الروائي أحمد عبد اللطيف: المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين يعيشون بداخلي كأفراد من عائلتي

العمى كان موجوداً في محيط عائلته منذ أن أدرك الحياة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف
TT

الروائي أحمد عبد اللطيف: المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين يعيشون بداخلي كأفراد من عائلتي

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

يهدي الكاتب المترجم المصري أحمد عبد اللطيف روايته الأخيرة «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، الصادرة حديثاً عن دار «العين»، لوالدته لأنها «تُبصر ما لا يُرى»، مستحضراً في فضائها الأسطوري أبا العلاء المعري وطه حسين ودانتي وبورخيس.
لماذا هؤلاء بالذات؟
هنا حوار معه حول روايته الجديدة، ومعالجته للعلاقة بين العمى والبصيرة، ومبرره الفني في استحضار كل هذه الشخوص.
> في الرواية معالجة فنية لفكرتي «البصر والبصيرة، والرؤية والمحجوب»... حدثنا عن هذه الثنائية، وتأثيرها عليك.
- العمى كان موجوداً في محيط العائلة منذ أدركت الحياة. في البداية، كان لي خال أعمى، يزورنا باستمرار مع ابنه الذي يماثلني في العمر. أتذكر أني كنت في الخامسة أو السادسة عندما لاحظت عماه، وعينيه الشاردتين اللتين لا تنظران لي بينما يحدثني. كانت عيناه واسعتين سوداوين لدرجة لا يمكن معها تخيل عماه، وأنا لم أكن أفهم ما معنى أن تكون عيناه كذلك من دون أن يبصر. في أوقات كثيرة، كنت أعطيه كتاباً ليقرأ؛ كنت أود أن أثبت لي وله ولهم أنه يرى كما أتصور، فكان يرد الكتاب إليّ ويطلب مني أن أتهجى له الكلمات، فكنت أفعل وكان ينطقها. خالي أصابه العمى في حرب 67، ونجا بحياته بمعجزة. خرج من بيته مبصراً، وعاد كفيفاً يجره رجل لا نعرفه. وفي عام 78، ولدت أنا وكان العمى قد استقر، وتكيف هو معه. هذا الرجل حيرني كثيراً بعينيه الخاليتين من البصر، مع قدرته الفائقة على البصيرة، على التوقع والتنبؤ، على الحكمة. ثم مع مرور السنوات، لم يتبقَ لديّ إلا أثر الذكرى، ذكرى تجددت في السنوات الأخيرة حين صارت أمي شبه عمياء، ترى العالم بقلبها من وراء حاجز أحاول اختراقه. وبين خالي وأمي، ملأت هذه السنوات شخصيات حملت لها كثيراً من الود والتقدير. ففي مراهقتي، اهتممت بـطه حسين، بمشروعه الفكري وسيرته الذاتية، حتى غدا بالنسبة لي فرداً من العائلة، ثم انضم للعائلة نفسها بورخيس وأبو العلاء المعري. لذلك، فالرواية انطلقت من سؤال شخصي مؤرق ظل يتراكم عبر سنوات طويلة، وأخيراً وجد نافذة له في رواية «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج».
> تتكئ على عالم من الرمزية والميثولوجيا كما تستلهم رحلات ثرية من الموروث الأدبي... كيف صنعت هذا التوازن بين الواقعي والخيالي في إطار مشروعك الأدبي؟
