عبد الوهاب البياتي بين صخب الحضور ووطأة النسيان

الشعر عنده منفى الأنا المتفاقمة والحياة حاضنتها

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي
TT

عبد الوهاب البياتي بين صخب الحضور ووطأة النسيان

عبد الوهاب البياتي
عبد الوهاب البياتي

لم يكن عبد الوهاب البياتي واحداً من الشعراء الذين ارتضوا الإقامة في الظل، أو التعويل على الصمت، أو ترْك نصوصه وأعماله لتواجه بلا ظهير مصيرها المبهم، كما فعل كثير من أترابه ومجايليه. ولكنه لشدة إحساسه بالتميز، جند نفسه لخدمة شعره، ولتثبيت موقعه المتقدم في حركة الحداثة، موزعاً حياته بالتساوي بين اقتراف الكتابة وخوض المعارك الشخصية والأدبية الصاخبة للدفاع عنها. ورغم ما كانت تشي به ملامح وجهه الظاهرة من بشاشة أبوية وحضور أليف محبب، لم يكن البياتي يتورع، بما أوتي من ذكاء لماح وسخرية جارحة، عن الفتك بكل خصومه ومنافسيه، أو الذين يرى فيهم تهديداً محتملاً لمكانته الشعرية ولأناه المتفاقمة. ولم يكن الشاعر ليرضى في الوقت نفسه أن يقيم هانئاً في مناطق الحياة المعتدلة، بل كان يرى سعادته في المهب العاصف للأشياء، وعلى الأطراف الضدية للأفكار والقناعات، وللعلاقات الإنسانية المتفاوتة صداقة وعداوة. إلا أن البياتي الذي نجح في خسارة كثير من صداقاته، وكسب كثير من العداوات، بدا لحظة رحيله، في دمشق قبل عقدين من الزمن، وفي مثل هذه الأيام بالذات، غريباً شبه وحيد، منبتاً على وجه التقريب، حتى عن أولئك الذين أحاطوا به واحتفوا بتجربته أشد الاحتفاء في لحظات صعوده المتسارع.
على أن أحداً من متابعي البياتي وقرائه لم يكن ليتصور بأي حال أن يتراجع اسم الشاعر ونتاجه الغزير إلى خانة النسيان، وهو الذي اعتبر، مع السياب ونازك، أحد أكثر رواد الحداثة شهرة ومحلاً للحفاوة والمتابعة والتكريم. صحيح أن النجاح الذي أصابه يدين ببعض منه إلى تعهده بالعناية من قبل الأحزاب الشيوعية العربية ومنظومة اليسار الدولي، ولكن الصحيح أيضاً أن بعضه الآخر متصل بثراء تجربته وتنوعها، وبقدرته الماكرة على الخروج من نفق المباشرة والواقعية الفظة. ومع ذلك، فإن المبالغة في احتضان البياتي من قبل المنظومة العقائدية التي تبنته لم تكن ناجمة عن الافتتان بتجربته الإبداعية، بل بدت في لحظة ما بمثابة «مكافأة له على إخلاصه العقائدي»، خصوصاً بعد انعطافة السياب الدراماتيكية باتجاه المشروع العربي القومي. هكذا، تم تطويب البياتي على سدة الشعر «الملتزم» المدافع عن المقهورين والمضطهدين في الأرض، في حين تعرّض صاحب «أنشودة المطر» إلى أنواع السباب والتجريح كافة، ودعاوى الردة والتخوين. وليس أدل على الارتباط الوثيق بين صعود نجم البياتي وصعود القوى السياسية التي تبنته ناطقاً باسمها، ومعبراً عن أفكارها ومعتقداتها، من التراجع الواضح لنجوميته ولمنسوب الاهتمام بشعره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومعسكره الحليف في نهاية الثمانينات من القرن المنصرم. حتى إذا ما مر وقت قصير على رحيله، بدأ نجمه الشعري في الخفوت، فيما بدأ اسمه المدوي يترنح شيئاً فشيئاً تحت المطرقة الثقيلة للنسيان. ومن حقنا جميعاً، كتاباً وقراء ومتابعين، أن نطرح الأسئلة التالية: هل كان البياتي ظاهرة إعلامية تراجع وهجها بتراجع الآيديولوجيا التي تبنتها؟ وهل عاد شعر البياتي إلى حجمه الطبيعي بعد أن فقد القدرة، بسبب الموت، على الترويج المفرط لنفسه ولكتاباته؟ وإذا كان تراجع الظهير الآيديولوجي للتجربة الشعرية يفضي بالضرورة إلى تراجعها، فلماذا لم يسقط شعر نيرودا ولوركا وأراغون وإيلوار، وغيرهم ممن اعتنقوا الفكر الماركسي، في حين سقط المئات ممن حولوا الآيديولوجيا إلى رافعة وحيدة لتجاربهم الهشة البائسة؟ ولماذا من جهة أخرى تظل أسماء السياب وقباني ودرويش حاضرة في الأذهان كما في مواقع التواصل، بينما لا تجد أسماء أخرى، وبينها البياتي، الصدى نفسه والاحتفاء إياه؟ ثم هل من الإنصاف في شيء أن نضع كل ما كتبه البياتي في سلة «اليقين» العقائدي، ونتناسى أعماله الأخرى التي تنقب عن الشعر في تربة الشكوك والأسئلة الحارقة؟
لا تتسع هذه الفسحة المحدودة بالطبع للإجابة عن هذه الأسئلة، أو لإعادة قراءة النتاج الغزير للبياتي بشكل هادئ معمق. لكن ذلك لا يمنع من ملاحظة أن كثيراً من نتاج البياتي المبكر كان أشبه بتعميمات عقائدية وكليشيهات سياسية مباشرة يغلب فيها الوظيفي على الجمالي، وتتحول الكتابة إلى أداة لتمجيد قوى الثورة العالمية وهجاء القوى التي تناهضها. وهو ما نجد تمثلاته في أعمال الشاعر الأولى، مثل «المجد للأطفال والزيتون» و«كلمات لا تموت» و«عشرون قصيدة من برلين»، حيث تبدو النصوص أقرب إلى الشعرات والأفكار المعلبة منها إلى أي شيء آخر: «صوت لينين الأخضر العميق لا يزالْ \ يهدر في العالم، والرايات في الجبالْ \ تسدّ درب الشمس \ والآلات والأنوالْ \ أسمعها تنبض في قلوبكم يا إخوتي العمالْ». وفي رثائه لأحد المناضلين ضد الفاشية، يقول البياتي: «سنابل سبعٌ من اليونانْ \ من أم ديمتروف، من صوفيا ومن أطفال كردستانْ \ حملتها إليك يا رفيقنا تيلمانْ \ المجد للإنسان \ لعالم يولد تحت الراية الحمراءِ \ تحت راية العمال، يا رفيقنا تيلمانْ \ لحبة القمح التي تمدّ عبر قبرك الأجفانْ \ للطفل والكادح والفنانْ \ المجد للبحر وللربان». ولم يوفر البياتي من هجائه اللاذع كثيراً من زملائه الشعراء، تحت ذرائع مختلفة، من بينها مواقفهم السياسية المتذبذبة، أو استخذاؤهم للسلطة، أو تهالكهم على الملذات. وإذا لم يكن يعمد إلى ذكرهم بالأسماء الصريحة، فنحن لا نلبث أن نهتدي إليهم من خلال القرائن والنعوت، كما في قصيدة «صورة تقريبية لبورجوازي صغير يقرض الشعر»، حيث نقرأ «رأيته في سنوات الموت والحصارْ \ ممثلاً في الشام \ دور الذي تعبده النساء - دون جوانْ \ دور صديق قائد الأركانْ \ معلقاً من ذيله كالببغاء الأعور السكرانْ \ يشرب بالمجانْ \ ينشد شعراً للصوص الثورة الخصيانْ \ في هيئة الأركانْ».
على أن المشكلة الحقيقية في بعض شعر البياتي لا تنحصر في الرزوح تحت وطأة الشعار السياسي فحسب، بل ثمة تغييب واضح للذات الفردية، في مشاعرها الحميمة وهواجسها المحتدمة، لمصلحة الأنا الجمعية التي تضغط بثقلها على الشاعر الذي يستمرئ من جهته كونه منشد الجماعة وحادي أفراحها وأتراحها. والغريب في الأمر أن التفاقم شبه المرَضي للأنا عند البياتي لم يتم استثماره في شعره بشكل مناسب، بل تم فصل الأنا عن مسارها الطبيعي لاستثمار «تضخمها» في صياغة الكليشيهات والتعاميم السياسية، كتلبية منه لنداء «الواجب» الأخلاقي. هكذا، باتت الأفكار المجردة، لا الحالة الشعورية، هي الأساس والمنطلق، وباتت