الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي (1 من 10)

القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم  القذافي مع السادات في بداية السبعينات
القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم القذافي مع السادات في بداية السبعينات
TT

الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم

القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم  القذافي مع السادات في بداية السبعينات
القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم القذافي مع السادات في بداية السبعينات

يكشف أحمد قذاف الدم، الذي عمل وتعامل مع العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، نحو نصف قرن من الزمان، ولأول مرة، عن أسرار المفاوضات في البيت الريفي للرئيس المصري الراحل أنور السادات، من أجل إنهاء الحرب المصرية الليبية التي وقعت عام 1977. ويتطرق قذاف الدم في 10 حلقات مع «الشرق الأوسط» إلى العديد من المواقف والأسرار والملابسات، وذلك منذ أن استضافت أسرته التلميذ معمر القذافي، ابن عمه، للدراسة الابتدائية والإعدادية في مدرسة سبها المركزية في جنوب ليبيا، في أواخر خمسينات القرن الماضي، وحتى العمل معه كمبعوث خاص ومنسق للعلاقات ومندوب لإطفاء الحرائق التي تشتعل أحيانا هنا وهناك، وكان آخرها حريق «انتفاضة فبراير المسلحة» التي شارك فيها حلف «الناتو» وأنهى حكم معمر في مسقط رأسه في سرت في مشهد مأساوي في خريف 2011.

