إضعاف الدولار... مهمة أميركية معقدة

سيشكل مرحلة جديدة في تعامل الولايات المتحدة مع الاقتصاد الدولي

يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)
يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)
TT

إضعاف الدولار... مهمة أميركية معقدة

يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)
يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدولار أقل قوة... لكنها مهمة ليست سهلة على الإطلاق (رويترز)

أخذت الحرب التجارية بين واشنطن وبكين خلال الأسبوع الحالي منعطفاً غير متوقع من الصين التي تركت قيمة عملتها المحلية تتهاوى بشكل حاد، واستجابت الولايات المتحدة للأمر رسمياً بتسمية الصين «متلاعباً دولياً بالعملات». وكشفت المواجهة المشار إليها عن تركيز الإدارة الأميركية على ضعف العملات الأجنبية – والقوة المقابلة للدولار الأميركي – على اعتباره يشكل «عبئاً» على اقتصاد الولايات المتحدة. والآن، يراهن المستثمرون على احتمالات تدخل الولايات المتحدة بنشاط في الأسواق المالية، فيما سوف يعد خرقاً كبيراً للالتزام المعلن منذ عقود طويلة للعملات العائمة الحرة. ويقول مايكل فيرولي، كبير خبراء الاقتصاد لدى «جيه بي مورغان تشيس»: «إنه أمر مهم للغاية لاعتقادي أنه يشكل مرحلة جديدة في الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع الاقتصاد الدولي». لكن، وفي حين أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرغب في إضعاف قيمة الدولار، إلا أن التخطيط لذلك من الأمور المعقدة. وفيما يلي السياق الواجب الانتباه إليه لفهم منهج الولايات المتحدة المتغير إزاء الدولار.
> ما وجه الاستفادة من الدولار الضعيف؟
العملة الضعيفة تجعل صادرات الدولة أرخص بالنسبة للمشترين في الخارج؛ مما يمنح الدولة ميزة تنافسية في مواجهة البلدان الأخرى. وخلال السنوات الماضية، كان اليوان الصيني – الضعيف اصطناعياً – يدعم النمو الصيني كقاعدة تصنيعية لأرجاء العالم كافة. وكانت الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على السلع الصينية تهدف إلى رفع أسعار تلك المنتجات بمجرد دخولها الأراضي الأميركية، ودفع المواطنين الأميركيين إلى الإحجام عن شرائها. وكانت إحدى وسائل الصين للرد على تلك الإجراءات هي إضعاف عملتها المحلية بهدف تقويض آثار الرسوم الجمركية بأن تجعل منتجاتها أرخص سعراً.
ولذلك السبب؛ عندما سمحت الصين بانخفاض سيطرتها على اليوان بشكل حاد مقابل الدولار في يوم الاثنين، اعتبر المراقبون الأمر علامة على اشتداد إيقاع الحرب التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين. وتعززت قيمة العملة منذ ذلك الحين؛ مما أسفر عن تهدئة التوترات بدرجة ما، لكن الصين ليست الشريك التجاري الوحيد الذي يعاني من مشاكل مع الرئيس الأميركي.
على سبيل المثال، في يونيو (حزيران) الماضي، بعد إعلان البنك المركزي الأوروبي أنه قد يعيد تفعيل برامج التحفيز المالي لدعم اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وجه الرئيس ترمب الاتهامات إلى الاتحاد بتخفيض قيمة اليورو، «مما يجعل من منافستهم - غير المنصفة - للولايات المتحدة أمراً يسيراً». وقال الرئيس ترمب مغرداً على «تويتر»: «لقد كانوا يفعلون ذلك من دون مراعاة لأحد طيلة السنوات الماضية، جنباً إلى جنب مع الصين». وللدولار الضعيف فوائد أخرى، فمن شأنه تعزيز أرباح الشركات على سبيل المثال. فهناك 40 في المائة تقريباً من أرباح كبريات الشركات الأميركية تنشأ من الخارج، وضعف الدولار يعني مزيداً من إسهامات المبيعات الخارجية في الحد الأدنى من الأرباح. ومن شأن الأرباح المرتفعة المساعدة في تعزيز أسواق الأسهم الأميركية. ولا أسرار في ذلك. لكن في الماضي كانت الحكومات تتهرب مترددة من إضعاف قيمة عملاتها المحلية، بسبب خشيتها من أن يسفر الأمر عن ارتفاع كبير وسيئ في التضخم، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً بأنه من أكبر مخاطر العملات الضعيفة. وفي هذه الأيام، أصبح التضخم حول العالم منخفضاً بمعدلات لا تُصدق مع القليل للغاية من علامات الارتفاع هنا أو هناك. ويقول آلان راسكين، كبير المخططين الاستراتيجيين في «دويتشه بنك» فرع نيويورك: «لدينا الخلفية الكلية شبه الكاملة المشجعة لصناع السياسات على إضعاف العملة».
> كيف تحول الأمر إلى سلاح تجاري؟
