مغامرة الشاب عبد العزيز تنتهي بإقامة الكيان الكبير

مغامرة الشاب عبد العزيز تنتهي بإقامة الكيان الكبير

قصة أشبه بالخيال لاسترداد العاصمة على لسان بطلها بعد فشل ورفض ثم نجاح
الثلاثاء - 29 ذو القعدة 1435 هـ - 23 سبتمبر 2014 مـ رقم العدد [ 13083]
الرياض: بدر الخريف
تظل قصة استرداد عاصمة الدولة ذات دلالات مهمة، كما أن مغامرة الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل لاسترداد الرياض تُعد اللبنة الأولى في تأسيس المملكة العربية السعودية، التي سجلت خلال عمرها القصير حضورا عالميا، وأصبحت ركنا في المعادلة الدولية.

كما تُعد ملحمة أشبه بالخيال، وقد تناولها عدد من المصادر المخطوطة والمطبوعة والشفهية، لكن الرواية الأكثر إثارة وتوثيقا تلك التي جاءت على لسان بطل الرواية، فبعد محاولة لم يُكتب لها النجاح عام 1901م لاسترداد الرياض من قبل الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، حيث كان منذ غادر الرياض عام 1890، وهو يفكر ويخطط للعودة إليها، وإعادة تأسيس الدولة السعودية، فقد زادته هذه المحاولة إصرارا على العودة مرة أخرى حيث قاد الشاب عبد العزيز عام 1902م مجموعة من أفراد أسرته ورجاله متجها بهم من الكويت إلى أطراف الأحساء، حيث قام بعدد من التحركات الناجحة بقصد تكوين قوة كافية لاسترداد الرياض، وانضم إليه أثناءها أعداد من أفراد القبائل في المنطقة تجاوز عددهم الألفين في خلال فترة امتدت نحو أربعة أشهر، إلا أنه نظرا لمضايقة الدولة العثمانية له ولأتباعه انفض عنه الكثير منهم، ولم يبق معه إلا 63 رجلا من أقربائه ورجاله الذين خرجوا معه من الكويت، ومجموعة مخلصة أخرى انضمت إليه خلال تحركاته التي قام بها أثناء المسيرة التي سبقت دخول الرياض، وانتحى بهذه المجموعة إلى جهات يبرين بسرية تامة، استعدادا للزحف إلى الرياض واستردادها، يقول الملك عبد العزيز: «افتكرنا مع ربعنا فيما نعمل، فاتفق الرأي على السطو على الرياض، فلربما حصلت لنا فرصة في القلعة نأخذها بسياسة، لأنه في الظاهر كانت علينا جواسيس».

وفي هذه الأثناء وصلته رسالة والده يدعوه فيها إلى العودة وعدم إكمال مهمته التي ربما تكون خطرا عليه، قرأ الملك عبد العزيز رسالة والده ثم نظر إلى أتباعه ورفقاء طريقه وجمعهم حوله، في مشورة انبلج شعاعها منذ بداية الطريق، وقرأ عليهم رسالة والده، ثم قال: «لا أزيدكم علما بما نحن فيه (إشارة إلى المعاناة) وهذا كتاب والدي يدعونا للعودة إلى الكويت قرأته عليكم، أنتم أحرار فيما تتخذونه لأنفسكم؛ فمن أراد الراحة ولقاء أهله فإلى يساري»، لكن رفقاء الطريق جميعهم لم يدعوا الملك يكمل فتواثبوا إلى يمينه، وأعلنوا قرارهم التاريخي بأن يصحبوه حتى يتحقق الأمر الذي يقصده، وعندئذ التفت الملك عبد العزيز إلى مبعوث والده، وقال: «سلم على الإمام، وخبره بما رأيت، وأساله الدعاء لنا، وقل له: موعدنا إن شاء الله في الرياض».

اضطر الملك عبد العزيز نتيجة لمضايقة الدولة العثمانية والمخاطر التي أحدقت به أن يتخذ سياسة التخفي، وأن يقيم مع رجاله الـ63 في أطراف الربع الخالي حتى تنصرف الأنظار عنه وعن مهمته.

يقول الملك عبد العزيز: «أخذنا أرزاقنا، وسرنا وسط الربع الخالي، ولم يدر أحد عنا أين كنا، فجلسنا شعبان بطوله إلى 20 رمضان، ثم سرنا إلى العارض».

بدأ الملك عبد العزيز في تنفيذ خطته لاسترداد الرياض في الـ21 من شهر رمضان، ووصل مع رجاله إلى مورد (أبو جفان) يوم عيد الفطر، ثم ساروا منه في الثالث من شوال متجهين إلى الرياض، حيث وصلوا إلى ضلع الشقيب (وهو ضلع يقع بجبل أبي غارب جنوب الرياض)، وذلك في الرابع من شوال عام 1319هـ، الـ13 من يناير (كانون الثاني) 1902م، وأبقى الملك عبد العزيز بعض رجاله عند الإبل والأمتعة لحراستها، وليكونوا مددا وعونا له فيما لو احتاج إليه، وزودهم بالتعليمات والأوامر، وكان من تعليماته التي ألقاها إليهم: «إذا ارتفعت الشمس (شمس الغد) ولم يأتكم خبرنا، فعودوا إلى الكويت وكونوا رسل النعي إلى أبي، وإذا أكرمنا الله بالنصر فسأرسل لكم فارسا يلوح لكم بثوبه إشارة إلى الظفر، ثم تأتوننا».