بعد انتهاء حرب 1973 وبدء مفاوضات الكيلو 101، بين مصر وإسرائيل، بإشراف الأمم المتحدة، للوصول إلى تحديد خطوط وقف إطلاق النار، بدأت نذر الخلافات بين العقيد القذافي الذي كان عمره لا يتجاوز 31 عاما، والرئيس السادات المخضرم في الحروب والثورات والسياسة. وشعر القذافي أن الأمور يمكن أن تفلت، وبدا من تصرفاته أنه لا يريد أن يخسر القاهرة، وفي الوقت نفسه كان موقفه أكثر ميلا للموقف الرافض لطريقة التفاوض الذي يتبناه الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت. وأخذ القذافي ينتقد أولا إجراء مفاوضات الكيلو 101 على الأرض المصرية.
ورغم غضبه الشديد من السادات، فإنه وافق على حضور حفل تكريم الجيش المصري الذي نظمه السادات عقب الحرب بنحو أربعة أشهر، أي في فبراير (شباط) عام 1974.
ويكشف قذاف الدم في هذه الحلقة كيف بدأ وكيف انتهى في مفاوضات في منزل السادات الريفي على أطباق الشوربة المغربية وهي حساء ليبي كان السادات يحبه ويأمر بإعداده في مطبخه، بعد أن علمه القذافي طريقة تحضيره.
على أية حال.. نحن في الأيام التي أعقبت حرب تحرير سيناء، ووسط لغط في الأوساط العسكرية والسياسية، يتردد صداه على ضفة قناة السويس وبقايا خط بارليف الحصين، وينتقل عبر الأثير إلى أرجاء الدنيا، حول المفاوضات التي كانت تجري بين القاهرة وتل أبيب تحت إشراف الأمم المتحدة. وزاد من حجم المسؤولية في القرار على كل من مصر وسوريا وليبيا، ارتباط هذه الدول فيما يعرف بـ«الاتحاد الثلاثي» الذي جرى التوقيع عليه منذ بداية السبعينات.
أين كان الضابط أحمد قذاف الدم في ذلك الوقت.. أين ذهبت أحلامه في وصول الجيوش العربية إلى فلسطين وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. سألته: هل رجعت إلى ليبيا مباشرة بعد انتهاء الحرب؟ فعاد بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وأجاب وهو يتنفس بحرقة: «لا.. حصلت مشاكل بعد أن تقدم الفريق سعد الدين الشاذلي باستقالته. وكان التفكير الليبي أقرب إلى تفكير الفريق الشاذلي.. انحزنا له بشكل أو بآخر، بحكم أنه كان الأكثر فهما للأمور العسكرية على الأرض، وأيضا كنا نتابع مع الإخوة السوريين على الجبهة السورية. كنا ضد إيقاف الحرب، وضد مفاوضات الكيلو 101.. كنا نرى أنه إذا كان لا بد من هذه المفاوضات فلتكن في أرض العدو، وليس على الأرض المصرية».
ويقول: اختلفنا في مثل هذه النقاط، وبدأت حملة إعلامية شرسة في مصر ضد ليبيا. وبدأت الخلافات تأخذ شكلا متصاعدا، ورغم ذلك، عندما كرم الرئيس السادات الجيش المصري بعد الحرب، بعث بمبعوث إلى طرابلس، لدعوة معمر لحضور التكريم، وكان السادات يقول: «رغم خلافي مع معمر، ورغم أن معمر عمل وعمل وعمل، ولكن نحن أوفياء، ولا يمكن أن ننسى ما قامت به ليبيا في هذه الحرب، ولا ينبغي أن يجري التكريم في غير حضور معمر القذافي». ومن جانبه اشترط القذافي على السادات أن يوجه الدعوة لحضور بعض القادة الأفارقة، وقال للسادات: «أفريقيا ساهمت معنا وقامت بقطع علاقتها بإسرائيل، وأرجو، طالما أنت قمت بهذه الخطوة فإنه من باب الوفاء لأفريقيا أن ندعوها للمشاركة في الحفل». ورحب السادات بالفكرة وجاء الرئيس الأفريقي موبوتو سيسيسيكو وحضر معنا التكريم الذي جرت وقائعه في مقر مجلس الشعب المصري.
لكن العلاقة لم تعد بين القذافي والسادات إلى نفس الدرجة ولا إلى نفس الروح التي كانت عليها، من الثقة والود، قبل مفاوضات الكيلو 101. ومع ذلك كان القذافي مصرا على الاستمرار في الاتحاد الثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا، وكان مصرا أيضا على التعجيل بهذا العمل المشترك «حتى لا نضيع الوقت». وكان يقول، وفقا لقذاف الدم: «كيف نستفتي الناس على الاتحاد ثم نتركهم.. لا أحد يجوز له إلغاء هذا الاتحاد إلا باستفتاء».
وكان قد جرى تخصيص القصر الرئاسي المصري المعروف حتى اليوم باسم «قصر الاتحادية» كمقر للاتحاد الثلاثي وللبرلمان الاتحادي. ويقول قذاف الدم: «كنا قد أنشأنا مجموعة مؤسسات للاتحاد الثلاثي في قصر الاتحادية. ولهذا السبب أطلق عليه هذا الاسم. أما الفقرة التي تنص على عدم إلغاء الاتحاد إلا باستفتاء فقد وضعها معمر القذافي، ولا زال هذا الاتحاد قائما (نظريا) حتى هذه الساعة. ومن الناحية الدستورية يستمر قائما ما لم يجر استفتاء الناس على إلغائه. وكانوا يخشون من أنه لو جرى استفتاء سيجري رفض الانفصال وقتها».
ويقول قذاف الدم إن القذافي كان يريد أن يجري زواجا سياسيا أكثر من أي شيء آخر، بين البلدين على ما أعتقد.. «هو كان يريد زواجا سياسيا لكي يكسر هذا الحاجز الذي تكوَّن بعد ملابسات حرب 1973. وأن نقترب من بعض أكثر لأن حالة الشك بدأت تسود، ويسود الظن بأن معمر كان لديه موقف من الرئيس السادات، وأن معمر يقوم بتخوين السادات وهكذا».
ويتابع قذاف الدم قائلا: «نحن كنا شبابا بطبيعة الحال، وسوريا ظلت خارج هذا الإطار، فحدثت خلخلة في الإجماع العربي، فكانت في الحقيقة مرحلة صعبة في العلاقات بين ليبيا ومصر.. وأنا الحقيقة لم أنقطع عن مصر، كنت أتواصل وألتقي بالرئيس السادات من آن إلى آن، سواء في القاهرة أو خارجها».
ووقعت بعد ذلك بثلاث سنوات، ومع اقتراب مصر من توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، مناوشات عسكرية على الحدود المصرية الليبية عام 1977، كان لها العديد من التداعيات والتفسيرات، لكن يبدو أن السبب الرئيس كان الشحن والتوتر وتبادل الاتهامات. فالمصريون يتهمون القذافي بأنه كان يجهز لضرب السد العالي وتنفيذ تفجيرات داخل البلاد وتحريض المصريين ضد السادات، بينما كان لليبيين فهم مختلف يتعلق بوجود مؤامرة غربية ضدها. ولعب قذاف الدم دورا في «مفاوضات الشوربة المغربية في ميت أبو الكوم.