تعتبر أسواق العملات الأجنبية كاللعبة «صفرية النتائج»؛ إن انخفضت العملة الصينية مقابل الدولار فإن الدولار يتعزز في مقابل العملة الصينية بحسب التعريف. لذلك؛ سواء تعمدت الصين تخفيض قيمة اليوان أو تراجع اليورو بسبب قلق تجار العملات بشأن النمو الاقتصادي في المنطقة، فإن الأثر النهائي في كلتا الحالتين هو الدولار الأميركي القوي. وتميل العملات القوية إلى إضعاف صادرات البلاد وتعزيز استهلاك المنتجات الأجنبية؛ مما قد يؤدي إلى ارتفاع العجز التجاري بصورة كبيرة. وجعل الرئيس ترمب من تخفيض العجز التجاري مع الصين هدف إدارته المحوري، ونقطة حاسمة من وراء حرب الرسوم الجمركية التي اندلعت في عام 2018. بيد أن هذه الإجراءات عادت بنتائج متفاوتة حتى الآن. إذ اتسع العجز السلعي الأميركي مع الصين بالغاً رقماً قياسياً هو 43 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل أن يتراجع بصورة كبيرة منذ ذلك التاريخ. وهو يحوم الآن حول 30 مليار دولار في الشهر.
ومن الناحية النظرية، إذا انخفضت قيمة الدولار مقابل اليوان الصيني، فمن شأن ذلك أن يحقق الكثير على صعيد تقليل العجز التجاري مما يمكن للرسوم الجمركية تحقيقه إن استمرت، ومن المحتمل أن يقدم للرئيس الأميركي فرصة تحقيق الانتصار السياسي في الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. وغرد الرئيس ترمب في يوليو (تموز) الماضي قائلاً: «تتلاعب الصين وأوروبا كثيراً بالعملات، وتضخان الكثير من الأموال في نظمهما الاقتصادية بهدف التنافس مع الولايات المتحدة، وينبغي علينا مواكبة الأمر؛ وإلا سنكون مثل الحمقى الجالسين في أدب وهم يشاهدون البلدان الأخرى يواصلون ممارسة ألعابهم – تماماً كما فعلوا طيلة السنوات الماضية!».
- صعوبات كبرى
وإن استطاعت البلدان الأخرى إضعاف قيمة العملات، فلماذا لا تفعل الولايات المتحدة الأمر نفسه؟ هي تستطيع ذلك من الناحية النظرية، لكن الأمر لن يكون سهلاً من الناحية العملية أبداً.
يرجع الأمر جزئياً إلى أن أسواق العملات كبيرة للغاية. إذ يجري تداول أكثر من 5 تريليونات دولار من العملات على مستوى العالم في تلك الأسواق يومياً، وهناك 4 تريليونات دولار من تلك التداولات تتعلق بالدولار الأميركي.
وتسيطر الصين على اليوان نظراً لأنها تستطيع الاستعانة بالقوة الشرائية اللانهائية في مصرفها المركزي، الذي ينشر السعر الرسمي للعملة في كل يوم يسمح فيه المصرف بمقدار معين من التداول في العملة.
ويملك المصرف المركزي الصيني المقدرة على طباعة اليوان بهدف إضعافه في حالة ارتفاع سعر الصرف لأكثر من المطلوب. وعلى الجانب الآخر، تحتفظ الصين بنحو 3 تريليونات دولار من الاحتياطي الذي يمكنها ضخه في الأسواق لمنع العملة المحلية من بلوغ مستويات الضعف الخارجة عن السيطرة.
ولا تعمل الولايات المتحدة الأميركية بهذه الطريقة في الآونة الراهنة. ولا يزال لديها بعض المقدرة على التدخل في الأسواق المالية من خلال استخدام صندوق استقرار أسعار الصرف، وهو الأداة المالية الخاضعة لسيطرة وزير الخزانة الأميركي مع ما يقرب من 100 مليار دولار من القوة الشرائية تحت تصرفه.
ويقول جوزيف غاغنون، الزميل البارز لدى معهد «بيترسون للاقتصاد الدولي»: «ما لم يمنح الكونغرس وزارة الخزانة التفويض بتعزيز صندوق استقرار أسعار الصرف، فلن يكون لدى الوزارة الكثير من الزخم الذي تستعين به».
وفي الشهر الماضي، قال لاري كودلو، مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي، نظر البيت الأبيض في إمكانية التدخل لإضعاف الدولار قبل اتخاذ القرارات ضده. وفي اليوم نفسه، رغم ذلك، تناقضت تصريحات الرئيس ترمب مع السيد كودلو؛ إذ قال للصحافيين، إن الخيارات كافة مطروحة أمامه على الطاولة. وصرح الرئيس الأميركي قائلاً: «أستطيع فعل ذلك في وقت قصير إن أردت، ولم أقل إنني لن أفعل شيئاً حيال الأمر».
في الماضي، عندما أراد الساسة الأميركيون تغيير قيمة الدولار، كان يتوجب عليهم تنسيق الجهود مع عدد من البلدان المعنية. وهذا ما حدث في عام 1985، عندما خططت الولايات المتحدة لاتفاقية تهدف إلى إضعاف قيمة الدولار كجزء من اتفاق كان معروفاً باسم «اتفاق بلازا».
وبطبيعة الحال، كانت تلك البلدان هم الحلفاء الاستراتيجيون للولايات المتحدة. غير أن إقناع الصين حالياً بتعزير قيمة عملتها المحلية لمساعدة الولايات المتحدة الأميركية على أضعاف قيمة الدولار، هو موقف مختلف تماماً.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

