الأمم المتحدة تقر بوجود تحقيقات فساد «سرية» لمسؤولين يعملون لوكالاتها في اليمن

تقرير كشف اتهامات لموظفي إغاثة بالقتال ضمن صفوف الحوثيين... والانقلابيون يتجولون بسيارات أممية تقيهم الاستهداف

طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)
طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة تقر بوجود تحقيقات فساد «سرية» لمسؤولين يعملون لوكالاتها في اليمن

طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)
طفل يمني تبرز ملامح الجوع والمرض على جسده النحيل (أ.ب)

«لا أنسى أبداً القول إن تجويع الملايين ليست الجريمة الوحيدة، بل إن استخدام مقرات المنظمات الإنسانية وسياراتها والحماية التي يتمتعون بها لتهريب ونقل قيادات حوثية يعد بمثابة جريمة حرب من الدرجة الأولى... يجب أن يخجل الموظفون المتورطون من أنفسهم، وكيف ظلوا يزايدون باسم أخطاء الطيران وهم في الحقيقة مَن حوّلوا مقراتهم لمراكز عسكرية حوثية».
بهذه الكلمات الساخنة، اشتعلت كلمات الدكتور حمزة الكمالي وكيل وزارة الشباب والرياضة اليمني، تعليقاً على تحقيق نشرته «أسوشيتد برس» الأميركية أمس، يكشف عن تحقيقات تجريها الأمم المتحدة مع مسؤولين وموظفين بوكالات إغاثية تابعة للمنظمة الدولية في اليمن، بتهم فساد وتعاون مع الحوثيين، والانضمام إليهم بالقتال أيضاً.
في العاشر من سبتمبر (أيلول) عام 2017، حين نشرت «الشرق الأوسط» قصة خبرية بعنوان «انتقادات وتساؤلات حول دور المنظمات الدولية الإنسانية في اليمن»، طرقت القصة باب الأمم المتحدة الإغاثي الموصد في اليمن، واستمزجت رأي محللين يمنيين وخليجيين مهتمين باليمن، حول دور المؤسسات الإغاثية.
كان ذلك قبل نحو عامين، قبل أن يخرج التحقيق المدوّي، وفق ناشطين يمنيين أعلنوا أن سر إطالة الأزمة انكشف، واتضح أن هناك مَن يغذّي إطالة الحرب ولأسباب ضيقة وشخصية.
وكشف مسؤولون في الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط» عن وجود تحقيقات سارية بالفعل، ولكنهم قالوا إنها سرية، وإنهم ليسوا متأكدين إذا ما كان سيتم رفع السرية عنها أو عن نتائجها.
وأفصح مصدر أممي لـ«الشرق الأوسط» بأن مكتب تنسيق المساعدات الإنسانية في اليمن (أوتشا) يعدّ لردٍّ على ما ورد في التحقيقات.
أمام ذلك، طالب مسؤولون في الحكومة اليمنية الشرعية بضرورة رفع السرية عن التحقيقات، ومعاقبة المتسببين.
يقول حمزة الكمالي، وهو وكيل وزارة الشباب والرياضة في الحكومة اليمنية: «يحب أن يُكشف عن تفاصيل هذه التقارير كاملة وإظهارها للرأي العام ومعاقبة المتسببين، وقبل ذلك على الحكومة تغيير طريقة وآلية التعامل مع كل هذه المنظمات حتى تتأكد من المسار الصحيح لها».
المحلل السياسي اليمني البراء شيبان يعلق في اتصال مع«الشرق الأوسط» بالقول إن «الفضيحة الكبيرة تكمن في بقاء مكاتب الأمم المتحدة مصرةّ على العمل من داخل صنعاء، رغم تحذيرنا والكثير من الناشطين اليمنيين من وجود فساد كبير وأنه لا يمكن أن يسمح الحوثيون للمنظمات بالعمل من دون أن تكون الجماعة مستفيدة»، متابعاً أن «وجود الأدلة الآن يجعل مصداقية تقارير الأمم المتحدة على المحكّ، ولا يمكن أن نصدق أن التقارير هذه لم يتم تسييسها خلال الفترة الماضية».

- مصادرة الأدلة
تبدأ القصة بمشهد درامي وقع خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2018، حين احتشد محققون تابعون للأمم المتحدة في قاعة المغادرة داخل مطار صنعاء، واستعدوا للرحيل حاملين معهم دليلاً بالغ الأهمية: مجموعة من الحواسب المحمولة ومحركات أقراص خارجية جرى جمعها من موظفين لدى منظمة الصحة العالمية. ساد لدى المحققين اعتقاد بأن هذه الحواسب تحوي دليلاً على وقوع جرائم فساد واحتيال داخل مكتب الأمم المتحدة في اليمن. ولكن، وقبل صعودهم على متن الطائرة، اقتحم رجال مدججون بالسلاح من الميليشيات الحوثية التي تسيطر على مناطق بشمال اليمن، صالة المطار وصادرت الحواسب، حسبما أفاد 6 من مسؤولي الإغاثة السابقين والحاليين للوكالة الأميركية التي تُختصر بـ«أ.ب». لوهلة ساد أولئك المحققين ذهول من الموقف. لم يمسهم سوء، لكنهم سافروا من دون الأدلة.
وذكر المسؤولون الستة أن الميليشيات الحوثية جرى إخطارها بالأمر من جانب موظفة في منظمة الصحة العالمية على صلة بالجماعة المتمردة خشيت أن يفتضح أمر اختلاسها من أموال المساعدات. ورفض المسؤولون الستة كشف هويتهم نظراً لأن مسألة الاستيلاء على الحواسب لم يعلَن عنها من قبل.
هذا المشهد يعد حلقة أخرى من نضال مستمر ضد الفساد الذي يحرم اليمنيين التعساء من أغذية وأدوية وأموال جرى التبرع بها لصالحهم في خضم حرب أهلية مشتعلة بالبلاد منذ خمس سنوات.

- مقاتلون أمميون؟
هناك اتهامات لـ12 موظفاً بمجال الإغاثة تابعين للأمم المتحدة ممن جرى إرسالهم للتعامل مع الأزمة الإنسانية التي خلقتها الحرب، بالانضمام إلى مقاتلين من مختلف الأطراف لإثراء أنفسهم بمليارات الدولارات المتمثلة في مساعدات متدفقة على البلاد، تبعاً لما ذكره أشخاص على معرفة بالتحقيقات الداخلية الجارية في الأمم المتحدة ووثائق سرية اطّلعت عليها الوكالة.
وفي تعليقه على ذلك، يقول حمزة الكمالي: «منذ اللحظة الأولى للانقلاب ونحن نحذّر من الدور المشبوه لمنظمات الأمم المتحدة في تغذية الحرب وإطالة أمد الصراع عبر دعم ميليشيا الحوثي، وما كشف عنه هذا التقرير أمر صادم وفاجع، فكيف يصبح من يستلمون المليارات ويتكئ عليهم المجتمع الدولي لإنقاذ المحتاجين والمتضررين من الانقلاب الفاشي بهذه الوحشية والفساد واللامسؤولية، أكثر مَن ينادون بإيقاف الحرب وأكثر مَن يعمل على استمرارها هم هؤلاء الفاسدون الذي يعملون في الأمم المتحدة ويشاركون الحوثي في طعن الشعب اليمني وسرقة قوته».

