بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

الحاكم الأميركي السابق للعراق قال في حوار مع {الشرق الأوسط} إن الغارات على المتشددين في سوريا قريبة جداً

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
TT

بريمر لـ {الشرق الأوسط}: لم يكن هناك جيش بالعراق لكي نحله.. فكلهم ذهبوا لمنازلهم

بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!
بول بريمر: الجيش العراقي «تبخّر» قبل وصولي إلى بغداد!

عندما سألت بول بريمر عما دفعه لحل الجيش العراقي أجاب «لم يكن هناك من جيش في الثكنات، والجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش بذلك حتى قبل وصولي. وفكرة استعادة الجيش رفضها الأكراد الذين هددوا بالاستقلال، والشيعة الذين رأوا أن المؤسسة العسكرية ستكون صدامية من دون صدام».
بول بريمر، المبعوث الرئاسي الشخصي إلى العراق، كلفه الرئيس جورج دبليو بوش بـ«إدارة العراق»، وكانت سلطته مطلقة. أثار الكثير من الجدل، وعندما غادر العراق قال في كلمة تلفزيونية «قطعة من قلبي ستظل باقية هنا في الأرض الجميلة الممتدة ما بين النهرين، بأوديتها الخصبة وجبالها المهيبة وشعبها الرائع». تلك الأرض التي وصفها بأنها مهددة اليوم من الداخل بعاصفة «داعش» وسرطان المذهبية وأيضا من الخارج. الحرب تلوح في الأفق مجددا، وبسببها استعدت إيران ووضع النظام السوري حسابات مستعجلة.
في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد بريمر أن الولايات المتحدة لن تتعاون أو تنسق مع نظام بشار الأسد، وأن الغارات الأميركية على «داعش» في سوريا قريبة جدا «لأنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بـ(داعش) في العراق من دون هزيمته في سوريا»، مشيرا إلى أنه على كل «كان علينا تدمير السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات». وأكد بريمر عدم وجود أي تعاون سري بين واشنطن وطهران «هناك فقط التقاء مصالح لإلحاق الهزيمة بـ(داعش)»، مستطردا أنه «ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية».
وقال بريمر إن نوري المالكي أبعد الضباط المدربين أميركيا فانهار الجيش العراقي في الموصل. هو لا يريحه الآن حديث حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي عن إنشاء حرس وطني، كما تقلقه «عصائب أهل الحق» الميليشيا العراقية المدعومة من إيران.
وهنا نص الحوار:
* لو كنت مستشارا لـ«داعش».. بماذا تنصحهم الآن؟
- أنصحهم بأن يعمدوا إلى إطالة حربهم ضد الولايات المتحدة. أفعل ذلك لأنه حسب اعتقادي ليس واضحا أن الحكومة الأميركية ستبقى في هذه الحرب الوقت الكافي لكسبها.
* لفعل هذا، ماذا على «داعش» أن تفعل؟
- هناك أمران واضحان، الأول أن ينتشروا بين الناس في المدن حيث سيصعب قتالهم. الثاني أن ينسحبوا عبر الحدود إلى سوريا، حيث رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما قرر كما يبدو أن الغارات الجوية هناك ستكون محدودة.
* لكن الرئيس نفسه تعهد بالرد على الرئيس السوري بشار الأسد إذا ما أطلق جيشه النار على طائرة أميركية.. هل هذا يعني غارات محدودة أم أن قصف سوريا مشمول في الخطة؟
- أعتقد أنه ينوي شن غارات جوية داخل سوريا. هذا واضح، وبنظري أنه إذا هاجم السوريون طائرات أميركية تحلق في الأجواء السورية، فإننا سنرد حتما. ووجهة نظري بشكل عام أن الوضع الذي نواجهه الآن في العراق وسوريا كأنه نص من كتاب حول أحد الدروس الأساسية في السياسة الخارجية، وهو أن التأخير في اتخاذ قرار صعب عادة ما يؤدي إلى وضع أكثر صعوبة لاحقا. كان علينا أن ندمر السلاح الجوي السوري قبل ثلاث سنوات، عندما دعت الإدارة إلى الإطاحة بالأسد. لو فعلنا ذلك لكانت القوات المعارضة للأسد على الأرض استطاعت أن تحقق بعض النجاح. لم نفعل ذلك، فازداد الوضع سوءا، وهذا كان متوقعا. لهذا نحن في موقف صعب جدا الآن أكثر مما كنا عليه قبل ثلاث سنوات.
