تحييد نحو 620 عنصراً وتدمير أو إعطاب نحو 190 آلية ومدرعة ووسيلة نقل، إضافة إلى أسلحة ثقيلة ومتوسطة.

مقاتلون من قوات الحكومة اليمنية على ظهر شاحنة خلال المعارك ضد الحوثيين في تعز (أ.ف.ب)

وتشمل الحصيلة، حسب البيان، العمليات التي نفذتها القوات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي تقول القوات الحكومية إنها تستهدف إضعاف القدرات القتالية للحوثيين وتعطيل خطوط إمدادهم. كما أعلن الجيش دخول منظومات نوعية جديدة إلى الخدمة لدى قواته الجوية، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعتها.

وفي جبهتي مأرب والجوف، أفادت مصادر ميدانية بمقتل محمد يحيى الديلمي، الذي وصفته بأنه قائد ما تسمى «مجاميع كتائب الحسين»، مع عشرة من عناصر مجموعته، خلال المعارك على الجبهة الرابطة بين المحافظتين. كما تحدثت المصادر عن مقتل محمد الحوثي، المعروف باسم «زين العابدين»، والمسؤول عن التدريب فيما تسمى «ألوية الأنصار»، خلال معارك الجوف في وقت سابق.


حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
TT

حصيلة دامية للاعتداءات الحوثية على المدنيين في تعز

دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد أحياء مدينة تعز إثر قصف حوثي (أ.ب)

تواجه محافظة تعز اليمنية تصعيداً عسكرياً حوثياً متواصلاً يفاقم معاناة سكانها، مع استمرار القصف على الأحياء والقرى السكنية، وتشديد القيود على حركة المدنيين ووصول الإمدادات الأساسية، وسط تقارير حقوقية توثق مقتل مئات المدنيين وإصابة آخرين، واختطاف مئات الأشخاص، وتضرر مئات المنازل والمركبات.

ووثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 1891 جريمة وانتهاكاً قالت إن جماعة الحوثيين ارتكبتها بحق المدنيين والأعيان المدنية في المحافظة، خلال الفترة من الأول من سبتمبر (أيلول) حتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، في تقرير حمل عنوان «تعز... الاجتياح الدامي والقتل الممنهج».

جاءت هذه الحصيلة بالتزامن مع رصد الشبكة 21 جريمة وانتهاكاً إضافياً خلال 24 ساعة، إلى جانب إطلاق نحو 213 مقذوفاً على مناطق سكنية.

سكان يسيرون وسط حطام منازلهم عقب هجوم صاروخي حوثي على تعز (أ.ب)

وحسب التقرير الممتد على 52 يوماً، أسفرت الانتهاكات عن مقتل 212 مدنياً، بينهم 38 طفلاً، من ضمنهم سبعة رُضّع، و27 امرأة، وإصابة 319 مدنياً، بينهم 29 طفلاً و46 امرأة. كما وثَّق 23 حالة تصفية ميدانية، وخمس مجازر جماعية، و314 حالة اختطاف وإخفاء قسري، بينها 14 طفلاً احتُجزوا رهائن للضغط على ذويهم، إضافةً إلى مداهمة 516 منزلاً بحثاً عن أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بالقوات الحكومية.

أضرار واسعة

تشير الأرقام التي أوردتها الشبكة الحقوقية إلى اتساع نطاق الأضرار التي طالت الممتلكات المدنية؛ إذ تضرر 356 منزلاً جراء القصف، بينها 98 منزلاً دُمرت كلياً، وفُجرت ثلاثة منازل أخرى، فيما لحقت أضرار بـ131 مركبة مدنية، ونُهبت 36 مركبة ووسيلة نقل خاصة بالمواطنين.

وفي أحدث الوقائع التي وثقتها الشبكة، قُتل طفلان وأصيب ثلاثة مدنيين، بينهم امرأتان، كما اختُطف أربعة أشخاص ونُقلوا إلى جهات مجهولة، وتعرضت ثلاثة منازل للمداهمة والنهب، وتضررت سبعة منازل، بينها منزلان دُمرا كلياً. ومن بين القتلى الطفل عمار ياسر الشريحي، الذي قالت الشبكة إن الحوثيين اختطفوه من منزله في قرية الأكمة بمنطقة صبر، قبل العثور عليه مقتولاً.

سكان في مدينة تعز يرددون بعد صلاة الجمعة هتافات ضد الحوثيين (رويترز)

وامتد القصف والقنص، وفق التقرير، إلى قرى كحلان والشقب، وحي المطار القديم، ومناطق الضباب وميهال ونجد قسيم. وفي قرية كحلان بمديرية صبر الموادم، أصابت قذائف هاون منزلين، وألحقت أضراراً بمحتوياتهما، ونفقت ماشية، دون تسجيل إصابات بين أفراد إحدى الأسر المستهدفة.

استهداف شامل

لا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية والدمار؛ إذ قالت الشبكة إن الحوثيين أطلقوا نحو 9876 مقذوفاً خلال الفترة التي يغطيها تقريرها، وشددوا الحصار على المحافظة منذ الثالث من سبتمبر، واستحدثوا 26 نقطة وحاجز تفتيش خارج إطار القانون. كما أشارت إلى تفجير عبّارة في طريق هيجة العبد وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين تعز ومحافظة لحج وصولاً إلى عدن.

واتهم التقرير الجماعة بعرقلة دخول الغذاء والدواء والوقود وأسطوانات الأكسجين ومياه الشرب، وعرقلة قوافل الإغاثة والإمدادات التجارية، بما فيها أدوية الأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال. وحذرت الشبكة من أن منع الوقود اللازم لتشغيل مولدات المستشفيات ومراكز علاج السرطان وغسيل الكلى يهدد حياة المرضى، في وقت قالت فيه إن التصعيد تسبب في نزوح نحو 280 ألف شخص من المحافظة.

عربة إسعاف في تعز تعرضت لهجوم حوثي (أ.ف.ب)

ووثقت الشبكة أيضاً تحويل خمس مدارس؛ أربع حكومية وأخرى أهلية، إلى غرف عمليات ومخازن أسلحة وسجون، إلى جانب استهداف ثلاث سيارات إسعاف وثلاثة مرافق صحية ومستشفيات، ومقتل خمسة من أفراد الطواقم الطبية، وفق التقرير.

وفي جانب آخر، قالت الشبكة إن الحوثيين استقطبوا شباناً من فئة المهمشين في منطقة السامقة بمديرية المعافر، لإلحاقهم بدورات ثقافية وتدريبية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال جنوبي المحافظة، محذرةً من تجنيد الأطفال واستغلال الفئات الأكثر هشاشة.

وطالبت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات بإعلان تعز مدينة منكوبة، ووقف القصف ورفع الحصار وفتح الطرق وضمان وصول المساعدات، فيما دعت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية إلى حماية النساء والأطفال والطواقم الطبية، وإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.