نظام تشغيل جديد وأدوات برمجية متقدمة في «مؤتمر هواوي للمطورين»

مستويات أداء وأمان مرتفعة لمختلف فئات الأجهزة الإلكترونية... ومختبر لمطوري الذكاء الصناعي في دبي

«مؤتمر هواوي للمطورين 2019»
«مؤتمر هواوي للمطورين 2019»
TT

نظام تشغيل جديد وأدوات برمجية متقدمة في «مؤتمر هواوي للمطورين»

«مؤتمر هواوي للمطورين 2019»
«مؤتمر هواوي للمطورين 2019»

كشفت شركة «هواوي» عما بجعبتها للمطورين من مؤتمرها السنوي «مؤتمر هواوي للمطورين» (Huawei Developer Conference 2019)؛ ومن بين ذلك نظام تشغيل جديد للأجهزة الذكية والمحمولة والشاشات الذكية، وشراكات جديدة مختلفة من بينها شراكات في المنطقة العربية لتقديم المحتوى الرقمي والخدمات المختلفة للمستخدمين، إلى جانب التحدث عن واجهة استخدامها المقبلة «EMUI10»، ومجموعة من الأدوات الخاصة بالمطورين لرفع سرعة عمل تطبيقاتهم ومستويات أمانها. ودارت فعاليات المؤتمر في مدينة دونغوان الصينية في الفترة الممتدة بين 9 و11 أغسطس (آب) الحالي.
نظام تشغيل جديد
أول ما كشفت الشركة عنه هو نظام التشغيل الجديد الخاص بها «هارموني أو إس» (HarmonyOS) الذي سيعمل على كثير من الأجهزة المحمولة والشاشات الذكية. ويختلف هذا النظام عن «آندرويد» و«آي أو إس» بأنه نظام تشغيل موزع قائم على تقنية النواة البرمجية المصغرة (Micro Kernel) لتوفير تجربة سلسة على جميع فئات الأجهزة. ويمتاز النظام بهيكلية موثوقة وآمنة تدعم التعاون السلس بين جميع الأجهزة من حول المستخدم. كما يمكن للمطور تطوير تطبيقه مرة واحدة فقط، ومن ثم نشره على كثير من الأجهزة المختلفة بسهولة كبيرة. وستطلق الشركة هذا النظام في البداية على الساعات الذكية والشاشات الذكية والنظم داخل السيارات ومكبرات الصوت الذكية، وتسعى لإنشاء نظام بيئي متكامل ومشترك عبر الأجهزة وتشكيل بيئة تشغيل آمنة وموثوقة وتوفير تجربة ذكية شاملة عبر كل تفاعل مع كل جهاز.
ويتميز النظام بأربع خواص؛ هي السلاسة والسرعة والأمان والبيئة الموحدة. بالنسبة للسلاسة، فيعتبر «هارموني أو إس» أول نظام تشغيل من نوعه يستخدم بنية موزعة توفر تجربة سلسة عبر جميع الأجهزة. وبفضل الاعتماد على البنية الموزعة وتقنية الناقل الافتراضي الموزع (Distributed Virtual Bus)، يوفر النظام منصة اتصالات مشتركة وإدارة بيانات موزعة وجدولة بيانات موزعة. ولن يعود مطورو التطبيقات بحاجة للتعامل مع التقنيات الأساسية للتطبيقات الموزعة، ما يتيح لهم التركيز على مفهوم الخدمة الفردية الخاصة بهم، ليكون تطوير التطبيقات الموزعة أكثر سهولة من أي وقت مضى.
ويمكن تشغيل التطبيقات المطورة عبر نظام «هارموني أو إس» على أجهزة مختلفة بكل سلاسة وعلى كثير من فئات الأجهزة (مثل التلفزيونات الذكية والمساعدات الصوتية الذكية والموجهات والكومبيوترات المحمولة والساعات الذكية والأجهزة اللوحية والهواتف الجوالة، وغيرها). وبالنسبة للسرعة، فيقدم النظام محركاً خاصاً لتعزيز سرعة الاستجابة ورفع كفاءة الاتصالات الداخلية بين العمليات للتصدي لتحديات ضعف الأداء. ويتولى محرك تعزيز سرعة الاستجابة بشكل مسبق مسؤولية تحديد أولويات تنفيذ المهام وحدود الوقت للجدولة. وسيتم تقديم الموارد للوظائف ذات الأولوية العليا، ما يخفض زمن استجابة التطبيقات بنسبة 25.7 في المائة، مع القدرة على رفع كفاءة وأداء الاتصالات الداخلية بين العمليات أكثر بنحو 5 مرات.
