ازدهار محتمل لفيتنام... والفضل للحرب التجارية

{أبل} تنقل بعض عملياتها للدولة الآسيوية المجاورة للصين

مصنع أشباه موصلات بالقرب من باك نينه في فيتنام (نيويورك تايمز)
مصنع أشباه موصلات بالقرب من باك نينه في فيتنام (نيويورك تايمز)
TT

ازدهار محتمل لفيتنام... والفضل للحرب التجارية

مصنع أشباه موصلات بالقرب من باك نينه في فيتنام (نيويورك تايمز)
مصنع أشباه موصلات بالقرب من باك نينه في فيتنام (نيويورك تايمز)

لم تستفد دولة على وجه الأرض من الحرب التجارية التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الصين، أكثر من فيتنام، فقد تدفقت الطلبات على مصانع البلاد في الوقت الذي دفعت فيه التعريفات الأميركية، الشركات لإعادة النظر في صناعة منتجاتها داخل الصين.
والآن، تتطلع شركات التكنولوجيا الكبرى نحو نقل عمليات التصنيع إلى فيتنام، الأمر الذي يعزز طموحات دولة في طريقها بالفعل لأن تصبح قاطرة بمجال صناعة الهواتف الذكية وعدد من الأجهزة الإلكترونية الأخرى المتقدمة.
ومع ذلك، تحتاج فيتنام أولاً لتحسين مستوى إنتاجها للأغلفة البلاستيكية الصغيرة لسماعات الأذن.
من جهتها، تنتج الشركة التي يملكها فو هو ثانغ في مدينة باك نينه بشمال البلاد، وتدعى «باك فيت تكنولوجي»، أجزاء بلاستيكية صغيرة من أجل طابعات «كانون» ومعدات «كورغ» الموسيقية وهواتف «سامسونغ» المحمولة وإكسسوارات الهواتف، بما في ذلك سماعات الأذن. وقال ثانغ إنه سيكون من الصعب على شركته الدخول في منافسة أمام شركات صينية ما دام أنه مضطر لشراء ما بين 70 و100 طن من المواد البلاستيكية المستوردة كل شهر، معظمها مصنوع في الصين.
وقال ثانغ: «لا يمكن مقارنة فيتنام بالصين. عندما نشتري مواد، فإنها تأتي بأسعار أعلى عما تشتريه الصين بمقدار 5 في المائة أو 10 في المائة بالفعل»، مضيفاً أن السوق الفيتنامية صغيرة بدرجة بالغة على نحو يعجز عن تحفيز منتجي البلاستيك لإنشاء مصانع لهم في البلاد. ولم يصل المفاوضون عن الولايات المتحدة والصين في شنغهاي، في إيجاد سبيل للمضي قدماً نحو تسوية الحرب التجارية المشتعلة بينهما، إلا أنه بالنسبة لبعض الشركات، التي أفزعها التردي الواضح في العلاقات الأميركية ـ الصينية، ربما تكون الرغبة في العمل داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم قد تلاشت إلى الأبد.
وفي ظل احتمالات أن تصبح الهواتف الذكية ولوحات مفاتيح أجهزة تشغيل ألعاب الفيديو وعدد من الأجهزة الأخرى المفضلة لدى المستهلكين، الهدف القادم في قائمة التعريفات التي يفرضها ترمب، تشعر شركات إنتاج مثل هذه الأجهزة الإلكترونية بضغوط خاصة لإيجاد أماكن تتميز بعمالة منخفضة الأجر لصناعة أو وضع اللمسات الأخيرة على منتجاتها.

