عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية

تفعيل قانون العمل بحق الأجانب يطال اللاجئين

عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية
TT

عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية

عمالة الفلسطينيين في لبنان... مقاربات اقتصادية وطائفية

بعد مرحلة غابت خلالها المخيمات الفلسطينية في لبنان عن واجهة الاهتمام المحلي، لتحل مكانها ملفات كملف اللاجئين السوريين ومعالجة الوضع الاقتصادي الصعب في البلد، أعادت خطة وزارة العمل لمكافحة اليد العاملة غير الشرعية والتي بدأ تطبيقها منتصف هذا الشهر، الواقع الفلسطيني إلى صدارة الاهتمامات. حصل هذا بعد رفض الفصائل مجتمعة تطبيق هذه الخطة على اللاجئين الفلسطينيين، وبالأخص مطالبتهم بالحصول على إجازات عمل كسائر العمال الأجانب، والتشديد على وجوب المحافظة على «الخصوصية الفلسطينية» في لبنان.
شهدت المخيمات الفلسطينية في لبنان منذ بدء تطبيق خطة مكافحة اليد العاملة غير الشرعية إضرابات واحتجاجات واسعة لحثّ وزير العمل كميل أبو سليمان، على التراجع عن الإجراءات التي اتخذها.
الوزير، من جهته، يؤكد أن ما يقوم به ليس إلا تطبيقاً لقانون العمل الذي لم يكن الوزراء السابقون يطبقونه، وأن كثيراً من الاستثناءات تلحظ العمالة الفلسطينية في القانون نفسه مراعاةً لخصوصيتها. وللعلم، فرضت الوزارة اللبنانية على أصحاب العمل الفلسطينيين في إطار الخطة الجديدة، الحصول على إجازة عمل بمبلغ 320 دولاراً أميركياً (ويُعفى الأُجَراء الفلسطينيون اللاجئون المسجلون وفقاً للأصول في سجلات وزارة الداخلية من هذا الرسم)، وإيداع مبلغ يفوق الـ66 ألف دولار أميركي في البنك، والتعهد بتوظيف لبنانيين (موظف فلسطيني مقابل كل 3 لبنانيين).
- مواقف القوى المسيحية
سلّطت هذه القضية على مواقف القوى السياسية المسيحية من القرار. وبعد إعلان «القوات اللبنانية» تأييدها تماماً لخطة الوزير المحسوب عليها، استنكر حزب «الكتائب اللبنانية» ما اعتبرها «عراضات فلسطينية مسلحة»، وشدد على «إلزامية تطبيق القوانين اللبنانية على جميع القاطنين على أراضي الوطن، وبالأخص قانون العمل، وعدم التراجع أمام أي ضغط أو تهويل، حمايةً لليد العاملة اللبنانية وتنظيم سوق العمل، في زمن اقتصادي صعب». وقبل أيام خرج رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، ليعلن تضامنه المطلق مع وزير العمل قائلاً: «نحن مع تطبيق قانون العمل ومع التشدّد في النصوص لحماية فرص عمل اللبنانيين»، معتبراً أن «كل ما يسهم في تطبيع الوجود الفلسطيني والسوري في لبنان هو شكل من أشكال التوطين».
وبينما كانت للمسيحيين في لبنان هواجس من الملف الفلسطيني، وهي هواجس تعود إلى زمن الحرب الأهلية، فإن مصادر «التيار الوطني الحر» رفضت تصوير الموقف من قرار وزير العمل كأنه ذو خلفيات طائفية. وشدد ناطق منها في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «ما تقوم به وزارة العمل تطبيق للقانون، وهو ما ندعمه تماماً وسنتمسك به سواء في حال طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء أو على أي طاولة أخرى»، مضيفاً: «كل من يطالب بتعليق تطبيق القرار إنما يضرب المصلحة العليا للبنانيين ويتماهى مع مضامين صفقة القرن».
-- العمالة الفلسطينية في القانون اللبناني
تتوزّع العمالة الفلسطينية في لبنان، حسب «المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان» (شاهد)، إلى ثلاث فئات:
- فئة أولى صغيرة تتميّز بالثراء، وهذه الفئة حملت معها من فلسطين الأموال، وتنشط في الأعمال العقارية والمصرفية، بعدما انخرطت في الاقتصاد اللبناني وتمكن قسم كبير منها من الحصول على الجنسية اللبنانية في مراحل مبكرة.
