هل «الأمير الصغير» معارضة لـ«الموت في البندقية»؟

روايتان فرنسية وألمانية من قمم الأدب العالمي

توماس مان
توماس مان
TT

هل «الأمير الصغير» معارضة لـ«الموت في البندقية»؟

توماس مان
توماس مان

ظلت «الموت في البندقية» لتوماس مان و«الأمير الصغير» لسانت إكزوبري تتبادلان الموقع في حقيبة سفري حتى جمعهما الـ«آيباد» ضمن مكتبتي الإلكترونية التي حلت محل الكتب الورقية في السفر.
في واحدة من قراءاتي المتكررة لـ«الموت في البندقية» لمع تحت عيني وصف آشنباخ للصبي تادزيو المدلل من أسرته وأقرانه بـ«الأمير الصغير»، وعلي الفور أحالني الوصف إلى رواية «الأمير الصغير».
هل ثمة علاقة بين واحدة من أعظم أعمال الرواية الألمانية، ورواية تبدو معجزة في الأدب العالمي كله؟
كتب توماس مان «الموت في البندقية» 1910 في مرحلة من تفكيره كان متحمساً فيها للنزعة الجرمانية ضد الحضارة اللاتينية، معادياً للديمقراطية ومدعماً للنزعة الشوفينية العسكرية، متسلحاً باعتزازه بنفسه وبمعارفه ومواقفه من الحياة. ورغم انقلابه الفكري بعد ذلك، لم يتخلص تماماً من حس التفوق الألماني، ولم يتخلص من سوداوية شوبنهاور ونيتشه، كما لم يستطع التخلص من برجوازية عائلته التي تمرَّد عليها عندما اختار الكتابة. كان واعياً منذ البداية باختلال توازن البرجوازية وجشعها الذي يصنع انحطاطها وانهيارها، دون أن يتمكن من التخلص من انتمائه لتلك الطبقة بالكامل في وقت من الأوقات، ولا من نزعة التفوق إذ يردّ على خبر فوزه بنوبل: «كنتُ أعرف»!
هذا التكوين ضروري، لفهم استراتيجيات السرد؛ البطل سافر إلى فينيسيا عامداً لتجديد النشاط والحفاظ على تفوقه الأدبي الذي أُضيفت بفضله علامة النبالة «آل» في اسمه.
نزعة التفوق والإحساس بالمسؤولية اللذان كانا منطلق آشبناخ إلى الرحلة، حكما تصرفه كذلك خلال إقامته؛ فهو يتأمل تادزيو كموضوع صامت للجمال دون أن يحاول التقرب منه أو من أي أحد آخر. لم ير في الغلام ذاتاً مساوية، بل رأى موضوعاً للتأمل. وقد تضافرت نظرته السوداوية ونزعة العدم مع الجمال الحسي للغلام في تحقيق هزيمة بكهل وجعله يستسلم للموت.
وفي 1942، يكتب أنطوان دو سانت إكزوبري «الأمير الصغير» وهي رحلة أخرى لمدة ثمانية أيام بين الكويكبات القريبة من الأرض، يقوم بها طيار تعطلت طائرته وهبط في الصحراء، مع غلام بالغ العذوبة هبط هو الآخر على الأرض من كويكب صغير لا يسع إلا بيته.
كتب إكزوبري روايته في أميركا، في الوقت الذي كان فيه توماس مان يعيش في الملجأ ذاته، بعد أن أسقط النازيون عنه جنسيته الألمانية عام 1936، جراء انقلابه ضد النازية.
إكزوبري الفرنسي المولود في سنة رحيل نيتشه، ابن طبقة أرستقراطية مثل توماس مان، لكن خياراته في الحياة والحب كانت خيارات إنسان طليق. ليست لديه الانعطافات الفكرية الحادة ولا ثقل الروح الألمانية المسكونة بالتفوق وحس المسؤولية، ولم يقده التفكير بالوجود والعدم، إلى تشاؤمية نيتشه التي صبغت توماس مان، بل بحث عن الله مثل نيتشه، وانتهى إلى أن الله موجود في الحب وفي العمل النافع، حتى أصبح يُشار إليه بـ«نيتشه الذي وجد الله».
رحلة إكزوبري بين الكويكبات خيالية تصدر عن روح إنسانية رحبة، فلا يمكن أن نحمل شيئاً منها على الروح الوطنية الفرنسية تحديداً. وهي تجري مصادفة، وتبدأ في لحظة من لحظات الحياة العارية. يهبط الراوي اضطرارياً في الصحراء، ويوشك مخزونه من الماء على النفاد دون أن يتمكن من إصلاح عطل طائرته، حتى يظهر «الأمير الصغير» لينطلقا معاً في رحلة بين الكويكبات. رحلة خفيفة للهروب من الموت لا تأبه لوسيلة الانتقال، كما نرى في رحلات ألف ليلة وليلة؛ فنحن نرى المرتحلَين، على هذا الكويكب أو ذاك، دون أن نعلم كيف ينتقلان، لم نعلم كذلك كيف هبط «الأمير الصغير» إلى الأرض. الواقعي الوحيد في الرواية هو هبوط طائرة صغيرة، بلا ركاب غير قائدها، وهذا هو نوع الطائرة التي قادها أنطوان دو سانت إكزوبري فعلياً بوصفه طياراً في هيئة البريد، ثم طياراً حربياً متطوعاً.