لكن كيف بدأت الأحداث بالضبط وإلى أين وصلت وكيف انتهت، كما رآها وتابعها.
يقول قذاف الدم: والله أعتقد أنه كان هناك مخطط لترحيل الجيش المصري من المنطقة الشرقية إلى المنطقة الغربية، لأن المساحة ضاقت وأصبح الجيش يشكل خطرا حتى على القاهرة، فكان لا بد من إيجاد مبرر لنقله إلى الصحراء الغربية. فافتعلت مصر هذه المشكلة، وهذه القصة.
لكن في ذلك الوقت ترددت الكثير من الأقاويل عن أن القذافي يريد أن يأتي بحشود شعبية من ليبيا للضغط على القاهرة حتى لا توقع معاهدة مع إسرائيل. ما رأيك؟ ويرد قذاف الدم قائلا: «المهم كانت هناك رغبة في خلق مبررات حتى لو كانت واهية.. ولم تكن منطقية في نهاية المطاف. وقد يكون جزء منها هو المعلومات المضللة التي كانت تأتي للرئيس السادات لتدمير ما تبقى من الجيش المصري من خلال توريطه في حرب في ليبيا. أنا لا أستبعد أن الأميركيين والغرب كانوا يعطون معلومات غير صحيحة للسادات تقول إن معمر سيدمر السد العالي ويريد أن يحارب مصر أو يغزو مصر.. ومثل هذا الكلام لا أساس له.. معمر رجل وحدوي ورجل قومي، ولا يمكن أن يحارب الجيش الذي بناه عبد الناصر ولا يمكن أن يهدم السد العالي الذي بناه عبد الناصر».
وحين بدأت المواجهات بين الجيش المصري والليبي، كان قذاف الدم يستكمل دراساته العسكرية في بريطانيا. ويوضح قائلا: «سمعت بالأحداث التي تجري على الحدود.. وجرى استدعائي، ورجعت إلى ليبيا. وطلبت أن أنتقل إلى طبرق، لأن الموضوع بالنسبة لي كان خارج دائرة التصديق. أفكر في أن الجيش المصري على الحدود الليبية.. الحقيقة مسألة بالنسبة لنا كانت صدمة مهما كانت الخلافات. وذهبت مع زملائي واستطلعنا الحدود، ورأينا فعلا أن القوات المصرية هناك وبعض منها داخل حتى الأراضي الليبية. وحدات استطلاع.. ورجعنا، وبدأنا اتصالات مع الرئيس السادات ومع آخرين من المصريين، وأنا كنت طرفا في هذه الاتصالات».
هل اتصلت بالسادات نفسه حول مشكلة الحشد العسكري على الحدود؟ يقول: «نعم». وكيف كان رد فعله؟ يجيب: «والله هو كان معبأ.. ويرى أن ليبيا، وأن معمر، يريد أن يغزو مصر. وتحدثنا مع السادات في الهاتف في المرات الأولى.. ثم توصلنا من خلال اللقاءات المستمرة، والسرية طبعا، مع أجهزة المخابرات المصرية، ومع قوات الاستطلاع المصري، إلى امتصاص هذه المرحلة.
والحقيقة لعب الرئيس الجزائري هواري بومدين والفلسطيني عرفات، دورا مهما في توضيح هذه الصورة للسادات». كما جرت لقاءات مباشرة سرية كثيرة، في مصر وفي باريس وفي المغرب وفي أكثر من مكان.
لكن كيف انتهى موضوع المواجهات العسكرية بين البلدين؟ يجيب قذاف الدم قائلا إن أهم لقاء أدى لحسم هذه القصة وأنهاها نهائيا، كان من خلال لقاء مباشر وليس بالهاتف مع الرئيس السادات، الذي وجدته في الحقيقة رجلا قرويا وثوريا في الوقت نفسه.. «أقصد أنه كانت توجد لغة مشتركة بيننا رغم الخلاف». وفي ذلك الوقت، ورغم ما هو ظاهر من العداء بين معمر القذافي والسادات، إلا أن هذا لم يكن هو الواقع.. معمر كان لديه احترام للسادات، وتاريخه ومواقفه.. وأيضا الرئيس السادات كان يقول معمر هذا ابني».
ويضيف قذاف الدم قائلا: حتى حين كنت أزور السادات في بيته الريفي في ميت أبو الكوم، كان يقول لي إن هذه النخلة أتى بها القذافي وهذه الشجرة زرعها القذافي والشاي الأخضر علمه لي معمر القذافي.. والشوربة المغربية علمها لي القذافي، مشيرا إلى أن السادات كان يحب الشوربة الليبية كثيرا.. «أنا أعني إجمالا أنه كان هناك نوع من الود. وكان يهدأ قليلا ثم يبدأ في توجيه اللوم للقذافي وأنا جالس معه في بيته، ويقول: كيف معمر يعمل هذا، في إشارة إلى ما كان يشاع عن عزم ليبيا غزو مصر وضرب السد العالي. كما قال السادات أيضا إن معمر عاوز يستولي على الأراضي المصرية لغاية العامرية (غرب الإسكندرية)».
كان قذاف الدم يريد أن يصل إلى نتائج تنهي حالة الاحتقان على الحدود بين البلدين سريعا، ويقول إنه كان لا بد من الحديث صراحة مع السادات، لأنه كان مصمما ولا يريد أن يقتنع بما أقوله له عن وجود مؤامرات غربية لتوريط الجيش المصري في ليبيا، وإبعاده عن سيناء وعن إسرائيل، و.. «هنا طرحت على الرئيس في بيته بميت أبو الكوم أيضا، تفاصيل الخطة التي حصلنا على معلومات بشأنها بواسطة أجهزة الاستخبارات الليبية، وتهدف لغزو مصر لليبيا من الشرق وغزو تونس لليبيا من الشمال، على أن يتصدى الأسطول الأميركي في البحر المتوسط لأي محاولة للتدخل من جانب الاتحاد السوفياتي.
لكن السادات أشعل غليونه ودار حول نفسه ثم أخذ يتطلع إلى الأشجار والنخيل من حوله، وظننت أنه سيتفهم ما قلته له، لكن فجأة نفث دخان الغليون، وعاد سيرته الأولى، وهو غاضب أكثر من الأول: «لا.. أنتم لديكم صواريخ في الجغبوب (قرب حدود مصر) تريد أن تدمر السد العالي». وأخذ يشير إلى خرائط مصورة بالأقمار الصناعية التي بدا أنها أميركية. فقلت له: «تعني أن الخرائط تقول إنه توجد صواريخ في الجغبوب.. حسنا أستطيع أن أذهب الآن أنا وعسكريون مصريون بطائرة عمودية إلى هذا المكان لترى أنه لا يوجد فيه مثل هذا الكلام».
وبعد أن كان مغتاظا بشكل كبير بدأ يجنح ناحية الهدوء فقلت له مباشرة وأظن أنني فاجأته: «أنتم سيادة الرئيس مَنْ لديكم مخطط ضد ليبيا». وعرضت عليه المخطط الأميركي لضرب ليبيا، فقال لي: «هذا كلام غير صحيح»، وأخذ يحدق مجددا في خرائط الأقمار الصناعية التي كانت أمامه. فأخرجت أوراقا تثبت صحة كلامي، وقلت له: «لا.. إنه كلام صحيح سيادة الرئيس. وهذه المعلومات من داخل الولايات المتحدة الأميركية، وحصلت عليها المخابرات الليبية».