{أبل} تنقل بعض عملياتها إلى فيتنام
من ناحيتها، بدأت شركة «آبل» في نقل بعض عملياتها إلى فيتنام والهند في خضم تكثيفها لجهود البحث عن سبل لتنويع سلسلة الإمداد الخاصة بها. أيضاً، سرّعت «نينتندو» وتيرة نقل إنتاج لوحة مفاتيح «سويتش» إلى فيتنام من الصين، تبعاً لما أعلنته مؤسسة «بانجيفا» البحثية المعنية بسلاسل الإمداد. في يناير (كانون الثاني)، أعلنت شركة الإلكترونيات التايوانية العملاقة «فوكسكون»، التي تعتبر بين أكبر جهات تجميع أجهزة «آيفون»، أنها حصلت على حقوق استغلال أراض في فيتنام وضخت بالفعل 200 مليون دولار في شركة فرعية هندية. وألمحت شركات تايوانية وصينية أخرى متعاونة مع «آبل» إلى أنها تدرس تعزيز نشاطاتها داخل فيتنام هي الأخرى. ومع هذا، فإن هذا البلد البالغ تعداد سكانه نحو 100 مليون نسمة ليس على وشك أن يحل محل الصين كمركز تصنيعي بين عشية وضحاها، خاصة أن الأراضي هنا تتسم بارتفاع ثمنها أحياناً، إضافة إلى نقص المصانع والمخازن الجاهزة للاستخدام. ويتمثل تحد آخر محتمل في جذب أعداد كافية من العمال المدربين والمديرين.
في هذا الصدد، قال فريدريك آر. بورك، المدير الإداري لمؤسسة «بيكر مكنزي» للمحاماة في مدينة هو تشي مينه: «بالتأكيد يشكل هذا ضغطاً كبيراً على قدرات فيتنام»، مضيفاً أنه رغم أن قوة العمل بالبلاد تتنامى بمعدل مليون شخص سنوياً، فإن «الناس بدأوا يتحدثون بالفعل عن وجود نقص في العمالة».
جدير بالذكر أن فيتنام لا تملك أعدادا ضخمة من الشركات التي تنتج عناصر ومكونات متخصصة وقطع غيار ومواد على غرار تلك المتوافرة في الصين.
في هذا الصدد، قالت تران ثو ثوي إنها ترغب «بالطبع» في العمل مع «آبل» يوماً ما. يذكر أن شركة «إتش تي إم بي» التي تملكها ثوي تصنع قوالب معدنية تستخدمها مصانع في إنتاج أجزاء بلاستيكية. وأشارت إلى جهاز «ماكبوك» بجوارها وقالت إن شركتها ربما تتمكن يوماً ما من صناعة قوالب لإنتاج الهياكل المعدنية لأجهزة «اللاب توب»، إلا أنها أوضحت أن الشركة بحاجة لتحسين أدائها على كثير من الجوانب كي يأتي هذا اليوم. وقالت: «إنها قائمة طويلة».
جدير بالذكر أن فيتنام تعتبر من القوى الكبرى بمجال صناعة الأحذية والملابس وأنماط أخرى من المنتجات التي تحتاج إلى كثافة في الأيدي العاملة، بعد أن كانت قد بدأت منذ أمد طويل في اجتذاب أعمال بعيداً عن جارتها الشمالية العملاقة.
اليوم، تصنع «نايك» و«أديداس» ما يصل إلى نصف منتجاتهما من الأحذية الرياضية داخل فيتنام. ومع انتشار المصانع، تعهدت الحكومة الفيتنامية بتحسين مستوى الطرق والموانئ ومؤسسات الإمداد بالطاقة. ووقعت العاصمة هانوي بالفعل اتفاقات مع حكومات من مختلف أرجاء العالم لتقليص التعريفات، بما في ذلك اتفاق أبرمته الشهر الماضي مع الاتحاد الأوروبي.
من جانبها، لاحظت إدارة ترمب أن تعريفات الاستيراد التي فرضتها بدأت تدفع دفة التجارة العالمية نحو فيتنام. ووضعت وزارة الخزانة هانوي على قائمة مراقبة لتلاعبها في قيمة العملة الفيتنامية، دونغ، لمعاونة المصدرين. ولمح ترمب، الشهر الماضي، إلى أن فيتنام ربما تصبح الهدف القادم للتعريفات العقابية، واصفاً البلاد بأنها: «تكاد تكون الأسوأ في استغلال الجميع». وفي ردها على ذلك، أعلنت الحكومة الفيتنامية أنها ترغب في بناء علاقات تجارية مع الولايات المتحدة تعود بالنفع على الجانبين، وسلطت الضوء على جهودها لمعاقبة المصدرين الذين يضعون ملصقات زائفة على منتجاتهم كتب عليها «صنع في فيتنام» لتفادي الرسوم الأميركية.
