بول فيندلي قاتل بشجاعة ورحل مهزوماً

أن تجرؤ على الكلام في قلب «الكونغرس الأميركي»

بول فندلي
بول فندلي
TT

بول فيندلي قاتل بشجاعة ورحل مهزوماً

بول فندلي
بول فندلي

لم يعد خافياً لأحد اليوم مدى قوّة وتغلغل النفوذ الإسرائيلي داخل مؤسسات صناعة القرار في دول الغرب لا سيّما الولايات المتحدة الأميركيّة، دولة العالم العظمى. ولا تمتلك أي مجموعات ضغط سياسي تمثل مصالح أقليّات أو صناعات أو دولاً أجنبيّة داخل أجهزة السلطات التشريعيّة فيها ما يشبه جبروت اللّوبي الإسرائيلي وهيمنته شبه الكاملة على صناعات السياسات العامّة لتلك الدّول في كل ما يتعلّق بالشرق الأوسط، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مصالحها الوطنيّة ورفاه مواطنيها.
لكن تلك الصورة المثيرة للقلق لم تكن بتلك الوضوح قبل عدة عقود قليلة، وقلّما تنبّه لها المواطنون في دول الغرب ذاتها - ناهيك بالطبع عن معظم سياسيي دول العالم الثالث -، وذلك بحكم الجهل المتراكم، والتنميطات المسبّقة عن منطقة الشرق الأوسط وما يرتبط بها من أساطير وعواطف دينيّة قديمة متمكنة من العقل الغربي إلى اليوم على نحو يدفع بالغالبيّة للوقوع أسرى الدّعايات الصهيونيّة. وإذا كان هنالك من رجل واحد ندين له بتسليط الضوء على مدى انتشار هذا النفوذ المسموم وخوض المعارك السياسيّة لفضحه ومواجهته دفاعاً عن المصالح القوميّة لبلاده، فلن يكون سوى بول فيندلي السّيناتور السابق وممثل ولاية إلينوي في مجلس الكونغرس الأميركي عن الحزب الجمهوري لمدة 22 عاماً متتالية بين عامي 1960 و1982 والذي توفي الخميس الماضي عن 98 عاماً (1921 - 2019).
فيندلي اشتهر عالمياً وفي بلاده من خلال كتابه ذائع الصيت «من يجرؤ على الكلام»، والذي كشف فيه عن هيمنة حديديّة على الكونغرس تمارسها اللجنة الأميركيّة - الإسرائيليّة للشؤون العامة (المعروفة باسم إيباك)، وأن السّياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط والصراع العربي - الإسرائيلي تصنع في الكنيست الإسرائيلي، وليس في الكابيتول هيل (مقر الكونغرس الأميركي) أو البيت الأبيض (مقر الرئاسة الأميركيّة)، بعدما أصبح الأخيران رهينة في أيدي قادة اللّوبي الإسرائيلي - الأميركيّ، يسيّرونهما كيفما شاءوا. ويعتقد الآن على نطاق واسع بأن ذلك اللوبي تآمر عام 1982 لإسقاطه في انتخابات التجديد بالكونغرس لمصلحة نائب موال لإسرائيل من الحزب الديمقراطي بعد أن كان انتخب لـ11 مرّة متوالية.
فيندلي الآتي من بدايات متواضعة في عالم الصحافة ولاحقاً الخدمة العسكريّة بالبحريّة خلال الحرب العالميّة الثانيّة، انتخب لتمثيل ولايته بداية الستينات من القرن الماضي. وهو بحكم تعليمه المحلي في ولاية يغلب عليها الرّيف الزراعي جاء إلى الكونغرس دون أن يمتلك أي خبرة سياسيّة أو معرفة مسبّقة بشؤون الشرق الأوسط سوى تلك الصور السطحيّة الشديدة العموميّة التي يتلقاها التلامذة الأميركيّون في المدارس العامّة أو من خلال إنتاجات هوليوود الاستشراقية الهوى. لكنّه متسلحاً بخبرته العسكريّة التي أرته فظاعات الحروب دفع من خلال عمله النيابي نحو سياسات معتدلة تتجنّب الحروب وتدعو للانخراط في حوارات بناءة بكافة الدّول. وقد كان أعلى الأصوات التي ارتفعت من الكابيتول هيل ضدّ الحرب الأميركيّة على فيتنام، ودعم دون تحفظات حركة الحقوق المدنيّة - بعد أن لمس العنصريّة التي تعرّض لها رفاقه السود في سلاح البحريّة -، وكان أحد مشرعي قانون الحرب لعام 1973 الذي قلص من صلاحيات منصب الرئيس في شنّ الحروب. هذا بالطبع إلى جانب اهتماماته المحليّة بشؤون الزراعة لا سيّما بما خص دعم العائلات العاملة في ذلك القطاع المركزي بولاية إلينوي. وقد قادته هذه الانشغالات السياسية للخدمة داخل لجنتي الكونغرس الفرعيتين للسياسة الخارجيّة والزّراعة.
طوال ذلك الوقت لم تتقاطع مواقف فيندلي مع اللّوبي الإسرائيلي المتغلغل في قلب العمل السياسي الأميركي - بما فيه الكونغرس - لحين التحاقه بلجنة السياسة الخارجيّة بداية من ولايته الرابعة عام 1967 هناك اكتشف السيناتور تدريجياً - ومنذ أول انتقاد للسياسات العدوانيّة الإسرائيليّة أدلى به خلال حديث جانبي خاص أثناء مداولات تلك اللجنة - بأنّ (إيباك) هي الآمر الناهي فيما يتعلق بتوجهات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وأن الأغلبية العظمى من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب تنفّذ رغباتها دون مناقشة إن هم رغبوا بالاحتفاظ بمناصبهم.