* في العراق وسوريا أم في سوريا فقط؟
- في البلدين. بالنسبة إلى العراق أعتقد أن خطأ الرئيس كان بسحب القوات الأميركية في نهاية عام 2011، لأن هذا ترك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حرا في الشروع في فلسفة سياسية طائفية، وأخطرها كان عندما «طهر» الجيش العراقي المدرب أميركيا من الضباط الذين دربناهم، وهذا يفسر لماذا انهار ذلك الجيش في الموصل. لم يثق المالكي في الضباط.
* وحده المالكي لم يثق بالضباط أم أن إيران هي الأخرى لم تكن تثق بهم؟
- من الصعب القول إلى أي مدى أثرت إيران بقرار المالكي في ما يتعلق بالجيش. أنا لا أعرف. لكن السؤال مهم، لأن إيران هي العامل الكبير غير المعروف في الوضع كله، هي الجانب الذي يطرح أكبر الأسئلة الاستراتيجية في أميركا: ما هي النتيجة النهائية التي نريد رؤيتها وتتعلق بإيران في المنطقة؟.. أي دور تراه أميركا لإيران في المنطقة؟!.. هذا سؤال استراتيجي.
* ولا تستطيع أنت الإجابة عنه؟
- جوابي فيه الكثير من السلبيات. ليس من مصلحة أميركا أو مصلحة أغلب دول المنطقة أن تحصل إيران على القدرة النووية، لأن ذلك يغير كل موازين القوى في المنطقة، وهذا أثار قلقا محقا لدى قوى أخرى في المنطقة. إن فكرة أن تملك إيران قدرة إنتاج أسلحة نووية تدفع إلى تغيير جذري في المنطقة، وتزعزع نظام عدم الانتشار النووي العالمي. هذه مشكلة كبرى. إيران غير نووية، وإيران لا تسوق وتنشر الثورة في المنطقة، يمكن أن تلعب دورا مهما في المنطقة. هذا يتطلب تغييرا حقيقيا في تفكير إيران بدورها في المنطقة، ولا أرى أي إشارة حول هذا.
* يقول البعض إن إيران لن تقف بوجه أميركا إذا ما لاحقت هذه «داعش»، والعكس ينطبق أيضا على أميركا. هل تعتقد بوجود تعاون سري بين الدولتين؟
- كلا، لا أعتقد بوجود تعاون، إنما هناك التقاء مصالح بين الدولتين. من مصلحتهما معا دفع وإلحاق الهزيمة بـ«داعش». لا أعتقد بوجود تنسيق رسمي بين الطرفين، والإدارة استبعدت ذلك. وأعتقد أنه سياسيا ومن أجل السياسة الخارجية هذا قرار صائب. لا أشك بوجود التقاء مصالح الآن. لكن لا تنسيق.
* لكن هناك المئات من ضباط الحرس الثوري الإيراني مع الميليشيات الشيعية في العراق كقادة ومستشارين من دون أي اعتراض من واشنطن؟
- لا أعتقد ما إذا كان من دون اعتراض أو بسبب عدم قدرتنا على فعل أي شيء. من المؤكد أن الإيرانيين قووا مواقفهم في العراق في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة في فترة حكم المالكي الثانية. هذا أمر لا شك فيه إطلاقا. وبسحبنا قواتنا فقدنا كل نفوذ كان لنا على الأرض داخل العراق. لكن هناك فرقا بين أن الإيرانيين يفعلون ما يفعلون لأن ذلك باستطاعتهم، وبين أن يكون بسبب أننا نرى ما يفعلون فكرة جيدة. لا أعتقد أن الشق الأخير هو السبب. أعتقد أن الإيرانيين استغلوا مسألة أننا لمحنا أننا سنغادر المنطقة وليس فقط العراق أو أفغانستان.