وعلى الجانب الآخر كان كل من الرئيس الجزائري، بومدين والفلسطيني عرفات، قد عملا على إنهاء حالة التوتر مع مصر، لكن رغم ذلك استمرت حشود الجيش المصري على الحدود فيما بعد. ويقول قذاف الدم: نسيت أن أذكر لك أن زيارتي للسادات في ميت أبو الكوم لم تكن بعلم القذافي ولم أستأذنه فيها. المهم أنه بعد نقاش طويل عريض، قلت للسادات: «شوف أنا جئت دون إذن.. إما أن نصل إلى حل، أو احجز لي مكانا عندك لكي أمكث في مصر، لأن القذافي لا يعلم بهذه الزيارة ولم آخذ إذنه، ولا أستطيع أن أعود إليه بعد هذا دون نتيجة مريحة».
فسألني السادات وقد بدا أنه متعاطف معي: ماذا تريد؟ فأجبته إجابة مطولة: أريد أن تأخذ خطوة. وكان يستمع حين قاطعني ليأمر بتحضير طعام الغداء، على أن تكون الشوربة المغربية على السفرة. واستكملت حديثي وقلت له: سيادة الرئيس.. أنا جئت لأؤكد أننا في ليبيا ليست لدينا أي أمور عدائية تجاهكم. بينما أنتم جئتم بقواتكم على حدودنا. اسحب على الأقل جزءا من هذه القوات، وبرهن على حسن النوايا. وأعطنا أسبوعا.. إذا لم يأت رد من ليبيا في خلال الأسبوع، أعد القوات مرة أخرى. فقال لي: خلاص.. سأسحب لمدة أسبوع.
ويقول قذاف الدم: شعرت مرة أخرى، وأنا أتطلع إلى الأجواء الريفية المحيطة ببيته، أن الرئيس السادات إنسان بسيط ومتواضع. على أية حال قدم الشوربة وكان هناك بط أيضا. وفي آخر النهار أكلنا فطير مشلتت (نوع من المخبوزات في الريف المصري). لقد بدأ اللقاء عاصفا وانتهى بعد ساعات طويلة بتفاهم. وكان الرجل ودودا، لكن كانت لديه همومه ومخاوفه تجاه بلده ويريد أن يستعيد سيناء بعد أن تخلى عنه الجميع.
وعلى فناجين الشاي الأخضر بينما كانت زقزقة الطيور تتزايد مع اقتراب المساء، كان الحديث مع الرئيس يسير بهدوء، وكان كل من قذاف الدم والسادات لديه استعداد للاستماع أطول فترة ممكنة للآخر. وعرض عليه قذاف الدم بالتفصيل معلومات المخابرات الليبية التي قال إنها موثقة وجاءت بها من أميركا.. «والتي تشير إلى أن هذا المخطط ضد ليبيا بدأ منذ أواخر السبعينات عندما دخلت قواتنا إلى تشاد ووصلت لمشارف العاصمة إنجمينا».
ويضيف: «الخطة تقضي بجر مصر وتونس للتدخل في ليبيا بمساعدة أميركية وفرنسية، لإسقاط النظام في ليبيا حين كانت معظم القوات الليبية تحارب في تشاد.. من تونس تدخل القوات الفرنسية وتستولي على طرابلس بزعم أن ليبيا تريد أن تهاجم تونس.. وتتولى مصر الدخول من الغرب حتى بنغازي للسيطرة عليها، ثم يقوم الأسطولان السادس والسابع بمحاصرة شواطئنا من الشمال حتى لا يتحرك الاتحاد السوفياتي لنجدة القوات الليبية».
وانتهت زيارة قذاف الدم لبيت السادات، ومن هناك انطلق عائدا إلى ليبيا. ويقول: ذهبت للأخ معمر الذي كان وقتها موجودا في خيمة في منطقة الكُفرة الحدودية، وقلت له إنني كنت عند السادات.. طبعا فوجئ، وقال لي: لماذا لم تستأذني؟ فقلت له لو كنت قد استأذنتك لقلت لي لا تذهب، ولقلت لي إنه اتفق مع الأميركان وأصبحوا جبهة واحدة. فسألني: لماذا اخترت الذهاب للسادات؟
فأجبته: لأنه الحلقة الأضعف.. رجل من طينتنا ولديه نفس مشاعرنا ورجل ثوري وعاش معنا ويعرفنا جيدا. أما الغرب فهو عدو يريد أن يقتص منا. وبالنسبة لتونس، إذا أقنعهم الفرنسيون أن معمر يريد أن يهجم عليهم، فسيطلبون بشكل آلي الحماية الفرنسية. وحكيت له ما حدث في بيت ميت أبو الكوم بالتفصيل، ووجد أنني متأثر بكلام السادات، وأعتقد أنه قال بينه وبين نفسه إن السادات «أكل بعقله حلاوة»، كما يقول المصريون، خاصة أنني كنت شابا صغيرا. ولم يكن القذافي مقتنعا بكل ما حدث، أو بالأحرى كان مترددا. قال: خلاص.. لكن الكلام الذي سمعته من السادات لا يوثق فيه.. هذه مناورة منه وضحك عليك، وقال لك إنه سيسحب القوات، ولن يسحبها.
وبينما شعر قذاف الدم أن جهوده مع السادات ذهبت هباء، وأن الأمور تزداد تعقيدا، وجد الفرج وكأنه هبط عليه من حيث لا يدري. يقول: تشاء الظروف في تلك اللحظة، ونحن نهم بالخروج من الخيمة، أن يأتي قلم القائد (سكرتير القذافي) حاملا الملفات والبرقيات والبريد، وهنا ابتعدت عن الأخ معمر، على أساس أن أتركه يفحص ما لديه من أوراق، لكنه أخذ ينادي علي، وحين اقتربت قال: «تعال هنا.. تعال. يبدو أن صاحبك جاد»، في إشارة إلى السادات، لأنه لم يكن يريد للسكرتير، أو غيره، أن يعرف أنني كنت عند الرئيس المصري.
ومد لي برقية واردة من استطلاع الجيش الليبي، تقول إن بعض الوحدات المصرية انسحبت من الجبهة. فقلت للقذافي وقد شعرت بعودة النبض إلى عروقي: خلاص.. إذن الكرة أصبحت في ملعبنا نحن، وعلينا أن نتخذ الخطوة التالية، فوافق، وأعلن في خطاب عام أنه لن يحارب جيش عبد الناصر ولن يدمر السد العالي. وقال أيضا: لا بد أن نحول هذه المنطقة إلى منطقة رخاء وتعاون بين البلدين وأنه مهما كانت خلافاتنا سياسية فلا يجب أن نصل لدرجة تجييش جيوشنا وقدراتنا لمصلحة الغرب.
ويضيف قذاف الدم أن الإجراءات العملية لإنهاء التوتر العسكري على الحدود المصرية الليبية استمرت بعد ذلك حيث أكمل السادات سحب باقي قواته، وقام قادة من الجيش الليبي بعقد اجتماعات مع كل من الجيش المصري والمخابرات المصرية، وأصبح يطلق عليها لسنوات «اجتماعات الحدود» وتهدف للتعاون المشترك لتأمين المنطقة بدلا من الصراع فيها. ويختتم قائلا: حاول الغرب إحياء المخطط نفسه مع الرئيس حسني مبارك، في تسعينات القرن الماضي، وجاء لهذا الغرض، للقاهرة، رئيس الأركان الأميركي، ومعه المخططون من المخابرات الأميركية، إلا أن مبارك أبلغنا بهذا الموضوع، ورفض أن تشترك مصر في المؤامرة ضد ليبيا.