سار الملك عبد العزيز مع بقية رجاله إلى الرياض على الأقدام، يقول الملك عبد العزيز: «فنحن مشينا حتى وصلنا محلا اسمه ضلع الشقيب يبعد عن البلد ساعة ونصف للرجلى، هنا تركنا رفاقنا وجيشنا ومشينا على أرجلنا الساعة السادسة ليلا، وتركنا عشرين رجلا عند الجيش، والأربعون مشينا لا نعلم مصيرنا ولا غايتنا، ولم يكن بيننا وبين أهل البلد أي اتفاق»، وعلى مشارف الرياض قسم الملك عبد العزيز جيشه إلى قسمين، أبقى القسم الأول بقيادة أخيه الأمير محمد، ومعه 33 رجلا في بستان قرب بوابة الظهيرة خارج سور الرياض، وتسلل الملك عبد العزيز مع 6 من رجاله للوصول إلى بيت عامل ابن رشيد (عجلان).

كانت خطة الملك عبد العزيز مبنية على مهاجمة عجلان في منزله دون أن يتعرض الأهالي في المدينة إلى أي أذى، إلا أن الملك عبد العزيز فوجئ بما لم يكن في حسبانه عندما علم من زوجة عجلان أنه يبيت في حصن المصمك ولا يخرج منه إلا في الصباح، عندها أرسل الملك عبد العزيز في طلب أخيه محمد ورجاله الذين كانوا معه للتشاور فيما يمكن عمله، فتسللوا إلى بيت عجلان واجتمعوا مع الملك عبد العزيز، حيث تشاوروا في تنفيذ خطة الهجوم على المصمك.

وما أبداه الملك عبد العزيز (رحمه الله) من سرعة بديهة وتغيير في خطة الهجوم، والعمل على اقتحام المصمك، كشف عن مواهبه وقدراته على التخطيط والتفكير كقائد محنك، وعن عبقرية فذة، وما اتسم به من شجاعة وقوة وعزيمة وحسن تدبير.

يقول الملك عبد العزيز: «سألتها (أي زوجة عجلان) عن وقت خروج زوجها من الحصن، قالت: إنه ما يخرج إلا بعد ارتفاع الشمس بثلاثة أرماح، أخذناها وصكينا عليها مع الخدم ثم أحدثنا فتحة بيننا وبين الدار التي فيها أخي محمد، ودخلوا علينا، كان الليل عندئذ الساعة التاسعة والنصف، والفجر يطلع على الحادية عشرة، فلما اجتمعنا في المحل استقربنا وتقهوينا وأكلنا من تمر معنا ونمنا قليلا، ثم صلينا الصبح، وجلسنا نفكر ماذا نعمل، قمنا وسألنا الحريم: من الذي يفتح الباب للأمير إذا جاء؟ قالوا: فلانة.. فعرفنا طولها، فلبسنا رجلا منا لباس الحرمة التي تفتح الباب، وقلنا له: استقم عند الباب، فإذا دق عجلان افتح له ليدخل علينا، رتبنا هذا وصعدنا إلى فوق في غرفة فيها فتحة نشوف (نرى) باب القصر، وبعد طلوع الشمس فتحوا باب القلعة، خرج الخدام على العادة إلى أهلهم، لأنهم، كما ذكرنا، أصبحوا حذرين من يوم سطوتنا (هجومنا) الأولى، ثم فتح باب القلعة، وأخرجوا خيولهم وربطوها في مكان واسع، لما رأينا باب القلعة مفتوحا نزلنا لأجل أن نركض للقلعة وندخل القصر بعد فتح الباب، بنزولنا خرج الأمير ومعه خدمه، قدر عشرة رجاجيل قاصدا بيته الذي نحن فيه، وبعد خروجه أقفل البواب بابه وراح لأسفل القصر وترك الفتحة، نحن عند نزولنا أبقينا أربعة بواردية، وقلنا: إذا رأيتمونا راكضين أطلقوا النار على الذين عند باب القصر. فلما ركضنا كان عجلان واقفا عند الخيل، فالتفت إلينا مع رفاقه، ولكن هؤلاء الرفاق ما ثبتوا بل هربوا للقصر، وحينما وصلنا إليه كان الجميع دخلوا ما عدا الأمير عجلان هو وحده، أما أنا فلم يكن معي غير بندقية، وهو معه سيفه، رد لي السيف وهو يومي بالسيف، ووجه السيف ما هو طيب، غطيت وجهي وهجمت بالبندق، فثارت طيحة (سقوط) السيف في الأرض، يظهر أن البندق أصابت عجلان ولكنها لم تقضِ عليه، فدخل من الفتحة، ولكني مسكت رجليه، فمسك بيديه من داخل، ورجلاه بيدي، أما جماعته فقاموا يرموننا بالنار ويضربونا بالحصى أيضا ضربني عجلان برجله على شاكلتي (خاصرتي) ضربة قوية، أنا يظهر أنني غشيت (أغمي علي) من الضربة، فأطلقت رجليه فدخل، بغيت (أردت) أدخل، فأبى علي أخوياي (رجالي) ثم دخل عبد الله بن جلوي والنار تنصب عليه، ثم دخل العشرة الآخرون، فتحنا الباب على مصراعيه، ودخل عبد العزيز المصمك، واستقبله أهالي الرياض مبايعين لجلالته ومسرورين بعودته».

وكان استرداد الرياض اللبنة الأولى في تأسيس السعودية على مبادئ الشريعة السمحة، وأساسا لما وصلت إليه هذه البلاد من عز وتمكين وما أفاء الله به عليها من أمن واستقرار.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة