«يوميات آن فرانك» للمرة الأولى في ترجمة عربية كاملة

قرأها الملايين وتعد من أشهر الوثائق عن معسكرات الاعتقال النازية

آن فرانك
آن فرانك
TT

«يوميات آن فرانك» للمرة الأولى في ترجمة عربية كاملة

آن فرانك
آن فرانك

تعتبر يوميات الهولندية آن فرانك من بين الوثائق الأكثر تداولاً في القرن العشرين؛ فمنذ نشرها في عام 1947، قرأها الملايين في كل أنحاء العالم؛ شهادة بليغة آسرة على طبيعة روح إنسانية لا يهزمها شيء.
كتبت آن فرانك مذكراتها، التي ترجمها كاملة عن اللغة الروسية المترجم المصري الدكتور أحمد صلاح الدين، في الفترة من الثاني عشر من يونيو (حزيران) 1942 حتى الأول من أغسطس (آب) 1944. في البداية، كتبتها لنفسها فقط، ثم في يوم من أيام عام 1944، أعلن جيريت بولكيستاين، وهو عضو في الحكومة الهولندية في المنفى، في الإذاعة التي تبث من لندن، أنه يتطلع بعد أن تنتهي الحرب إلى جمع روايات شهود عيان عن معاناة الشعب الهولندي تحت نير الاحتلال الألماني، وأنه يود أن يجعلها متاحة لاطلاع الجمهور. وكان هذا هو الباب الذي أدى لأن تخرج مذكرات آن ويومياتها للعلن.
وفي هذه الطبعة، التي أصدرتها «دار الفراشة للنشر» بالكويت أعيدت العديد من فقرات اليوميات التي حُذفت من الطبعة الأصلية، وتشكل 30 في المائة من المادة، وتعزز حقيقة أن آن كانت أولاً وقبل كل شيء مجرد فتاة في سن المراهقة، وليست رمزاً مثالياً طاهراً لا تشوبه شائبة. انتابها الغضب، وحاولت أن تتحدى رغباتها الوليدة، مثل كثير من الفتيات الصغيرات، وكثيراً ما وجدت نفسها على خلاف مع والدتها. وكأي مراهقة، تغير مسارها من عالم الطفولة الناعم إلى عالم البالغين.
وتذكر آن في يومياتها أنها اختبأت وعائلتها هرباً من أهوال الاحتلال النازي، خلف مستودع في أمستردام لمدة عامين. كانت في الثالثة عشرة عندما دخلت العائلة الملحق السري، وهناك تكبر آن لتصير شابة، متأملة للطبيعة البشرية تملك ناصية الحكمة، وبصيرة مدهشة، راحت تكشف عن العلاقات بين ثمانية أشخاص يعيشون في ظروف غير عادية، يواجهون الجوع، والتهديد الدائم من أن يكتشف أمرهم، ومن ثم الموت، يحيون في قطيعة كاملة مع العالم الخارجي، وقبل كل هذا يظلون في حالة مواجهة مع الملل، وسوء الفهم المثير للشفقة، وإحباطات العيش تحت وطأة هذا الضغط غير المحتمل، في مثل هذه الأماكن الخانقة.
كان ميلاد آن فرانك في الثاني عشر من يونيو 1929، وقد لقيت حتفها في فبراير (شباط) من عام 1945 في السجن في «بيرجن بيلسن»، قبل ثلاثة أشهر من عيد ميلادها السادس عشر. كان والدها أوتو إتش فرانك الناجي الوحيد من «الهولوكست» في عائلته. وقد توفي في عام 1980.
وتشير اليوميات إلى أن «الجستابو» اعتقل آن فرانك ذات الخمسة عشر ربيعاً وعائلتها، بعد وشاية من مواطن هولندي، حيث اختبأت وعائلتها في مستودع في أحد أحياء أمستردام عام 1942، خشية القبض عليهم ونقلهم إلى أحد معسكرات الاعتقال النازية. وما إن استقرت آن في الملحق السري، حتى بدأت بحلول عيد ميلادها الثالث عشر في كتابة يوميات تحكي فيها ما يجري لها ولعائلتها، كما تحدثت عن الرعب الذي صاحبهم في كل لحظة من اكتشاف أمرهم، وينفتح باب الجحيم في معسكر من معسكرات الاعتقال النازية.
قررت آن أنها ما إن تنتهي الحرب، ستنشر كتاباً يضم يومياتها. بدأت كتابة وتحرير مذكراتها، وقامت بتنقيح النص، وحذف المقاطع التي رأتها غير مثيرة للاهتمام بشكل كاف، وأضافت تفاصيل أخرى من الذاكرة. في الوقت نفسه، حافظت على النص الأصلي ليومياتها.
وفي الدراسة العلمية، «يوميات آن فرانك: الطبعة النقدية» (1989)، أُشير إلى يوميات آن الأولى غير المحررة كإصدار (أ)، لتمييزه عن الإصدار المحرر الثاني، والذي عرف بإصدار (ب).
