الروائي أحمد عبد اللطيف: المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين يعيشون بداخلي كأفراد من عائلتي

العمى كان موجوداً في محيط عائلته منذ أن أدرك الحياة

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف
TT

الروائي أحمد عبد اللطيف: المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين يعيشون بداخلي كأفراد من عائلتي

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

يهدي الكاتب المترجم المصري أحمد عبد اللطيف روايته الأخيرة «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، الصادرة حديثاً عن دار «العين»، لوالدته لأنها «تُبصر ما لا يُرى»، مستحضراً في فضائها الأسطوري أبا العلاء المعري وطه حسين ودانتي وبورخيس.
لماذا هؤلاء بالذات؟
هنا حوار معه حول روايته الجديدة، ومعالجته للعلاقة بين العمى والبصيرة، ومبرره الفني في استحضار كل هذه الشخوص.
> في الرواية معالجة فنية لفكرتي «البصر والبصيرة، والرؤية والمحجوب»... حدثنا عن هذه الثنائية، وتأثيرها عليك.
- العمى كان موجوداً في محيط العائلة منذ أدركت الحياة. في البداية، كان لي خال أعمى، يزورنا باستمرار مع ابنه الذي يماثلني في العمر. أتذكر أني كنت في الخامسة أو السادسة عندما لاحظت عماه، وعينيه الشاردتين اللتين لا تنظران لي بينما يحدثني. كانت عيناه واسعتين سوداوين لدرجة لا يمكن معها تخيل عماه، وأنا لم أكن أفهم ما معنى أن تكون عيناه كذلك من دون أن يبصر. في أوقات كثيرة، كنت أعطيه كتاباً ليقرأ؛ كنت أود أن أثبت لي وله ولهم أنه يرى كما أتصور، فكان يرد الكتاب إليّ ويطلب مني أن أتهجى له الكلمات، فكنت أفعل وكان ينطقها. خالي أصابه العمى في حرب 67، ونجا بحياته بمعجزة. خرج من بيته مبصراً، وعاد كفيفاً يجره رجل لا نعرفه. وفي عام 78، ولدت أنا وكان العمى قد استقر، وتكيف هو معه. هذا الرجل حيرني كثيراً بعينيه الخاليتين من البصر، مع قدرته الفائقة على البصيرة، على التوقع والتنبؤ، على الحكمة. ثم مع مرور السنوات، لم يتبقَ لديّ إلا أثر الذكرى، ذكرى تجددت في السنوات الأخيرة حين صارت أمي شبه عمياء، ترى العالم بقلبها من وراء حاجز أحاول اختراقه. وبين خالي وأمي، ملأت هذه السنوات شخصيات حملت لها كثيراً من الود والتقدير. ففي مراهقتي، اهتممت بـطه حسين، بمشروعه الفكري وسيرته الذاتية، حتى غدا بالنسبة لي فرداً من العائلة، ثم انضم للعائلة نفسها بورخيس وأبو العلاء المعري. لذلك، فالرواية انطلقت من سؤال شخصي مؤرق ظل يتراكم عبر سنوات طويلة، وأخيراً وجد نافذة له في رواية «سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج».
> تتكئ على عالم من الرمزية والميثولوجيا كما تستلهم رحلات ثرية من الموروث الأدبي... كيف صنعت هذا التوازن بين الواقعي والخيالي في إطار مشروعك الأدبي؟