السيسي يؤكد ضرورة الاستمرار في الحد من معدلات التضخم

الاقتصاد السيسي خلال استقباله محافظ البنك المركزي حسن عبد الله (رئاسة الجمهورية)

السيسي يؤكد ضرورة الاستمرار في الحد من معدلات التضخم

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ضرورة الاستمرار في الحد من معدلات التضخم، عبر المتابعة الدقيقة للسياسات والإجراءات المستهدفة لضبط الأسواق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتجه لأفضل أداء أسبوعي في 4 أشهر

يتجه الدولار الأميركي نحو تسجيل أقوى أداء أسبوعي له منذ أكتوبر (تشرين الأول)، مدعوماً بسلسلة من البيانات الاقتصادية التي فاقت التوقعات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد موظف يعرض زوجاً من الأساور الذهبية المخصّصة لحفلات الزفاف الصينية داخل محل للمجوهرات في هونغ كونغ (رويترز)

استقرار أسعار الذهب وسط توقعات بخسارة أسبوعية بنسبة 1 %

استقرّت أسعار الذهب خلال تداولات الجمعة، إلا أنها تتجه نحو تسجيل انخفاض أسبوعي بنحو 1 في المائة، في ظل صعود الدولار إلى أعلى مستوياته منذ نحو شهر.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد رجل يمر أمام محل صرافة مزين بلوحات من الفينيل عليها صور أوراق نقدية من فئة الدولار في سيوداد خواريز بالمكسيك (رويترز)

ارتفاع الدولار مع فرملة الاحتياطي الفيدرالي لتوقعات خفض الفائدة

ارتفع الدولار يوم الخميس من أدنى مستوياته الأخيرة، بعد أن أظهر محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي أن صنّاع السياسة لا يبدون عجلة في خفض الفائدة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتماسك مع ترقب محضر «الفيدرالي» وبيانات الناتج المحلي الأميركي

حافظ الدولار على مكاسبه يوم الثلاثاء في ظل تداولات محدودة، في حين تترقب الأسواق صدور محضر الاجتماع الأخير لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» وبيانات الناتج المحلي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.


خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

في تحرك استراتيجي سريع يهدف إلى احتواء تداعيات «الهزيمة القضائية» المدوية أمام المحكمة العليا، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً. وتأتي هذه الخطوة لتعويض نظام الرسوم السابق الذي أبطلته المحكمة، حيث استند البيت الأبيض هذه المرة إلى أدوات قانونية نادرة الاستخدام تهدف في جوهرها إلى شراء الوقت وإعادة ترتيب أوراق الإدارة التجارية في مواجهة الخصوم والحلفاء، على حد سواء.

