بول فيندلي قاتل بشجاعة ورحل مهزوماً

أن تجرؤ على الكلام في قلب «الكونغرس الأميركي»

بول فندلي
بول فندلي
TT

بول فيندلي قاتل بشجاعة ورحل مهزوماً

بول فندلي
بول فندلي

لم يعد خافياً لأحد اليوم مدى قوّة وتغلغل النفوذ الإسرائيلي داخل مؤسسات صناعة القرار في دول الغرب لا سيّما الولايات المتحدة الأميركيّة، دولة العالم العظمى. ولا تمتلك أي مجموعات ضغط سياسي تمثل مصالح أقليّات أو صناعات أو دولاً أجنبيّة داخل أجهزة السلطات التشريعيّة فيها ما يشبه جبروت اللّوبي الإسرائيلي وهيمنته شبه الكاملة على صناعات السياسات العامّة لتلك الدّول في كل ما يتعلّق بالشرق الأوسط، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مصالحها الوطنيّة ورفاه مواطنيها.
لكن تلك الصورة المثيرة للقلق لم تكن بتلك الوضوح قبل عدة عقود قليلة، وقلّما تنبّه لها المواطنون في دول الغرب ذاتها - ناهيك بالطبع عن معظم سياسيي دول العالم الثالث -، وذلك بحكم الجهل المتراكم، والتنميطات المسبّقة عن منطقة الشرق الأوسط وما يرتبط بها من أساطير وعواطف دينيّة قديمة متمكنة من العقل الغربي إلى اليوم على نحو يدفع بالغالبيّة للوقوع أسرى الدّعايات الصهيونيّة. وإذا كان هنالك من رجل واحد ندين له بتسليط الضوء على مدى انتشار هذا النفوذ المسموم وخوض المعارك السياسيّة لفضحه ومواجهته دفاعاً عن المصالح القوميّة لبلاده، فلن يكون سوى بول فيندلي السّيناتور السابق وممثل ولاية إلينوي في مجلس الكونغرس الأميركي عن الحزب الجمهوري لمدة 22 عاماً متتالية بين عامي 1960 و1982 والذي توفي الخميس الماضي عن 98 عاماً (1921 - 2019).
فيندلي اشتهر عالمياً وفي بلاده من خلال كتابه ذائع الصيت «من يجرؤ على الكلام»، والذي كشف فيه عن هيمنة حديديّة على الكونغرس تمارسها اللجنة الأميركيّة - الإسرائيليّة للشؤون العامة (المعروفة باسم إيباك)، وأن السّياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط والصراع العربي - الإسرائيلي تصنع في الكنيست الإسرائيلي، وليس في الكابيتول هيل (مقر الكونغرس الأميركي) أو البيت الأبيض (مقر الرئاسة الأميركيّة)، بعدما أصبح الأخيران رهينة في أيدي قادة اللّوبي الإسرائيلي - الأميركيّ، يسيّرونهما كيفما شاءوا. ويعتقد الآن على نطاق واسع بأن ذلك اللوبي تآمر عام 1982 لإسقاطه في انتخابات التجديد بالكونغرس لمصلحة نائب موال لإسرائيل من الحزب الديمقراطي بعد أن كان انتخب لـ11 مرّة متوالية.
فيندلي الآتي من بدايات متواضعة في عالم الصحافة ولاحقاً الخدمة العسكريّة بالبحريّة خلال الحرب العالميّة الثانيّة، انتخب لتمثيل ولايته بداية الستينات من القرن الماضي. وهو بحكم تعليمه المحلي في ولاية يغلب عليها الرّيف الزراعي جاء إلى الكونغرس دون أن يمتلك أي خبرة سياسيّة أو معرفة مسبّقة بشؤون الشرق الأوسط سوى تلك الصور السطحيّة الشديدة العموميّة التي يتلقاها التلامذة الأميركيّون في المدارس العامّة أو من خلال إنتاجات هوليوود الاستشراقية الهوى. لكنّه متسلحاً بخبرته العسكريّة التي أرته فظاعات الحروب دفع من خلال عمله النيابي نحو سياسات معتدلة تتجنّب الحروب وتدعو للانخراط في حوارات بناءة بكافة الدّول. وقد كان أعلى الأصوات التي ارتفعت من الكابيتول هيل ضدّ الحرب الأميركيّة على فيتنام، ودعم دون تحفظات حركة الحقوق المدنيّة - بعد أن لمس العنصريّة التي تعرّض لها رفاقه السود في سلاح البحريّة -، وكان أحد مشرعي قانون الحرب لعام 1973 الذي قلص من صلاحيات منصب الرئيس في شنّ الحروب. هذا بالطبع إلى جانب اهتماماته المحليّة بشؤون الزراعة لا سيّما بما خص دعم العائلات العاملة في ذلك القطاع المركزي بولاية إلينوي. وقد قادته هذه الانشغالات السياسية للخدمة داخل لجنتي الكونغرس الفرعيتين للسياسة الخارجيّة والزّراعة.
طوال ذلك الوقت لم تتقاطع مواقف فيندلي مع اللّوبي الإسرائيلي المتغلغل في قلب العمل السياسي الأميركي - بما فيه الكونغرس - لحين التحاقه بلجنة السياسة الخارجيّة بداية من ولايته الرابعة عام 1967 هناك اكتشف السيناتور تدريجياً - ومنذ أول انتقاد للسياسات العدوانيّة الإسرائيليّة أدلى به خلال حديث جانبي خاص أثناء مداولات تلك اللجنة - بأنّ (إيباك) هي الآمر الناهي فيما يتعلق بتوجهات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وأن الأغلبية العظمى من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب تنفّذ رغباتها دون مناقشة إن هم رغبوا بالاحتفاظ بمناصبهم.