ثمن السلم الصعب... كيف وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها في صيف 1988؟

انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
TT

ثمن السلم الصعب... كيف وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها في صيف 1988؟

انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)

في 20 أغسطس (آب) من عام 1988، التقطت منطقة الشرق الأوسط أنفاسها بعد 8 سنوات عجاف لواحدة من أطول الحروب النظامية وأكثرها دموية في القرن العشرين.

لم يكن قرار وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، المستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، مجرد توقيع بروتوكولي على وثيقة سلام، بل كان لحظة فارقة تحولت فيها جبهات القتال الممتدة من شط العرب جنوباً إلى جبال كردستان شمالاً، من مستنقع للموت والنزيف الاقتصادي والبشري إلى منصة لترقب حذر. 8 سنوات من خنادق تشبه خنادق الحرب العالمية الأولى، وهجمات الموجات البشرية، وحرب المدن، وحرب الناقلات في مياه الخليج العربي، وضعت الدولتين الجارتين أمام حقيقة مرة: استحالة الحسم العسكري الكامل.

وجاء الإعلان عن قبول القرار الدولي ليمثل تحولاً دراماتيكياً في سياسة طهران وبغداد، خصوصاً بعد الإعلان الشهير للمرشد الإيراني الأول (الخميني) بأن قبوله بالهدنة كان «كجرعة السم»، في حين اعتبرت بغداد الخطوة انتصاراً استراتيجياً حافظ على بوابتها الشرقية، لينتهي فصل من فصول المواجهة الدامية ويفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة صاغت وجه المنطقة لعقود تلت.

صورة أرشيفية تعود لعام 1978 للخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)

ميزان القوى العسكري والإنهاك الاقتصادي قُبيل الهدنة

شهد النصف الأول من عام 1988 تحولاً نوعياً في سير العمليات العسكرية، إذ نجح الجيش العراقي في استعادة المبادرة الاستراتيجية عبر سلسلة من المعارك الخاطفة، أطلق عليها اسم عمليات «توكلنا على الله».

طيارون عراقيون يستعدون لضرب أهداف إيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية وتظهر خلفهم طائرات «الميراج إف1» (ويكيبيديا)

وتمكنت القوات العراقية من تحرير شبه جزيرة الفاو الاستراتيجية في غضون ساعات، تلاها استعادة جزر مجنون وحقول نفط مجنون ومناطق الشلامجة.

هذا التراجع الميداني الإيراني تزامن مع ضغوط اقتصادية خانقة على طهران، حيث انخفضت صادرات النفط بشكل حادّ وتراجعت إمدادات الأسلحة بفعل العزلة الدولية، بينما كانت بغداد تحظى بدعم تسليحي ومالي دولي وعربي واسع، ما جعل استمرار الحرب بالنسبة لإيران مسألة انتحار اقتصادي وعسكري.

حرب الناقلات والتدخل الدولي في مياه الخليج

لم تقتصر المواجهة على الجبهات البرية، بل امتدت لتشمل الممر المائي الحيوي في الخليج العربي عبر ما عُرف بـ«حرب الناقلات».

استهدفت الهجمات المتبادلة سفن الشحن التجاري وناقلات النفط لقطع الشريان الاقتصادي للطرفين.

هذا التصعيد دفع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلى التدخل لحماية ممرات الملاحة الدولية، حيث جرى رفع العلم الأميركي على الناقلات الكويتية (عملية الإرادة الصالحة).

الفرقاطة سهند تحترق بعد أن ضربت بصواريخ البحرية الأميركية (ويكيبيديا)

وبلغ التوتر ذروته في يوليو (تموز) 1988 عندما أسقطت الطرّادة الأميركية «يو إس إس فينسينس» طائرة ركاب مدنية إيرانية (الرحلة 655) فوق مضيق هرمز، ما أرسل إشارة واضحة لطهران بأن النزاع كاد يتحول إلى مواجهة مباشرة مع قوى دولية كبرى.

كواليس القرار 598: «تجرع السم» في طهران والاحتفال في بغداد

في 18 يوليو 1988، فاجأت إيران المجتمع الدولي بإعلان قبولها الرسمي وغير المشروط لقرار مجلس الأمن رقم 598، الذي كانت قد تحفظت عليه منذ صدوره في يوليو 1987.

