الشاعر القطري محمد السادة: أدب الطفل ينمو ببطء

قال إن عناق الرمل والبحر صنع منه شاعرا

محمد السادة
محمد السادة
TT

الشاعر القطري محمد السادة: أدب الطفل ينمو ببطء

محمد السادة
محمد السادة

بعد توقف 7 سنوات عن التأليف في مجال الشعر، أصدر الشاعر القطري محمد السادة ديوانه «كثبان وأمواج» في عام 2012. بعد ديوان «على رمل الخليج»، الذي صدر عام 2005.
وللسادة، تجربة مع كتابة المسلسلات الإذاعية، منها «شاعرات عربيات»، «شخصيات حية من التاريخ»، «العلماء العرب» وفي مجال المسرح كتب «مذكرات غرفة»، وللأطفال كتب «أرض الفراشات» بالإضافة إلى «ملك الغابة» و«مرجانة».
وكانت للشاعر مشاركة في مهرجان الشعر الخليجي الذي أقيم مؤخرا في مدينة الطائف السعودية، حيث التقيناه وكان الحوار التالي:
* أول ديوان لك حمل عنوان: «على رمل الخليج».. ماذا تمثل لك هذه التجربة؟
- «على رمل الخليج».. هو عنوان أول ديوان شعري أُصدره وقد طبع في عام 2005، ولكن أستطيع أن أقول: إن تجربتي الشخصية الشعرية، استمدت بذرة نبتتها من بيئة نشأتي، فمنذ صغري قرضت الشعر وأنا في سن مبكرة، إلى أن نضجت تجربتي مع مرور الزمن والعمر وتطور الحياة من حولي، خاصة خلال سنوات دراستي الأكاديمية، والاحتكاك مع الآخرين، ومع ذلك أقول: إنني لا زلت أبحث عن التطور.
* في ديوانك الشعري «كثبان وأمواج».. اكتنزت قصائدك بمفردات الطبيعة من بحر وموج ونخيل..
- ديوان «كثبان وأمواج»، جاء بعد توقف 7 سنوات عن التأليف في مجال الشعر، حيث صدر في عام 2012، وفي هذا الديوان تنوعت الموضوعات ومناسبات القصائد وعالجت خلاله المناسبات الوطنية والاجتماعية والوصف والرثاء والغزل والقصائد الدينية.
وبالنسبة للتأثر بالطبيعة فأنا أعد أن البيئة التي أعيش فيها أثرت كثيرا على قصائدي، فقد عشقت عناق الرمل والبحر، حيث الكثبان الرملية التي تغوص رمالها في البحر، كما أنك تجد في كثير من القصائد أبياتا بها مرادفات تشير إلى البحر والرمل وأشعة الشمس، التي تلون حبات الرمل وسعف النخيل. وفي قصيدة «هبوب الصبا» من هذا الديوان، نجد أبياتا تزخر بمكونات تلك البيئة:
نُجومٌ وليلٌ والرمالُ وخيمة..
نارٌ تشُبّ القلبَ شَوقا بِسافِعِ..
بَدرٌ سميرٌ كالكَحِيلِ بِحُسنِهِ..
عيدٌ وللأَصداءِ ليسَ بسامِعِ..
جرّ أنينَ الشّوقِ قوسُ ربابَة..
ترقُصُ أطيافُ الرّؤى بالمضاجِعِ..
حُزنكَ قَد أنّ الظّلامُ وأشفَقَتْ..
هادُ البَوادِي في لُحُونِ السّواجِعِ..
حتى الصّخورُ الصّمّ لأن عنيدُها..
بَوحِ الهوى من حُرقَة بالمَدامِعِ..
* كشاعر يعيش على ضفاف البحر، ماذا يعني لك البحر..؟
- للبحر حكايات كثيرة عاشها الآباء والأجداد، الذين كانوا يرتادونه، بحثا عن اللؤلؤ في مواسم الغوص، وقد كانت فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي هي فترة احتكاكي بمن عاشوا تلك المواسم حيث إن مواسم الغوص انتهت في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات، حيث جسدت لي قصص كبار السن الكثير من جوانب حياتهم وشقائهم في البحث عن لقمة العيش، كذلك طرق معيشتهم الاجتماعية ومعتقداتهم وتراثهم وأوجه الحياة التي يعيشونها وارتيادهم للبحر في مواسم.. كل ذلك أثر في نفسي ومنحني الشغف في تصوير تلك الحياة بالكلمة الشعرية، وتجد في قصيدة «قطر» وهي الأولى في ديوان «كثبان وأمواج»، تصويرا لتلك الحياة ومنها:
تَسَاءَلَ النّجْمُ مَنْ تَهْواهُ يا قَمَرُ
أَجَابَهُ البَدْرُ فِي إِشْراقِهِ.. قَطَرُ
هِي النّمِيرُ إِذا الرّكْبانُ قَدْ ظَمِئَتْ
منازِلُ الأَهلِ إِنْ غابوا وَإِنْ حَضَرُوا
فِي كُلّ رَسمٍ بِها الآثارُ ناطِقَة
عَنِ الجُدُودِ ويَحلُو عَنهُمُ الخَبَرُ
عَنِ الصّوارِي بِعرضِ البَحْرِ سامِقَة
عَنِ الشّراعِ تَناءى وهو مُنتَشِرُ
فِي بَحْرِها سِيَرُ الأَمْجادِ قَدْ كُتِبَتْ
فِي عُمقِهِ تَشْهَدُ الأَصْدافُ وَالدّرَرُ
كَمْ جالَ غَواصُهُ قِيعانَ مُظلِمَة
عَنِ اللآلِئِ بَحثا حَفّهُ الخَطَرُ