* هل تعتقد أنكم إذا غادرتم أفغانستان قبل إيجاد حل لمشكلة «داعش»، فإن المنطقة ستواجه مشكلة إرهابية أكبر؟
- نعم، وأعتقد أننا ما دمنا سنحتاج إلى وقت طويل لحل مشكلة «داعش» - كما وصفتها - فإن هذا سيأخذ سنوات وليس مجرد أشهر، وما دامت الإدارة مستمرة على طريق سحب قواتنا من أفغانستان، فأعتقد أن الخطر الحقيقي أننا سننتهي بانبعاث «طالبان» في أفغانستان، وأن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا في السنتين المقبلتين خلال حربنا مع «داعش»، حتى لو كنا نحقق تقدما ضد «داعش» فإنه من المؤكد أن الوضع في أفغانستان سيزداد سوءا.
* نعود إلى «داعش» وإيران.. ذكرت أن ضعف الجيش العراقي سببه المالكي، لكن هناك من يقول أيضا إن بروز «داعش» جاء نتيجة لحكم المالكي أيضا، ولتدخل إيران في العراق وسوريا. ماذا تعتقد الآن خصوصا أن كثيرين يتخوفون من أن إيران ستحاول أن تكون المستفيد الوحيد من هزيمة «داعش»؟
- هذا أحد الأسباب التي تدفع الإدارة الأميركية ل‘شراك دول أخرى في المنطقة مثل السعودية، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وبالطبع تركيا. تحاول أن تشكل تحالفا واسعا، لأن كل هذه الدول تشترك في القلق نفسه، أنه ليس من مصلحتها أو من مصلحة أميركا أن تسيطر إيران على المنطقة كلها الممتدة من حدود العراق حتى المتوسط. وبالطبع لمدة 20 سنة كانت سوريا الشريك الوحيد لإيران في المنطقة، هي و«حزب الله» في لبنان، الذي يقاتل الآن في سوريا. إن المصالح الأميركية قريبة جدا من مصالح دول المنطقة بمنع إيران من أن تصبح القوة المسيطرة، وهنا تأتي مشكلة إيران النووية، لأنه حتى لو جرى تقييد إيران ضمن أراضيها فإنها إذا حصلت على السلاح النووي فإن هذا سيغير كل موازين القوى في المنطقة بطريقة سلبية.
* يقترح البعض أن التحالف الجديد لا خيار أمامه سوى التعاون مع نظام بشار الأسد لمحاربة «داعش»، ويقولون إن أجهزة الاستخبارات في الدول بدأت التعاون بالفعل. هل تعتقد بصحة هذا أو يمكن تجنب مثل هذا التعاون؟
- أتكلم عن وجهة النظر الأميركية، هي لن تتعاون أو تنسق مع نظام الأسد. أوضحنا ذلك. الإدارة أوضحت ذلك وقالت أيضا إنه إذا هاجم الدفاع الجوي السوري طائراتنا عندما تبدأ العمل في سوريا، فستتم مواجهته وهزيمته هو الآخر. لذلك لن يحدث أي تنسيق على الأقل من الناحية الأميركية.