- الواقع بالطبع هو الأرض التي أنطلق منها، ويمكن أن يعود إليها النص، لأن الكتابة مهما كان شكلها أو تيارها تطرح أسئلة الواقع، غير أن الواقع ليس فحسب الأحداث اليومية الملموسة التي نراها جميعاً، فالأحلام واقع، وأحلام اليقظة واقع، والمخاوف التي تسكننا واقع، والذكريات التي انتهت من الواقع وباتت تشغل ذاكرتنا واقع. أريد أن أقول إن الواقع متسع لا حدود له، يدخل فيه قراءاتنا نفسها التي تشكل وجداننا. أفكر أحياناً أنني أكتب وأنا أحاكي حركة العقل نفسها، أحاول رصد ما يمر بهذا العقل في وقت واحد. بينما أنا أتحدث معكِ الآن، يمر بخاطري صديق طفولتي الذي مات منذ عشر سنوات وأنا لا أصدق بعد، ويمر بخاطري لقاء عابر مع شخص ترك فيّ أثراً طيباً، وأتذكر عبارة قالتها لي أمي في مكالمتنا الأخيرة، وتطل عليّ ذكرى حب فائت، وأفكر في كتاب أود قراءته هذا الأسبوع، وأشرد في إيميلات تلقيتها ولم أرد عليها بعد. كل هذا يحدث في الوقت نفسه أو بالتتابع وأنا أتكلم معكِ عن روايتي الجديدة؛ وكل هذا أسميه حركة العقل. هذه الصيغة التي يعمل بها عقلي هي التي أكتب بها وأشيد عالمي السردي. ربما يكون ذلك جواباً عن سؤالك عن تداخل كل هذه العناصر في كتابتي.
> الرواية مُوزعة على مساحات زمنية شاسعة وأبطال لم يلتقوا وحدث يعبر بين بطلين من زمنين... هل ثمة تخطيط سردي مسبق لهذه القماشة؟
- أخطط ولا أخطط في الوقت نفسه. تفصيلاً، لا أبدأ في الكتابة أبداً قبل أن يتكوّن العالم السردي في ذهني، وتتكوّن الشخصيات، وتتحرك بملامح أراها أمام عيني، حينها تتوالى المشاهد على ذهني واحداً تلو الآخر، وفي لحظة أشعر أن كل شيء قد نضج وحان وقت الكتابة. هذه العملية قد تستغرق شهوراً أو سنين، أما الكتابة نفسها فلا أجد فيها أي صعوبة، فأنا أكتب كما أتمشى، وكما أشاهد فيلماً، بهذا القدر من الاستمتاع والتأمل. والحقيقة أني لا أتعامل مع الكتابة كموظف يجلس إلى مكتبه في انتظارها، الكتابة مهنة تحب من يعرض عنها، وكلما أعرضت جاءتك بلهفة. أتذكر مقولة لخوليو كورتاثر يشير فيها إلى أنه يعامل حبيبته كما القطط، يتركها تلهو وتلعب وتغيب وتفعل كل ما يحلو لها، وحين تعود يعانقها ويلعب معها ويضعها في حجره ويربت عليها. هذا ما أفعله مع الكتابة، وأنا على يقين أنها مهما غابت ستعود لأنها تعرف مقدار حبي لها ورعايتي.
> أبو العلاء المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين جمعت شتاتهم في مواقف روائية ومشهدية وتسرب حضورهم بين السرد و«كتاب الأحلام»... حدثنا عن هذه التوليفة.
- في بداية تكوين العالم السردي في ذهني، انتبهت إلى أن العمل سيكون له صلة برسالة الغفران؛ ثمة مشتركات في سؤال العمى والرحلة والكشف. حينها قرأت عمل أبو العلاء، وتبعته بقراءة «الكوميديا الإلهية» لـدانتي. الفكرة كانت الاستغراق في رحلة ينتهي بها المطاف في مكان كاشف، يعري الحقائق، وشخصيات قد خاضت هذه الرحلة من قبل. وأبو العلاء وطه وبورخيس لكونهم عمياناً فقد خاضوها، ودانتي لكونه كتب عملاً متأثراً برسالة الغفران، فقد خاضها مثلهم. هذه الشخصيات قد تبدو متباعدة في النظرة الأولى، لكنهم جميعاً متقاربون، إنهم حلقات في سلسلة واحدة، إنهم يعيشون بداخلي منذ سنوات كأفراد من عائلتي، ولم أشعر أبداً بأي تنافر بينهم. الفروق الزمنية لا معنى لها، لأننا حين نموت ونجتمع في مكان واحد، سنجتمع جميعاً من كل الأزمنة. الذاكرة أيضاً لا تؤمن بالحدود الزمنية.
>عبرت إلى الأسطورة والتاريخ المنسي وشيدت مدينة تحت الأرض... هل كانت هذه أدواتك للتحدث عن الحاضر؟