وبالنسبة للأمان، فيستخدم النظام بنية النواة البرمجية المصغرة التي تعيد تشكيل مفاهيم الأمان والموثوقية بالكامل، حيث يمتاز النظام بمستوى محسن من الأمان وانخفاض زمن الاستجابة. وتم تصميم النواة البرمجية المصغرة لتبسيط الخواص الوظيفية لنواة المعالجة وتنفيذ أكبر عدد ممكن من خدمات النظام خارج النواة، وإضافة طبقة حماية أمنية مشتركة. ويعتبر «هارموني أو إس» أول نظام تشغيل يعتمد على أسلوب التحقق الرسمي في الأجهزة ضمن بيئة تنفيذ موثوقة بهدف تعزيز مستويات الأمان بدرجة كبيرة. وننتقل إلى تقديم النظام لبيئة تطوير متكاملة وموحدة على الأجهزة المختلفة، التي تسمح بتطوير التطبيقات مرة واحدة ومن ثم نشرها عبر أجهزة متعددة، وبكل سهولة.
وبفضل بيئة التطوير المتكاملة هذه، يمتلك النظام الجديد القدرة على التكيف تلقائياً مع مختلف التفاعلات وعناصر التحكم بكل سهولة، الأمر الذي يعني تقديم خيارات أكثر وأسهل للمطورين لصنع تطبيقات تعمل على أجهزة متعددة بشكل أكثر كفاءة.
ويُتوقع أن يدعم «هارموني أو إس» تشغيل تطبيقات «آندرويد» الحالية، ولذلك قدمت الشركة أداة خاصة للمطورين تتيح لهم تحويل تطبيقاتهم من «آندرويد» إلى «هارموني أو إس» في خطوات قليلة وبكل سهولة، مع إطلاق الشركة حزمة تطوير تطبيقات تعمل على مختلف الأجهزة لإيجاد بيئة غنية خاصة بها. ولن تسمح الشركة بحصول المستخدم على صلاحيات المشرف (Root) لدواعٍ أمنية. ويتوقع أن تستمر الشركة باستخدام نظام التشغيل «آندرويد» في الفترة المقبلة إلا في حال اضطرارها لاستخدام «هارموني أو إس». وتجدر الإشارة إلى أن هذا النظام لا ينافس «آندرويد» بالكامل، بل يستهدف نظام التشغيل «فوشيا» (Fuchsia) من «غوغل» الذي يستطيع العمل على عدة فئات من الأجهزة بالنواة ذاتها دون خفض مستويات الأداء والأمان أو دعم التطبيقات.
وسيعتمد نجاح «هارموني أو إس» على إيجاد نظام بيئي ديناميكي للتطبيقات والمطورين. وتعزيزاً لاعتماده على نطاق واسع، ستصدر «هواوي» النظام حول العالم كمنصة مفتوحة المصدر (Open Source)، وستؤسس مؤسسة ومجتمعاً مفتوحي المصدر لدعم مزيد من التعاون المعمق مع المطورين. وستتيح «هواوي» إمكانية مشاركة قدراتها الأساسية في مجالات مهمة للمبرمجين، مثل الاتصالات والكاميرات والذكاء الصناعي، وستتعاون مع الشركاء لتوفير تطبيقات وخدمات تتيح للمستخدمين أفضل تجربة ممكنة لتعزيز القطاع.
ويأتي هذا النظام عقب مناوشات متعددة بين الحكومتين الأميركية والصينية منذ شهر مايو (أيار) الماضي التي نجم عنها منع الحكومة الأميركية شركات التقنية الأميركية التعامل مع الشركات الصينية (بما فيها «هواوي»)، الأمر الذي أثر على منح «غوغل» نظام التشغيل «آندرويد» لـ«هواوي»، وامتناع كثير من الشبكات الاجتماعية عن تقديم تطبيقاتها على أجهزة الشركات الصينية، وتوقف مجموعة من الشركات الأميركية المصنعة للدارات الإلكترونية من التعامل مع الشركات الصينية. وتُعتبر خطوة تطوير نظام تشغيل متكامل ضرورية إن أرادت «هواوي» الاستقلال عن الشركات الأميركية والنأي بنفسها عن الأضرار الجانبية للحرب التجارية الأميركية - الصينية.