لجأ ترمب في هذا المسار الجديد إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة قانونية لم يسبق استخدامها لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق من قبل. وتمنح هذه المادة الرئيس الحق في فرض رسوم تصل إلى 15 في المائة لمعالجة العجز التجاري الكبير أو مشكلات ميزان المدفوعات، لكنها تأتي مع قيود زمنية صارمة؛ إذ لا تسري هذه الرسوم إلا لمدة 150 يوماً فقط، ما لم يوافق الكونغرس على تمديدها، وهو أمر يرى الخبراء أنه سيمثل تحدياً سياسياً كبيراً للإدارة.

تحولات مثيرة

وعلى الرغم من إعلان نسبة الـ15 في المائة الجديدة، فإن التقديرات الاقتصادية الصادرة عن مختبر الموازنة في جامعة ييل، تشير إلى تحولات مثيرة في معدل التعريفة الفعلي. فبينما كان هذا المعدل يصل إلى 16 في المائة قبل حكم المحكمة العليا، انهار ليصل إلى 9.1 في المائة فور صدور الحكم، ومن المتوقع أن يرتفع مجدداً ليستقر عند 13.7 في المائة بعد تطبيق الرسوم الجديدة. وهذا يعني أن الضغط الجمركي الحالي، رغم قوته، فإنه يظل أقل بكثير من ذروته في العام الماضي، حين بلغت الرسوم على الصين وحدها نحو 145 في المائة بموجب النظام الذي تم إبطاله، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

المستهلك الأميركي الأكثر تضرراً

أما على صعيد التكلفة والمعيشة، فقد كشفت التقارير عن أن المستهلك الأميركي لا يزال الطرف الأكثر تضرراً من هذه الحروب التجارية. إذ أكد بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك أن الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة تحملوا أكثر من 90 في المائة من تكاليف الرسوم طوال عام 2025. وقد تجلى ذلك بوضوح في بيانات التضخم لشهر يناير (كانون الثاني)، التي أظهرت ارتفاعاً ملموساً في أسعار السلع المتأثرة بالرسوم، مثل الأجهزة المنزلية، والأثاث، والسيارات الجديدة؛ مما دفع بعض الشركات إلى تجميد التوظيف والاستثمارات؛ نتيجة حالة عدم اليقين السائدة.

وفي محاولة لتخفيف وطأة هذه الرسوم على الشركاء الاستراتيجيين، حافظ ترمب على مساحة للمناورة من خلال قائمة من الإعفاءات والاستثناءات. وتظل المنتجات المقبلة من كندا والمكسيك بمأمن تام بموجب اتفاقات التجارة الحرة القائمة، كما تشمل الاستثناءات السلع الضرورية للأمن القومي أو التي يصعب تصنيعها محلياً، بالإضافة إلى الأدوية، والمعادن الحرجة، والمنتجات الدفاعية، وذلك لضمان عدم تضرر القطاعات الحيوية داخل الولايات المتحدة.

وتمثل المادة 122 في نهاية المطاف مجرد بداية لاستراتيجية أوسع، حيث يخطط البيت الأبيض لاستخدام أدوات قانونية أكثر ديمومة في المستقبل القريب. ومن بين هذه الخيارات المادة 232 لفرض رسوم على قطاعات مُحدَّدة مثل الصلب والألمنيوم، والمادة 301 التي تتيح فرض رسوم دائمة في حال إثبات ممارسات تجارية غير عادلة. إن لجوء ترمب لهذا المسار القانوني غير المُختَبر هو بمثابة استراتيجية «شراء وقت» بامتياز، تهدف للحفاظ على زخم الضغوط التجارية العالمية ريثما يتم بناء إطار قانوني جديد يصمد أمام التحديات القضائية المرتقبة.


قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منعطفاً جديداً من الغموض والتعقيد، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، القاضي بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. هذا الحكم، الذي وصفه مراقبون بأنه «ضربة قضائية» لاستراتيجية ترمب الاقتصادية، أعاد خلط الأوراق في التنافس المحموم بين أكبر اقتصادين في العالم، ووضع الجانبين أمام تحدي تجنب «حرب تجارية شاملة» قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي المهتز أصلاً.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير يعقد مؤتمراً صحافياً في البيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

انتصار قانوني لبكين

أدى قرار المحكمة العليا، بإسقاط التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات الطوارئ، إلى خلق حالة من عدم اليقين في الأوساط التجارية. ورغم أن هذا الحكم يبدو في ظاهره تعزيزاً لموقف الصين التفاوضي، فإن المحللين في واشنطن يحذرون من أن بكين ستتوخى الحذر الشديد في استغلال هذا الامتياز، وفق «أسوشييتد برس».