- شكوك التعاقدات
أعلنت «أ.ب» حصولها على وثائق تحقيقات، وعقدت مقابلات مع ثمانية عمال إغاثة ومسؤولين حكوميين سابقين. وتدور الفكرة الرئيسية حول أن المراجعين الماليين داخل منظمة الصحة العالمية يُجرون تحقيقاً حول مزاعم بأن أشخاصاً غير مؤهلين جرى تعيينهم في مناصب عالية الأجور، وأن ملايين الدولارات جرى إيداعها في حسابات بنكية شخصية تخص موظفين بالمنظمة، بجانب الموافقة على تعاقدات مثيرة للريبة دون توافر المستندات الورقية المناسبة، واختفاء أطنان من الأدوية والوقود تبرعت بها جهات خارجية لليمن.
وذكر نشطاء يمنيون أن الإجراءات التي اتخذتها وكالات تتبع الأمم المتحدة موضع ترحيب، لكنها لا ترقى لمستوى التحقيق اللازم لاقتفاء أثر ملايين الدولارات في صورة إمدادات وأموال من برامج إغاثة اختفت أو جرى تحويلها إلى خزائن مسؤولين محليين على جانبي الصراع منذ بداية الحرب الأهلية.
وعلى امتداد الشهور الثلاثة الماضية، ضغط نشطاء من أجل إقرار شفافية فيما يخص المساعدات في إطار حملة عبر شبكة الإنترنت أُطلق عليها «أين الفلوس؟»، وطالب النشطاءُ الأممَ المتحدة ووكالات دولية بتقديم تقارير مالية حول كيف جرى إنفاق مئات الملايين من الدولارات التي تدفقت على اليمن منذ عام 2015. العام الماضي، أعلنت الوكالة أن المانحين الدوليين تعهدوا بتقديم ملياري دولار للجهود الإنسانية في اليمن.
استجابت الأمم المتحدة بحملة عبر الإنترنت من جانبها أطلقت عليها «تفحصوا النتائج»، تكشف البرامج التي جرت داخل اليمن. ولم تطرح الحملة تقارير مالية تفصيلية حول كيفية إنفاق أموال الإغاثة.
وحيال ذلك، قال البراء شيبان في سياق تعليقه لـ«الشرق الأوسط»: الحملة التي أطلقها الناشطون اليمنيون اتضح أنها كانت على حق وأن أسئلتهم كانت مشروعة وأن المكاتب الأممية لم تستطع الإجابة عن أسئلتهم لأنها كانت أدلة واضحة ودامغة عن الفساد الموجود من قبل بعض موظفي المنظمات.

- موظفون لرعاية كلب مسؤول
كان التحقيق الذي يجريه مكتب منظمة الصحة العالمية في اليمن قد بدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) بمزاعم تفيد بحدوث سوء إدارة مالية من جانب نيفيو زاغاريا، وهو طبيب إيطالي تولى رئاسة مكتب صنعاء التابع للوكالة منذ عام 2016 حتى سبتمبر 2018، تبعاً لما ذكره ثلاثة أشخاص على معرفة مباشرة بالتحقيق.
وجاء الإعلان الوحيد عن التحقيق في عبارة مدفونة في طيات 37 صفحة من التقرير السنوي للمراجع المالي الداخلي لعام 2018 حول النشاطات على المستوى العالمي. ولم يذكر التقرير زاغاريا بالاسم.
وخلص التقرير الذي صدر في الأول من مايو (أيار)، إلى أن الضوابط المالية والإدارية المعمول بها في مكتب اليمن «غير مُرضية» -التصنيف الأدنى- وأشار التقرير إلى وجود تجاوزات في إجراءات التعيين وإقرار صفقات على نحو غير تنافسي وغياب المراقبة عن إجراءات التوريد.
من جانبه، أكد المتحدث الرسمي باسم منظمة الصحة العالمية، طارق جاسارفيتش، أن تحقيقاً يجري بالفعل. وقال إن زاغاريا تقاعد في سبتمبر 2018، لكنه لم يؤكد أو ينفي ما إذا كان زاغاريا نفسه قيد التحقيق، وفقاً للتحقيق الذي نشرته الوكالة الأميركية.
وقال: «مكتب خدمات المراقبة الداخلية يجري حالياً تحقيقاً حول جميع المسائل التي جرت إثارتها. ويجب أن نحترم سرية هذه العملية، ونحن من جانبنا غير قادرين على خوض تفاصيل مسائل بعينها». من ناحيته، لم يستجب زاغاريا لأسئلة بعثت بها «أ.ب» بها عبر البريد الإلكتروني.
يُذكر أن زاغاريا عمل في منظمة الصحة العالمية طيلة 20 عاماً، وقد وصل إلى اليمن في ديسمبر (كانون الأول) 2016، وذلك بعد فترة عمل قضاها في الفلبين لمدة أربع سنوات.
وعيّن زاغاريا عاملين شباباً سبق أن عملوا معه في الفلبين وأمر بترقيتهم إلى مناصب ذات رواتب مرتفعة لم يكونوا مؤهلين لها، حسبما أفاد ثلاثة أشخاص.
وحصل اثنان منهم -أحدهما طالب بجامعة فلبينية ومتدرب سابق- على مناصب رفيعة، بينما كان دورهما الوحيد رعاية كلب زاغاريا، حسبما ذكر اثنان من المسؤولين. وقال مسؤول سابق في مجال الإغاثة إن «موظفين يفتقرون إلى الكفاءة يتقاضون أجوراً ضخمة قوضوا مستوى جودة العمل». وتشير مزاعم إلى أن زاغاريا وافق على تعاقدات مريبة وقّع عليها موظفون بالمكتب دون عملية مناقصة تنافسية أو توثيق لإجراءات إنفاق الأموال، تبعاً لوثائق داخلية اطّلعت عليها «أ.ب».
تحت قيادة زاغاريا، جرى استغلال أموال المساعدات التي كان من المفترض إنفاقها في أثناء فترات الطوارئ، جرى استغلالها كذلك بقدر قليل للغاية من المساءلة أو المراقبة، تبعاً لما كشفته وثائق داخلية.

