خمسة مخرجين يعرضون في مهرجان البندقية ويرونه منصة انطلاق

يتحدثون عن رؤى مختلفة وبينهم سعودية

خمسة مخرجين يعرضون في مهرجان البندقية ويرونه منصة انطلاق
TT

خمسة مخرجين يعرضون في مهرجان البندقية ويرونه منصة انطلاق

خمسة مخرجين يعرضون في مهرجان البندقية ويرونه منصة انطلاق

عندما ينطلق مهرجان فينيسيا السينمائي في الثامن والعشرين من هذا الشهر معلناً بداية دورته السادسة والسبعين، يكون الترقب لما ستحمله الدورة الجديدة من هذا المهرجان المديد قد بلغ أوجه. فمنذ سنوات ومهرجان فنيسيا (البندقية) يتقدم على ما سواه من المهرجانات الكبرى في أكثر من اتجاه.
الاتجاه الأهم في كل ذلك هو مسألة اختيار الأفلام التي تشع وقت عروضها وتشع بعد ذلك أيضاً. كون المهرجان الإيطالي على موقع أقرب لموسم الجوائز من سواه (كبرلين أو كان) يمنحه ذلك التألق لما بعد انتهاء مدة إقامة دورته. فأفلامه، الأميركية منها وغير الأميركية، تنطلق من منصّته ومنصّة مهرجان تورونتو الكندي صوب المؤسسات التي ترعى الجوائز السنوية ما بين أوروبا والولايات المتحدة.
وما حدث في العام الماضي لفيلم «روما» لألفونسو كوارون لا يحتاج إلى برهان. الفيلم الذي سرد فيه المخرج المكسيكي أحداثاً مرّ بها حين كان لا يزال في مطلع العشرية الثانية من حياته، نال ثلاثة أوسكارات وجوائز من غولدن غلوبز وبافتا وفوقها جميعا نحو 200 جائزة أقل شهرة من أركان العالم الأربعة.
صحيح أن معظم هذه الجوائز كانت ستذهب إليه كونه يستحقها حتى ولو عرض الفيلم مهرجان «كان» الفرنسي، إلا أن ذلك مختلف عما حدث له كونه عرض في مطلع موسم الجوائز فبقي في الصورة والبال وامتدت به حياته التجارية حتى وصل إلى منصة الأوسكار في الشهر الثاني من هذا العام.
رؤية متفائلة

أي من أفلام المسابقة هذه السنة قد ينجز هذا السحر الخاص للمهرجان فيعرض في دورته ثم يسافر بعد ذلك إلى العروض التجارية وعروض المناسبات السنوية بنجاح مماثل؟
من دون مشاهدة الأفلام ذاتها لا يمكن التنبؤ كثيراً بما سيؤول عليه مستقبل معظم الأفلام المشاركة في المسابقة، وعددها 21 فيلماً، لكن يمكن القول: إن عدداً منها لن ينضوي غياباً بعد انتهاء عروضه في فنيسيا بل مرشح لأن ينتقل في أكثر من اتجاه.
وأحد هذه الأفلام قد يكون «المرشح المثالي» للسعودية هيفاء المنصور التي اشتغلت على نفسها كثيراً منذ أن حققت فيلمها الأول «وجدة» فأنجزت فيلماً غربياً كاملاً قبل عامين («ماري شيلي») ثم فيلماً تلفزيونياً لحساب نتفلكس بعنوان Nappily Ever After (لعب على كلمة Happily Ever After) وصولاً إلى فيلم يعود بها إلى الجذور السعودية من جديد.
لدينا لقاء مبرمج يوم السبت المقبل مع المخرجة الطموحة لكن ما تذكره حتى الآن عن دوافعها لتقديم حكاية المرأة التي ترشح نفسها لمنصب إداري (رئيس بلدية) توالى عليه الرؤساء الذكور يدعو للاهتمام. تقول:
«أريد أن أعرف رؤية متفائلة حول الدور الذي تستطيع النساء أن تؤديه في المجتمع السعودي. أريد تشجيع المرأة السعودية على أخذ الفرصة المتاحة من قبل النظام، تلك التي منعنا عنها سابقاً».
مخرج آخر من المتوقع له أن يتخذ من مسابقة فنيسيا منصة انطلاق صوب مناسبات أخرى هو المخرج السويدي روي أندرسون. لقد سبق له خمس سنوات عرض فيلمه السابق «حمامة جلست على غصن تتأمل في الوجود» الذي التقط جائزة الأسد الذهبي في فنيسيا سنة 2014 ثم جاب عدداً من الجوائز الأخرى أهمها جائزة الاتحاد الأوروبي الأول في العام التالي.
فيلمه الجديد (الأول له منذ «حمامة جلست….» يحمل عنواناً مثيراً بحد ذاته هو «عن اللامنتهي» والفيلم - كما كان حال الفيلم السابق - نظرة متأملة على وضع الإنسان اليوم. يعد الفيلم بأن يلتقط من النماذج المتعددة التي نراها لهذا الوضع بعض غرائبها جمالياً وبطريقته وأسلوبه الخاص. بسؤاله تفسير رؤيته لحال الإنسان اليوم كما يتبدّى عادة في أفلامه وكما يرد في فيلمه الجديد قال:
«ينظر الفيلم إلى الجمال والقسوة في الحياة. أردت في هذا الفيلم التركيز على جمال الإنسان. جمال أن يكون المرء حياً. لكي تظهر قيمة الحياة وقيمة الإنسان عليك أن تظهر الوجه المضاد. الوجه المناقض تماما. إنه فيلم عن لا نهاية بوادر الوجود».

