«كوباني» مدينة أشباح.. و70 ألف سوري ينزحون إلى تركيا خلال يومين

آلاف علقوا على الحدود بعد إغلاق أنقرة نقاط عبور.. ومسؤول كردي لـ {الشرق الأوسط} : سنفتح جبهات جديدة

جندي تركي يراقب مئات السوريين الفارين من كوباني وهم ينتظرون عبور الحدود مع اقتراب تنظيم «داعش» أمس (أ.ب)
جندي تركي يراقب مئات السوريين الفارين من كوباني وهم ينتظرون عبور الحدود مع اقتراب تنظيم «داعش» أمس (أ.ب)
TT

«كوباني» مدينة أشباح.. و70 ألف سوري ينزحون إلى تركيا خلال يومين

جندي تركي يراقب مئات السوريين الفارين من كوباني وهم ينتظرون عبور الحدود مع اقتراب تنظيم «داعش» أمس (أ.ب)
جندي تركي يراقب مئات السوريين الفارين من كوباني وهم ينتظرون عبور الحدود مع اقتراب تنظيم «داعش» أمس (أ.ب)

تحولت مدينة كوباني (عين العرب)، ذات الأغلبية الكردية في محافظة حلب، إلى مدينة أشباح أمس بعد أن أحكم تنظيم «داعش» حصاره عليها، وذلك غداة سيطرته على نحو 64 قرية في الريف، في إطار تعزيز نفوذه على الحدود مع تركيا. ووصل عدد الأكراد الهاربين باتجاه تركيا خلال اليومين الأخيرين إلى نحو 70 ألف كردي، وفق ما ذكرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن «داعش» تسبب في تهجير 150 ألف شخص في كوباني.
وقالت المفوضية إن السلطات التركية والأمم المتحدة يستعدان لاحتمال أن يفر مئات الآلاف من الأكراد السوريين إلى تركيا في الأيام المقبلة. ويعتقد أن من بين الفارين عربا ومسيحيين كانوا نزحوا في أوقات سابقة من مدنهم إلى كوباني التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى ملجأ لأكثر من 200 ألف من السوريين الهاربين من القتال قبيل هجوم «داعش» الأخير.
وتعد كوباني المدينة الكردية الثالثة في سوريا بعد القامشلي وعفرين، ومن شأن السيطرة عليها أن تؤمن للتنظيم تواصلا جغرافيا على جزء كبير من الحدود السورية - التركية، وتعطيه دافعا باتجاه مناطق أخرى مثل محافظة الحسكة. كذلك، فإن سيطرة «داعش» على كوباني الحدودية مع تركيا، سيوسع الرقعة الجغرافية لنفوذه في الشمال والشرق.
وفي هذا الإطار، يشدد المسؤول الإعلامي في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، نواف خليل لـ«الشرق الأوسط»، على أن الوضع في كوباني اليوم في غاية الخطورة، مؤكدا في الوقت عينه أن «داعش» لن يتمكن من السيطرة على هذه المدينة، وأشار إلى أن مئات الشباب الأكراد، لا سيما من تركيا يتوجهون للقتال ضد «داعش» في كوباني، إلى جانب غرفة العمليات المشتركة التي كانت تشكلت تحت اسم «بركان الفرات»، من 8 فصائل من الجيش الحر ووحدات حماية الشعب في الحزب الديمقراطي. وشدد خليل على أن «كوباني لن تكون بابا عمرو أو القلمون والقصير، وأبناؤها سيقاتلون بكل ما يملكون للحفاظ على مدينتهم». وكشف أن «جبهات جديدة ستفتح ضد (داعش)، ستتضح صورتها في الساعات القليلة المقبلة».
وعد خليل «أنه إذا استطاع (داعش) السيطرة على كوباني، فإن الكارثة عندها لا تقتصر على الأكراد؛ بل على كل سوريا والبلدان المجاورة». وأوضح أن «سقوط كوباني، إذا حصل، من شأنه أن يفتح الباب باتجاه ريف حلب وصولا إلى الرقة ودير الزور (حيث سيطرة داعش) ليصل التنظيم إلى مشارف الحسكة ومن ثم القامشلي».
وفيما أطلق أكراد في تركيا دعوة جديدة لحمل السلاح للدفاع عن مدينة كوباني التي تقع تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ذكرت وكالة «دوغان» الخاصة للأنباء في تركيا أمس، أن قوات الأمن أطلقت مدافع المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين أكراد احتشدوا على الحدود مع سوريا ليعبروا إلى الأراضي السورية تضامنا مع مقاتلين أكراد يقاومون متشددي «داعش» الذين يتقدمون على جبهة بلدة عين العرب السورية. وبعدما أطلق الأمن مدافع المياه والغاز المسيل للدموع بدأ المحتشدون يفرون من منطقة الحدود سيرا على الأقدام أو بالسيارات بينما رشق بعضهم عناصر الأمن بالحجارة.
