الأمم المتحدة تقر بوجود تحقيقات فساد «سرية» لمسؤولين يعملون لوكالاتها في اليمن

تقرير كشف اتهامات لموظفي إغاثة بالقتال ضمن صفوف الحوثيين... والانقلابيون يتجولون بسيارات أممية تقيهم الاستهداف

طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)
طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة تقر بوجود تحقيقات فساد «سرية» لمسؤولين يعملون لوكالاتها في اليمن

طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)
طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)

«لا أنسى أبداً القول إن تجويع الملايين ليست الجريمة الوحيدة، بل إن استخدام مقرات المنظمات الإنسانية وسياراتها والحماية التي يتمتعون بها لتهريب ونقل قيادات حوثية يعد بمثابة جريمة حرب من الدرجة الأولى... يجب أن يخجل الموظفون المتورطون من أنفسهم، وكيف ظلوا يزايدون باسم أخطاء الطيران وهم في الحقيقة مَن حوّلوا مقراتهم لمراكز عسكرية حوثية».
بهذه الكلمات الساخنة، اشتعلت كلمات الدكتور حمزة الكمالي وكيل وزارة الشباب والرياضة اليمني، تعليقاً على تحقيق نشرته «أسوشيتد برس» الأميركية أمس، يكشف عن تحقيقات تجريها الأمم المتحدة مع مسؤولين وموظفين بوكالات إغاثية تابعة للمنظمة الدولية في اليمن، بتهم فساد وتعاون مع الحوثيين، والانضمام إليهم بالقتال أيضاً.
في العاشر من سبتمبر (أيلول) عام 2017، حين نشرت «الشرق الأوسط» قصة خبرية بعنوان «انتقادات وتساؤلات حول دور المنظمات الدولية الإنسانية في اليمن»، طرقت القصة باب الأمم المتحدة الإغاثي الموصد في اليمن، واستمزجت رأي محللين يمنيين وخليجيين مهتمين باليمن، حول دور المؤسسات الإغاثية.
كان ذلك قبل نحو عامين، قبل أن يخرج التحقيق المدوّي، وفق ناشطين يمنيين أعلنوا أن سر إطالة الأزمة انكشف، واتضح أن هناك مَن يغذّي إطالة الحرب ولأسباب ضيقة وشخصية.
وكشف مسؤولون في الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» عن وجود تحقيقات سارية بالفعل، ولكنهم قالوا إنها سرية، وإنهم ليسوا متأكدين إذا ما كان سيتم رفع السرية عنها أو عن نتائجها.
وأفصح مصدر أممي لـ«الشرق الأوسط» بأن مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية في اليمن (أوتشا) يعدّ لردٍّ على ما ورد في التحقيقات.
أمام ذلك، طالب مسؤولون في الحكومة اليمنية الشرعية بضرورة رفع السرية عن التحقيقات، ومعاقبة المتسببين.
يقول حمزة الكمالي، وهو وكيل وزارة الشباب والرياضة في الحكومة اليمنية: «يحب أن يُكشف عن تفاصيل هذه التقارير كاملة وإظهارها للرأي العام ومعاقبة المتسببين، وقبل ذلك على الحكومة تغيير طريقة وآلية التعامل مع كل هذه المنظمات حتى تتأكد من المسار الصحيح لها».
المحلل السياسي اليمني البراء شيبان يعلق في اتصال مع«الشرق الأوسط» بالقول إن «الفضيحة الكبيرة تكمن في بقاء مكاتب الأمم المتحدة مصرةّ على العمل من داخل صنعاء، رغم تحذيرنا والكثير من الناشطين اليمنيين من وجود فساد كبير وأنه لا يمكن أن يسمح الحوثيون للمنظمات بالعمل من دون أن تكون الجماعة مستفيدة»، متابعاً أن «وجود الأدلة الآن يجعل مصداقية تقارير الأمم المتحدة على المحكّ، ولا يمكن أن نصدق أن التقارير هذه لم يتم تسييسها خلال الفترة الماضية».

- مصادرة الأدلة
تبدأ القصة بمشهد درامي وقع خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2018، حين احتشد محققون تابعون للأمم المتحدة في قاعة المغادرة داخل مطار صنعاء، واستعدوا للرحيل حاملين معهم دليلاً بالغ الأهمية: مجموعة من الحواسب المحمولة ومحركات أقراص خارجية جرى جمعها من موظفين لدى منظمة الصحة العالمية. ساد لدى المحققين اعتقاد بأن هذه الحواسب تحوي دليلاً على وقوع جرائم فساد واحتيال داخل مكتب الأمم المتحدة في اليمن. ولكن، وقبل صعودهم على متن الطائرة، اقتحم رجال مدججون بالسلاح من الميليشيات الحوثية التي تسيطر على مناطق بشمال اليمن، صالة المطار وصادرت الحواسب، حسبما أفاد 6 من مسؤولي الإغاثة السابقين والحاليين للوكالة الأميركية التي تُختصر بـ«أ.ب». لوهلة ساد أولئك المحققين ذهول من الموقف. لم يمسهم سوء، لكنهم سافروا من دون الأدلة.
وذكر المسؤولون الستة أن الميليشيات الحوثية جرى إخطارها بالأمر من جانب موظفة في منظمة الصحة العالمية على صلة بالجماعة المتمردة خشيت أن يفتضح أمر اختلاسها من أموال المساعدات. ورفض المسؤولون الستة كشف هويتهم نظراً لأن مسألة الاستيلاء على الحواسب لم يعلَن عنها من قبل.
هذا المشهد يعد حلقة أخرى من نضال مستمر ضد الفساد الذي يحرم اليمنيين التعساء من أغذية وأدوية وأموال جرى التبرع بها لصالحهم في خضم حرب أهلية مشتعلة بالبلاد منذ خمس سنوات.

- مقاتلون أمميون؟
هناك اتهامات لـ12 موظفاً بمجال الإغاثة تابعين للأمم المتحدة ممن جرى إرسالهم للتعامل مع الأزمة الإنسانية التي خلقتها الحرب، بالانضمام إلى مقاتلين من مختلف الأطراف لإثراء أنفسهم بمليارات الدولارات المتمثلة في مساعدات متدفقة على البلاد، تبعاً لما ذكره أشخاص على معرفة بالتحقيقات الداخلية الجارية في الأمم المتحدة ووثائق سرية اطّلعت عليها الوكالة.
وفي تعليقه على ذلك، يقول حمزة الكمالي: «منذ اللحظة الأولى للانقلاب ونحن نحذّر من الدور المشبوه لمنظمات الأمم المتحدة في تغذية الحرب وإطالة أمد الصراع عبر دعم ميليشيا الحوثي، وما كشف عنه هذا التقرير أمر صادم وفاجع، فكيف يصبح من يستلمون المليارات ويتكئ عليهم المجتمع الدولي لإنقاذ المحتاجين والمتضررين من الانقلاب الفاشي بهذه الوحشية والفساد واللامسؤولية، أكثر مَن ينادون بإيقاف الحرب وأكثر مَن يعمل على استمرارها هم هؤلاء الفاسدون الذي يعملون في الأمم المتحدة ويشاركون الحوثي في طعن الشعب اليمني وسرقة قوته».

- شكوك التعاقدات
أعلنت «أ.ب» حصولها على وثائق تحقيقات، وعقدت مقابلات مع ثمانية عمال إغاثة ومسؤولين حكوميين سابقين. وتدور الفكرة الرئيسية حول أن المراجعين الماليين داخل منظمة الصحة العالمية يُجرون تحقيقاً حول مزاعم بأن أشخاصاً غير مؤهلين جرى تعيينهم في مناصب عالية الأجور، وأن ملايين الدولارات جرى إيداعها في حسابات بنكية شخصية تخص موظفين بالمنظمة، بجانب الموافقة على تعاقدات مثيرة للريبة دون توافر المستندات الورقية المناسبة، واختفاء أطنان من الأدوية والوقود تبرعت بها جهات خارجية لليمن.
وذكر نشطاء يمنيون أن الإجراءات التي اتخذتها وكالات تتبع الأمم المتحدة موضع ترحيب، لكنها لا ترقى لمستوى التحقيق اللازم لاقتفاء أثر ملايين الدولارات في صورة إمدادات وأموال من برامج إغاثة اختفت أو جرى تحويلها إلى خزائن مسؤولين محليين على جانبي الصراع منذ بداية الحرب الأهلية.
وعلى امتداد الشهور الثلاثة الماضية، ضغط نشطاء من أجل إقرار شفافية فيما يخص المساعدات في إطار حملة عبر شبكة الإنترنت أُطلق عليها «أين الفلوس؟»، وطالب النشطاءُ الأممَ المتحدة ووكالات دولية بتقديم تقارير مالية حول كيف جرى إنفاق مئات الملايين من الدولارات التي تدفقت على اليمن منذ عام 2015. العام الماضي، أعلنت الوكالة أن المانحين الدوليين تعهدوا بتقديم ملياري دولار للجهود الإنسانية في اليمن.
استجابت الأمم المتحدة بحملة عبر الإنترنت من جانبها أطلقت عليها «تفحصوا النتائج»، تكشف البرامج التي جرت داخل اليمن. ولم تطرح الحملة تقارير مالية تفصيلية حول كيفية إنفاق أموال الإغاثة.
وحيال ذلك، قال البراء شيبان في سياق تعليقه لـ«الشرق الأوسط»: الحملة التي أطلقها الناشطون اليمنيون اتضح أنها كانت على حق وأن أسئلتهم كانت مشروعة وأن المكاتب الأممية لم تستطع الإجابة عن أسئلتهم لأنها كانت أدلة واضحة ودامغة عن الفساد الموجود من قبل بعض موظفي المنظمات.

- موظفون لرعاية كلب مسؤول
كان التحقيق الذي يجريه مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن قد بدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) بمزاعم تفيد بحدوث سوء إدارة مالية من جانب نيفيو زاغاريا، وهو طبيب إيطالي تولى رئاسة مكتب صنعاء التابع للوكالة منذ عام 2016 حتى سبتمبر 2018، تبعاً لما ذكره ثلاثة أشخاص على معرفة مباشرة بالتحقيق.
وجاء الإعلان الوحيد عن التحقيق في عبارة مدفونة في طيات 37 صفحة من التقرير السنوي للمراجع المالي الداخلي لعام 2018 حول النشاطات على المستوى العالمي. ولم يذكر التقرير زاغاريا بالاسم.
وخلص التقرير الذي صدر في الأول من مايو (أيار)، إلى أن الضوابط المالية والإدارية المعمول بها في مكتب اليمن «غير مُرضية» -التصنيف الأدنى- وأشار التقرير إلى وجود تجاوزات في إجراءات التعيين وإقرار صفقات على نحو غير تنافسي وغياب المراقبة عن إجراءات التوريد.
من جانبه، أكد المتحدث الرسمي باسم منظمة الصحة العالمية، طارق جاسارفيتش، أن تحقيقاً يجري بالفعل. وقال إن زاغاريا تقاعد في سبتمبر 2018، لكنه لم يؤكد أو ينفي ما إذا كان زاغاريا نفسه قيد التحقيق، وفقاً للتحقيق الذي نشرته الوكالة الأميركية.
وقال: «مكتب خدمات المراقبة الداخلية يجري حالياً تحقيقاً حول جميع المسائل التي جرت إثارتها. ويجب أن نحترم سرية هذه العملية، ونحن من جانبنا غير قادرين على خوض تفاصيل مسائل بعينها». من ناحيته، لم يستجب زاغاريا لأسئلة بعثت بها «أ.ب» بها عبر البريد الإلكتروني.
يُذكر أن زاغاريا عمل في منظمة الصحة العالمية طيلة 20 عاماً، وقد وصل إلى اليمن في ديسمبر (كانون الأول) 2016، وذلك بعد فترة عمل قضاها في الفلبين لمدة أربع سنوات.
وعيّن زاغاريا عاملين شباباً سبق أن عملوا معه في الفلبين وأمر بترقيتهم إلى مناصب ذات رواتب مرتفعة لم يكونوا مؤهلين لها، حسبما أفاد ثلاثة أشخاص.
وحصل اثنان منهم -أحدهما طالب بجامعة فلبينية ومتدرب سابق- على مناصب رفيعة، بينما كان دورهما الوحيد رعاية كلب زاغاريا، حسبما ذكر اثنان من المسؤولين. وقال مسؤول سابق في مجال الإغاثة إن «موظفين يفتقرون إلى الكفاءة يتقاضون أجوراً ضخمة قوضوا مستوى جودة العمل». وتشير مزاعم إلى أن زاغاريا وافق على تعاقدات مريبة وقّع عليها موظفون بالمكتب دون عملية مناقصة تنافسية أو توثيق لإجراءات إنفاق الأموال، تبعاً لوثائق داخلية اطّلعت عليها «أ.ب».
تحت قيادة زاغاريا، جرى استغلال أموال المساعدات التي كان من المفترض إنفاقها في أثناء فترات الطوارئ، جرى استغلالها كذلك بقدر قليل للغاية من المساءلة أو المراقبة، تبعاً لما كشفته وثائق داخلية.

