الملك المؤسس في اجتماع مصارحة: لن أتولى قوما هم لي كارهون.. فجاء جواب الحضور: لن نرضى بغيرك

الملك المؤسس في اجتماع مصارحة: لن أتولى قوما هم لي كارهون.. فجاء جواب الحضور: لن نرضى بغيرك

ناقش في قصر الحكم قضايا لحل إشكاليات سياسية ودينية حضره ممثلو الشعب والمعارضة
الثلاثاء - 29 ذو القعدة 1435 هـ - 23 سبتمبر 2014 مـ رقم العدد [ 13083]
الملك المؤسس مستقبلاً عدداً من المسؤولين الأميركيين في شركة أرامكو بأحد مخيمات الملك قرب وادي الرمة
الرياض: بدر الخريف
خلال الـ116 عاما الماضية، بدءا من المغامرة الناجحة التي قام بها الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن لاستعادة ملك آبائه وأجداده باقتحامه «حصن المصمك»، وواقعنا اليوم، هناك قصة كفاح ووحدة وتطور ونمو كان قصر الحكم شاهدا عليها. لقد تحول هذا المكان إلى أشبه بالمعجزة، وتحولت الرياض إلى واحدة من أكبر الحواضر في العالم. لقد أصبحت الشام مقارنة بالرياض باهتة، وتبدو إيطاليا رتيبة مملة، كما وصف ذلك الرحالة ويليام بلجريف عندما زار الرياض قبل 155 عاما، ولعل من المناسب أن نستحضر صورة رائعة للملك المؤسس وهو يجلس في قصر الحكم (قصر الديرة)، وحوله الزوار والعاملون معه من السعوديين، ومن المستشارين العرب يستمعون إلى دروس في السيرة النبوية أو التفسير أو الحديث أو التاريخ، ويتحاورون فيما كتبه ابن هشام أو السيوطي والطرطوشي في كتاب سراج الملوك أو ابن خلدون في مقدمته، أو القرطبي في تفسيره، كما نستحضر كثيرا من أحاديث الملك عبد العزيز الذي يُعد أقوى حاكم ظهر في الأمة العربية خلال المائة عام الماضية.

وربما كانت تلك القوة مستمدة مما كان يؤمن به ويتحدث عنه دائما، وهو أن الفرد وحده لا يبني دولة، ولا يقرر مصير أمة، وكان يعرف أن الممالك والدول المهمة لم تقم نتيجة جهود زعيم بمفرده، بل قامت بمجموعة رجال أكفاء، وهذا ما جعله يحرص على كسب كل الكفاءات وضمها إلى دولته. وقد قال يوما لـكلايثون، الجنرال البريطاني إن «الإمبراطورية البريطانية بلغت ما بلغت برجال أكفاء أمثال (كلايثون) فرد كلايثون ليجامل عبد العزيز: نعم ما ذكرته صحيح، ولكن ملك بريطانيا الواسع لم يؤسس إلا في مئات من السنين، ونحن معجبون بك يا عبد العزيز، فأنت في 30 سنة قد أسست ملكا واسعا، وإذا استمر لك هذا التقدم، فأظن أنه في نصف المدة التي أسسنا فيها ملكنا تؤسس أنت إمبراطورية مثل أو أكبر من بريطانيا، وهذا ليس ببعيد، فأسلافكم العرب قد شيدوا إمبراطورية عظيمة في مدة قصيرة. فرد عليه الملك عبد العزيز مرة ثانية في حذر وقال: «هذه وإن كانت أمنية العرب، ولكنني لا أعتقد في نفسي القدرة على تحقيق ذلك، وكل ما أتمناه أن يجعل الله من رجالنا من يماثلكم في الإخلاص والتضحية لبلادهم».

وظل قصر الحكم في الرياض في أول عهد الملك عبد العزيز، وبالتحديد منذ استرداد الرياض وحتى دخول جدة وتسليمها سنة 1344هـ، مصدر السلطة بواسطة الديوان الملكي وما فيه من شعب وإدارات، هو وحده الذي يتولى أعمال الدولة والمرجع المباشر لجميع الشؤون، ورئيسه الأعلى الملك عبد العزيز.

ظل الأمر على هذا الوضع مدة النصف الأول من الـ50 عاما التي حكم فيها الملك عبد العزيز، كما ظلت وزارته الخارجية، وحتى بعد إنشاء الوزارات، ووزارة المالية والدفاع تستمد سلطتها مباشرة منه، وكل وزير يتصل به شخصيا.