جندي إيراني يرتدي قناع غاز خلال الحرب بين إيران والعراق (ويكيبيديا)

وفي 20 يوليو، ألقى الخميني خطاباً تاريخياً موجهاً للشعب الإيراني، وصف فيه قرار وقف الحرب بأنه كان أكثر ألماً من «تجرع السم»، مشيراً إلى أن القرار اتُّخذ بناءً على تقارير القادة العسكريين والاقتصاديين الذين أكدوا استحالة الاستمرار.

في المقابل، استقبلت العاصمة العراقية بغداد، بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين، النبأ باحتفالات شعبية وعسكرية عارمة، واعتبرت القيادة العراقية هذا القبول إقراراً بهزيمة المشروع الإيراني لتصدير الثورة عسكرياً.

20 أغسطس 1988: دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ واستحقاقات السلام

المبعوث الأممي الخاص السابق يان إلياسون (ويكيبيديا)

في تمام الساعة الثامنة من صباح يوم 20 أغسطس (آب) 1988، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ رسمياً بموجب الاتفاق الذي أشرف عليه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، خافيير بيريز ديكييار.

وانتشرت على طول خط الحدود، البالغ نحو 1200 كيلومتر، بعثة مراقبي الأمم المتحدة العسكرية (UNIIMOG)، التي ضمّت ضباطاً وجنوداً من عشرات الدول (مثل كندا، وإيطاليا، والسنغال) للتأكد من عدم خرق الهدنة.

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، هواري بومدين رئيس الجزائر السابق، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، اتفاقية الجزائر 1975 (ويكيبيديا)

ورغم صمت المدافع، بدأت معركة دبلوماسية معقدة في جنيف السويسرية، رعاها المبعوث الأممي الخاص يان إلياسون، تركزت حول ملفات شائكة مثل تبادل الأسرى (الذي شمل مئات الآلاف من الجنود مثل معسكرات الأسر في الرمادي وأراك)، وتنظيف شط العرب من الغوارق البحرية، وإعادة ترسيم الحدود وفق اتفاقية الجزائر لعام 1975 التي كان العراق قد ألغاها في بداية الحرب.


«اللجنة المصرية - القطرية» لتعزيز العلاقات وتعميق الشراكة

وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
TT

«اللجنة المصرية - القطرية» لتعزيز العلاقات وتعميق الشراكة

وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)

تشهد العلاقات المصرية القطرية زخماً جديداً مع انعقاد «اللجنة العليا المشتركة» بين البلدين، التي تتوج سنوات التقارب اللافت منذ إنهاء القطيعة بين البلدين في 2021، وصولاً لمشروعات استثمارية قطرية ضخمة بمصر في أواخر 2025، وحديث جديد عن شراكات مرتقبة.

وتلعب «اللجنة العليا» دوراً مهماً في تعزيز تلك العلاقات وتعميق الشراكة وترجمة الفرص الاستثمارية، ما يؤكد، بحسب خبراء في مصر وقطر، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن مسار التعاون «يحقق نجاحات متواصلة».

وعادت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر وقطر في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، عقب توقيع «اتفاقية العلا» التي أنهت مقاطعة استمرت منذ يونيو (حزيران) 2017، قبل أن تشهد تعيين سفيرين جديدين في صيف عام 2021، وتبادل اللقاءات الرفيعة المستوى بدءاً من ديسمبر (كانون الأول) 2022 بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وكبار المسؤولين بالبلاد، وما أعقب ذلك من زيارات على مستويات دبلوماسية مختلفة بين مسؤولي البلدين.

ومنذ عودة العلاقات، عقدت لقاءات ثناية للجنة المصرية القطرية في إطار ترتيبات العلاقات، قبل أن تنتقل أعمال الدورة الخامسة إلى مستوى اللجنة العليا وذلك في مارس (آذار) 2024، بالدوحة برئاسة وزيري خارجية البلدين وتستمر هكذا في الدورة السادسة بالعلمين المصرية، في 28 أغسطس (آب) 2025 والدورة السابعة الحالية التي احتضنتها مصر أيضاً.

إشادة مصرية

وأشاد السيسي، في لقاء مع رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني بمدينة العلمين، الخميس، «بما تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين من تقدم ونمو، وتطلعه لمواصلة تعزيز هذه العلاقات في مختلف القطاعات السياسية والتجارية والاستثمارية»، مؤكداً أهمية البناء على مخرجات اللجنة العليا المصرية القطرية المشتركة من أجل الارتقاء بالتعاون الثنائي في مختلف المجالات، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وأفادت الخارجية المصرية، في بيان، بانعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة بمدينة العلمين الخميس، برئاسة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس وزراء قطر، بحضور عدد من وزراء ومسؤولي البلدين.

الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الخميس في العلمين (الرئاسة المصرية)

وفي كلمته، أشاد عبد العاطي «بالنقلة النوعية التي تشهدها العلاقات المصرية القطرية بتوجيهات قيادتي البلدين»، مؤكداً أن انتظام انعقاد اللجنة العليا المشتركة «يعكس الحرص المتبادل على تعزيز أطر التعاون في شتى المجالات، وترجمة الزخم السياسي القائم إلى خطوات عملية تحقق مصالح الشعبين».

وأشار إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين مصر وقطر بنسبة 80 في المائة خلال عام 2025، لافتاً إلى أنه «بخلاف مشروع علم الروم العقاري لتطوير الساحل الشمالي الذي تجاوز 29 مليار دولار، يتم تدشين مشروع تصنيع وقود الطائرات النفاثة المستدام في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات قطرية مباشرة تتجاوز 200 مليون دولار في مرحلته الأولى».