وقد وصل السّيناتور لاحقاً إلى قناعة مفادها بأن (إيباك) لم تكن سوى الجزء الظّاهر من جبل جليد هيمنة اللوبي الهائل، والذي يمتد نفوذه إلى جلّ المؤسسات السياسيّة والإعلاميّة والثقافية الأميركيّة عبر أكثر من 200 هيئة وتجمع ولجنة، تعمل وكأنها تابعة للسفارة الإسرائيليّة «لدرجة أنّه لو أعلن رئيس وزراء إسرائيل أن الأرض مسطحة، فإن الكونغرس سيصدر قبل مرور 24 ساعة قراراً ملزماً للحكومة الأميركيّة يؤيد الإعلان ويبارك لرئيس الوزراء اكتشافه العبقريّ». وقد كتب عن ذلك يقول: «أغلبية المواطنين غير مدركين لحقيقة أن سياسة بلادنا بشأن الشرق الأوسط لا ترسم من قبل خبراء معنيين بالمصالح القوميّة للولايات المتحدّة».
وقد تصادفت مرحلة اشتباك فيندلي باللّوبي الصهيوني نتيجة انتقاداته للسلطات الإسرائيليّة بزيارة قام بها إلى الشرق الأوسط سعياً لإطلاق سراح أحد ناخبيه الذي اشتبه بتورطه بالتجسس، وسجن في عدن باليمن الجنوبي حينها. وقد أخذته تلك الرّحلة أيضاً إلى دمشق وبيروت، وعاد منها جميعاً بانطباعات إيجابيّة تخالف سياسات بلاده العدائيّة تجاه تلك الدّول. وقاده ذلك لتبني مواقف علنيّة تدعو إلى انخراط الولايات المتحدة في علاقات حوار بناء مع مختلف أطراف المنطقة بمن فيهم الفلسطينيون، بدلاً من الانحياز الكلي التام للجانب الإسرائيلي.
وبعد خسارته لمنصبه النّيابي، تفرّغ فيندلي لتسجيل خبرته في الصّراع مع اللوبي الصهيوني داخل مؤسسات الدّولة الأميركيّة، ومواجهة الصور السلبيّة عن الإسلام والمسلمين. فنشر «من يجرؤ على الكلام - 1985»، ثمّ «الخداع: مواجهة الحقائق بشأن العلاقات الأميركيّة - الإسرائيليّة - 1993»، و«لا صمت بعد اليوم: مواجهة الصّور المزيفة عن الإسلام في أميركا - 2001»، و«أجندة المحافظين الجدد، الحرب في الشرق الأوسط، ومصالح إسرائيل القوميّة - 2008» وكذلك مذكّراته التي نشرها بعنوان «أميركا في خطر - 2011»، كما أسس مع رفاق له مجلس المصالح القوميّة عام 1989، مؤسسة بحثيّة لا تتوخى الرّبح تستهدف دعم سياساتٍ بشأن الشرق الأوسط تخدم المصلحة الأميركيّة العُليا، كما دعم تأسيس مجلس العلاقات الأميركيّة - الإسلاميّة، وتجوّل في بلدان كثيرة بالشرق الأوسط ملقياً المحاضرات لجمهور عربي ومسلم كبير متعطش لسماع صوت أميركي مختلف.
لم يغفر اللوبي الإسرائيلي لفيندلي (جرائمه) بحق إسرائيل مطلقاً، فاعتبره «عدواً خطيراً للصهيونيّة»، وتعرضت أعماله المطبوعة للحصار، وأُخفيت أخباره عن وسائل الإعلام، وأزيلت المواقع التي تشير إليه في الإنترنت، وشُوّهت سمعة مجلس المصالح القوميّة، بينما وَجّهت الصحف الأميركيّة الكبرى - لا سيّما «نيويورك تايمز» - انتقادات حادة لكتبه. لكّن ذلك لم يردعه يوماً عن الاستمرار بدعاويه لتجنّب الوقوع بأفخاخ الآيديولوجيّات الموهومة، وتبني خطاب نادر في الفضاء الأميركي تجاه مقاربات سياسيّة داخليّة (فيما يتعلّق بالعلاقات مع المسلمين داخل الولايات المتحدة)، وخارجيّة تخدم المصالح الاستراتيجيّة طويلة المدى لبلاده بدلاً من مصالح الدّولة العبريّة.
لكن هذا الرجل الشجاع والذي قاتل بشرفٍ رحل عن عالمنا مهزوماً بعد أن شهد رأي العين العنصريّة وصراعات الهويّات والعداء للمهاجرين - لا سيّما من المسلمين منهم - والتي طالما ناضل لإسقاطها وقد صارت شغل بلاده الشّاغل. لكن نجح اللّوبي الإسرائيلي - الذي أنفق فيندلي عمره في توعية الأميركيين بمخاطره - بالقرار الرسمي الأميركي بشأن الشرق الأوسط، لدرجة الإعلان عن الاعتراف بالقدس العربيّة المحتلّة عاصمة أبديّة لإسرائيل، ونقل مقرّ السفارة الأميركيّة إليها، وهي إجراءات لم يجرؤ على تنفيذها عتاة الرؤساء من المناصرين لإسرائيل من قبل. لكن هزيمته الشخصيّة تلك، تتضاءل دائماً أمام المكانة التي سيأخذها في التاريخ كأول سيناتور أميركي تجرّأ على الكلام في قلب «الكابيتول هيل».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً