«يوميات آن فرانك» للمرة الأولى في ترجمة عربية كاملة

قرأها الملايين وتعد من أشهر الوثائق عن معسكرات الاعتقال النازية

آن فرانك
آن فرانك
TT

«يوميات آن فرانك» للمرة الأولى في ترجمة عربية كاملة

آن فرانك
آن فرانك

تعتبر يوميات الهولندية آن فرانك من بين الوثائق الأكثر تداولاً في القرن العشرين؛ فمنذ نشرها في عام 1947، قرأها الملايين في كل أنحاء العالم؛ شهادة بليغة آسرة على طبيعة روح إنسانية لا يهزمها شيء.
كتبت آن فرانك مذكراتها، التي ترجمها كاملة عن اللغة الروسية المترجم المصري الدكتور أحمد صلاح الدين، في الفترة من الثاني عشر من يونيو (حزيران) 1942 حتى الأول من أغسطس (آب) 1944. في البداية، كتبتها لنفسها فقط، ثم في يوم من أيام عام 1944، أعلن جيريت بولكيستاين، وهو عضو في الحكومة الهولندية في المنفى، في الإذاعة التي تبث من لندن، أنه يتطلع بعد أن تنتهي الحرب إلى جمع روايات شهود عيان عن معاناة الشعب الهولندي تحت نير الاحتلال الألماني، وأنه يود أن يجعلها متاحة لاطلاع الجمهور. وكان هذا هو الباب الذي أدى لأن تخرج مذكرات آن ويومياتها للعلن.
وفي هذه الطبعة، التي أصدرتها «دار الفراشة للنشر» بالكويت أعيدت العديد من فقرات اليوميات التي حُذفت من الطبعة الأصلية، وتشكل 30 في المائة من المادة، وتعزز حقيقة أن آن كانت أولاً وقبل كل شيء مجرد فتاة في سن المراهقة، وليست رمزاً مثالياً طاهراً لا تشوبه شائبة. انتابها الغضب، وحاولت أن تتحدى رغباتها الوليدة، مثل كثير من الفتيات الصغيرات، وكثيراً ما وجدت نفسها على خلاف مع والدتها. وكأي مراهقة، تغير مسارها من عالم الطفولة الناعم إلى عالم البالغين.
وتذكر آن في يومياتها أنها اختبأت وعائلتها هرباً من أهوال الاحتلال النازي، خلف مستودع في أمستردام لمدة عامين. كانت في الثالثة عشرة عندما دخلت العائلة الملحق السري، وهناك تكبر آن لتصير شابة، متأملة للطبيعة البشرية تملك ناصية الحكمة، وبصيرة مدهشة، راحت تكشف عن العلاقات بين ثمانية أشخاص يعيشون في ظروف غير عادية، يواجهون الجوع، والتهديد الدائم من أن يكتشف أمرهم، ومن ثم الموت، يحيون في قطيعة كاملة مع العالم الخارجي، وقبل كل هذا يظلون في حالة مواجهة مع الملل، وسوء الفهم المثير للشفقة، وإحباطات العيش تحت وطأة هذا الضغط غير المحتمل، في مثل هذه الأماكن الخانقة.
كان ميلاد آن فرانك في الثاني عشر من يونيو 1929، وقد لقيت حتفها في فبراير (شباط) من عام 1945 في السجن في «بيرجن بيلسن»، قبل ثلاثة أشهر من عيد ميلادها السادس عشر. كان والدها أوتو إتش فرانك الناجي الوحيد من «الهولوكست» في عائلته. وقد توفي في عام 1980.
وتشير اليوميات إلى أن «الجستابو» اعتقل آن فرانك ذات الخمسة عشر ربيعاً وعائلتها، بعد وشاية من مواطن هولندي، حيث اختبأت وعائلتها في مستودع في أحد أحياء أمستردام عام 1942، خشية القبض عليهم ونقلهم إلى أحد معسكرات الاعتقال النازية. وما إن استقرت آن في الملحق السري، حتى بدأت بحلول عيد ميلادها الثالث عشر في كتابة يوميات تحكي فيها ما يجري لها ولعائلتها، كما تحدثت عن الرعب الذي صاحبهم في كل لحظة من اكتشاف أمرهم، وينفتح باب الجحيم في معسكر من معسكرات الاعتقال النازية.
قررت آن أنها ما إن تنتهي الحرب، ستنشر كتاباً يضم يومياتها. بدأت كتابة وتحرير مذكراتها، وقامت بتنقيح النص، وحذف المقاطع التي رأتها غير مثيرة للاهتمام بشكل كاف، وأضافت تفاصيل أخرى من الذاكرة. في الوقت نفسه، حافظت على النص الأصلي ليومياتها.
وفي الدراسة العلمية، «يوميات آن فرانك: الطبعة النقدية» (1989)، أُشير إلى يوميات آن الأولى غير المحررة كإصدار (أ)، لتمييزه عن الإصدار المحرر الثاني، والذي عرف بإصدار (ب).