- حوثية تعمل مع الأمم المتحدة
تشير الوثائق إلى أن شركات محلية تعاقدت لتوفير خدمات لمكتب عدن التابع لمنظمة الصحة العالمية، جرى لاحقاً اكتشاف أنها استعانت بأصدقاء وأقارب لموظفين داخل منظمة الصحة العالمية وفرضت رسوماً مبالغاً فيها مقابل الخدمات المقدمة. وشوهد مالك إحدى هذه الشركات يسلّم مبلغاً نقدياً لموظف بالمكتب، حسبما ذكرت الوثائق (رشوة واضحة). وقال أربعة أشخاص على علم بنشاطات المكتب إن موظفة تتبع منظمة الصحة العالمية تُدعى تميمة الغولي، كانت هي من أخطر الحوثيين، قالت بأن محققين يسافرون برفقتهم أجهزة حواسب محمولة. وقالوا إنها اختلقت قوائم رواتب وأجور، وأضافت إليها أسماء وهمية وجمعت الرواتب لنفسها، بجانب تلقيها رشى لتعيين أشخاص. ومن بين مَن وضعت أسماءهم على قائمة الأجور، زوجها وهو عضو بارز مع الجماعة الحوثية.
ومنذ ذلك الحين جرى إيقاف الغولي عن العمل، لكنها تبقى موظفة لدى منظمة الصحة العالمية، طبقاً لما أفاد به شخص على معرفة مباشرة بالحادث. ولم تستجب الغولي لمحاولات «أ.ب» التواصل معها.

- الأموال المباشرة
جدير بالذكر أنه تبعاً لقواعد منظمة الصحة العالمية، يمكن نقل أموال المساعدات بصورة مباشرة إلى حسابات العاملين -وهو إجراء يُقصد منه إسراع وتيرة شراء السلع والخدمات في حالة الأزمات. وقالت منظمة الصحة العالمية إن هذا الإجراء ضروري للحفاظ على العمليات الجارية في المناطق النائية نظراً لأن القطاع المصرفي في اليمن غير عامل بصورة كاملة.
ونظراً لأن مثل هذه الإجراءات مقتصرة على الطوارئ، فإنه ليس هناك ما يلزم لتعيين بنود إنفاق هذه التحويلات المباشرة. من جهته، وافق زاغاريا على تحويلات لأموال مباشرة بقيمة مليون دولار لحساب موظفين بعينهم، تبعاً لما كشفته وثائق داخلية. إلا أنه في كثير من الحالات من غير الواضح كيف جرى إنفاق المال.
من ناحيته، تلقى عمر زين رئيس مكتب عدن التابع للوكالة والذي يعمل تحت قيادة زاغاريا، مئات الآلاف من الدولارات من أموال المساعدات في حسابه الشخصي، وفقاً لما كشفته مقابلات جرت مع مسؤولين ووثائق داخلية. إلا أن زين لم يتمكن من شرح ما حدث مع ما يزيد على نصف هذه الأموال، تبعاً لما توضحه وثائق داخلية.
وذكر أربعة أشخاص على معرفة مباشرة بعمليات الإغاثة في جنوب اليمن أن زين عمل كذلك مستشاراً رسمياً لوزير الصحة في الحكومة اليمنية الشرعية التي تتخذ من عدن مقراً لها، وأدار منظمة غير هادفة للربح تابعة له وقّعت تعاقداً بقيمة 1.3 مليون دولار مع الأمم المتحدة لإدارة برامج تغذية في مدينة المكلا. وخلقت هذه الترتيبات تعارضاً للمصالح، حسبما أفاد الأشخاص الأربعة.
من ناحيتها، رفضت «اليونيسيف» لاحقاً تجديد العقد مع المنظمة غير الربحية المملوكة لزين بعد اكتشافها أن المنظمة تزوّر تقارير وليس لها وجود فعلي على الأرض داخل المكلا، حسبما ذكر مصدران مطلعان.
وعندما تواصلت «أ.ب» معه، رفض زين التعليق وقال إنه استقال من منصبه بوزارة الصحة. وفي سؤال له حول ما إذا كان يخضع لتحقيق بتهمة الفساد، قال: «مَن سرّب إليكم هذا الخبر بمقدوره الإجابة عن هذا السؤال».