* أدب الطفل
* لك تجربة في مجال كتابة المسلسلات الإذاعية فضلا عن البرامج.. حدثنا عن هذه التجربة؟
- نعم كانت لي تجربة في كتابة المسلسلات الإذاعية، حيث ألفت مسلسلات منها: «شاعرات عربيات»، «شخصيات حية من التاريخ»، «العلماء العرب» وفي مجال المسرح كتبت: «مذكرات غرفة»، وللأطفال كتبت: «أرض الفراشات»، «ملك الغابة» و«مرجانة»، وهي قصة «علي بابا»، وكان ذلك من واقع عملي بإذاعة قطر، حيث عملت في بداية حياتي بعد تخرجي من الثانوية في «إذاعة قطر» مذيعا، ثم رئيسا للمذيعين وقد كان لتلك الفترة أثر في حياتي من تقديم البرامج الإذاعية والتلفزيونية، وكتابة المسلسلات والمسرحيات والبرامج والتقارير، وكما تعلم ففي تلك الفترة كنا نستخدم الأوراق والأقلام قبل انتشار الكومبيوتر وبرامج الكتابة الإلكترونية والتخزين، إذ كان معظم ما كتبت مكتوبا على الورق ولذلك ضاع معظمه، وإنني أجد نفسي مقصرا في حق ما كتبت، فالكثير منها قد ضاع بمجرد كتابته وبثه.. وهناك بعض النصوص التي ما زالت على الورق تنتظر الالتفات إليها، أما البرامج الإذاعية، فهي كثيرة وقد شاركت الكثير من الزملاء في إذاعات الدول الخليجية والعربية في تقديم البرامج.
* يلاحظ أيضا اهتمامك بأدب الطفل من خلال عدد من المسرحيات أو كتاب «السردية الشفاهية لقصص الأطفال»..
- لقد استهوتني الكتابة للطفل عندما كتبت مسرحية «مرجانة»، وهي قصة «علي بابا»، عالجت فيها أسطورة «علي بابا»، من زاوية مختلفة، فالأسطورة تبين أن «علي بابا»، استولى على أموال اللصوص التي كانت في الكهف أما في مسرحية مرجانة فقد أخذ علي بابا الأموال المسروقة للوالي الذي وزعها على أصحابها وأعطى علي بابا مكافأة وفي ذلك توضيح للأطفال أن السرقة شيء مشين ويزرع في نفوسهم الأمانة والصدق.. وقد فتحت المسرحية لي آفاقا في أدب الطفل فألفت المسرحيات الاستعراضية، مثل: «أرض الفراشات» و«ملك الغابة» وأجزتها من الرقابة إلا أنها ظلت على الورق، أما بالنسبة لشعر الأطفال فقد أصدرت ديوان «أنغام البراعم» ثم ديوان «أناشيد البلابل»، الذي قامت وزارة الثقافة بطباعته، وعالجت في الديوانين، الكثير من الموضوعات بلغة شعرية سهلة للأطفال، منها التعليمي مثل أسماء الشهور العربية وكيف يصل إلينا الماء «حكاية النهر» و«الألوان»، ومنها الإرشادي مثل مخاطر الطريق والعبور ومخاطر الحريق والحذر من الغرق وغيرها.
* من أين تستمد مادتك في كتابتك للطفل؟
- من خلال حكايات الأطفال التي كنت أسردها على أبنائي عندما كانوا صغارا قمت بتأليف «السردية الشفاهية لقصص الأطفال» وبينت في الكتاب أثر السرد الشفاهي للقصص على الأطفال وكيف يؤثر فيهم صوت الراوي ووجوب استغلال ذلك في غرس المفاهيم الإيجابية من خلال معالجة الأساطير المتداولة ومواضيع الجن والخرافات والجنس وكيف يمكن الإشارة إليها بلغة الطفل، وبيان السلوكيات الخاطئة لشخصيات تلك الروايات والأساطير والتنفير منها والسلوكيات الإيجابية الفاضلة وتعزيزها، كما تطرقت إلى الأوقات التي يفضل فيها سرد القصص على الأطفال ومراعاة الأعمار ومستوى الذكاء لديهم واختيار المرادفات التي تصل إلى عقولهم ثم ذكرت بعض القصص والروايات المتداولة في المنطقة وبينت المواضع التي يجب أن يراعي فيها الراوي الألفاظ والمعاني وتطويعها بما يؤثر إيجابيا على الأطفال.
* كيف تنظر إلى واقع أدب الأطفال في الخليج عموما..؟
- بالنسبة لأدب الطفل في قطر ودول الخليج، فإنني أرى أنه يسير ببطء نحو الارتقاء بالكتابة للأطفال، فعالم الطفل عالم واسع الخيال وسبره يتطلب المهارة والمعرفة بذلك العالم الخيالي الواسع وإذا نظرنا إلى المجتمعات الأوروبية والغربية، نرى أنهم قطعوا أشواطا بعيدة في هذا المجال ليس بالشعر والكلمة فقط وإنما بالصوت والصورة المجسمة التي تشبع نهم الأطفال وتثري خيالهم.
* كيف تقيم مهرجان الشعر لدول الخليج العربية الذي شاركت فيه..؟
- مهرجان الشعر لدول الخليج العربية الذي عقد مؤخرا في مدينة الطائف هو تظاهرة أدبية تستحق الوقوف عندها والدعوة إلى تكرارها في دول الخليج حيث إنها متنفس لشعراء الخليج والجزيرة العربية واحتكاك أدبي بين شرق المنطقة وغربها وشمالها وجنوبها وتناغم بين بيئاتِها يرقى بشعرائها إلى العالمية، فلقد كان لمشاركتي أثر كبير في نفسي خاصة أنه أقيم في مدينة الطائف، والتي قلت فيها في قصيدتي التي ألقيتها في افتتاح مهرجان الشعر:
زَها بِكِ الطّودُ وازدانَتْ بِكِ القِمَمُ..
وجادَكِ الغَيثُ قَد فاضَتْ بِهِ الدّيَمُ..
بنتَ الشّمُوخِ زَكَتْ أرضُ الشّفا عَبَقَتْ..
بضَوعِ عِطرِكِ والوديانُ والأُكُمُ..
تَشَرّبَتْ بِهواكِ العَذبِ أَفئِدَة..
فأصبَحَتْ بِلَهِيبِ الشّوقِ تَضطَرِمُ..
لقد مثّل الملتقى تظاهرة ثقافية جمعت بعض شعراء دول مجلس التعاون الخليجي، بجانب أنه أتاح الفرصة للاطلاع على تجارب بعضهم البعض الشعرية ما من شأنه تعزيز التواصل بين الشعراء من جانب والرواد والشباب منهم من جانب آخر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.