- الواقع بالطبع هو الأرض التي أنطلق منها، ويمكن أن يعود إليها النص، لأن الكتابة مهما كان شكلها أو تيارها تطرح أسئلة الواقع، غير أن الواقع ليس فحسب الأحداث اليومية الملموسة التي نراها جميعاً، فالأحلام واقع، وأحلام اليقظة واقع، والمخاوف التي تسكننا واقع، والذكريات التي انتهت من الواقع وباتت تشغل ذاكرتنا واقع. أريد أن أقول إن الواقع متسع لا حدود له، يدخل فيه قراءاتنا نفسها التي تشكل وجداننا. أفكر أحياناً أنني أكتب وأنا أحاكي حركة العقل نفسها، أحاول رصد ما يمر بهذا العقل في وقت واحد. بينما أنا أتحدث معكِ الآن، يمر بخاطري صديق طفولتي الذي مات منذ عشر سنوات وأنا لا أصدق بعد، ويمر بخاطري لقاء عابر مع شخص ترك فيّ أثراً طيباً، وأتذكر عبارة قالتها لي أمي في مكالمتنا الأخيرة، وتطل عليّ ذكرى حب فائت، وأفكر في كتاب أود قراءته هذا الأسبوع، وأشرد في إيميلات تلقيتها ولم أرد عليها بعد. كل هذا يحدث في الوقت نفسه أو بالتتابع وأنا أتكلم معكِ عن روايتي الجديدة؛ وكل هذا أسميه حركة العقل. هذه الصيغة التي يعمل بها عقلي هي التي أكتب بها وأشيد عالمي السردي. ربما يكون ذلك جواباً عن سؤالك عن تداخل كل هذه العناصر في كتابتي.
> الرواية مُوزعة على مساحات زمنية شاسعة وأبطال لم يلتقوا وحدث يعبر بين بطلين من زمنين... هل ثمة تخطيط سردي مسبق لهذه القماشة؟
- أخطط ولا أخطط في الوقت نفسه. تفصيلاً، لا أبدأ في الكتابة أبداً قبل أن يتكوّن العالم السردي في ذهني، وتتكوّن الشخصيات، وتتحرك بملامح أراها أمام عيني، حينها تتوالى المشاهد على ذهني واحداً تلو الآخر، وفي لحظة أشعر أن كل شيء قد نضج وحان وقت الكتابة. هذه العملية قد تستغرق شهوراً أو سنين، أما الكتابة نفسها فلا أجد فيها أي صعوبة، فأنا أكتب كما أتمشى، وكما أشاهد فيلماً، بهذا القدر من الاستمتاع والتأمل. والحقيقة أني لا أتعامل مع الكتابة كموظف يجلس إلى مكتبه في انتظارها، الكتابة مهنة تحب من يعرض عنها، وكلما أعرضت جاءتك بلهفة. أتذكر مقولة لخوليو كورتاثر يشير فيها إلى أنه يعامل حبيبته كما القطط، يتركها تلهو وتلعب وتغيب وتفعل كل ما يحلو لها، وحين تعود يعانقها ويلعب معها ويضعها في حجره ويربت عليها. هذا ما أفعله مع الكتابة، وأنا على يقين أنها مهما غابت ستعود لأنها تعرف مقدار حبي لها ورعايتي.
> أبو العلاء المعري ودانتي وبورخيس وطه حسين جمعت شتاتهم في مواقف روائية ومشهدية وتسرب حضورهم بين السرد و«كتاب الأحلام»... حدثنا عن هذه التوليفة.
- في بداية تكوين العالم السردي في ذهني، انتبهت إلى أن العمل سيكون له صلة برسالة الغفران؛ ثمة مشتركات في سؤال العمى والرحلة والكشف. حينها قرأت عمل أبو العلاء، وتبعته بقراءة «الكوميديا الإلهية» لـدانتي. الفكرة كانت الاستغراق في رحلة ينتهي بها المطاف في مكان كاشف، يعري الحقائق، وشخصيات قد خاضت هذه الرحلة من قبل. وأبو العلاء وطه وبورخيس لكونهم عمياناً فقد خاضوها، ودانتي لكونه كتب عملاً متأثراً برسالة الغفران، فقد خاضها مثلهم. هذه الشخصيات قد تبدو متباعدة في النظرة الأولى، لكنهم جميعاً متقاربون، إنهم حلقات في سلسلة واحدة، إنهم يعيشون بداخلي منذ سنوات كأفراد من عائلتي، ولم أشعر أبداً بأي تنافر بينهم. الفروق الزمنية لا معنى لها، لأننا حين نموت ونجتمع في مكان واحد، سنجتمع جميعاً من كل الأزمنة. الذاكرة أيضاً لا تؤمن بالحدود الزمنية.
>عبرت إلى الأسطورة والتاريخ المنسي وشيدت مدينة تحت الأرض... هل كانت هذه أدواتك للتحدث عن الحاضر؟