ورغم ذلك، يبدو من غير المحتمل أن يتمكن ترمب من تحويل مسار التحولات الأوسع التي يتحول شمال فيتنام بفضلها إلى مركز ضخم لإنتاج الإلكترونيات. واللافت أن الكثير من المصانع الممتدة بطول الأفق في المنطقة يعود الفضل وراءها إلى شركة واحدة.
جدير بالذكر أنه منذ أكثر عن عقد، أنشئت شركة «سامسونغ إلكترونيكس» جنوب الكورية العملاقة مصنعاً لها في باك نينه لتقليص اعتمادها على الصين. وعكست الخطوة استشرافاً دقيقاً للمستقبل، فقد استمرت التكاليف داخل الصين في الارتفاع، وتراجعت مبيعات «سامسونغ» هناك بعد إطلاق بكين دعوة لمقاطعة منتجات كوريا الجنوبية بسبب موافقة سيول على استضافة منظومة دفاع صاروخي أميركية العام 2017. ومنذ ذلك الحين، أغلقت «سامسونغ» جميع مصانعها لإنتاج الهواتف الذكية في الصين إلا واحداً فقط. وتقوم الشركة حالياً بتجميع نصف الهواتف المحمولة تقريباً التي تبيعها عالمياً داخل فيتنام. وشكلت الشركات الفرعية لـ«سامسونغ» داخل فيتنام والتي يعمل بها نحو 100 ألف شخص، قرابة ثلث مبيعات الشركة العام الماضي والبالغة 220 مليار دولار.
وذكرت متحدثة رسمية باسم «سامسونغ» أن نحو 90 في المائة من هذه السلع جرى شحنها من فيتنام إلى دول أخرى. ويشير هذا ضمنياً إلى أن «سامسونغ» وحدها شكلت ربع صادرات فيتنام العام 2018، رغم أنه حتى هذه النسبة ربما لا تعكس بدقة حجم تأثير الشركة على الاقتصاد الفيتنامي الأوسع. وساعد نجاح «سامسونغ» في فيتنام في إقناع الكثير من الشركات الكورية الجنوبية على بناء وجود لها هناك هي الأخرى.
في هذا الصدد، قال فيليبو بورتوليتي، نائب مدير شركة «ديزان شيرا» للاستشارات في هانوي: «عندما تنقل مؤسسة كبيرة عملها إلى مكان ما، يتبعها الجميع».
من جهتهم، يقول بعض ملاك الشركات الفيتناميين إن هذا الأمر يحمل نتائج مختلطة، مشيرين إلى أن الشركات الأجنبية العملاقة التي تأتي إلى فيتنام تتعامل في الجزء الأكبر منها مع جهات الإمداد التي تتعاون معها بالفعل في مناطق أخرى، ما يترك فرصة محدودة أمام الشركات المحلية.
يذكر أن «سامسونغ» تتعاون مع 35 شركة إمداد فيتنامية، حسبما أفادت المتحدثة الرسمية باسم الشركة. أما «آبل»، فقد رفضت التعليق.
يذكر أنه عندما أسست «سامسونغ» أول مصنع لها بالبلاد، اشترت بعض العناصر المعدنية الثابتة التي تعتمد عليها في خطوط التجميع من شركة محلية تدعى «فيتناميز بريسيجن ميكانيكال سيرفيس آند تريدينغ»، والتي تعرف اختصاراً باسم «في بي إم إس». بعد ذلك، بدأ شركاء «سامسونغ» في كوريا الجنوبية في التوافد على البلاد، وبعد عام توقف التعاون بين «سامسونغ» و«في بي إم إس» حسبما ذكر نغوين شوان هوانغ، أحد مؤسسي الشركة الفيتنامية.
وقال هوانغ إن المشكلة لم تتعلق بالجودة أو السعر، وإنما الحجم، فقد رغبت «سامسونغ» في كثير من التفاصيل التي عجزت الشركة الفيتنامية عن توفيرها.
من ناحية أخرى، تنتج شركة «فيتيك» التي يملكها فو تين كونغ معدات صناعية لحساب «سامسونغ» وكانون وشركات كبرى أخرى حول باك نينه. واعترف كونغ أن معظم شركات الإمداد الفيتنامية لديها مشكلات تتعلق بالجودة والإنتاجية تحول دون فوزها بأعمال من شركات كبرى متعددة الجنسيات، إلا أنه أعرب عن اعتقاده بأن المشكلة الجذرية تكمن في نقص الخبرة، وليس المال أو المعرفة. وأضاف «أن يوما بعد آخر، تتحسن قاعدة الإمداد الفيتنامية وتنمو».
-خدمة «نيويورك تايمز»



توقعات نمو الأجور في بريطانيا تستقر عند أدنى مستوياتها منذ 4 سنوات

يظهر الحيّ المالي ونهر التيمز في مدينة لندن (رويترز)
يظهر الحيّ المالي ونهر التيمز في مدينة لندن (رويترز)
TT

توقعات نمو الأجور في بريطانيا تستقر عند أدنى مستوياتها منذ 4 سنوات

يظهر الحيّ المالي ونهر التيمز في مدينة لندن (رويترز)
يظهر الحيّ المالي ونهر التيمز في مدينة لندن (رويترز)

أظهر استطلاع نشره بنك إنجلترا أن توقعات أصحاب العمل البريطانيين لنمو الأجور استقرت عند أدنى مستوياتها منذ نحو أربع سنوات في فبراير (شباط)، في إطار متابعة البنك لمزيد من المؤشرات على تباطؤ ضغوط الأجور قبل أي خفض محتمل لأسعار الفائدة.

وأظهر استطلاع «لجنة صناع القرار» الشهري، الذي نُشر يوم الخميس، أن توقعات نمو الأجور للعام المقبل بقيت عند 3.6 في المائة على أساس متوسط متحرك لثلاثة أشهر، وهو أدنى مستوى لها منذ بدء هذه السلسلة من الاستطلاعات عام 2022، وفق «رويترز».

كما تراجعت توقعات الشركات بشأن الزيادة في أسعارها خلال الأشهر الـ12 المقبلة لتمثل انخفاضاً طفيفاً بمقدار 0.1 نقطة مئوية لتصل إلى 3.4 في المائة خلال الفترة المنتهية في فبراير.

وأشارت الشركات إلى أنها تتوقع زيادة طفيفة في عدد موظفيها بنسبة 0.1 في المائة خلال العام المقبل.

ويراقب بنك إنجلترا نمو الأجور من كثب، لتقييم استمرار ضغوط التضخم في الاقتصاد، ومن المتوقع أن يُبقي أسعار الفائدة عند 3.75 في المائة هذا الشهر بعد تثبيتها في فبراير.

وقلّص المستثمرون توقعاتهم بشأن خفض أسعار الفائدة هذا العام، ويتوقعون خفضاً واحداً فقط بمقدار ربع نقطة مئوية، في ظل استمرار الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وتأجيجها المخاوف بشأن التضخم.

يُذكر أن استطلاع بنك إنجلترا أُجري قبل اندلاع الصراع الأخير في الشرق الأوسط.

