ليس بمقدور عالم التقنية أن يبقى ساكنا دون إحداث قفزة نوعية كل بضع سنوات، وخصوصا فيما يتعلق بمعالجة البيانات. وقد رأت شركة «إنتل» أن الوقت قد حان لقفزة جدية تسمح بتطوير آفاق الاستخدامات المبتكرة للأجهزة الإلكترونية من حولنا، من خلال «مؤتمر إنتل للمطورين» (Intel Developers Forum) السنوي في مدينة «سان فرانسيسكو» الأميركية الذي حضرته «الشرق الأوسط». وقدم المؤتمر نظرة حول التقنيات الثورية المقبلة التي يمكن للمطورين الأفراد والشركات استخدامها لإطلاق منتجات مفيدة ومبتكرة.
* أجهزة تتحدث
وكشف الرئيس التنفيذي للشركة، برايان كرازانيتش، عن الحاجة لتطوير تقنيات يمكن ارتداؤها، وأخرى تتيح تحادث الأجهزة الإلكترونية والمحسات المختلفة بعضها مع بعض لاسلكيا، وإيجاد بنية تحتية متقدمة تستطيع معالجة هذه البيانات وتحويلها إلى خدمة مفيدة للمستخدمين، الأمر الذي سينجم عنه عوائد على الأفراد والشركات بنحو 19 مليار دولار أميركي بحلول عام 2020. وقدم أمثلة كثيرة على ذلك، مثل تطوير كرسي متحرك لذوي الإعاقات الجسدية يسمح بمراقبة حالتهم الصحية بشكل مستمر (كمعدل التنفس ونبضات القلب والحرارة، وغيرها)، ومشاركة تلك البيانات مع الأهل أو الطاقم الطبي للمساعدة في حال حاجة المريض لذلك، وأساور ذكية في غاية الأناقة (من طراز «مايكا» Mica) تخفي داخلها دارات إلكترونية من شأنها توفير القدرة على تنبيه المستخدم في حال ورود رسائل نصية أو حلول موعد مهم، مع استخدام تلك الدارات لشرائح جديدة تسمح لها بالحصول على إشارة كافية رغم الحجم الصغير للهوائي. وستقدم هذه التقنيات مستويات أمن على مستوى الدارات والبرمجيات في الوقت نفسه.
وأعلنت الشركة كذلك إطلاق تحالف يضم حاليا 76 من كبرى الشركات في العالم (من بينها شركة «موبايلي» للاتصالات في السعودية، و«سامسونغ» و«سيسكو» و«آي بي إم» و«مايكروسوفت» و«تويوتا» و«إتش بي» و«توشيبا» و«ديل» و«إس إيه بي»، وغيرها) يهدف إلى تعزيز وتسهيل تطوير تقنية ترابط الأجهزة بعضها ببعض (اسمها «إنترنت الأشياء» Internet of Things)، مع تقديم الأدوات البرمجية اللازمة للمطورين للاستفادة من جميع هذه التقنيات، وفقا لضوابط هذا التحالف. وباستخدام تقنية «إنترنت الأشياء» وتحليل البيانات الضخمة بسرعات عالية جدا، فمن المتوقع استخدام مجسات طبية حديثة تتصل بالمستخدم وتستطيع التعرف على أنوع الأمراض الموجودة فيه، وخصوصا مرض السرطان، وتحديد نوع العلاج الأمثل لحالته شخصيا، وذلك بحلول عام 2020.
واستعرضت استخدامات مختلفة للتقنيات الجديدة، مثل: إدارة المباني الذكية (نظم مراقبة استهلاك الكهرباء وحلول التبريد والتسخين، وتسرب المياه)، وتتبع الحيوانات المعرضة للانقراض، ونظم إدارة أسطول حافلات النقل، وغيرها. ويمكن لأي شخص مهتم البدء بتطوير الكثير من التطبيقات الجديدة باستخدام جيل جديد من دارات صغيرة الحجم من طرازي «إيديسون» (بحجم طابع البريد) و«غاليليو» بأسعار منخفضة (نحو 50 دولارا أميركيا).
وتحدثت «الشرق الأوسط» مع «آيسيه إلدينيز»، المسؤولة عن قطاع تطوير الأجهزة الجديدة في «إنتل»، التي ركزت على الدور الكبير الذي ستلعبه التقنيات في الأجهزة التي يمكن ارتداؤها والملبوسات التقنية، حيث يتوقع أن تدخل كبرى دور الأزياء والإكسسوارات إلى هذا القطاع الذي سيقدم وسائل تواصل وتنبيه استشعار جديدة مدمجة داخل الأساور والملابس وغيرها. ويتطلب هذا الأمر إما توظيف طاقم تقني في دور الأزياء، وإما استخدام خدمات شركات تقنية وسطية تدمج التقنيات داخل الأزياء والإكسسوارات قبل طرحها. وستكشف الشركة قريبا عن المزيد من المعلومات حول سوار فاخر يحتوي على شاشة وسماعات مدمجة عاينته «الشرق الأوسط»، يمكن شحنه عبر منفذ «مايكرو يو إس بي» مخفي بذكاء. وستطرح سماعات أذن صغيرة قبل نهاية العام الحالي للاستماع إلى الموسيقى تستطيع مراقبة معدل نبضات القلب ولا يحتاج المستخدم إلى شحنها، من طراز «إس إم إس أوديو» (SMS Audio).
* نقل متقدم للبيانات
واستعرضت الشركة كذلك تقنيات تسمح بنقل الملفات بين الأجهزة بمجرد تحريك الملف إلى جانب الشاشة نحو الجهاز الآخر، وذلك لتسهيل الاستخدام التقني على الجميع، مع القدرة على وصل الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية والكومبيوترات بالتلفزيونات والشاشات لا سلكيا وعرض الصورة بالدقة العالية بكل سهولة من خلال تقنية «واي غيغ» (Wireless Gigabit WiGig). وتعتزم الشركة كذلك إزالة جميع الأسلاك من الكومبيوترات في الأعوام القليلة المقبلة، تماما مثلما سهلت تحويل الإنترنت السلكي إلى لا سلكي باستخدام دارات صغيرة في الأجهزة المحمولة قبل عدة سنوات، ومن ذلك الشحن اللاسلكي في المقاهي والمكاتب باستخدام طاولات وأطباق تزيينية ذكية تشحن تلك الأجهزة.
واستعرضت الشركة كذلك تقنية جديدة لمنافذ «يو إس بي» (اسمها «يو إس بي الفئة سي» USB Type - C) تسمح بوصل السلك بالكومبيوتر بأي جهة ممكنة، عوضا عن الطريقة الحالية التي لا تقبل وصله إلا بجهة محددة. وتقدم هذه التقنية كذلك منافذ أصغر حجما، الأمر الذي يسهل تبنيها في الأجهزة المحمولة، مع قدرتها على شحن الأجهزة المختلفة بسرعة واستخدامها منفذا للوسائط المتعددة، ونقل البيانات بسرعات تصل إلى 10 غيغابايت (1.25 غيغابايت) في الثانية الواحدة، مقارنة بـ480 ميغابايت (60 ميغابايت) في الثانية الواحدة لتقنية «يو إس بي 2»، أي إنها أسرع بنحو 21 مرة! ويمكن استخدام مهيئات (Adaptor) بسيطة لوصل وحدات «يو إس بي» السابقة بهذا المنفذ.
* كاميرات تجسيمية
وجرى تطوير تقنيات كاميرات تجسيمية جديدة من طراز (Real Sense) ستصبح مدمجة داخل الكومبيوترات الشخصية والأجهزة اللوحية في العام المقبل، تلتقط بُعد المستخدم عن الكاميرا وتسجل بيانات الموقع داخل الصور نفسها، وذلك لتقديم تطبيقات وألعاب إبداعية، والتفاعل مع أي جهاز بشكل أكثر سهولة، مع القدرة على دمجها بأجهزة متخصصة في مجال التعليم. ومن الاستخدامات المبهرة الأخرى، القدرة على استخدام الكاميرات في السيارات الذكية، فتستطيع السيارة التعرف على وجه المستخدم فور جلوسه وتغيير الخصائص وفقا لرغبته، أو إرسال رسالة تنبيهية لجوال المستخدم في حال ركوب شخص آخر مكانه، وسؤال المستخدم ما إذا كان يسمح لذلك الشخص بقيادة السيارة أم لا، وقيود السرعة القصوى الممكنة له والأماكن التي يمكنه الذهاب إليها. ويمكن كذلك الاتصال بالسيارة لا سلكيا من الهاتف الجوال واستخدام الكاميرات المدمجة في السيارة لمعرفة ما إذا كان نسي المستخدم شيئا ما في السيارة أم لا. ومن المتوقع تحويل المرآة إلى شاشة ذكية تعرض بيانات إضافية، وذلك باستخدام الكاميرات والأشعة تحت الحمراء، مثل سرعة واتجاه السيارات من حول المستخدم، والقدرة على الرؤية الليلية في المناطق المظلمة جدا.
ويمكن استخدام الكاميرا لتحديد أبعاد الأشياء من حول المستخدم، واستخدام تلك البيانات بطرق مبتكرة، مثل استعراض شركة «طيران الإمارات» لأدوات محمولة تستخدم هذه الكاميرا لقياس أبعاد الصناديق والأمتعة، وترتيب وضعها داخل الطائرة بالطريقة الأمثل بهدف رفع القدرة على نقل أكبر عدد ممكن من الصناديق من حيث الأبعاد. واستعرضت شركات أخرى تطبيقات مبتكرة لهذه الكاميرا، مثل القدرة على قياس أبعاد رجل المستخدم وتحديد المقاسات الصحيحة بدقة عالية جدا، ومن ثم البحث في المتاجر الإلكترونية عن الحذاء الأمثل له. ويمكن استخدام الكاميرا كذلك لقياس أبعاد العناصر من حول المستخدم لمعرفة ما إذا كانت الطاولة المرغوبة في المتجر تتسع في صالة المستخدم، مثلا. ومن التطبيقات الأخرى، القدرة على التعرف على وجه المستخدم (وصوته)، وذلك لاستخدام هذه المعلومات عوض كلمات السر للمواقع الكثيرة. ونظرا إلى أن هذه الكاميرا تتعرف على بعد المستخدم عنها، فلا يمكن خداعها باستخدام صورة للمستخدم، نظرا إلى أن الصورة مسطحة وليست مجسمة مثل وجهه.
* روبوت شخصي
ومن الأمور اللافتة للنظر في المؤتمر تقديم رجل آلي (روبوت) صغير الحجم يبلغ وزنه 2.5 كيلوغرام يمكن بناؤه في المنزل بكل سهولة، وبرمجته لأداء الكثير من الوظائف بسهولة، تحت اسم «جيمي» (Jimmy). ويمكن تحميل ملف واحد يحتوي على تصميم بدن الروبوت من الإنترنت وطباعته في المنزل باستخدام الطابعات المجسمة ثلاثية الأبعاد، وبتكلفة منخفضة، ومن ثم استخدام دارات بسيطة يمكن طلبها من الإنترنت أو من متاجر الإلكترونيات، الأمر الذي يحول الروبوت المنزلي من حلم باهظ الثمن إلى واقع بسعر هاتف جوال. وقدم باحثون مجموعات برمجية سهلة الاستخدام لتطوير برمجة الروبوت بسهولة وسرعة، إذ استعرضت طالبة جامعية يشتكي أهلها من مشاكل صحية متعلقة بجودة الهواء من حولهم، وطورت الروبوت مضيفة إليه مصابيح باعثة للضوء (LED) ومجسات منخفضة التكلفة تقيس نسب الأكسجين وثاني أكسيد الكربون والغبار في المنزل.
ويستطيع الروبوت التجول في غرف المنزل من تلقاء نفسه لقياس جودة الهواء، وإصدار إشارات صوتية وضوئية تخبر الأهل بضرورة تشغيل أجهزة تنقية الهواء لدى اقتراب نسبة تلوثه إلى الحد المزعج لهم. وطورت الطالبة الروبوت وبرمجته في 14 يوما فقط. ويمكن تخصيص أي وظيفة وأي مستشعر بسهولة كبيرة، الأمر الذي قد يحول الروبوتات إلى أجهزة منزلية تقليدية مثل مشغلات عروض الفيديو.