وبما أن النظام مفتوح المصدر، فيمكن لأي شخص أو شركة استخدامه. ومن الممكن أن نشهد تحالفاً بين كبرى شركات صناعة الهواتف الجوالة الصينية لاستخدام «هارموني أو إس» في أجهزتها المقبلة، وذلك بهدف حماية نفسها من العقوبات الأميركية ضد الشركات الصينية. وتجدر الإشارة إلى أن الشركات الصينية تحتل المركز الثاني (هواوي) والثالث («أوبو» التي احتلت مكان «آبل» التي تراجعت إلى المرتبة الرابعة) والخامس (تشاومي) والسادس (فيفو) من حيث عدد الأجهزة المشحونة عالمياً.
أدوات برمجية وشراكات عربية
وأطلقت الشركة مجموعة من التقنيات والأدوات الجديد الخاصة لأكثر من 910 ألف مطور اسمها (HMS Core) من شأنها مساعدة وتحسين أداء التطبيقات على هواتف «هواوي» المختلفة لضمان أفضل تجربة للمطورين والمستخدمين معاً، وذلك من خلال توفير 14 نوعاً من الإمكانات الأساسية لمنصة (HMS Core) و51 خدمة مختلفة و885 واجهة لبرمجة التطبيقات، إلى جانب إطلاق برنامج «النجم الساطع» (Shining Star) الذي يستثمر مليار دولار أميركي لتوفير دعم فني هائل للمطورين يمكنهم من الابتكار، الذي من شأنه تسهيل مهمة المطورين في الدخول إلى عالم الخدمات وتوفير تطبيقاتهم للمستخدمين حول العالم.
وكشفت الشركة كذلك عن مختبر «ديجي إكس» (DigiX) الذي يوفر فرصاً وأدوات للمطورين تساعدهم في تطوير واختبار تطبيقاتهم عن بُعد، وهو يتضمن تقنيات تعتمد على الذكاء الصناعي والواقع الافتراضي وأدوات (HMS Core)، وغيرها. وسيوجد هذا المختبر في 6 مناطق حول العالم في 2019، وسيتخذ من مدينة دبي مقراً له في منطقة الشرق الأوسط.
الجدير ذكره أن الشركة تعمل حالياً مع كثير من صُنّاع المحتوى الرقمي حول العالم وفي المنطقة العربية لتقديمه لمستخدمي أجهزتها، مثل إدراج خدمات السفر وحجز الفنادق والطيران ضمن خدمات «هواوي» لدى البحث في المنطقة العربية، إلى جانب تقديم خدمة الأخبار اليومية الموثوقة في منطقة الشرق الأوسط عبر متصفح «هواوي» والمساعد الذكي قريباً.
واجهة تشغيل جديدة
وكشفت الشركة أيضاً عن واجهة الاستخدام الجديدة الخاصة بها (EMUI10) التي تعتمد على نظام التشغيل «آندرويد» والتي يتوقع إطلاقها في سلسلة هواتف «مايت 30» والأجهزة اللوحية المقبلة، إلى جانب إمكانية ترقية هاتف «بي 30 برو» إليها. وستقدم هذه الواجهة الجديدة تجارب استخدام شاملة بفضل قدرتها على تحقيق الترابط الذكي بين الأجهزة المتعددة، وهي عملية تماثل استخدام جهاز افتراضي بقدرات فائقة. وسيحول «محرك وقت الاستجابة الحتمي» (Deterministic Latency Engine) دون إصابة «آندرويد» بحالات التوقف عن الاستجابة الناجمة عن الخلل عند تشغيل مهام مختلفة بشكل غير منتظم، الأمر الذي يعني حصول المستخدم على تجارب استخدام سلسة ومستقرة. ويتوقع أن تستخدم هذه الواجهة آلية جديدة للتعامل مع الملفات بسرعات عالية جداً وأداء مرتفع، إلى جانب رفع سرعة أداء معالج الرسومات في الألعاب الإلكترونية.



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.