قطاع الإنشاءات يواصل أطول فترة انكماش

على صعيد آخر، أظهر مسح نُشر يوم الخميس أن نشاط قطاع الإنشاءات في بريطانيا انكمش للشهر الرابع عشر على التوالي في فبراير، مسجلاً أطول فترة تراجع له منذ الأزمة المالية العالمية، رغم تحسن تفاؤل قطاع الأعمال.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات لقطاع الإنشاءات الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 44.5 نقطة في فبراير، بعد أن سجل 46.4 نقطة في يناير (كانون الثاني)، وبقي الرقم أقل بكثير من مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش. وجاء أقل من متوسط توقعات الاقتصاديين البالغ 47 نقطة.

وأوضح تيم مور، مدير الشؤون الاقتصادية في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، أن التراجع الحاد في بناء المساكن كان العامل الرئيسي وراء ضعف نشاط البناء في فبراير، مدفوعاً بتباطؤ السوق، والطقس الممطر الاستثنائي، وارتفاع ضغوط التكاليف منذ يوليو (تموز) 2025.

وتراجع المؤشر الفرعي لبناء المساكن للشهر الثامن على التوالي إلى 37 نقطة، كما انخفض نشاط الهندسة المدنية والتجارية.

يأتي هذا الانكماش في الوقت الذي تسعى فيه حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، لبناء 1.5 مليون منزل خلال فترة ولايتها، وهو معدل لم يتحقق منذ السبعينات.

ويتعارض ضعف قطاع البناء، الذي أسهم بأكثر من 6 في المائة من الناتج الاقتصادي البريطاني في 2025، مع صورة أكثر تفاؤلاً لقطاع الخدمات، حيث بلغ مؤشر مديري المشتريات لجميع القطاعات 52.9 نقطة في فبراير، مقابل 53.1 نقطة في يناير، وهو الأعلى منذ أغسطس (آب) 2024.


«شرق آسيا» تتحسّب لصدمة نفطية محتملة

صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)
TT

«شرق آسيا» تتحسّب لصدمة نفطية محتملة

صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية لمضيق هرمز (رويترز)

تتحرَّك دول شرق آسيا سريعاً لاحتواء تداعيات اضطرابات سوق الطاقة العالمية، في ظلِّ تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وازدياد المخاوف من تعطل الإمدادات النفطية عبر مضيق هرمز. فبينما طلبت بكين من مصافيها الكبرى تعليق صادرات الوقود، تضغط شركات التكرير اليابانية على الحكومة للإفراج عن جزء من الاحتياطات الاستراتيجية. ويأتي هذا التحرُّك في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط العالمية يوم الخميس، وسط قلق الأسواق من نقص محتمل في الإمدادات.

إنفوغراف لتدفق النفط عبر مضيق هرمز

وتعكس هذه الخطوات الآسيوية المبكرة إدراكاً متزايداً لحساسية المنطقة تجاه أي اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية. فاقتصادات مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط من الشرق الأوسط، وهي إمدادات يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. ويُقدَّر أن نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز العالمية تمر عبر هذا المضيق الحيوي، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على الأسواق الدولية وسلاسل الإمداد الصناعية. وفي هذا السياق، أفادت تقارير لـ«بلومبرغ» بأنَّ السلطات الصينية طلبت شفهياً من أكبر شركات التكرير تعليق صادرات الديزل والبنزين مؤقتاً، والتوقف عن توقيع عقود جديدة أو إعادة التفاوض على شحنات سبق الاتفاق عليها. وتُعدُّ هذه الخطوة مؤشراً واضحاً على رغبة بكين في إعطاء الأولوية للسوق المحلية والحفاظ على مخزون الطاقة في حال تفاقمت الأزمة. وتشمل الشركات المعنية مؤسسات حكومية كبرى مثل «بتروتشاينا» و«سينوبك» و«سينوك»، التي تحصل عادة على حصص تصدير من الحكومة ضمن سياسة إدارة سوق الوقود.