* متى ستبدأ الطائرات الأميركية عملها فوق سوريا؟
- كنت أعتقد قريبا جدا. لكن في الصحافة الأميركية اليوم (أول من أمس الخميس) فإن الرئيس أصر أمس مع مستشاريه على أنه يريد أن يوافق شخصيا على كل هجوم على سوريا. هذا قد يؤخر العمل قليلا. وأعتقد أنه قبل أن تبدأ الغارات على سوريا يجب أن تكون هناك معلومات أمنية أكثر حول الأهداف. أظن أن إصرار الرئيس على الموافقة المسبقة على العمليات سيجعلها عملية مرهقة.
* إذا تخلصنا من «داعش»، من سيتخلص من «عصائب أهل الحق»، الميليشيا العراقية الشيعية المدعومة من إيران؟
- تقلقني الميليشيات العراقية المدعومة من إيران. الحل، ولا أقول إنه سيكون سهلا، يكون بإعادة بناء الوحدات النظامية في الجيش العراقي. أنا غير مرتاح أن حيدر العبادي رئيس الوزراء وحكومته بدأوا يتحدثون عن إنشاء الحرس الوطني. هذا يكون مقبولا إذا كان وسيلة لضم عشائر سنّية خصوصا من الأنبار وصلاح الدين ونينوى في القتال ضد «داعش». لكن في النهاية، وهذه فكرة طرحتها عندما كنت في العراق، فإن الحكومة يجب أن تحتكر استخدام القوة الشرعية. يجب ألا تكون هناك ميليشيات وأشخاص لا يخضعون للحكومة، بل للرئيس أو لرئيس الوزراء.
أعتقد جوابا عن سؤالك، أنه على أميركا أن تركز على مساعدة رئيس الوزراء الجديد كي يعيد تشكيل الجيش العراقي. الأميركيون ينسون أن الجيش العراقي المدرب والمسلح أميركيا هزم «القاعدة» في العراق في نهاية عام 2009.
* بمساعدة العشائر؟
- بكل تأكيد، أثناء «الصحوات». وهناك إشارات الآن بأن بعض عناصر الجيش الذي يعاد إنشاؤه تعمل مع عشائر سنّية كبرى، وبالذات حول «حديثة». هذا هو طراز الصحوات الذي نجح خلال السنوات 2007 حتى 2009، لكنه سيأخذ وقتا. إنما هذه على المدى البعيد الطريقة الوحيدة لمحاولة وضع الجيش العراقي والقوات المسلحة تحت سيطرة الحكومة، فلا يبقى وجود للميليشيات. وتصبح العشائر جزءا من القوات العسكرية. وما قام به المالكي أنه أوقف عملية ضم مقاتلي العشائر إلى الجيش، رغم أن الخطة أقرت ذلك.
* أريد أن أسألك سؤالا: لماذا شعرت عندما كنت في العراق بأن عليك حل الجيش العراقي؟
- حسنا، هناك الكثير من سوء الفهم حول هذا الأمر. أولا: لم يكن هناك من جيش لحله. كان الأفراد كلهم ذهبوا إلى بيوتهم حتى قبل وصولي إلى العراق. الجنرال جون أبو زيد أبلغ الرئيس جورج دبليو بوش في بداية أبريل (نيسان) 2003، بأنه لا وجود لأي وحدة عراقية واقفة للدفاع عن أي مكان في البلاد. السؤال الذي واجهناه حتى قبل دخولي الحكومة هو: هل نبني الجيش العراقي أو نستدعي الجيش العراقي؟ فكرة استدعاء الجيش العراقي لم أرفضها وحدي بل أيضا الرئيس بوش، لأن الأكراد كانوا سيعلنون استقلالهم. قال لي قادتهم «لا تنس أن جيش صدام (حسين) شن ولعقود عمليات إبادة ضد الشعب الكردي وإحداها بالكيماوي 1982 (حلبجة)». أيضا، القادة الشيعة الذين كنت أتكلم معهم، قالوا لي «إذا استدعيت جيش صدام ستكون مؤسسة صدامية من دون صدام».
وكان قرار الحكومة الأميركية الذي أوصيت به ودعمته ووافق عليه الرئيس أن نبني جيشا جديدا. وكان القرار الصائب. هذا الجيش الجديد هزم «القاعدة»، لكنه احتاج لوقت أطول مما كنا نأمل.
* وهل تظن أن على الأميركيين الآن أن يعيدوا بناء الجيش العراقي، وهل تثق في أن عبادي لن يُقدم على ما أقدم عليه المالكي؟
- حيدر العبادي كان وزيرا للاتصالات عندما كنت في الحكومة هناك. لفتني أنه حاسم، تكنوقراطي، مثقف، يعرف كيفية اتخاذ القرارات وتنفيذ الأشياء. صحيح أنه من حزب «الدعوة»، لكن ما قاله وفعله منذ اختياره كرئيس للوزراء أظهر أنه يحاول التواصل فعلا مع الأكراد والسنّة. من دون شك يريد الأميركيون مساعدته في إعادة بناء الجيش. أعتقد أنه على الطريق الصحيح، وعليه أن يعين وزيري الداخلية والدفاع. نأمل أن يستمر في السياسة الصحيحة، وأن يتمتع بحكومة موسعة تضم كل الأطراف. وهذه نواياه.
* يكرر الرئيس أوباما أنه لن يرسل قوات برية إلى العراق، لكن الخبراء العسكريين يقولون إن الغارات الجوية قد تمنع «داعش» من التمدد لكنها لا تستطيع تحرير المدن. هل الولايات المتحدة في دوامة؟ وكيف يمكن للجنرال مارتن ديمبسي أن يحقق خططه العسكرية من دون الأدوات الكافية؟
- لا يستطيع. وسنضطر لنشر قوات قتالية على الأرض في العراق. لأوضح أكثر: هناك نقاط ضعف كبيرة عند «داعش»، وهذا مدعاة أمل. أولا لـ«داعش» نقطتا ضعف عسكريتان أساسيتان: خطوط الإمدادات طويلة جدا وعرضة للغارات الجوية، لأنها تمتد من العراق حتى سوريا. ونقطة الضعف الثانية أن لديهم قواعد ضعيفة حيث يجددون ويتزودون وهذه قواعد منتشرة في الصحراء المكشوفة وهي عرضة.
الآن قوتهم يستمدونها من سيطرتهم على بعض المدن مثل الموصل، تكريت، تلعفر، والقائم، وغيرها. لا نستطيع استعادة المدن من الجو، هذا ما يحاول فعله الأسد، أنه يقصف مدنا مثل حلب ويقتل الآلاف والآلاف. حتى الآن سقط 200 ألف سوري. نحن لا يمكننا فعل ذلك. في النهاية القوات البرية تسترجع المدن. علينا أن نضاعف دعمنا العسكري للأكراد، ونساعد في إعادة بناء الجيش العراقي. لكن الدخول إلى المدن سيتطلب قوات أميركية، ليس بالضرورة للقيام بالقتال الفعلي، إنما يجب أن تكون قوات قتالية للمساعدة في تحديد أهداف الغارات الجوية وبدقة.. بالتأكيد سنحتاج لقوات برية على الأرض، ثم لا ننسى أن هذه القوات إذا تم إطلاق النار عليها فإنها سترد بالمثل للدفاع عن نفسها. لا يمكن استثناءها من المعارك. إن هذا النقاش حول القوات القتالية، على الأقل في الصحافة الأميركية، له جانب نظري، إنما لا بد أننا سننشر قوات على الأرض. وكان الجنرال ديمبسي واضحا عندما قال ذلك، وأعتقد أن الرئيس أخطأ عندما استبعد مثل هذا الاحتمال, إنه يقيد يديه بنفسه، ويكشف للعدو عن تردده.