- حوثية تعمل مع الأمم المتحدة
تشير الوثائق إلى أن شركات محلية تعاقدت لتوفير خدمات لمكتب عدن التابع لمنظمة الصحة العالمية، جرى لاحقاً اكتشاف أنها استعانت بأصدقاء وأقارب لموظفين داخل منظمة الصحة العالمية وفرضت رسوماً مبالغاً فيها مقابل الخدمات المقدمة. وشوهد مالك إحدى هذه الشركات يسلّم مبلغاً نقدياً لموظف بالمكتب، حسبما ذكرت الوثائق (رشوة واضحة). وقال أربعة أشخاص على علم بنشاطات المكتب إن موظفة تتبع منظمة الصحة العالمية تُدعى تميمة الغولي، كانت هي من أخطر الحوثيين، قالت بأن محققين يسافرون برفقتهم أجهزة حواسب محمولة. وقالوا إنها اختلقت قوائم رواتب وأجور، وأضافت إليها أسماء وهمية وجمعت الرواتب لنفسها، بجانب تلقيها رشى لتعيين أشخاص. ومن بين مَن وضعت أسماءهم على قائمة الأجور، زوجها وهو عضو بارز مع الجماعة الحوثية.
ومنذ ذلك الحين جرى إيقاف الغولي عن العمل، لكنها تبقى موظفة لدى منظمة الصحة العالمية، طبقاً لما أفاد به شخص على معرفة مباشرة بالحادث. ولم تستجب الغولي لمحاولات «أ.ب» التواصل معها.

- الأموال المباشرة
جدير بالذكر أنه تبعاً لقواعد منظمة الصحة العالمية، يمكن نقل أموال المساعدات بصورة مباشرة إلى حسابات العاملين -وهو إجراء يُقصد منه إسراع وتيرة شراء السلع والخدمات في حالة الأزمات. وقالت منظمة الصحة العالمية إن هذا الإجراء ضروري للحفاظ على العمليات الجارية في المناطق النائية نظراً لأن القطاع المصرفي في اليمن غير عامل بصورة كاملة.
ونظراً لأن مثل هذه الإجراءات مقتصرة على الطوارئ، فإنه ليس هناك ما يلزم لتعيين بنود إنفاق هذه التحويلات المباشرة. من جهته، وافق زاغاريا على تحويلات لأموال مباشرة بقيمة مليون دولار لحساب موظفين بعينهم، تبعاً لما كشفته وثائق داخلية. إلا أنه في كثير من الحالات من غير الواضح كيف جرى إنفاق المال.
من ناحيته، تلقى عمر زين رئيس مكتب عدن التابع للوكالة والذي يعمل تحت قيادة زاغاريا، مئات الآلاف من الدولارات من أموال المساعدات في حسابه الشخصي، وفقاً لما كشفته مقابلات جرت مع مسؤولين ووثائق داخلية. إلا أن زين لم يتمكن من شرح ما حدث مع ما يزيد على نصف هذه الأموال، تبعاً لما توضحه وثائق داخلية.
وذكر أربعة أشخاص على معرفة مباشرة بعمليات الإغاثة في جنوب اليمن أن زين عمل كذلك مستشاراً رسمياً لوزير الصحة في الحكومة اليمنية الشرعية التي تتخذ من عدن مقراً لها، وأدار منظمة غير هادفة للربح تابعة له وقّعت تعاقداً بقيمة 1.3 مليون دولار مع الأمم المتحدة لإدارة برامج تغذية في مدينة المكلا. وخلقت هذه الترتيبات تعارضاً للمصالح، حسبما أفاد الأشخاص الأربعة.
من ناحيتها، رفضت «اليونيسيف» لاحقاً تجديد العقد مع المنظمة غير الربحية المملوكة لزين بعد اكتشافها أن المنظمة تزوّر تقارير وليس لها وجود فعلي على الأرض داخل المكلا، حسبما ذكر مصدران مطلعان.
وعندما تواصلت «أ.ب» معه، رفض زين التعليق وقال إنه استقال من منصبه بوزارة الصحة. وفي سؤال له حول ما إذا كان يخضع لتحقيق بتهمة الفساد، قال: «مَن سرّب إليكم هذا الخبر بمقدوره الإجابة عن هذا السؤال».