ناقلات نفط أمام ساحل الفجيرة قرب مضيق هرمز (رويترز)

ويكتسب القرار الصيني أهميةً إضافيةً إذا ما نُظِر إليه في ضوء اعتماد البلاد الكبير على النفط المقبل من الشرق الأوسط. فبحسب بيانات شركة التحليلات «كيبلر»، شكَّلت المنطقة نحو 57 في المائة من واردات الصين المنقولة بحراً من النفط الخام خلال عام 2025. وهذا الاعتماد الكبير يجعل أي تعطّل في خطوط الإمداد - سواء بسبب إغلاق مضيق هرمز أو ارتفاع مخاطر الملاحة - تهديداً مباشراً للأمن الطاقي الصيني. وفي المقابل، تتخذ اليابان مساراً موازياً يعتمد على الاحتياطات الاستراتيجية. إذ أفادت تقارير بأن شركات التكرير اليابانية طلبت من الحكومة دراسة الإفراج عن جزء من المخزون النفطي الوطني لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات. كما تبحث هذه الشركات إمكانية شراء النفط المخزن في خزانات مؤجرة للدول المنتجة داخل اليابان، وهي آلية تسمح بالحصول على كميات إضافية بسرعة في حالات الطوارئ. ويأتي ذلك بينما قال المُشرِّع الكوري الجنوبي آن دو-جول خلال اجتماع ‌مع ‌مسؤولين من شركات ‌كورية ⁠جنوبية في البرلمان، يوم الخميس، إن احتياطات البلاد ⁠من ‌الغاز الطبيعي ‌المسال تكفي ‌لـ9 ‌أيام فقط. وأوضح أن كوريا ‌الجنوبية تستورد 20 في المائة ⁠من ⁠احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز.

صورة تعبيرية لأنابيب نفطية وخريطة لمضيق هرمز (رويترز)

• تحركات استباقية

وهذه التحركات لا تأتي من فراغ، إذ شهدت أسواق الطاقة العالمية، خلال الأيام الأخيرة، ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار. فقد ارتفع خام برنت - وهو المؤشر العالمي الرئيسي - إلى نحو 82 دولاراً للبرميل يوم الخميس، بعد أن لامس في وقت سابق مستويات قريبة من 84 دولاراً، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 76 دولاراً للبرميل. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بمخاوف من تعطل الإمدادات نتيجة التوترات العسكرية في الشرق الأوسط واحتمالات تأثر حركة النقل البحري في الخليج.ورغم أن الأسعار الحالية لا تزال أقل بكثير من مستويات الذروة التاريخية، فإن الأسواق تتعامل مع ما تُسمى «علاوة المخاطر الجيوسياسية». فمجرد احتمال تعطل جزء من الإمدادات العالمية يكفي لدفع الأسعار إلى الارتفاع بسرعة. ويشير بعض المحللين إلى أن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز قد يدفع أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل إذا انخفضت الإمدادات العالمية بنحو 20 في المائة. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري يزيد من الضغوط على السوق. فقد قفزت أجور استئجار ناقلات النفط العملاقة التي تنقل الخام من الخليج إلى آسيا إلى مستويات قياسية مع تصاعد المخاطر الأمنية، ما يضيف تكلفةً إضافيةً على المستوردين الآسيويين ويزيد من حساسية الأسعار لأي اضطراب جديد. وبالنسبة للشركات الصناعية في آسيا، فإن هذه التطورات تعني ضرورة الاستعداد لسيناريوهات متعددة، تتراوح بين تقلبات الأسعار القصيرة الأجل وحتى احتمال حدوث نقص فعلي في الإمدادات. ولهذا السبب تعمل الحكومات في المنطقة على مزيج من الإجراءات الوقائية، مثل تعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وإعادة توجيه شحنات النفط من مناطق أخرى مثل الولايات المتحدة وأفريقيا. وتشير التحركات الصينية واليابانية إلى أن آسيا بدأت بالفعل الاستعداد لمرحلة أكثر اضطراباً في سوق الطاقة العالمية. وبينما لا تزال الإمدادات تتدفق حتى الآن، فإن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يدفع الدول المستوردة إلى اتخاذ إجراءات أكثر جرأة لحماية أمنها الطاقي. وفي ظل هذه المعادلة، ستظل أسعار النفط والتدفقات عبر مضيق هرمز العاملَين الأكثر حسماً في تحديد اتجاه الأسواق خلال الأسابيع المقبلة.