* ومع ذلك، قال أيضا إن هذا العصر هو العصر الأميركي، كيف نصدق ذلك إذا كان كثير التردد؟
- هذه مشكلة. أريد أن أضيف شيئا عن «داعش»: إن نقطة الضعف الأساسية التي يعاني منها «داعش» هي آيديولوجيته. التصرف الذي يقدم عليه «داعش» في العراق لا يجذب حتى 2 في المائة من الشعب العراقي. الشعب العراقي مثقف، هو ابن حضارة عظيمة موجودة هناك منذ 5 آلاف سنة.
العراق مسقط رأس حمورابي، أبي الشرائع والقوانين. قطع الرؤوس، صلب الأطفال، اغتصاب النساء، كلها كلفت «القاعدة» وقف دعم الشعب العراقي عامي 2006 و2007.. هذه هي نقطة ضعف «داعش» الأساسية.
* تتكلم عن العراق وعن المدن العراقية وكأنك عراقي وترى هذه المدن كأنها أمام عينيك!
- أراها. كنت في كل هذه الأمكنة.
* لكنك تصر أيضا على الحديث عن «داعش» في العراق، متناسيا أن «داعش» موجود أيضا في سوريا، وقد يهاجم الأردن وأيضا لبنان؟
- يجب أن نهزم «داعش» في سوريا. لا تفهميني بطريقة خاطئة. لا يمكن إلحاق الهزيمة بهم في العراق من دون هزيمتهم في سوريا. ويجب أن نعترف بأن الرئيس أوباما يدرك ذلك، لكن هل سيقيد أيدي العسكريين؟ كان الرئيس واضحا في كلمته قبل أسبوعين. هو يدرك أننا لا يمكن أن نهزم «داعش» في العراق فقط، هذا لن يكون انتصارا. سيعبرون الحدود إلى سوريا.
* بالطبع، ومن سوريا إلى الأردن وإلى لبنان؟
- من هنا يأتي التقاء المصالح بيننا وبين إيران. لأن هذه هي المناطق التي تريد إيران السيطرة عليها. إنها تريد السيطرة على كل ما هو ممتد من الجانب الشرقي - الغربي لإيران حتى المتوسط. لكن هذا ليس من مصلحة أميركا أو من مصلحة استقرار المنطقة.
* يبدو أن الأميركيين لم يلاحظوا هذا الشيء، حتى تدخل «داعش» وحطم الهلال الشيعي؟
- هذا صحيح. «داعش» هو نسخة جديدة مختلفة من «القاعدة».
* أريد أن أسألك عن مصير الأقليات في المنطقة، وكلها قلقة. المسيحيون يشعرون بأن الغرب يساعد «داعش» بتشجيعهم على ترك أوطانهم. هل يستطيع الغرب إعادة إصلاح ما فعله «داعش» بحق هذه الأقليات؟
- دعيني أعبر عن الأسى الذي أشعر به شخصيا خصوصا في ما يتعلق بأقدم فروع المسيحيين في المنطقة الذين هم في العراق، الذين طردوا أولا إلى الشمال ومن ثم إلى خارج البلاد.
هذا لا يتعرض له المسيحيون فقط في العراق بل يشعر به مسيحيو لبنان أيضا. كنت على غداء مع البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي في واشنطن، وتحدث عن قلقه على المسيحيين في الشرق وفي لبنان. كذلك هناك قلق على الإيزيديين والتركمان والكثير من الأقليات. لم يكن أبدا من أهداف إدارة بوش وإدارة أوباما إبعاد المسيحيين والأقليات كما يوحي سؤالك.
* لكنهم يشجعون الأقليات على الرحيل وكأنهم يساعدون «داعش». الدول الأخرى ترحب بهم بدل تشجيعهم على البقاء؟
- لكن من ناحية أخرى، يجب أن نتعاطف مع قلق العائلات المسيحية في العراق وسوريا. من الجميل تشجيعهم على البقاء، لكن «إذا تم الاعتداء عليكم وقتلكم وصلبكم فعليكم البحث عن بدائل». الحل الوحيد هو باستعادة بعض الاستقرار إلى المنطقة كي يتاح لمن تبقى من الأقليات العيش هناك. إنها مأساة تاريخية.