وترى سن يون، مديرة برنامج الصين في «مركز ستيمسون»، أن الحكم يمنح بكين «دفعة معنوية» في مفاوضاتها مع فريق ترمب قبيل القمة المرتقبة، لكنها تستدرك بأن الصينيين مستعدون لسيناريو ألا يتغيَّر شيء على أرض الواقع، نظراً لامتلاك ترمب بدائل قانونية أخرى لفرض رسوم جديدة.

غضب ترمب... والخطة «ب»

لم يتأخر رد فعل ترمب على الهزيمة القضائية؛ إذ أعرب عن غضبه الشديد، معلناً فوراً عن «خطة بديلة» تتضمَّن فرض تعريفة عالمية مؤقتة بنسبة 10 في المائة، ليعلن لاحقاً أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الواردات إلى 15 ⁠في المائة، بالتوازي مع البحث عن مسارات قانونية بديلة لإعادة فرض الضرائب الاستيرادية.

وفي خطاب مشحون بنبرة قومية، حمّل ترمب الصين مسؤولية التحديات التي تواجه الهيمنة الأميركية، قائلاً: «الصين حقَّقت مئات المليارات من الفوائض معنا. لقد أعادوا بناء جيشهم بأموالنا لأننا سمحنا بذلك». ورغم هجومه الحاد، فإن ترمب حرص على التأكيد على «علاقته الرائدة» مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، مشيراً إلى أن بكين باتت «تحترم الولايات المتحدة الآن».

قمة كسر الجمود

أكد البيت الأبيض أن ترمب سيتوجَّه إلى بكين في رحلة مرتقبة بين 31 مارس (آذار) و2 أبريل (نيسان) للقاء الرئيس شي جينبينغ. ووفقاً لخبراء في «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن الزعيم الصيني من غير المرجح أن «يتبجح» بقرار المحكمة العليا خلال لقاء ترمب، بل سيحاول بدلاً من ذلك تعزيز الرابط الشخصي مع الرئيس الأميركي.

الهدف الصيني من هذه الاستراتيجية هو تثبيت «هدنة تجارية» هشة تسمح لبكين بالحصول على تنازلات أمنية، وتمنحها حرية أكبر للمناورة في آسيا، مقابل تقديم ضمانات شراء لسلع أميركية أو تقديم تنازلات اقتصادية محدودة.

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ردود فعل دولية

لم يقتصر القلق من الحكم القضائي على واشنطن وبكين؛ بل امتد إلى شركاء تجاريين آخرين في آسيا وخارجها. إذ تترقب طوكيو بحذر تداعيات القرار، خصوصاً قبل زيارة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي المقررة لواشنطن في مارس. وتخشى اليابان، الحليف الاستراتيجي لأميركا، من أن يؤدي الغموض التجاري إلى مزيد من التدهور في علاقاتها المتوترة أصلاً مع بكين.

كما يرى دان كريتنبرينك، الشريك في «ذي آجيا غروب»، أن معظم الشركاء الآسيويين سيتصرفون بحذر، محاولين الحفاظ على الاتفاقات الحالية ريثما تتضح ملامح السياسة الأميركية الجديدة في الأسابيع المقبلة.

قانون التجارة... والتحقيقات النشطة

تشير ويندي كوتلر، نائبة رئيس «معهد سياسات جمعية آسيا»، إلى أن إدارة ترمب قد تلجأ إلى «تحقيقات نشطة» يجريها مكتب الممثل التجاري الأميركي حول مدى التزام الصين باتفاقات سابقة. إذا خلص التحقيق إلى أن الصين لم تفِ بالتزاماتها، فإن القانون الأميركي يمنح الرئيس الحق في فرض تعريفات جمركية دون الحاجة لقوانين الطوارئ التي أبطلتها المحكمة.

وبينما تحاول السفارة الصينية في واشنطن تهدئة الأجواء بالدعوة إلى «الاستقرار واليقين»، يبدو أن الساحة مهيأة لمرحلة من «عض الأصابع» السياسية. وبحسب غابرييل ويلداو، المدير المنتدب في مؤسسة «تينيو»، فإن بكين تدرك أن ترمب قادر على إعادة إنشاء التعريفات بصعوبات متواضعة، لكنها تأمل في إقناعه بخفضها مقابل تقديم «ضمانات شراء» ضخمة، أو تنازلات جيوسياسية.