أما الوزارات والمصالح الأخرى، فقد وضعت تنظيمات وتشكيلات لها على القواعد والأساليب الحديثة، بعد تسلم مكة وجدة والمدينة.

واستقر أمر مملكته إلى عهد قريب من وفاته على 3 وزارات فقط، ثم أضيف إليها وزارتان أخريان في أيامه.

وقد عُقد في عام 1347هـ اجتماع في قصر الحكم حضره العلماء والزعماء، ورؤساء الحواضر والبوادي ومن انضم إليهم من كبار رجاله، وتخلف رؤساء الفتنة عن حضور ذلك المؤتمر، وأناب بعضهم عنه في الحضور، وسُمي ذلك المؤتمر الجمعية العمومية، وبعد افتتاح المؤتمر خطب الملك عبد العزيز خطبة ضافية ارتجلها، وعرف فيها الحاضرين بنعم الله عليهم، وذكرهم بذلك، وأشار إلى أنه يريد أن يعرف رأيهم فيه شخصيا وفي أمرائه ليخرج بمعذرة أمام الله، وليؤدي ما عليه من واجب، ثم أشار إلى ما كانوا فيه قبل أن يحكم من فرقة، وقتل، ونهب، وضعف، وأشار إلى أنهم يعرفون هذا جيدا، وأنه لم يجمعهم خوفا أو رهبة، ولكنه جمعهم لشيء واحد، وهو النظر فيمن يتولى الأمر غيره، ليختاروا واحدا يتفقون عليه، وأنه لم يقل ذلك امتحانا لهم، ولم يترك هذا الأمر عن ضعف، ولكنه يحب أن يرتاح من ناحية، ولأنه يستعيذ بالله من أن يتولى قوما وهم له كارهون. وعند ذلك ارتفع صياح الحضور يقولون: «لا والله، لا نريد عنك بديلا، ولن نرضى بغيرك».. فاستمر في خطابه معرضا عنهم، ثم أشار (رحمه الله) إلى موضوع الخلافات التي بينهم وبينه، وتعهد بأن ينفذ ما يجمع عليه العلماء في مسائل الخلاف، ويقبل ما كان أقرب إلى الدليل.. ثم التفت إلى العلماء يقول لهم: «إياكم أيها العلماء أن تكتموا شيئا من الحق، تبتغون بذلك مرضاة وجهي، فمن كتم أمرا يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه اللعنة، وأظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم».

ويذكر من حضر الاجتماع ودوّن ما دار فيه أن العلماء أجابوا بأنهم يبرأون إلى الله من كتمان ما يظهر من الحق، وأعلنوا أنهم ما نصحوه إلا انتصح، ولو رأوا في عمله ما يخالف الشرع لما سكتوا عنه، وهم ما رأوا منه إلا الحرص على إقامة شعائر الدين واتباع ما أمر الله تعالى به ورسوله (صلى الله عليه وسلم).

ونهض أحد الحضور فقال: «إننا لا نعرف ما ينتقد به على عبد العزيز إلا (الأتيال).. (يريد اللاسلكي) فيقال: إنه سحر، ولا يخفى حكم السحر والسحرة في الإسلام. الثاني (القصور) يعني المخافر التي تبنيها حكومة العراق على الحدود، وهذا ضرر على أرواحنا وعلى أوطاننا».

فأجاب عبد العزيز: «ليقل العلماء رأي الإسلام في (الأتيال)».

فأفتى العلماء بأنهم لم يجدوا في القرآن أو السنة أو قول أحد العلماء ولا من العارفين دليلا على تحريم «الأتيال»، وأن «من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب، ونبرأ إلى الله منه».

وأجاب عبد العزيز عن موضوع المخافر قائلا: «إن القوم يدعون أنكم أنتم الذين بدأتموه بالعدوان، وذلك بقتل السرية العراقية في (بصيه)، وأنتم ما حميتم ذمة ولي أمركم، والعراقيون يزعمون أن تلك المخافر ما بُنيت إلا مخافة الخطر منكم».

وانتهى هذا المؤتمر بتصايح الإخوان: «إننا نبايعك على السمع والطاعة، ونقاتل من تشاء على يمينك وشمالك. إننا نبايعك على مقاتلة من ينازلك ومعاداة من عاداك ما أقمت فينا شريعة الله».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة