مصارف لبنان تترقب تصنيف المؤسسات الدولية للوضع المالي

TT

مصارف لبنان تترقب تصنيف المؤسسات الدولية للوضع المالي

تصب الدولة اللبنانية تركيزها في الوقت الراهن على محاولة إبقاء مؤسسات التصنيف الائتماني تقييمها الحالي للوضع المالي والاقتصادي والنقدي. حركة غير اعتيادية تحصل خلف الكواليس، أبرزها لقاءات للرؤساء الثلاثة مع «قادة» الملف المالي والنقدي والاقتصادي، أي وزير المال علي حسن خليل، ووزير الاقتصاد منصور بطيش، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير.
وكانت الدولة دخلت سابقاً في جدل مع مؤسسات تصنيف ائتماني بسبب الصورة القاتمة التي عكستها هذه المؤسسات عن الوضع المالي والاقتصادي في البلاد، خلافاً لتأكيدات أهل الشأن بأن الوضع في لبنان تحت السيطرة. وهو الأمر الذي تسبب في تراجع الثقة بالدولة اللبنانية من قبل دول ومصارف وشركات مالية وغيرها. حتى أن بعض هذه المؤسسات راح يروّج لفكرة أن لبنان لم يعد قادراً على السداد والإيفاء بالتزاماته المالية؛ مما ينتج منه ارتفاع المخاطر المتعلقة بالاستثمار، كما في نسبة الفائدة على الاستثمار بسندات الدولة اللبنانية وغيرها، وهو ما يتسبب بدوره في زيادة خدمة الدين العام، الذي ينجم عنه بالتالي ارتفاع الضغط على الاقتصاد اللبناني.
ويعتبر تصنيف وكالات الائتمان المعيار من أجل إنشاء وتطوير ورعاية العلاقة الاستثمارية بين الدول والمصارف والشركات المالية أو التجارية.
وفي حين يترقب القطاع المصرفي اللبناني تصنيف وكالة «ستاندرد اند بورز» بحذر، أوضح رئيس مديرية البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة «بنك بيبلوس» الدكتور نسيب غبريل لـ«الشرق الأوسط»، أن وكالات التصنيف الدولية تمنح المصارف اللبنانية التصنيف الائتماني ذاته، الذي تمنحه للدولة اللبنانية وللدّين العام، أي أن تصنيف المصارف لا يمكن أن يتعدّى التصنيف السيادي للبنان، وتصنيف وكالتي S&P وFitch Ratings الائتماني للمصارف اللبنانية هو «B -» حالياً»؛ لأنه التصنيف الائتماني السيادي للبنان.
عوامل أخرى تعزز ارتباط تصنيف المصارف بالتصنيف السيادي للدولة اللبنانية، على سبيل المثال، ما تحمله المصارف التجارية من نسبة الدين العام. ففي لبنان، تحمل المصارف التجارية ما نسبته 38 في المائة من الدين العام، ما يشكل 13 في المائة من موجوداتها المجمعة، بالإضافة إلى ودائعها لدى مصرف لبنان. وهذا عامل أساسي لارتباط تصنيف المصارف بالتصنيف السيادي حسب الوكالات. حتى النظرة المستقبلية للقطاع المصرفي في لبنان، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظرة المستقبلية للتصنيف السيادي للدولة اللبنانية. وكانت وكالة «ستاندرد آند بورز» عدلت في مارس (آذار) الماضي نظرتها المستقبلية للتصنيف السيادي للبنان من «مستقر» إلى «سلبي»؛ ما يعني حصول المصارف على النظرة ذاتها، على الرغم من ربحيتها وحسن إدارتها.
وذكّر غبريل بالأسباب التي استندت عليها الوكالة في تصنيفها، وفي تعديل نظرتها المستقبلية للوضع، كتلكؤ الحكومة ومجلس النواب والطبقة السياسية في تطبيق الإصلاحات في المالية العامة، والإصلاحات البنيوية، التي من شأنها تخفيض عجز الموازنة العامة للعام 2019؛ مما قد يؤثر على ثقة المستثمرين ويخفّض وتيرة تدفق الودائع إلى القطاع المصرفي.
ويستطرد غبريل بما أشارت إليه الوكالة عينها، فيما يخص الثقة القوية في النظام المصرفي اللبناني، والمدعومة من سياسات مصرف لبنان، للحفاظ على مستوى مرتفع من احتياطيات العملات الأجنبية. كما قالت الوكالة أن القدرة على خدمة الدين العام تعتمد بشكلٍ أساسي على تدفق الودائع، وعلى استعداد وقدرة القطاع المصرفي على استمرار الاكتتاب في السندات الحكومية. ونبهت الوكالة، كما قال غبريل، من أن اعتماد الحكومة على مصدر وحيد لتمويل احتياجاتها، هو ضعف هيكلي، يزيد من تعرّض لبنان لظروف مالية واقتصادية سيّئة. وهي نقطة تلاقٍ لآراء المصارف التجارية مع وكالات التصنيف الائتماني؛ إذ إن اعتماد الدولة على القطاع المصرفي لتمويل احتياجاتها يشكّل ضعفاً هيكلياً. كما أنها خطوة ولو غير مباشرة لتشجيع الدولة على تخفيض حاجاتها إلى الاستدانة وعلى تنويع مصادر تمويلها.