وترجع آخر إضافة ليوميات آن إلى الأول من أغسطس (آب) 1944، وفي الرابع من الشهر نفسه، ألقي القبض على الأفراد الثمانية المختبئين في الملحق السري. وعثر كل من ميب جيس وبيب فوسكوجيل، من سكرتارية المبنى، على يوميات آن متناثرة على الأرض. وحملت ميب اليوميات ووضعتها في أحد الأدراج لحفظها. وبعد الحرب، وبعد أن تأكد موت آن، أعطت ميب المذكرات، دون أن تقرأها، إلى والد آن، أوتو فرانك.
وبعد مداولات طويلة، قرر أوتو فرانك تحقيق رغبة ابنته ونشر مذكراتها. اختار المواد من الإصدارات (أ) و(ب)، وحررها ليصل إلى إصدار مختصر، أشير إليه لاحقاً بالإصدار (ج)؛ يعرف القراء في أنحاء العالم هذا الإصدار باسم «يوميات فتاة فاونا».
في مرحلة اتخاذ القرار، كان على أوتو فرانك أن يضع عدة نقاط في حسبانه. بداية، الكتاب يجب أن يبقى قصيراً بحيث يظل جزءاً من سلسلة يصدرها الناشر الهولندي. بالإضافة إلى ذلك، تم استبعاد عدة نصوص تتعامل مع حياة آن الجنسية، حيث إنه لم يكن أمراً معتاداً وقت نشر الإصدار الأول لليوميات، في عام 1947؛ الكتابة صراحة عن الجنس، وبالتأكيد ليس في الكتب التي تستهدف الشباب. وإجلالاً للموتى، فقد استبعد أوتو فرانك أيضاً عدداً من الفقرات غير اللائقة التي تخص زوجته وسكان الملحق السري. آن فرانك، التي كانت في الثالثة عشرة من عمرها عندما بدأت في كتابة يومياتها، وخمسة عشر عاماً عندما أجبرت على التوقف، كتبت دون تحفظ حول ما تحب وما تكره.
عندما توفي أوتو فرانك في عام 1980، أوصى بمخطوطات ابنته إلى معهد الدولة الهولندي لتوثيق الحرب في أمستردام. ولأن مصداقية اليوميات قد تعرضت للتشكيك منذ نشرها لأول مرة، فقد أصدر معهد توثيق الحرب قراراً بإجراء تحقيق شامل. وبعد إثبات صحة اليوميات، ودون أن تحوم حولها أي شكوك، تم نشرها مجمعة، مع نتائج دراسة شاملة. يحتوي الإصدار النقدي، ليس فقط على إصدارات (أ) و(ب)، إنما على مقالات عن خلفية عائلة فرانك، والظروف التي أحاطت بالقبض عليهم، ثم الترحيل، إضافة إلى اختبار خط يد آن، والوثيقة، والمواد المستخدمة.
وورثت «مؤسسة آن فرانك» في بازل (سويسرا)، وهي بمثابة الوريث الأوحد لأوتو فرانك، حقوق ابنته بالتبعية، وقد اتخذت قراراً بإصدار طبعة جديدة أكبر من اليوميات لنشرها وتقديمها للقراء. هذه الطبعة الجديدة ليس لها تأثير على سلامة الطبعة القديمة التي حررها أوتو فرانك، وقد أُوكلت مهمة الإشراف على الطبعة الموسعة للكاتبة والمترجمة ميريام بريسلير. وقد تم تدعيم مختارات أوتو فرانك الأصلية بنصوص من إصدارات آن (أ)، (ب). وفي الواقع، فإن الطبعة الكاملة لميريام بريسلير، والتي أقرتها «مؤسسة آن فرانك»، تحتوي على ما يقرب من 30 في المائة مواد إضافية، تستهدف إعطاء القارئ رؤية أعمق لعالم آن فرانك.
في كتابتها للإصدار الثاني (ب)، اخترعت آن أسماء مستعارة للشخصيات التي سوف تظهر في كتابها، أرادت في البداية أن تطلق على نفسها «آن أوليس»، وبعد ذلك «آن روبن». لكن فضل أوتو فرانك أن يترك أسماء أفراد عائلته كما هي، مع الالتزام برغبة آن بالنسبة للآخرين. وعلى مر السنين، فإن هوية الناس الذين قدموا يد العون للعائلة في الملحق السري أصبحت أمراً معروفاً للعامة. في هذه الطبعة، وقد وضع معهد توثيق الحرب عشوائيّاً حروفاً أولى للأشخاص الذي عبروا عن رغبتهم أن يبقوا مجهولين.
واعتمد الجزء الأكبر من هذه الطبعة على الإصدار (ب) من يوميات آن، التي كتبتها عندما كانت في نحو الخامسة عشرة من عمرها. وفي بعض الأحيان، كانت آن تعود إلى بعض الفقرات التي كتبتها في وقت سابق، وتعلق عليها؛ تجد هذه التعليقات واضحة في هذه الطبعة. وبطبيعة الحال، تم تصحيح الأخطاء اللغوية التي ارتكبتها آن. خلاف ذلك، فضلت «مؤسسة آن فرانك» ترك النص على حاله كما كتبته آن، لأنها رأت أن أي محاولات للتحرير والتوضيح ستكون غير مناسبة في وثيقة تاريخية.


مقالات ذات صلة

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.


اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.