وأكد عبد العاطي، أهمية البناء على الزخم الذي حققه «المنتدى الاستثماري المصري - القطري» الذي عقد بالقاهرة في ديسمبر 2025، والتطلع إلى استضافة النسخة الثالثة منه بالقاهرة بمشاركة مجالس الأعمال والشركات من البلدين.

من جانبه، أشاد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، بما تشهده العلاقات القطرية المصرية «من تطور متنامٍ في مختلف المجالات»، مثمناً انعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة وما تمثله من آلية مهمة لمتابعة مجالات التعاون ودفع تنفيذ المشروعات والاتفاقيات المشتركة.

وبحسب مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير، رخا أحمد حسن، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الانعقاد المنتظم للجنة «يعكس انتقال العلاقات المصرية - القطرية إلى مرحلة أكثر رسوخاً واستقراراً، بحيث لم تعد العلاقة محصورة في الملفات الثنائية»، ويؤكد وجود «إرادة سياسية لدى البلدين لترجمة التقارب إلى آليات مؤسسية مستدامة تعزز التطور في العلاقات وشراكة البلدين».

ويتفق معه المحلل القطري عبد الله الخاطر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بأن العلاقات بين البلدين «تشهد تنامياً ملحوظاً وأن اللجنة القطرية المصرية من اللجان الأساسية والمهمة القادرة دفع العلاقات إلى آفاق أرحب».

اتفاقات ثنائية

وفي ختام أعمال اللجنة المصرية القطرية، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، و«صندوق قطر للتنمية»، واتفاقية منحة بشأن إنشاء «مستشفى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني» بمحافظة سوهاج (جنوب مصر)، بجانب مذكرة تفاهم بين الجهاز المركزي للمحاسبات وديوان المحاسبة القطري للتعاون في مجالات العمل الرقابي، واتفاقية للمساعدة الإدارية المتبادلة في المجال الجمركي، بحسب البيان المصري.

وخلال مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء قطر، قال وزير الخارجية المصري، إن «بلاده تسعى لتعميق التعاون بين البلدين في العديد من المجالات، سواء الطاقة أو المواد الغذائية»، معرباً عن اعتزاز مصر بصفقة «علم الروم»، العقارية، مؤكداً أن هناك مبادرات وشراكات ومشروعات أخرى.

جانب من انعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المصرية القطرية المشتركة بالعلمين (الخارجية المصرية)

وشدد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، على «أن العلاقات مع مصر أخوية وراسخة تستند إلى شراكة قوية وتنسيق مستمر في عدد من الملفات»، مشيراً إلى أن مشروع «علم الروم» سيكون إضافة للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع مصر.

واللافت في هذه الشراكة، بحسب رخا، أنها لم تعد محصورة في ملف واحد، فهناك تعاون اقتصادي واستثماري وتجاري، إلى جانب التنسيق السياسي والدبلوماسي، و«هو ما يعكس رغبة في جعل التطور الحالي مساراً مؤسسياً وليس مجرد تقارب ظرفي مرتبط بأزمة إقليمية معينة كملفي قطاع غزة وإيران اللذين تقود القاهرة والدوحة جهود وساطة فيهما».

ويخلص إلى «أن العلاقات حالياً في مرحلة بناء شراكة تقوم على المصالح المشتركة والحاجة إلى التنسيق المستمر على كل المستويات»، مؤكداً «أن تطور العلاقات المصرية - القطرية لا يمثل فقط مكسباً ثنائياً للقاهرة والدوحة، وإنما يمكن أن يتحول إلى رافعة للتنسيق العربي في ملفات المنطقة».


اليمن يدفع نحو معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي

من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
TT

اليمن يدفع نحو معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي

من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)

دخلت المواجهة اليمنية خلال أغسطس (آب) الحالي مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الجماعة الحوثية لتهديد السفن في البحر الأحمر وتكثيف هجماتها على الساحل الغربي، وميناء المخا، ومأرب، ومناطق تعز، والضالع وشبوة وبقية خطوط التماس؛ وهو الأمر الذي دفع القيادة اليمنية باتجاه تثبيت معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي بوصفه مدخلاً لأي سلام مستدام.

وتزامن التصعيد البري مع استمرار تهديد الجماعة المدعومة من إيران للممرات البحرية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس الهجمات على حركة الملاحة الدولية وعلى قدرة الموانئ اليمنية على العمل، وسط تحركات سياسية وعسكرية للشرعية تسعى إلى حشد موقف إقليمي ودولي أكثر تشدداً تجاه الحوثيين.

وقال نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، في أحدث تصريحاته، إن التصعيد الحوثي الأخير يأتي بتوجيهات من «الحرس الثوري» الإيراني، مشيراً إلى أن الجماعة بدأت استهداف السفن المدنية في البحر الأحمر وباب المندب، بما فيها سفينة هندية، في محاولة، وفقاً له، لمضاعفة الحصار على اليمنيين وإغلاق ميناء المخا، الذي يمثّل منفذاً بحرياً مهماً للمحافظات الواقعة خارج سيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها تعز والحديدة.

نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (إعلام عسكري)

وخلال اجتماع موسع لأعضاء المجالس المحلية ومديري المكاتب التنفيذية والمشايخ والأعيان والشخصيات الاجتماعية في مديريتي المخا وموزع بمحافظة تعز، قال صالح إن الساحل الغربي تعرض، وفق إحصاءات عرضها، لـ56 صاروخاً باليستياً و44 طائرة مسيَّرة انتحارية، مؤكداً أن هذه الهجمات لم تحقق أهدافها العسكرية، باستثناء إلحاق أضرار بالأعيان المدنية والموانئ، وفي مقدمها ميناء المخا.