- انقلابيون يتجولون بسيارات أممية
يُذكر أن منظمة الصحة العالمية ليست الوكالة الوحيدة التابعة للأمم المتحدة التي تنظر في أمر مزاعم وقوع تجاوزات من جانب موظفيها في اليمن. تبعاً لما ذكرته ثلاثة مصادر على علم بالتحقيقات، فإن «اليونيسيف» تجري تحقيقاً مع خرام جاويد، الباكستاني المشتبه في سماحه لمسؤول حوثي بارز باستخدام سيارة تتبع الوكالة.
وكان من شأن ذلك توفير حماية فعلية للمسؤول الحوثي من ضربات جوية يشنها التحالف الذي تقوده السعودية ويقاتل الحوثيين، نظراً لأن «اليونيسيف» تخطر التحالف بتحركات سياراتها لضمان سلامة العاملين لديها. وقال مسؤولون إنهم يخشون تعرض سيارات الوكالة للاستهداف من جانب ضربات جوية إذا ما ظنت قوات التحالف أن الحوثيين يستخدمونها. وكان جاويد معروف بصلاته الوثيقة مع الأجهزة الأمنية الحوثية وتفاخَر باستغلاله صلاته في منع مراجعي «اليونيسيف» الماليين من دخول البلاد، حسبما أفاد عامل سابق ومسؤول بمجال الإغاثة، بل وعلق الحوثيون لوحة إعلانات ضخمة تحمل صورته في أحد شوارع صنعاء شكراً على خدماته.
ولم تتمكن «أ.ب» من الوصول إلى جاويد للحصول على تعليق. لكنّ مسؤولين تابعين لـ«اليونيسيف» أكدوا أنه كجزء من التحقيق الجاري، سافر فريق تحقيقات إلى اليمن للنظر في هذه المزاعم، وقالوا إن جاويد جرى نقله لمكتب آخر، لكن لم يكشفوا موقعه.
وطبقاً لما ذكره الكثير من الأشخاص تعد العلاقات الوثيقة بين عاملين في الأمم المتحدة ومسؤولين محليين من كلا طرفي النزاع، أمراً شائعاً.

- تأشيرات مقابل توظيف الأتباع
ذكر تقرير صادر عن لجنة تابعة للأمم المتحدة معنية باليمن، أن السلطات الحوثية تضغط باستمرار على وكالات الإغاثة، وتجبرها على تعيين موالين لها، وتخوفها بتهديدات إلغاء الفيزات بهدف السيطرة على تحركاتها والمشروعات التي تتولى تنفيذها.
وقال مسؤولون إنه من غير الواضح عدد العاملين الذي ربما يمدون يد العون للمقاتلين. وذكر مسؤولون أن العديد من الحوادث التي وقعت في السنوات الأخيرة تشير إلى أن عاملين لدى الأمم المتحدة ربما تورطوا في سرقة مساعدات موجهة إلى اليمن.
وأشارت تقارير تابعة للأمم المتحدة من عامي 2016 و2017، حصلت «أ.ب» على نسخة منها، إلى عدة حوادث تعرضت خلالها شاحنات تحمل إمدادات طبية للاختطاف من جانب متمردين حوثيين داخل محافظة تعز. وجرى توزيع المساعدات لاحقاً على المقاتلين الحوثيين في الخطوط الأمامية التي تقاتل التحالف الذي تقوده السعودية أو جرى بيعها داخل مناطق يسيطر عليها متمردون.
وقال مسؤول إن عجز الأمم المتحدة أو عدم استعدادها لتناول الفساد المزعوم في برامج الإغاثة التابعة لها يضر بجهود المنظمة في مساعدة اليمنيين المتضررين من الحرب. وقال: «هذه فضيحة لأي وكالة وتقوض حيادية الأمم المتحدة».


مقالات ذات صلة

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.