* أليس مستغربا أن تركيا الدولة العضو في الحلف الأطلسي رفضت عام 2003 السماح للقوات الأميركية باستعمال أراضيها وتتخذ اليوم الموقف نفسه.. هل لديك أي تفسير خصوصا في ظل ما تردده التقارير الصحافية عن أن تركيا أصبحت اليوم مركزا لتجنيد مقاتلين لـ«داعش»؟ احك لنا عن تركيا العضو في الأطلسي..
- لست خبيرا بتركيا، لكن كوني أمضيت سنوات طويلة من حياتي المهنية في الأطلسي فإنني مصاب بخيبة كبيرة، أن دولة عضوا في الأطلسي ولأكثر من عقد من الزمن وضعت لمرتين عراقيل في وجهنا، أمام اتخاذنا قرارات نرى أنها من مصلحة تركيا وتجلب الاستقرار للمنطقة. إنها مسألة محبطة، لا أستطيع تفسيرها سوى أنها السياسة التي يعتمدها الرئيس رجب طيب إردوغان. أنا متأكد أن الحكومة الأميركية تجري محادثات صريحة وهادئة مع الأتراك. إنه أمر يثير اهتمامنا خصوصا أن تركيا، وهي قوة كبيرة، لديها دور تاريخي في المنطقة، ثم إنها عضو في الأطلسي. لا أستطيع أن أفسر دورها وبالطبع لا أبرره. إنه أمر محبط للغاية تماما كما فعلوا عام 2003 عندما رفضوا انطلاق فرقة المشاة الرابعة الأميركية من تركيا.
على كل، مسألة أن فرقة المشاة الرابعة لم تأت كانت لها تبعات على الحالة الأمنية في العراق بعد الحرب. لأن فرقة المشاة الرابعة كانت ستقاتل انطلاقا من الحدود التركية نزولا حتى الموصل وتكريت، وكانت ستواجه فرقتين كبيرتين من فرق الحرس الثوري، واللتين أصبحتا لاحقا جزءا من العصيان.
* ماذا يجب عمله بعد إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، هل يجري الإعداد لخطة سياسية استراتيجية لإعادة إحياء العراق؟
- لا يوجد. إنما أخبرك ما أعتقد بوجوب أن يحدث. ستكون هناك مشكلة أكبر. ما نراه الآن هو انهيار الهيكل السياسي للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وليس فقط انهيار اتفاقية «سايكس - بيكو» التي تنعكس على لبنان وسوريا والعراق. إنه انهيار لهيكلية سياسية عمرها مائة عام.
في نهاية المطاف، عندما يتحقق بعض الاستقرار في العراق وسوريا، يجب أن يعقد مؤتمر إقليمي يقرر مصالح الأطراف كلها، وكيفية تنظيم تلك المنطقة لقرن آخر: ما هو الدور المناسب للإيرانيين؟.. كيف سيحدث توازن القوى بين العلويين في سوريا والسنّة، وكذلك الآخرين: الدروز، المسيحيين، إلخ؟.. يجب إعادة النظر بكل شيء، وهذا سيحتاج إلى سنوات، ويحتاج أيضا إلى تحرك نحو الاستقرار وإلى رؤية. أنا لا أملك الرؤية، لكني أستطيع أن أقول ما يجب أن يحدث. بعض الدول يجب أن تنظر إلى كل المنطقة وتضع تصورا للأخذ في الاعتبار بكل مصالح الدول المعنية: دول الخليج العربية، الأردن، العراق، سوريا، ولبنان. هذا ما يجب أن يحدث، لكن ستمر سنوات قبل أن يحدث.
هدفنا الآن وقف الاتجاه القائم ومنع «داعش» من أن يكبر أكثر، وأن نقلب الوضع وفي النهاية نهزمه.



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.