تحذير «المركزي الأوروبي»: حرب إيران «الطويلة» قد ترفع التضخم وتضعف النمو

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

تحذير «المركزي الأوروبي»: حرب إيران «الطويلة» قد ترفع التضخم وتضعف النمو

مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

حذر 3 من صناع السياسة في «البنك المركزي الأوروبي»، الخميس، بأن التضخم في منطقة اليورو قد يرتفع بشكل ملحوظ، بينما سيتراجع النمو، إذا استمرت الحرب في إيران وامتدت لتشمل دولاً أخرى.

ومع دخول الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران يومها السادس، فقد اتسع نطاق الصراع ليشمل دولاً خارج منطقة الخليج ووصل إلى آسيا؛ مما أدى إلى اضطراب الأسواق العالمية وأثار تساؤلات بشأن النظرة المتفائلة من «البنك المركزي الأوروبي» بشأن منطقة اليورو، وفق «رويترز».

وقال نائب رئيس «البنك المركزي الأوروبي»، لويس دي غيندوس، ومحافظا البنكين المركزيين في ألمانيا وفنلندا، إن الوقت ما زال مبكراً لاستخلاص نتائج نهائية، لكنهم حذروا بأن نزاعاً طويل الأمد وواسع النطاق قد يرفع التضخم الحالي والمتوقع.

وقال دي غيندوس خلال فعالية في بروكسل: «السيناريو الأساسي هو أن الوضع سيكون قصير الأجل. وإذا طال، فإن هناك خطراً بأن تتغير توقعات التضخم». وقد دفع ارتفاع التضخم الناجم عن أسعار الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 «البنك المركزي الأوروبي» في السابق إلى رفع أسعار الفائدة بسرعة؛ مما يجعل صناع السياسة أعلى حذراً هذه المرة.

وأضاف محافظ «البنك المركزي الفنلندي»، أولي رين: «لا أعتقد أنه ينبغي لنا أن نكون متفائلين للغاية بشأن حل سريع للنزاع»، مشيراً إلى وجود «تصعيد ملحوظ» بالفعل.

كما حذر رئيس «البنك المركزي الألماني»، يواكيم ناغل، بأن استمرار النزاع سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وتراجع النمو، قائلاً: «إذا انتهى النزاع سريعاً، فإن تأثيره على التضخم سيكون قصير الأجل ومحدوداً». وأشار إلى أن «ارتفاع أسعار الطاقة مدة طويلة سيؤدي غالباً إلى ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يشكل تحدياً لصناع السياسة، إذ قد يتطلب تسارع نمو الأسعار رفع الفائدة، بينما قد يدفع تباطؤ النمو إلى الاتجاه المعاكس».

كما صرح محافظ «البنك المركزي اللاتفي»، مارتينز كازاكس، بأن القرار سيعتمد على أي العوامل سيسود. ودعا محافظ «البنك المركزي اليوناني»، يانيس ستورناراس، إلى المرونة في تحديد أسعار الفائدة.

ويعقد «البنك المركزي الأوروبي» اجتماعه المقبل بشأن السياسة النقدية يومي 18 و19 مارس (آذار) الحالي، ولا يُتوقع أي تغيير في أسعار الفائدة.