- أظن أن كل كاتب ابن لعصره ولواقعه ولسياقه الثقافي والتاريخي، وأننا حين نكتب، نكتب من داخل هذه الأطر، ومن أجلها. الفروقات ربما بين كاتب وآخر تكمن في تصورات كل منهم عن الفن، عما ينبغي أن تكون عليه الرواية. وفي تصوري، الرواية فن في المقام الأول، فلا يجب أن تكون بحثاً اجتماعياً ولا تحليلاً سياسياً ولا لافتة لآيديولوجيات. وداخل الإطار العام لكلمة «فن»، يصح للرواية أن تقدم طروحاتها، وأن تغامر. وبمناسبة المغامرة، لا أمل للرواية العربية إلا في التجريب. التجريب، المضاد للتقليدية والنماذج الجاهزة، هو الأفق الذي ينبغي أن نثقبه بأيدينا لنكتب نصوصاً جديرة بالقراءة والبقاء. أما فخ المباشرة فهو يتنافى مع فكرة الفن بالأساس، فالفن هو المجاز، هو الإيحاء، هو القدرة على فتح أفق من التأويلات للقارئ. والحاضر، حتى لو بدا تجنبي له، هو سؤالي الملّح، وأسعى لتكوين تصور عنه عبر التاريخ والتراث والتخيل.
> في الرواية بشر يتحولون إلى تماثيل شمعية في مشهد رمزي جديد يذكرنا بثنائية البشر والحجر في أعمالك «حصن التراب» و«كتاب النحات»... هل هذا ولع شخصي بفكرة النحت؟
- ذات مرة، اصطحبني صديق وجار، كان صديقي منذ مولدي حتى رحل عن العالم منذ عشر سنوات، إلى بيته. كان بيته يتكون من ثلاثة أدوار، والدور الثالث كان تحت الإنشاء، ليس به إلا لمبة واحدة موصلة بسلك، وتحت اللمبة وجدت كنزاً ما زلت إلى الآن مسحوراً به: تماثيل كثيرة جداً، بأحجام صغيرة، مصنوعة من الطين والصلصال، وبعضها من الحجارة. كانت التماثيل من صنع أخيه الذي كان يكبرنا بعدة سنوات قليلة. كنت أنا في الثامنة أو التاسعة، وصديقي من عمري نفسه، وأخوه في بداية المراهقة. الأثر الأول لهذه الزيارة لا يزال مطبوعاً في قلبي، إذ من دون استئذان أو سؤال، من دون أن أنطق بكلمة، مددت يدي إلى التماثيل، وكان بعضها لا يزال رطباً، وشعرت برغبة ملحة في صنع تماثيل شبيهة. كانت المواد الخام البسيطة موجودة، فبدأت في اللعب، ولم تكن النتيجة سيئة. لسنوات كانت لعبتي صناعة تماثيل صغيرة، ربما لذلك لا تغيب فكرة النحت عن كتابتي، بداية من «صانع المفاتيح» حتى «سيقان تعرف»، لكنها مع الوقت تتطور في اتجاه ما.
> في أعمالك ثمة رغبة في الانتصار لأصحاب الحقوق المسلوبة أو الحكايات التي لم تكتمل... كيف ترى ذلك؟
- أظن أن المنتصرين في الحياة لا يكتبون، ولا يصح أن نكتب عنهم إلا جانبهم المظلم والمهزوم. كيف يمكن مثلاً أن نكتب عن السعداء؟ التعاسة والبؤس والهزيمة مواد الكتابة الخام، والحزن هو أرق المشاعر الإنسانية، وما يستحق أن نسجله. هذه المشاعر، هذا الضعف، هذا السلب والوجع الذي نعيشه، هو ما يساعدنا على فهم الحياة، وبالتالي إنتاج إبداع يقارب هذا الفهم ويجسّده. أعترف لكِ أن شرف الكتابة يكمن في الانحياز للمهزوم، في تصوير الهشاشة البشرية.
> ما الذي يشغلك وأنت تكتب روايتك الجديدة؟
- كل رواية جديدة هي رواية أولى لكاتبها، وبالتالي أدخل إليها بمشاعر الحماس والخوف والتأمل نفسها، ولا يشغلني إلا كتابتها بالطريقة التي تروق لي، مستجيباً للإلهام. لا أتوقع كيف سيتلقاها القارئ، ولا أعرف إن كانت ستلقى حفاوة نقدية، ولا أتطلع أن تكون رواية العام. أصدق أن الكتابة لا تحب من يبتغي من ورائها شيئاً، وأنها تغدق على محبيها المخلصين. هذا ما يشغلني دائماً فيما يخص الكتابة.



حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».


«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
TT

«أنشودة الأرض» يوثق رحلة نازلي مدكور في عالم الفن التشكيلي

حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)
حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد (الشرق الأوسط)

في تجربة فنية ثرية تعيد تأمل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، افتتحت الفنانة التشكيلية المصرية نازلي مدكور معرضها الجديد بعنوان «أنشودة الأرض... سيرة فنية»، مُقدِّمةً رحلةً بصريةً تختزل عقوداً من البحث والتجريب.

منذ بدايات نازلي الأولى، ظهرت في أعمالها عناصر البيئة المصرية من صحارى مترامية، وواحات هادئة، ونخيل، وبيوت طينية، لكنها لم تقدِّمها بوصفها صوراً منقولة، بل مادة حية أعادت اكتشافها وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي.

ويضم هذا المعرض المستمر في «قاعة الزمالك للفن» حتى 7 مايو (أيار) 2026، أكثر من 100 عمل فني، تمتد من بدايات الفنانة في ثمانينات القرن الماضي حتى أحدث إنتاجها خلال العامين الأخيرين.

معرض «أنشودة الأرض» يُعدُّ استعادياً؛ فهو يُقدِّم خلاصة تجربة الفنانة المصرية، ويجمع 4 مراحل رئيسية من مسيرتها تحت سقف واحد.

تميل نازلي مدكور إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها (الشرق الأوسط)

وتتمثَّل المرحلة الأولى من حياة نازلي الفنية في الانشغال بالمنظر الطبيعي، حيث كانت تنظر إليه من الخارج، وتتأمله بوصفه مشهداً بصرياً قائماً، ثم تعيد صياغته عبر تغييرات وتكوينات جديدة تحمل رؤيتها الخاصة.

تقول نازلي مدكور لـ«الشرق الأوسط»: «كنت خلال تلك المرحلة أسافر كثيراً إلى أمكنة مختلفة في مصر، لا سيما الواحات وسيناء وسيوة؛ لأتشبع بالطبيعة المصرية ومشاهدها، وحتى ألتقي أيضاً الناس الذين يعيشون في تلك البيئات المختلفة».

في حين تمثلت المرحلة التالية من رحلة نازلي الفنية في حضور المرأة داخل اللوحة، واندماجها مع مشاهد الطبيعة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى مرحلة جديدة أصبحت خلالها تنظر إلى المنظر الطبيعي من الداخل لا من الخارج: «خلال هذه المرحلة تكوّن لدي مخزون بصري ووجداني، وأصبحت أعمل من داخل الاستوديو، مستندة إلى إحساسي الأعمق بالأماكن؛ فصار تجسيدي لها نابعاً من الذاكرة والانفعال».