وتعتبر المصارف التجارية في لبنان أن تقييد تصنيفها الائتماني بالتصنيف السيادي يجب أن يتغيّر. إذ أثبتت المصارف حسن إدارتها وقدرتها على اجتذاب الودائع، في أصعب الظروف، وشفافيتها، وحفاظها على مستوى عالٍ من الملاءة والسيولة، وتطبيق المعايير الدولية.
ويؤكد غبريل تقبل المصارف اللبنانية تقييم وكالات التصنيف لها وتعاملها معها باحتراف وبواقعية؛ لأنها تعلم مدى الارتباط الوثيق بين تصنيفها وبين التصنيف السيادي للبنان، بغض النظر عن موافقتها أو عدم موافقتها على تقييد تصنيف المصارف بسقف التصنيف السيادي للبنان، وبغض النظر عن اعتقادها أن على وكالات التصنيف إعادة النظر بمعايير تصنيف المصارف اللبنانية، ومنحها تصنيفات أعلى من التصنيف السياديّ. إذ إن المصارف، مثلاً، تعيد ضخّ ما يقارب 60 في المائة من أرباحها، في رأسمالها، مما يساعدها على مواجهة أي تقييم أو قرار من وكالات التصنيف. أيضاً، تتبع وكالات التصنيف منهجية متطورة لتقييم التصنيف الائتماني لدولة ما، أو لشركة أو لمصرف. وفي حال التصنيف السيادي، تأخذ في الاعتبار المخاطر السياسية، والوضع الاقتصادي، وأداء المالية العامة، ووضع القطاع الخارجي والسياسة النقدية. وفي حالة المصارف، تأخذ في الاعتبار البيئة التشغيلية، واستراتيجية المصرف، وملاءته ونسبة السيولة لديه من ضمن عوامل متعددة أخرى.
ويستغرب غبريل بعض التصريحات التي صدرت من مستشارين لبعض المسؤولين في الأشهر الماضية، وفحواها الاتجاه لاتخاذ إجراءات بحق إحدى الوكالات، بسبب تصنيفها للبنان، أو إمكانية الطلب من وكالة أخرى تأجيل تقييمها السيادي للبنان، بالقول «إنها طريقة غير مواتية في التعاطي ولن تؤدّي إلى نتيجة؛ لأن السلطات اللبنانية هي التي طلبت من وكالات التصنيف الثلاثة، تصنيف لبنان الائتماني، خصوصاً أن لبنان يصدر سندات يوروبوندز بشكل مستمرّ، منذ نحو عشرين سنة، وهذا ما يساعد على استقطاب مؤسسات وصناديق استثمارية أجنبية على شراء قسم من هذه الإصدارات». وإذا كان أحد أو جهة معيّنة يعتقد أن تقييم إحدى الوكالات غير مواتٍ، فيمكن للسلطات المعنية اللبنانية أن تفسخ عقدها مع هذه الوكالة. لكن خطوة كهذه ليست مُستَحَبّة، بحسب غبريل وتعطي انطباعاً أن السلطات المحلية لا ترغب في التعاطي مع وكالات التصنيف، خصوصاً بعد نحو عقدين من تصنيفها للبنان، بطلب من سلطاته».
ويرى غبريل أن الطريقة الفضلى للتعاطي مع وكالات التصنيف، وإقناعها برفع التصنيف الائتماني للبنان، وبالتالي للمصارف اللبنانية، هو بالعمل الجدّي على تقليص عجز الموازنة وتخفيض حاجات الدولة للاستدانة، واتخاذ إجراءات لتحفيز النمو الاقتصادي، وتشجيع تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات. وهذا ما ينادي به القطاع المصرفي اللبناني منذ سنين كثيرة. وإذا رأت وكالات التصنيف منحى مستمراً في هذا الاتجاه، وتقلّص نسبة عجز الموازنة العامة إلى الناتج المحلي، وتراجع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي بشكل مستمرّ، فإنها ستغيّر أولاً نظرتها المستقبلية للتصنيف الائتماني للبنان من سلبي إلى مستقر، ومن بعد ذلك من مستقر إلى إيجابي. وفي وقت لاحق، سترفع التصنيف الائتماني للبنان من مستوياته الحالية، وسيتبع هذا القرار رفع التصنيف الائتماني للمصارف التجارية إلى مستوى التصنيف السيادي الجديد».
وعن التصنيف المتوقع للمصارف، يفضل غبريل عدم استباق التقييم؛ إذ إن لا أحد يستطيع تكهّن قرار الوكالة، كما أن البعض بدأ يهوّل بأن تخفيض تصنيف لبنان سيؤدي إلى انهيار أو إفلاس، مؤكداً أن تقييم التصنيف يؤخذ قبل يوم أو يومين من نشره.



غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».