- فئة ثانية متوسطة من أصحاب الخبرات المهنية التعليمية، تركت لبنان منذ الخمسينات بعدما أُغلقت في وجهها إمكانات العمل وتوجهت إلى أوروبا أو إلى الخليج العربي.
- فئة ثالثة من العمال، هي الأكبر عدداً، ولقد تحولت إلى يد عاملة رخيصة في الأعمال الموسمية والشاقة.
وتقدّر قوة العمل الفلسطينية بنحو 75 ألف عامل يتمركزون في مجالات العمل الصعبة والشاقة كالزراعة والبناء والأفران ومحطات الوقود. ويأخذ قانون العمل اللبناني في تعاطيه مع العمال الأجانب في لبنان مسألتين أساسيتين في منحه إجازة العمل: أولوية العامل اللبناني على غيره من الأجانب، إضافةً إلى مراعاة مبدأ المعاملة بالمثل. وهو ما يُستثنى منه العمال الفلسطينيون للاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي.
هذا، وتوفر الجمعيات الأهلية الفلسطينية والمنظمات غير الحكومية الدولية، لا سيما «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (أونروا)، فرص العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان من خلال برامجها الإغاثية والتنموية بما في ذلك مشاريع القروض الصغيرة ومشاريع توليد الدخل.
كذلك يدير بعض الفلسطينيين، حسب مشروع «الخطة الوطنية لحقوق الإنسان» الواردة على موقع مجلس النواب اللبناني، بمعزل عن رقابة السلطات المعنية، مشاريع حرفية صغيرة في المخيمات وفي محيطها، إضافة إلى عيادات وصيدليات ومختبرات طبية غير مرخصة يديرها أطباء وصيادلة وفنيون مختصون.
القوى السياسية اللبنانية تشدد على أن الإجراءات التي تتخذها وزارة العمل هدفها حماية العامل اللبناني ومنحه الأولوية على العمال الأجانب، كما يحصل في كل دول العالم، خصوصاً بعد ارتفاع نسبة البطالة بين اللبنانيين وبلوغها مستويات غير مسبوقة (قرابة الـ35%). إلا أن الفلسطينيين كانت لهم إسهامات كبيرة في الاقتصاد اللبناني، أبرزها تحويلات الفلسطينيين الموجودين في الخارج لأسرهم في لبنان، وصرف معظم مداخيل اللاجئين الفلسطينيين وادخارها في الاقتصاد اللبناني، إذ تقدر بنحو 10% من إجمالي الاستهلاك الخاص. و1 من 4 لاجئين فلسطينيين هم إما أصحاب عمل وإما يعملون لحسابهم الخاص، بجانب أن العديد من المنشآت بما فيها مصارف أساسية أسّسها لبنانيون من أصول فلسطينية، وبالتالي يسهمون في خلق فرص عمل وفي توسيع الاقتصاد اللبناني.
مصادر حركة «فتح» تؤكد أن الاعتراضات الفلسطينية لن تهدأ قبل التراجع عن تطبيق خطة وزارة العمل على اللاجئين الفلسطينيين. ويلفت أحدها في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أكثرية القوى السياسية اللبنانية تؤيد المطالب الفلسطينية وتدفع باتجاه تراجع وزير العمل عن قراره، وهو ما عبّر عنه صراحة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي و«حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري. ويضيف المصدر: «إلا أن الأزمة السياسية في لبنان وعدم انعقاد مجلس الوزراء في الأسابيع القليلة الماضية هما ما آخّرا البت بالموضوع».
من جهته، يبدو جهاد طه، نائب المسؤول السياسي لحركة «حماس» في لبنان، مطمئناً لكون أول جلسة حكومية ستبتّ بالإجراءات الجديدة المتخذة بحق اللاجئين الفلسطينيين، ولأن التوجه هو إلى تجميد قرار وزير العمل. وشدّد طه في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن ما يحصل «ليس قضية تحدٍّ على الإطلاق بقدر ما هي عملية تصويب للأمور»، متابعاً: «الواقع الفلسطيني يرزح تحت ظروف إنسانية واجتماعية قاسية، ولم يكن ينقصه قرار مماثل ليزيد من التحديات التي يواجهها آلاف الفلسطينيين في مخيماتهم خصوصاً بعد تقليص (أونروا) خدماتها».
وتستغرب مصادر فلسطينية استثناء كل وزراء العمل السابقين العمال الفلسطينيين مما يقول وزير العمل الحالي إنها مواد في القانون اللبناني يتوجب تطبيقها، وتعرب عن خشيتها من «السعي لنزع الصبغة السياسية عن اللاجئ ما يعطي مبرراً للمجتمع الدولي لإنهاء دور وكالة (أونروا)، وهو ما لا ينسجم على الإطلاق مع المواقف التي أعلنها الرؤساء الـ3 في لبنان الرافضة بالمطلق لصفقة القرن ومضامينها».
- أمن المخيمات الهشّ
من ناحية ثانية، لم تقم الحكومات اللبنانية المتعاقبة بأي إجراءات لمعالجة الأزمات المتعددة التي ترزح تحتها المخيمات، سواء الأمنية أو الاجتماعية والاقتصادية. ولعل الخطوة الوحيدة التي اتُّخذت عام 2017 بإطار السعي لتنظيم الوجود الفلسطيني في لبنان، هو التعداد العام للسكان والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، ولقد أشرفت عليه «لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني» وأنجزته إدارة الإحصاء المركزي اللبناني والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
التعداد خلص إلى وجود 230 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان يعيشون في 12 مخيماً و156 تجمّعاً فلسطينياً في المحافظات الخمس في لبنان، مع الإشارة إلى أن «أونروا» في إحصاء أجرته قبل نحو 11 سنة، أوردت وجود أكثر من 483 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان 449 ألفاً منهم مسجلون لديها. وهي لا تزال تؤكد ذلك من خلال موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت. ويقيم أكثر من نصف اللاجئين الفلسطينيين حالياً في 12 مخيماً منظماً ومعترفاً به من قبل «أونروا» هي مخيمات: «الرشيدية، والبرج الشمالي، والبص، وعين الحلوة، والمية ومية، وبرج البراجنة، وشاتيلا، ومار إلياس، وضبية، وويفل (الجليل)، والبداوي، ونهر البارد». وتتولى لجان أمنية مشتركة تضم ممثلين عن أبرز الفصائل الفلسطينية، الأمن في مخيمات «عين الحلوة، والبداوي، وبرج البراجنة»، التي تعد أكبر تجمعات للاجئين الفلسطينيين في لبنان. ولا وجود للجيش والقوى الأمنية اللبنانية داخل 12 مخيماً فلسطينياً موزعة في معظم المناطق اللبنانية، ما أدى إلى هرب عدد كبير من المطلوبين إلى داخل هذه المخيمات التي تشهد انتشارا ًظاهراً للسلاح من دون أي ضوابط، وإلى تحوّل بعضها -خصوصاً «عين الحلوة» الواقع قرب مدينة صيدا بجنوب لبنان- إلى أشبه ببؤرة أمنية تنفجر بين الحين والآخر سواءً نتيجة الخلافات بين الفصائل الفلسطينية أو على وقع استحقاقات داخلية لبنانية أو أخرى إقليمية. وكانت الأحداث الأمنية الأخيرة التي شهدتها المخيمات قد وقعت في «المية ومية» المتاخم لـ«عين الحلوة» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 بين حركتي «فتح» و«أنصار الله»، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى ومنذ حينها تنعم المخيمات بنوع من الهدوء والاستقرار.
اليوم تخشى القوى الفلسطينية في لبنان أن تؤدي الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وزارة العمل اللبنانية لجهة التشدد بملاحقة العمالة الأجنبية غير الشرعية، والتي طالت اللاجئين الفلسطينيين بعدما كانت تركز أساساً على اللاجئين السوريين، إلى انفجار اجتماعي وأمني في المخيمات الرازحة أصلاً تحت فقر مدقع ونسبة بطالة قاربت الـ70%، حسب مصادر فلسطينية.