- أظن أن كل كاتب ابن لعصره ولواقعه ولسياقه الثقافي والتاريخي، وأننا حين نكتب، نكتب من داخل هذه الأطر، ومن أجلها. الفروقات ربما بين كاتب وآخر تكمن في تصورات كل منهم عن الفن، عما ينبغي أن تكون عليه الرواية. وفي تصوري، الرواية فن في المقام الأول، فلا يجب أن تكون بحثاً اجتماعياً ولا تحليلاً سياسياً ولا لافتة لآيديولوجيات. وداخل الإطار العام لكلمة «فن»، يصح للرواية أن تقدم طروحاتها، وأن تغامر. وبمناسبة المغامرة، لا أمل للرواية العربية إلا في التجريب. التجريب، المضاد للتقليدية والنماذج الجاهزة، هو الأفق الذي ينبغي أن نثقبه بأيدينا لنكتب نصوصاً جديرة بالقراءة والبقاء. أما فخ المباشرة فهو يتنافى مع فكرة الفن بالأساس، فالفن هو المجاز، هو الإيحاء، هو القدرة على فتح أفق من التأويلات للقارئ. والحاضر، حتى لو بدا تجنبي له، هو سؤالي الملّح، وأسعى لتكوين تصور عنه عبر التاريخ والتراث والتخيل.
> في الرواية بشر يتحولون إلى تماثيل شمعية في مشهد رمزي جديد يذكرنا بثنائية البشر والحجر في أعمالك «حصن التراب» و«كتاب النحات»... هل هذا ولع شخصي بفكرة النحت؟
- ذات مرة، اصطحبني صديق وجار، كان صديقي منذ مولدي حتى رحل عن العالم منذ عشر سنوات، إلى بيته. كان بيته يتكون من ثلاثة أدوار، والدور الثالث كان تحت الإنشاء، ليس به إلا لمبة واحدة موصلة بسلك، وتحت اللمبة وجدت كنزاً ما زلت إلى الآن مسحوراً به: تماثيل كثيرة جداً، بأحجام صغيرة، مصنوعة من الطين والصلصال، وبعضها من الحجارة. كانت التماثيل من صنع أخيه الذي كان يكبرنا بعدة سنوات قليلة. كنت أنا في الثامنة أو التاسعة، وصديقي من عمري نفسه، وأخوه في بداية المراهقة. الأثر الأول لهذه الزيارة لا يزال مطبوعاً في قلبي، إذ من دون استئذان أو سؤال، من دون أن أنطق بكلمة، مددت يدي إلى التماثيل، وكان بعضها لا يزال رطباً، وشعرت برغبة ملحة في صنع تماثيل شبيهة. كانت المواد الخام البسيطة موجودة، فبدأت في اللعب، ولم تكن النتيجة سيئة. لسنوات كانت لعبتي صناعة تماثيل صغيرة، ربما لذلك لا تغيب فكرة النحت عن كتابتي، بداية من «صانع المفاتيح» حتى «سيقان تعرف»، لكنها مع الوقت تتطور في اتجاه ما.
> في أعمالك ثمة رغبة في الانتصار لأصحاب الحقوق المسلوبة أو الحكايات التي لم تكتمل... كيف ترى ذلك؟
- أظن أن المنتصرين في الحياة لا يكتبون، ولا يصح أن نكتب عنهم إلا جانبهم المظلم والمهزوم. كيف يمكن مثلاً أن نكتب عن السعداء؟ التعاسة والبؤس والهزيمة مواد الكتابة الخام، والحزن هو أرق المشاعر الإنسانية، وما يستحق أن نسجله. هذه المشاعر، هذا الضعف، هذا السلب والوجع الذي نعيشه، هو ما يساعدنا على فهم الحياة، وبالتالي إنتاج إبداع يقارب هذا الفهم ويجسّده. أعترف لكِ أن شرف الكتابة يكمن في الانحياز للمهزوم، في تصوير الهشاشة البشرية.
> ما الذي يشغلك وأنت تكتب روايتك الجديدة؟
- كل رواية جديدة هي رواية أولى لكاتبها، وبالتالي أدخل إليها بمشاعر الحماس والخوف والتأمل نفسها، ولا يشغلني إلا كتابتها بالطريقة التي تروق لي، مستجيباً للإلهام. لا أتوقع كيف سيتلقاها القارئ، ولا أعرف إن كانت ستلقى حفاوة نقدية، ولا أتطلع أن تكون رواية العام. أصدق أن الكتابة لا تحب من يبتغي من ورائها شيئاً، وأنها تغدق على محبيها المخلصين. هذا ما يشغلني دائماً فيما يخص الكتابة.



مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.