نازلي تعيد اكتشاف الطبيعة وفق رؤيتها الخاصة وإحساسها الداخلي (الشرق الأوسط)

وتمثل تجربة نازلي مدكور في الآونة الأخيرة عودة إلى المنظر الطبيعي، لكنها عودة مختلفة في الرؤية والمعالجة، بما يسمح للجمهور بإجراء مقارنة بين الأعمال، وهي مقارنة تكشف عن حجم التحول والنضج عبر كل هذه السنوات.

ويكتسب المعرض أهميةً إضافيةً مع صدور كتاب يوثِّق هذه الرحلة الفنية، يبدأ بحوار مع الفنانة حول مسيرتها، ويضم دراستين نقديتين لكل من الناقد المصري عز الدين نجيب، والناقد العراقي فاروق يوسف.

كما يستعيد المعرض جانباً من تعاونها مع دار نشر أميركية متخصصة في الكتب الفنية، اختارتها لإنجاز رسوم كتاب «ليالي ألف ليلة وليلة» للأديب المصري نجيب محفوظ.

وتقول: «كانت تلك تجربتي الأولى في رسم الكتب، وقدمت فيها شخصيات الرواية بروح مستلهَمة من المنمنمات العربية القديمة، وحققت نجاحاً كبيراً».

أعمال تجمع بين التجريد والتشخيص في أحدث معارض نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وفي المعرض الجديد؛ تُعرَض الرسومات الأصلية للكتاب إلى جانب نسخة من الإصدار نفسه.

وتكشف الأعمال المعروضة قدرة الفنانة على الحفاظ على موضوعاتها الأثيرة، مثل الربيع والطبيعة والمرأة، من دون الوقوع في أسر التكرار، إذ ظلت منفتحةً على التجريب، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو الخامات المُستخدَمة.

ويستكشف المتأمل للأعمال في المراحل الفنية المختلفة أنَّها لا تتوقف عند أسلوب واحد أو صيغة جاهزة. تقول نازلي: «يشكِّل التجريب عنصراً أساسياً في حياة الفنان، ولا ينبغي أن يقتصر على البدايات، أو على مرحلة محددة من المسيرة الإبداعية؛ فالفنان لا يمكن أن يتوقف عند صيغة واحدة يظل يكررها لسنوات طويلة».

نازلي مدكور تستعيد مسيرتها الفنية في معرض جديد بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ومن أبرز ما يؤكده تأثير التجريب في أعمالها، هو إدخالها عناصر جديدة فيها باستمرار، سواء في اللون أو الحركة أو البناء التشكيلي أو غير ذلك من أدوات التعبير.

كما اقتحمت خامات جديدة وملامس متنوعة، واستخدمت عناصر طبيعية مثل الرمال وورق البردي والحبال ومزق الأقمشة، مضيفة: «الفنان ينضج من خلال هذه المغامرة المستمرة؛ لأنَّ التجريب لا يطوِّر العمل وحده، بل يطوِّر صاحبه أيضاً».

يبرز المعرض كذلك حضور المتناقضات حتى في العمل الواحد؛ حيث يلحظ المتلقي عدداً من التناقضات البصرية والوجدانية، مثل الجمع بين البنية القوية والعفوية، أو بين الهندسة الصارمة والانسيابية الحرة.

وهنا تؤكد أن «هذا التداخل يمثل عنصراً مهماً؛ لأنه يولّد الطاقة والحركة داخل اللوحة، ويمنحها حيوية خاصة تنعكس على إحساس المشاهد بها».

الفنانة المصرية نازلي مدكور (الشرق الأوسط)

وترى الفنانة أن هذا التداخل يعكس طبيعة الإنسان نفسه، بوصفه كائناً مشحوناً بالتناقضات، وهي تناقضات قد تخلق المشكلات، لكنها تقود أيضاً إلى حلول جديدة.