وترجع آخر إضافة ليوميات آن إلى الأول من أغسطس (آب) 1944، وفي الرابع من الشهر نفسه، ألقي القبض على الأفراد الثمانية المختبئين في الملحق السري. وعثر كل من ميب جيس وبيب فوسكوجيل، من سكرتارية المبنى، على يوميات آن متناثرة على الأرض. وحملت ميب اليوميات ووضعتها في أحد الأدراج لحفظها. وبعد الحرب، وبعد أن تأكد موت آن، أعطت ميب المذكرات، دون أن تقرأها، إلى والد آن، أوتو فرانك.
وبعد مداولات طويلة، قرر أوتو فرانك تحقيق رغبة ابنته ونشر مذكراتها. اختار المواد من الإصدارات (أ) و(ب)، وحررها ليصل إلى إصدار مختصر، أشير إليه لاحقاً بالإصدار (ج)؛ يعرف القراء في أنحاء العالم هذا الإصدار باسم «يوميات فتاة فاونا».
في مرحلة اتخاذ القرار، كان على أوتو فرانك أن يضع عدة نقاط في حسبانه. بداية، الكتاب يجب أن يبقى قصيراً بحيث يظل جزءاً من سلسلة يصدرها الناشر الهولندي. بالإضافة إلى ذلك، تم استبعاد عدة نصوص تتعامل مع حياة آن الجنسية، حيث إنه لم يكن أمراً معتاداً وقت نشر الإصدار الأول لليوميات، في عام 1947؛ الكتابة صراحة عن الجنس، وبالتأكيد ليس في الكتب التي تستهدف الشباب. وإجلالاً للموتى، فقد استبعد أوتو فرانك أيضاً عدداً من الفقرات غير اللائقة التي تخص زوجته وسكان الملحق السري. آن فرانك، التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها عندما بدأت في كتابة يومياتها، وخمسة عشر عاماً عندما أجبرت على التوقف، كتبت دون تحفظ حول ما تحب وما تكره.
عندما توفي أوتو فرانك في عام 1980، أوصى بمخطوطات ابنته إلى معهد الدولة الهولندي لتوثيق الحرب في أمستردام. ولأن مصداقية اليوميات قد تعرضت للتشكيك منذ نشرها لأول مرة، فقد أصدر معهد توثيق الحرب قراراً بإجراء تحقيق شامل. وبعد إثبات صحة اليوميات، ودون أن تحوم حولها أي شكوك، تم نشرها مجمعة، مع نتائج دراسة شاملة. يحتوي الإصدار النقدي، ليس فقط على إصدارات (أ) و(ب)، إنما على مقالات عن خلفية عائلة فرانك، والظروف التي أحاطت بالقبض عليهم، ثم الترحيل، إضافة إلى اختبار خط يد آن، والوثيقة، والمواد المستخدمة.
وورثت «مؤسسة آن فرانك» في بازل (سويسرا)، وهي بمثابة الوريث الأوحد لأوتو فرانك، حقوق ابنته بالتبعية، وقد اتخذت قراراً بإصدار طبعة جديدة أكبر من اليوميات لنشرها وتقديمها للقراء. هذه الطبعة الجديدة ليس لها تأثير على سلامة الطبعة القديمة التي حررها أوتو فرانك، وقد أُوكلت مهمة الإشراف على الطبعة الموسعة للكاتبة والمترجمة ميريام بريسلير. وقد تم تدعيم مختارات أوتو فرانك الأصلية بنصوص من إصدارات آن (أ)، (ب). وفي الواقع، فإن الطبعة الكاملة لميريام بريسلير، والتي أقرتها «مؤسسة آن فرانك»، تحتوي على ما يقرب من 30 في المائة مواد إضافية، تستهدف إعطاء القارئ رؤية أعمق لعالم آن فرانك.
في كتابتها للإصدار الثاني (ب)، اخترعت آن أسماء مستعارة للشخصيات التي سوف تظهر في كتابها، أرادت في البداية أن تطلق على نفسها «آن أوليس»، وبعد ذلك «آن روبن». لكن فضل أوتو فرانك أن يترك أسماء أفراد عائلته كما هي، مع الالتزام برغبة آن بالنسبة للآخرين. وعلى مر السنين، فإن هوية الناس الذين قدموا يد العون للعائلة في الملحق السري أصبحت أمراً معروفاً للعامة. في هذه الطبعة، وقد وضع معهد توثيق الحرب عشوائيّاً حروفاً أولى للأشخاص الذي عبروا عن رغبتهم أن يبقوا مجهولين.
واعتمد الجزء الأكبر من هذه الطبعة على الإصدار (ب) من يوميات آن، التي كتبتها عندما كانت في نحو الخامسة عشرة من عمرها. وفي بعض الأحيان، كانت آن تعود إلى بعض الفقرات التي كتبتها في وقت سابق، وتعلق عليها؛ تجد هذه التعليقات واضحة في هذه الطبعة. وبطبيعة الحال، تم تصحيح الأخطاء اللغوية التي ارتكبتها آن. خلاف ذلك، فضلت «مؤسسة آن فرانك» ترك النص على حاله كما كتبته آن، لأنها رأت أن أي محاولات للتحرير والتوضيح ستكون غير مناسبة في وثيقة تاريخية.


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».