الكتابة في بعض مراحلها عملاً موضوعياً، لا انبثاقاً جامحاً لعواصف الداخل. وإذا كان البياتي في كتابه «حرائق الشعراء» قد استشهد بمقالة لمحمد البطراوي، مفادها أن البياتي، وخلافاً للسياب، يعمل على «إشراك الآخرين في شعره، ويغلب الهم العام على الهم الخاص»، فإن هذه الملاحظة في عمقها تصب في مصلحة صاحب «منزل الأقنان» الذي عرف من خلال حفره الشاق في تربة ذاته كيف يلتقي مع ذوات الآخرين. كما نلاحظ في كثير من دواوين البياتي فقرا ًواضحاً في التوزيعات الصوتية، ورتابة في الشكل، وقصراً مفرطاً في السطر الشعري يترافق مع الإلحاح على التقفية التي تذكرنا بفن السجع، لشدة نمطيتها وقربها بعضها من بعض.
لكن ما ورد ذكره ليس الوجه الوحيد لشاعرية البياتي، ولتجربته المديدة التي يُحسب لها تنوعها وترحلها القلق بين الأشكال والمقاربات المختلفة. فمن الظلم بمكان ألا نستثني من بدايات الشاعر المشار إليها ديوانه المميز «أباريق مهشمة» الذي يتجاوز فقر التشكيل وآفات التنميط الأسلوبي وبرودة الكتابة، ليتلمس الشعر في تدفقه التلقائي وأماكنه اللصيقة بالروح: «سأكون! لا جدوى، سأبقى دائماً من لا مكانْ \ لا وجه لا تاريخَ لي، من لا مكانْ \ الضوء يصدمني وضوضاء المدينة من بعيدْ \ نفس الحياة، يعيد رصفَ طريقها سأمٌ جديدْ \ أقوى من الموت العنيدْ \ وأسير لا ألوي على شيء، وآلاف السنينْ \ لا شيء ينتظر المسافرَ غير حاضره الحزينْ». وسيكون من الإجحاف بمكان ألا نلاحظ ما شهدته أعمال البياتي اللاحقة، مثل «مملكة السنبلة» و«بستان عائشة» و«قمر شيراز» وغيرها، من تطور واضح على مستوى الأسلوب والتكثيف الصوري والرؤية إلى العالم. ففي هذه الأعمال، ينتقل الشاعر من الأشكال الرتيبة والسطور المتقاربة والمسجعة نحو التدوير والنص المفتوح، الخالي من التقفية المعيقة لنموه الداخلي. كما تتوارى الموضوعات السياسية والدعوية المباشرة، ليحل محلها نزوع تأملي صوفي يتحد فيه الماضي بالحاضر والمستقبل، وتتخفى فيه الذات الفردية وراء عشرات الأساطير والرموز التراثية والدينية والإنسانية.
وفي هذه الأعمال يجسد البياتي الوجه الأصفى لشاعرية الهجرة والرحيل، باحثاً في منفاه الجسدي والنفسي عما يجعل من لغة الشاعر موطئاً لروحه ووطناً لأسئلته الحائرة: «أي حبّ هو هذا؟ \ عندما يكتشف الشاعر في منفاه سرّ الآلهة \ عندما يصبح هذا النص مفتوحاً \ وهذا القرْع في شاهدة القبرِ \ حضوراً في الوجودْ \ تنهض الوردة من تابوتها \ حاملة نار جنون العشقِ \ نار الملكوتْ». وفي «كتاب البحر» الذي سبق رحيله بقليل، يستعيد البياتي كثيراً من عذوبة اللغة التي عكستها مجموعته المبكرة «أباريق مهشمة»، ليعلن على الملأ «تعاليمه» الملفوحة برياح الحسرات: «سأقول للكلمات كوني وردة \ سأقول للشعراء كونوا صادقينْ \ سأقول للسنوات عودي \ للحياة تفجّري \ سأقول كوني وردة لغزالة البحر العشيقْ \ سأقول للأزهار كوني خيمة لحبيبتي \ وسأشعل النيران في المدن الغريقة تحت قاع البحر والورق العتيق». وإذا كان بعض شعر البياتي سيسقط بسقوط المناسبة التي أنتجته، أو الأفكار التي استند إليها، فإن بعضه الآخر سيظل، بما يمتلكه من مساحات تأويلية وتبصر حدسي وصور بعيدة الغور، قادراً على مقارعة النسيان والصمود في وجه الزمن.



«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.