وأغلق عناصر الدرك والشرطة غالبية نقاط العبور في المنطقة؛ بينها نقطة كان يستخدمها المقاتلون الأكراد للانتقال إلى سوريا. وبقيت نقطتان حدوديتان فقط مفتوحتين على أن تتولى وزارة الداخلية تسجيل أسماء الوافدين الجدد، مما ترك آلاف النازحين عالقين على الحدود.
وقال مصطفى عبدي، الناشط السوري الكردي الذي يتحرك بين الحدود ومدينة كوباني، إن «شوارع كوباني شبه مقفرة وهناك شعور كبير بالخوف». وأضاف أن مدنيين «بينهم مسنون ومعوقون جرى إعدامهم في القرى، لكننا لا نملك رقما محددا»، مؤكدا أن «الدولة الإسلامية تنهب المنازل».
وتابع عبدي أن «معظم النساء والأطفال غادروا كوباني وثمة آلاف الرجال المسلحين المستعدين للدفاع عن المدينة حتى آخر نقطة دم. ولكن ماذا يستطيعون حيال الأسلحة الثقيلة للدولة الإسلامية (داعش)؟». وقال أيضا: «نحتاج إلى طائرة أميركية واحدة لضرب هؤلاء الهمجيين. أين التحالف المناهض للدولة الإسلامية (بقيادة الولايات المتحدة)؟ عليهم أن ينقذوا الشعب الكردي».
في غضون ذلك، قال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن لوكالة الصحافة الفرنسية إن عناصر «داعش» أصبحوا موجودين في بعض الأماكن على بعد 10 كيلومترات فقط من المدينة التي تعد ثالث تجمع للأكراد في سوريا.
وأسفرت المعارك التي ما زالت مستمرة في ضواحي كوباني، منذ مساء الثلاثاء، عن مقتل 37 مقاتلا على الأقل من عناصر «داعش» و27 من الأكراد. وقال عبد الرحمن إن «أكثرية القتلى لدى الجهاديين غير سوريين ومنهم شيشانيون ورعايا خليجيون».
وروى لاجئون من القرى أن الجهاديين قصفوا ودمروا المنازل وقطعوا رؤوس السكان الباقين في كوباني وريفها.
ودعت المعارضة السورية المجموعة الدولية إلى «التحرك العاجل للحؤول دون حصول تطهير إثني في هذه المدينة، فيما وصل نحو 300 مقاتل كردي من تركيا إلى سوريا لمساعدة إخوانهم في سوريا»، كما ذكر المرصد.
وتعمل الحكومة التركية على الإسراع ببناء مخيمات للاجئين الأكراد، بينما ذكرت المفوضية أنها ترسل الآلاف من البطاطين والسجاد وتعتزم إقامة مراكز تسجيل.
وفي هذه الأثناء، أطلق أكراد في تركيا دعوة جديدة لحمل السلاح للدفاع عن المدينة الكردية. وقال قائد كردي في المنطقة إن «داعش» تقدم حتى مسافة 15 كيلومترا من كوباني التي عرقل موقعها الاستراتيجي إحكام المتشددين السيطرة على مختلف أنحاء شمال سوريا.
وقال سياسي كردي من تركيا زار كوباني السبت الماضي إن سكان المدينة أبلغوه أن مقاتلي «داعش» يذبحون بعض الناس في تقدمهم من قرية لأخرى. وأفاد إبراهيم بينيجي، نائب حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد، في تركيا، لوكالة «رويترز»: «هذه ليست حربا، بل عملية إبادة جماعية.. فهم يدخلون القرى ويقطعون رأس شخص أو شخصين ويفرّجون أهل القرية عليها». وأضاف: «حقيقة هذا وضع مخجل للإنسانية». ودعا إلى تدخل دولي. وتابع أن 5 من زملائه من أعضاء البرلمان ينوون الإضراب عن الطعام خارج مكتب الأمم المتحدة في جنيف للمطالبة بتحرك.
وقد استولى تنظيم «داعش» على 64 قرية على الأقل حول كوباني منذ بدأ الهجوم يوم الثلاثاء الماضي مستخدما الأسلحة الثقيلة والآلاف من مقاتليه. وقال المرصد السوري إن التنظيم أعدم 11 مدنيا على الأقل السبت الماضي؛ فيهم صبيان اثنان على الأقل.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.