ورأى أن كثافة استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة تعكس، من وجهة نظره، عجز الحوثيين عن خوض مواجهة مباشرة، إلى جانب كونها محاولة انتقامية بعد إفشال مخططات إيران والجماعة للوصول إلى باب المندب.

تحركات على جبهات عدة

تزامنت هذه التصريحات مع معلومات أوردتها مصادر دفاعية وأمنية لمنصة «ديفانس لاين» عن تحركات حوثية شملت زرع شبكات ألغام جديدة في خطوط التماس خلال الأسبوع الأخير، ولا سيما في المناطق الوسطى والشرقية من البلاد.

وقالت المصادر إن الجماعة دفعت أيضاً بمنصات لإطلاق الطائرات المسيّرة إلى جبهات غربية وشرقية، وحركت مركبات مخصصة لنقل هذه المنصات ونشرها بالقرب من مناطق المواجهة، في خطوة تعكس، وفق المعلومات، مساعيها لتوسيع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات البرية.

ورصد سكان محليون، حسب المصادر، مركبات جديدة محملة بمنصات إطلاق نُقلت من صنعاء باتجاه محافظة الجوف شرقاً، في حين تحدثت تقارير عن تحريك منصات وقطع طيران مسيّر باتجاه الحديدة ومحافظات الساحل الغربي، ونشرها في مرتفعات حيوية مطلة على البحر الأحمر.

لحظة انفجار أحد الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على ميناء المخا اليمني (أ.ب)

وامتدت التحركات، وفق المصادر نفسها، إلى مناطق في ذمار، وتعز، وإب، وريمة، والمحويت وحجة، بما يشير إلى محاولة الجماعة إنشاء شبكة أوسع لوسائل الهجوم المسيّر وربط مواقع الإطلاق بخطوط المواجهة البرية والمناطق الساحلية.

وفي المقابل، قال طارق صالح إن القوات الحكومية طورت خلال الفترة الماضية قدراتها في مجالات الطيران المسيّر والمدفعية والتدريب، عادَّاً أن هذه القدرات أربكت حسابات الحوثيين وإيران. كما أشاد بما وصفه بإنجازات البحرية اليمنية وخفر السواحل في مواجهة شبكات تهريب الأسلحة الإيرانية وقطع خطوط الإمداد إلى الجماعة.

معركة عنوانها استعادة الدولة

ولا ينفصل التحرك العسكري عن مسار سياسي يركز على أن أي تسوية يمنية مقبلة يجب أن تعالج أصل الصراع المرتبط بالانقلاب على مؤسسات الدولة واحتكار السلاح، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات مؤقتة لوقف القتال.

وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، إن استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب الحوثي يمثلان أساس تحقيق السلام والاستقرار، مشدداً على أن التسوية المستدامة تتطلب معالجة جذور الأزمة وإعادة الاعتبار لسيادة مؤسسات الدولة.

وبحث الجانبان - حسب الإعلام الرسمي- التطورات السياسية والعسكرية والأمنية في اليمن والمنطقة، إلى جانب المخاطر الناجمة عن الهجمات الحوثية على أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية الدولية وحركة التجارة العالمية.

وأكد المحرّمي أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تواصل رفع جاهزيتها والاستعداد لمختلف الاحتمالات، محذّراً من أن استمرار التصعيد الحوثي يقوّض فرص التسوية ويطيل أمد الأزمة.

ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة الضغط على الحوثيين وتجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والهجمات التي تهدد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية.

وفي السياق نفسه، عدَّ التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية اليمنية أن التصعيد الحوثي يضع البلاد أمام «مفترق طرق»، مؤكداً أن المواجهة، حسب موقفه، لن تنتهي إلا بهزيمة الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.

وأدان التكتل الهجمات على مأرب والساحل الغربي ومختلف الجبهات، واستهداف المدنيين والمناطق السكنية وتجمعات النازحين وميناء المخا، داعياً إلى توحيد الصف الوطني خلف مجلس القيادة الرئاسي.

التصعيد يطال العمل الإنساني

ولا تتوقف تداعيات التصعيد عند الجبهات والممرات البحرية؛ إذ تتزامن التحركات العسكرية مع ضغوط متزايدة على العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط استمرار القيود المفروضة على العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية.

وقالت وزارة حقوق الإنسان اليمنية إن الجماعة صعّدت، منذ يونيو (حزيران) 2024، حملتها ضد العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، من خلال مداهمة المنازل والمكاتب واحتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية، إلى جانب اقتحام مقار منظمات إنسانية.

وأشارت الوزارة إلى أن بعض المحتجزين لا يزالون رهن الاعتقال، بعد أن تجاوزت مدة احتجاز بعضهم عامين، عادَّة أن هذه الممارسات انعكست بصورة مباشرة على مستوى الاستجابة الإنسانية ورفعت حجم الاحتياجات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

واتهمت الوزارة الحوثيين كذلك بالتدخل في توزيع المساعدات ونهب جزء منها وتحويلها، وحرمان مستحقين من الوصول إليها بصورة عادلة، محذّرة من أن استهداف العاملين والمنظمات الإنسانية يحدّ من قدرة المجتمع الدولي على الوصول إلى المدنيين وتقديم المساعدة لهم.

ودعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف عملي وحازم لإطلاق سراح العاملين المحتجزين، ووقف استهداف المنظمات، وضمان بيئة آمنة ومحايدة تمكنها من مواصلة عملها.