- انقلابيون يتجولون بسيارات أممية
يُذكر أن منظمة الصحة العالمية ليست الوكالة الوحيدة التابعة للأمم المتحدة التي تنظر في أمر مزاعم وقوع تجاوزات من جانب موظفيها في اليمن. تبعاً لما ذكرته ثلاثة مصادر على علم بالتحقيقات، فإن «اليونيسيف» تجري تحقيقاً مع خرام جاويد، الباكستاني المشتبه في سماحه لمسؤول حوثي بارز باستخدام سيارة تتبع الوكالة.
وكان من شأن ذلك توفير حماية فعلية للمسؤول الحوثي من ضربات جوية يشنها التحالف الذي تقوده السعودية ويقاتل الحوثيين، نظراً لأن «اليونيسيف» تخطر التحالف بتحركات سياراتها لضمان سلامة العاملين لديها. وقال مسؤولون إنهم يخشون تعرض سيارات الوكالة للاستهداف من جانب ضربات جوية إذا ما ظنت قوات التحالف أن الحوثيين يستخدمونها. وكان جاويد معروف بصلاته الوثيقة مع الأجهزة الأمنية الحوثية وتفاخَر باستغلاله صلاته في منع مراجعي «اليونيسيف» الماليين من دخول البلاد، حسبما أفاد عامل سابق ومسؤول بمجال الإغاثة، بل وعلق الحوثيون لوحة إعلانات ضخمة تحمل صورته في أحد شوارع صنعاء شكراً على خدماته.
ولم تتمكن «أ.ب» من الوصول إلى جاويد للحصول على تعليق. لكنّ مسؤولين تابعين لـ«اليونيسيف» أكدوا أنه كجزء من التحقيق الجاري، سافر فريق تحقيقات إلى اليمن للنظر في هذه المزاعم، وقالوا إن جاويد جرى نقله لمكتب آخر، لكن لم يكشفوا موقعه.
وطبقاً لما ذكره الكثير من الأشخاص تعد العلاقات الوثيقة بين عاملين في الأمم المتحدة ومسؤولين محليين من كلا طرفي النزاع، أمراً شائعاً.

- تأشيرات مقابل توظيف الأتباع
ذكر تقرير صادر عن لجنة تابعة للأمم المتحدة معنية باليمن، أن السلطات الحوثية تضغط باستمرار على وكالات الإغاثة، وتجبرها على تعيين موالين لها، وتخوفها بتهديدات إلغاء الفيزات بهدف السيطرة على تحركاتها والمشروعات التي تتولى تنفيذها.
وقال مسؤولون إنه من غير الواضح عدد العاملين الذي ربما يمدون يد العون للمقاتلين. وذكر مسؤولون أن العديد من الحوادث التي وقعت في السنوات الأخيرة تشير إلى أن عاملين لدى الأمم المتحدة ربما تورطوا في سرقة مساعدات موجهة إلى اليمن.
وأشارت تقارير تابعة للأمم المتحدة من عامي 2016 و2017، حصلت «أ.ب» على نسخة منها، إلى عدة حوادث تعرضت خلالها شاحنات تحمل إمدادات طبية للاختطاف من جانب متمردين حوثيين داخل محافظة تعز. وجرى توزيع المساعدات لاحقاً على المقاتلين الحوثيين في الخطوط الأمامية التي تقاتل التحالف الذي تقوده السعودية أو جرى بيعها داخل مناطق يسيطر عليها متمردون.
وقال مسؤول إن عجز الأمم المتحدة أو عدم استعدادها لتناول الفساد المزعوم في برامج الإغاثة التابعة لها يضر بجهود المنظمة في مساعدة اليمنيين المتضررين من الحرب. وقال: «هذه فضيحة لأي وكالة وتقوض حيادية الأمم المتحدة».


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمسك شيخ محمود بـ«الانتخابات المباشرة» يزيد المشهد الصومالي تعقيداً

الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقائه زعماء ومسؤولين من مختلف أنحاء البلاد (وكالة الأنباء الصومالية)

يزداد المشهد على الساحة السياسية بالصومال تعقيداً مع تمسُّك الرئيس حسن شيخ محمود بإجراء الانتخابات المباشرة التي كانت مقرَّرة هذا العام، رغم وجود معارضة لهذا التوجه وعدم حسمه، رغم إجراء حوارات وطنية على مدى نحو عام، وسط صعوبات أمام الحكومة؛ أبرزها خلافات مع بعض الولايات واعتراف إسرائيلي بأحد الأقاليم.