يؤثر عن الطيار إكزوبري أن دعاءه إلى الله كان: «اللهمّ إني لا أسألك معجزة، بل عزيمة كل يوم، ألهمني فنّ الخطوات الصغيرة». وقد كان مستجاب الدعاء على الأرجح، فقد عرف فن الخطوات الصغيرة في عمله الكبير «القلعة» وفي «الأمير الصغير»، وتوصل إلى أن الألم جزء من الوجود.
لا خلود على الأرض، ورغم حتمية الموت، بوسعنا أن نتذوق طعم الخلود في العمل، في عزيمة كل يوم، في الرضا الذي يجلبه العمل من أجل الآخرين.
ليست «الأمير الصغير» سوى هذه الفلسفة التي توجه بها إلى الأطفال، فأصبحت رواية لجميع الأعمار.
يُضمر سانت إكزوبري احتراماً لأصغر الأشياء، حتى إن العالم سيختل إذا ما أكل خروف زهرة في مكان مجهول من الكوكب. والزهرة تعرف أن أشواكها لا تحميها من الخروف، لكنها لا تكف عن إنتاج الأشواك.
ليس هناك من الروائيين من سبق أكزوبري بهذا الحس البيئي النابع من حب الإنسانية؛ فالأمير الصغير لا يفعل شيئاً بعد أن يغسل وجهه من النوم سوى تنظيف فوهة بركان كوكبه. وهو مصدر إلهام للراوي الراشد. حيث تقوم العلاقة بينهما على الحوار والتوافق الإنساني والاكتشاف المشترك، بل إن الطفل هو الذي اقتحم الطيار المشغول بإصلاح المحرك منذ البداية لكي يطلب منه أن يرسم له خروفاً. وبعد أن رسم له الطيار أكثر من خروف لم يعجبه، ثم رسم له صندوقاً وقال له إن الخروف الذي تريد بداخل الصندوق، ولدهشته فقد انشرح الصبي. من هذا التوافق على تخيل وجود خروف داخل الصندوق بدأت صداقتهما ورحلة التعلم عبر الكواكب الصغيرة؛ فيريان مشعل مصابيح يعمل بدأب رغم أن الليل في كوكبه لا يدوم إلا لحظة، ويقابلان المغرور، والسكير، والمولع بالحسابات، كما يقابلان ملكاً عاقلاً، يعرف أن سر طاعته يكمن في أن أوامره معقولة.
في رواية توماس مان، لا نجد هذا السعي إلى المعرفة، فآشنباخ يتأمل الزهرة والتمثال وتادزيو والبحر والموت في مونولوغ منفرد يقوم به البطل الروائي المكتفي بما لديه، المدرك لسر الجمال، والموت، لكن ليس في الإدراك أي نبل!
يعرف جوستاف آشنباخ أن الموت آتٍ، ويواجهه باستسلام وخمود همة، ويموت في نهاية روائية معتمة بلا نوافذ. في رواية «الأمير الصغير» يتبقى الراوي الكهل، إذ يختفي الأمير الصغير، وقد جعل إكزوبري اختفاءه ما بين انطلاق إلى الأبدية من أسر ثقل الجسد وبين عودة إلى كوكبه لكي يعتني بزهرة ساذجة، في غاية الضعف، ليس لها إلا أربع شوكات تافهة تحتمي بها.
لا تقوى يد أكزوبري الرقيقة على كتابة كلمة الموت، مفضلاً النهاية المفتوحة، وفي عبارات من أرقّ ما يمكن كتابته في باب الشوق والرثاء، يوجه نظر قرائه إلى النجوم لعلهم يرون الأمير عائداً ذات يوم، ويوصيهم بأن يكتبوا إليه إن رأوه!
بينما رسم توماس مان بكلمات مشحونة بشهوانية يائسة جمالاً مهدِّداً لصبي، لم ير إكزوبري في جمال صبيه أي تهديد، رسمه بالريشة، وترك للكلمات التعبير عن عاطفته وعاطفة الصبي تجاه العالم. مناصبة الجمال العداء عند توماس مان، مقابل التوحد مع الجمال عند إكزوبري.
ورغم كل هذه الاختلافات، ورغم كل الاختلافات نحن أمام روايتين في كل منهما كهل وصبي جميل، وأفترض أن «الموت في فينسيا» كانت في ذهن أنطوان دو سانت إكزوبري، عندما كتب روايته، وأنه وضع وصف توماس مان للغلام عنواناً لروايته، كمفتاح ينبهنا إلى أن «الأمير الصغير» معارضة أدبية لـ«الموت في البندقية». هذا افتراض افترضته ذات ليلة عندما كنتُ سائحاً معزولاً، ولا أستند فيه إلى نقدٍ سابق.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.