لكن لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ تمزج أعمالها بين النزعة التجريدية والاتجاه التشخيصي؛ وهو ما تبرره قائلة: «يميل التشخيص إلى سرد الحكاية بصرياً، بينما يتيح التجريد مساحة أوسع لنقل المشاعر والانفعالات، وهو ما أريد أن أجمع بينهما في أعمالي».

وتتجلى في اللوحات حالة واضحة من التلاحم بين الأشكال والأرضيات، حيث تبدو العناصر في اندماج عضوي داخل نسيج واحد؛ من دون فواصل حادة بين الكتل والخلفيات، بما يضفي على الأعمال تماسكاً وحيوية في آنٍ واحد.

وتختم مدكور: «أنظر إلى العالم بوصفه منظومةً متكاملةً ومصيراً مشتركاً؛ لذلك أتعامل مع الإنسان داخل اللوحة بالخشونة نفسها التي تحضر في الطين وعناصر الطبيعة، كما أميل إلى ألوان قريبة من تدرجات الأرض وملامسها».


قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
TT

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)
في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية. ففي نهاية كلّ صيف، تتجمَّع الدببة البيضاء الضخمة قرب قرية كاكتوفيك الواقعة على حافة القارة داخل محميّة القطب الشمالي، لتتغذَّى على بقايا الحيتان وتنتظر تجمّد البحر، في مشهد كان يجذب أكثر من ألف سائح سنوياً.

وإنما جائحة «كوفيد-19» وقرار فيدرالي بوقف الجولات البحريّة أدّيا إلى شبه توقُّف هذه السياحة، وسط مخاوف من تأثير تدفُّق الزوار على نمط حياة السكان وسلوك الدببة. اليوم، يسعى قادة القرية إلى إعادة إحياء هذا النشاط، مع وضع ضوابط جديدة توازن بين الفوائد الاقتصادية وحماية البيئة والمجتمع المحلّي.

كائن يملك هذا العالم منذ زمن بعيد (أ.ف.ب)

ووفق «الإندبندنت»، يؤكد رئيس مؤسّسة «كاكتوفيك إينوبيات»، تشارلز لامب، أنّ السياحة يمكن أن توفّر دخلاً مهماً، لكن إدارتها يجب أن تختلف عمّا كانت عليه سابقاً. فخلال العقود الماضية، أدَّى تزايد أعداد الزوار، خصوصاً بعد تصنيف الدببة القطبية مهدَّدة بالانقراض عام 2008، إلى ضغط كبير على القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 شخصاً، ممّا تسبَّب في إرباك الحياة اليومية للسكان، وتراجع استفادتهم الاقتصادية.

كما أسهمت القيود التنظيمية ودخول شركات سياحية كبرى في تقليص دور السكان المحلّيين، في حين اشتكى الأهالي من سلوك بعض السياح، ومن ازدحام الرحلات الجوّية الذي أثَّر حتى في تنقّلاتهم الأساسية.

ومع توقُّف الجولات القاربية منذ 2021، بدأت الدببة تستعيد حذرها الطبيعي من البشر، بعدما أدّى الاعتياد السابق إلى زيادة المخاطر، حتى إنّ دوريات الحماية اضطرّت أحياناً إلى قتل عدد من الدببة سنوياً.

وتعمل القرية، حالياً، بالتعاون مع السلطات الأميركية، على إعادة إطلاق السياحة ربما بحلول 2027، ضمن إطار يضمن سلامة الجميع، مثل تحديد مدّة بقاء القوارب قرب الدببة، وتشجيع زيارات أطول وأكثر احتراماً لثقافة السكان.

ويرى القائمون على المبادرة أنّ السياحة المستقبلية يجب أن تمنح الزوار تجربة أعمق، تتيح لهم فهم الحياة في القطب الشمالي، لا مجرّد مشاهدتها من قرب.