على ظهر كوكب بعيد
في السنوات القليلة الماضية تبدّى لمن تابع مهرجان فنيسيا دورة بعد أخرى اهتمامه بعرض فيلم من الخيال العلمي ضمن مسابقته. ليس أي فيلم من تلك المنبثقة من المصانع الهوليوودية، بل الفيلم الأعلى طموحاً والأفضل صنعاً.
في العام 2016 عرض فيلم دنيس فيلنييف «وصول» حول تلك المخلوقات الغريبة التي زارت كوكب الأرض وحاولت التواصل مع الإنسان العاجز عن التواصل مع أترابه أساساً.
وفي العام الماضي عرض «رجل أول» لداميال شازيل الذي قام فيه رايان غوزلينغ بأداء شخصية الملاح الفضائي ني أرمسترونغ.
وكان المهرجان افتتح دورة العام 2013 بفيلم ألفونسو كوارون «جاذبية» (Gravity) بطولة جورج كلوني وساندرا بولوك حول تلك الرحلة في عمق الفضاء التي تتحوّل إلى كارثة.
هذا العام يقود براد بت ممثلي فيلم خيال - علمي آخر هو «أد أسترا» (Ad Astra) للمخرج الأميركي جيمس غراي. مع براد في الأدوار الرئيسية دونالد سذرلاند وتمي لي جونز وليف تايلر وروث نيغا. وموضوعه هو قيام الملاح براد بت بالسفر إلى أعماق الفضاء بحثاً عن والده الذي كان يعتقد إنه مات لكن الدلائل تشير إلى أنه ما زال حياً على ظهر كوكب بعيد.
هناك لقاء محتمل مع المخرج جيمس غراي، لكنه صرح في لوس أنجليس بأنه ينظر إلى مسألة اكتشاف الفضاء على نحوين متصلين:
«فكرة رحلات الفضاء تبدو لي جميلة ومخيفة في الوقت نفسه. هذا من حيث إن الرحلات الفضائية تبدو لي أحياناً نوعاً من الهروب من الواقع المعاش. وما آمله من فيلمي أن يكشف للمشاهدين أن الاهتمام بالأرض يأتي في المقام الأول. إنها كل ما نملك».
بنى غراي فكرته على عبارة وردت في نص كتبه المؤلف آرثر س. كلارك (وضع رواية «2001: أوديسا فضائية») إذ قال:
«إما أننا لسنا وحدنا في هذا الكون، وإما أننا وحيدون. كلا الاحتمالين مخيف على درجة متساوية».
كل من «جاذبية» و«وصول» ثم «رجل أول» كانت له صولاته في موسم الجوائز ولو أن أياً منها لم يستطع خطف الأوسكار من قبضات أفلام واقعية.
«جاذبية» تم تجاوزه لصالح فيلم «12 سنة من العبودية» لستيف ماكوين.
«وصول» تراجع لحساب فيلم آخر عن الأفرو - أميركيين هو «مونلايت» لباري جنكنز.
أما «رجل أول» فنال سبعة ترشيحات وإن لم يواكبه حظ الفوز بأي منها.

الحقيقة والكذبة
الفيلم الرابع الذي يعتقد المتخصصون أن لديه جناحين سيطير بهما إلى المحافل الأخرى هو «الحقيقة»، الفيلم الذي سيفتتح المهرجان الذي يقوم بتحقيقه الياباني كوري إيدا هيروكازو كإنتاج ياباني - فرنسي مشترك.
هيروكازو هو المخرج الذي فاز بسعفة «كان» الذهبية في العام الماضي وتم ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي هذه السنة لكن الجائزة ذهبت إلى «روما» عوض ذلك. الفيلم الجديد يدور حول علاقة ممثلة لديها سنوات كثيرة من العمل في هذه المهنة (كاثرين دينوف) مع ابنها «جولييت بينوش). كلاهما، يقول المخرج، أحبا العمل معه. بل، وكما يضيف، فإن السبب الذي من أجله حقق فيلمه الأول له خارج بلده:
«قمت بتحقيق أول فيلم لي خارج بلادي وبلغة ليست لغتي الأم لأن الفرصة واتتني لأقابل ممثلين رغبوا أن يكونوا في فيلمي المقبل. موضوعه هو عن الحقيقة والكذبة. أيهما يصنع اللحمة العائلية فعلياً؟ الكذبة الحلوة أو الحقيقة المرّة»؟
المسألة مختلفة بالنسبة للمخرج التشيلي بابلو لاران فهو على الرغم من أن أفلامه السابقة كان لديها مقاربات قوية الاحتمال مع الجوائز الدولية إلا إنه لم يصل إلى الأوسكار بعد. رغم ذلك، وعن ناقد تشيلي لا يفرط في المجيء إلى مهرجان فنيسيا عاماً بعد عام فإن فيلمه الجديد «إيما» هو الفيلم الذي سينتهي به في عداد الترشيحات الأساسية في الأوسكار المقبل «… وهو سيكون الترشيح الرسمي لتشيلي في أغلب اعتقادي».
أما المخرج نفسه فيقول في حديث له: «فيلمي عن امرأة تفقد الحب وتفتقده. لقد مرّت بتجارب فاشلة لكنها لن تتوقف عن البحث. لكن ما سبق ليس سوى الملخص الذي لا بد منه، أما الحقيقة فهي أن الفيلم بالنسبة لي هو تأمل في شكل الجسد والرقص والأمومة».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».