وقد وصل السّيناتور لاحقاً إلى قناعة مفادها بأن (إيباك) لم تكن سوى الجزء الظّاهر من جبل جليد هيمنة اللوبي الهائل، والذي يمتد نفوذه إلى جلّ المؤسسات السياسيّة والإعلاميّة والثقافية الأميركيّة عبر أكثر من 200 هيئة وتجمع ولجنة، تعمل وكأنها تابعة للسفارة الإسرائيليّة «لدرجة أنّه لو أعلن رئيس وزراء إسرائيل أن الأرض مسطحة، فإن الكونغرس سيصدر قبل مرور 24 ساعة قراراً ملزماً للحكومة الأميركيّة يؤيد الإعلان ويبارك لرئيس الوزراء اكتشافه العبقريّ». وقد كتب عن ذلك يقول: «أغلبية المواطنين غير مدركين لحقيقة أن سياسة بلادنا بشأن الشرق الأوسط لا ترسم من قبل خبراء معنيين بالمصالح القوميّة للولايات المتحدّة».
وقد تصادفت مرحلة اشتباك فيندلي باللّوبي الصهيوني نتيجة انتقاداته للسلطات الإسرائيليّة بزيارة قام بها إلى الشرق الأوسط سعياً لإطلاق سراح أحد ناخبيه الذي اشتبه بتورطه بالتجسس، وسجن في عدن باليمن الجنوبي حينها. وقد أخذته تلك الرّحلة أيضاً إلى دمشق وبيروت، وعاد منها جميعاً بانطباعات إيجابيّة تخالف سياسات بلاده العدائيّة تجاه تلك الدّول. وقاده ذلك لتبني مواقف علنيّة تدعو إلى انخراط الولايات المتحدة في علاقات حوار بناء مع مختلف أطراف المنطقة بمن فيهم الفلسطينيون، بدلاً من الانحياز الكلي التام للجانب الإسرائيلي.
وبعد خسارته لمنصبه النّيابي، تفرّغ فيندلي لتسجيل خبرته في الصّراع مع اللوبي الصهيوني داخل مؤسسات الدّولة الأميركيّة، ومواجهة الصور السلبيّة عن الإسلام والمسلمين. فنشر «من يجرؤ على الكلام - 1985»، ثمّ «الخداع: مواجهة الحقائق بشأن العلاقات الأميركيّة - الإسرائيليّة - 1993»، و«لا صمت بعد اليوم: مواجهة الصّور المزيفة عن الإسلام في أميركا - 2001»، و«أجندة المحافظين الجدد، الحرب في الشرق الأوسط، ومصالح إسرائيل القوميّة - 2008» وكذلك مذكّراته التي نشرها بعنوان «أميركا في خطر - 2011»، كما أسس مع رفاق له مجلس المصالح القوميّة عام 1989، مؤسسة بحثيّة لا تتوخى الرّبح تستهدف دعم سياساتٍ بشأن الشرق الأوسط تخدم المصلحة الأميركيّة العُليا، كما دعم تأسيس مجلس العلاقات الأميركيّة - الإسلاميّة، وتجوّل في بلدان كثيرة بالشرق الأوسط ملقياً المحاضرات لجمهور عربي ومسلم كبير متعطش لسماع صوت أميركي مختلف.
لم يغفر اللوبي الإسرائيلي لفيندلي (جرائمه) بحق إسرائيل مطلقاً، فاعتبره «عدواً خطيراً للصهيونيّة»، وتعرضت أعماله المطبوعة للحصار، وأُخفيت أخباره عن وسائل الإعلام، وأزيلت المواقع التي تشير إليه في الإنترنت، وشُوّهت سمعة مجلس المصالح القوميّة، بينما وَجّهت الصحف الأميركيّة الكبرى - لا سيّما «نيويورك تايمز» - انتقادات حادة لكتبه. لكّن ذلك لم يردعه يوماً عن الاستمرار بدعاويه لتجنّب الوقوع بأفخاخ الآيديولوجيّات الموهومة، وتبني خطاب نادر في الفضاء الأميركي تجاه مقاربات سياسيّة داخليّة (فيما يتعلّق بالعلاقات مع المسلمين داخل الولايات المتحدة)، وخارجيّة تخدم المصالح الاستراتيجيّة طويلة المدى لبلاده بدلاً من مصالح الدّولة العبريّة.
لكن هذا الرجل الشجاع والذي قاتل بشرفٍ رحل عن عالمنا مهزوماً بعد أن شهد رأي العين العنصريّة وصراعات الهويّات والعداء للمهاجرين - لا سيّما من المسلمين منهم - والتي طالما ناضل لإسقاطها وقد صارت شغل بلاده الشّاغل. لكن نجح اللّوبي الإسرائيلي - الذي أنفق فيندلي عمره في توعية الأميركيين بمخاطره - بالقرار الرسمي الأميركي بشأن الشرق الأوسط، لدرجة الإعلان عن الاعتراف بالقدس العربيّة المحتلّة عاصمة أبديّة لإسرائيل، ونقل مقرّ السفارة الأميركيّة إليها، وهي إجراءات لم يجرؤ على تنفيذها عتاة الرؤساء من المناصرين لإسرائيل من قبل. لكن هزيمته الشخصيّة تلك، تتضاءل دائماً أمام المكانة التي سيأخذها في التاريخ كأول سيناتور أميركي تجرّأ على الكلام في قلب «الكابيتول هيل».


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».