ويشير خبير في الشؤون الصومالية، تحدَّث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تأزم الوضع الصومالي بالفعل داخلياً وخارجياً، داعياً لعقد حوار جاد للوصول لحلول.

والتقى الرئيس الصومالي زعماء تقليديين من مختلف أنحاء البلاد بالقصر الرئاسي، بحسب ما ذكرته «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، الثلاثاء، مشيداً بدورهم في تحقيق السلام والمصالحة وبناء الدولة والحفاظ على وحدة الشعب.

وأكد شيخ محمود، خلال اللقاء، أنَّه لا يمكن التنازل أبداً عن إعادة السلطة للشعب في اختيار قادته السياسيين، داعياً الزعماء التقليديين إلى دعم إجراء الانتخابات المباشرة لضمان الوصول إلى تمثيل حقيقي ونظام ديمقراطي شفاف.

وقال: «نحن مصممون على أن يحصل الشعب الصومالي على حقوقه الدستورية في اختيار مَن يمثله في السلطة بعد 57 عاماً، حيث سبَّبت الانتخابات غير المباشرة التي جرت في البلاد كثيراً من المشكلات، وعلى رأسها الأمنية».

يأتي ذلك وسط خلافات مع المعارضة بشأن الانتخابات المباشرة، واعتماد الدستور في مارس (آذار) الماضي دون تغيير ما يتعلق بالانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، أو الحد من صلاحيات الولايات.

ووسط خلافات ممتدة منذ نحو عام، لم تُنهها جولات الحوار، تَشكَّل «مجلس مستقبل الصومال» المعارض في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب اجتماع في نيروبي، وأسَّسه رئيسا جوبالاند وبونتلاند أحمد مدوبي وسعيد دني، وزعيما «منتدى الإنقاذ» المعارض، وهم رئيسا الوزراء السابقان حسن علي خيري وسعد شردون، وعضو البرلمان عبد الرحمن عبد الشكور، وآخرون.

وامتدت الخلافات على مستوى قادة الأقاليم بصورة غير مسبوقة. وأواخر مارس الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة» على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غرب، ووصول قوات مسلحة للعاصمة «استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين، مؤكدة «أن جهوداً لحلّ مشكلات الولاية قوبلت بمعارضة من الإدارة السابقة».

وبعد تلك الأحداث، نجا شيخ محمود، دون أن يُصاب بأذى، من حادث تعرض فيه هو ومرافقوه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا بجنوب البلاد، مطلع أبريل (نيسان) عقب الإطاحة برئيس الإقليم، في ثاني استهداف تدبره «حركة الشباب» المتشددة وينجو منه رئيس الصومال في غضون عام تقريباً، وفق ما أفادت «وكالة بلومبرغ».

ويعتقد المحلل والكاتب الصومالي، حسن محمد حاج، أن التمسك الرئاسي يزيد من حدة الانقسام مع الولايات المعارضة، في وقت يمنح الدستور الجديد الذي تم إقراره في مارس 2026 الرئيس عاماً إضافياً برفع الولاية لـ5 سنوات، لتنتهي في مايو (أيار) 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأمام هذا الإصرار الرئاسي، يرى المحلل الصومالي أنَّ الحل يمكن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل يضمن مشاركة الولايات المعارضة، بما فيها بونتلاند وجوبالاند، والاتفاق على نموذج انتخابي هجين يجمع بين الاقتراع المباشر والتوافق العشائري لضمان شرعية الاستحقاقات المقبلة.

ووسط تعقيدات المشهد الداخلي، وافق مجلس الوزراء الإسرائيلي على تعيين مايكل لوتيم سفيراً لدى الإقليم الانفصالي، أرض الصومال، في إطار عملية توسيع العلاقات مع هذه المنطقة، عقب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في أواخر عام 2025، وفقاً لبيان وزارة الخارجية، الأسبوع الماضي.

وتحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر خاص وجيش، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على الصومال، وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وليس أمام مقديشو، بحسب المحلل محمد حاج، سوى التحشيد الدبلوماسي والتحالف مع مصر وتركيا لعزل الانفصال دولياً، مضيفاً: «الخطر السيادي ربما يدفع الحكومة والمعارضة لتفاهمات اضطرارية تُعلي المصلحة الوطنية فوق الخلافات الداخلية».


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.