وبينما يؤكد جهاد طه أن هناك حرصاً وإجماعاً فلسطينيين «على ضبط إيقاع التحرّكات الاعتراضية التي تحصل في المخيمات بإطار الرفض المطلق للمساس بأمن لبنان والمخيمات»، لا يستبعد الباحث في الشؤون الفلسطينية صقر أبو فخر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تتطوّر الأمور إلى «انفجار اجتماعي داخل المخيمات في حال تُجمَّد الإجراءات المتخذة من قبل وزارة العمل وإيجاد الحكومة اللبنانية مخرجاً مناسباً للأزمة»، منوهاً بـ«الانضباط الكبير الذي مارسه اللاجئون الفلسطينيون خلال اعتراضاتهم في الأيام الماضية بحيث لم تسجل حتى ضربة كف واحدة». ويخشى أبو فخر من تحريك خارجي للمخيمات في حال ظلت الأمور على ما هي عليه «خصوصاً أننا لمسنا محاولات في هذا الإطار في أول الاحتجاجات، تم تطويقها واستيعابها تماماً وفوراً كالدعوات لمقاطعة البضائع اللبنانية أو سحب الأموال الفلسطينية في المصارف في لبنان». وتابع الباحث: «للأسف، تصوّر المسألة اليوم لبنانياً على أنها تتخذ بُعداً طائفياً، بحيث إن معظم القوى المسيحية أعلنت تأييدها لقرار الوزير أبو سليمان مقابل معارضته من القوى المسلمة، لكن ما نؤكده أنه لا علاقة للفلسطينيين بتطييف المسألة، وهم يخضعون قسراً لأحكام الكيان اللبناني، ويتعاطون مع المسألة حصراً من منطلق المطالب الاجتماعية».
- التفاهمات اللبنانية حول الملف الفلسطيني
على صعيد متصل، تُعرّف الوثيقة السياسية التي تحمل عنوان «رؤية لبنانية موحّدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان»، الصادرة عن «مجموعة العمل اللبنانية» المكوّنة من ممثلين عن الأحزاب السبعة الرئيسة في لبنان، اللاجئ بأنه: «كل فلسطيني هُجِّر إلى الأراضي اللبنانية منذ عام 1947 بسبب عمليات الاقتلاع وما رافقها من أشكال التهجير القَسري، وما تلاه من احتلال إسرائيلي لكامل فلسطين عام 1967 وتداعيات ذلك، وكل متحدّرٍ من لاجئ فلسطيني في لبنان بالمعنى المحدّد أعلاه». ولقد توصّلت «مجموعة العمل اللبنانية» إلى صياغة ورقة تضمنت «التوافقات اللبنانية المنجزة في موضوع اللاجئين الفلسطينيين». وأبرزها الموقف الحاسم الرافض للتوطين باعتباره موقفاً لبنانياً جامعاً وموقفا لبنانياً –فلسطينياً مشتركاً. كذلك تشمل معالجة مسألة السلاح وفق مندرجات مقرّرات «هيئة الحوار الوطني» في عام 2006. وفي الجانب المعيشي، تؤكّد «المجموعة» ضرورة مضاعفة العمل لمعالجة المسائل الإنسانية والمعيشية للاجئين الفلسطينيين من خلال توفير الحقوق الإنسانية للاجئين من ناحية، وتحسين أوضاع المخيمات وتطبيق القوانين اللبنانية بهذا الشأن من ناحية أخرى.
الجدير بالذكر، أن «لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني»، وهي هيئة حكومية أُسست عام 2005 تعنى بالسياسات العامة التي تستهدف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وتعمل «اللجنة» كحلقة ارتباط مركزية بين اللاجئين الفلسطينيين وبين المؤسسات الرسمية والدولية، كما تقدّم النصح حول السياسات العامة الواجب تبنّيها من قِبل الحكومة اللبنانية، مرتكزة بذلك على المصالح الوطنية للشعب اللبناني وحقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعيش الكريم لحين عودتهم إلى ديارهم.
واستنكرت «اللجنة» أخيراً ما وصفته بـ«تغييب» وزارة العمل، في إجراءاتها المسماة «مكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية على الأراضي اللبنانية»، الخصوصية التي يتمتع بها اللاجئون الفلسطينيون بموجب تعديل القانونين 128 و129 اللذين أقرهما المجلس النيابي عام 2010، واعتبارهم عمالاً أجانب «متجاهلة ما نص عليه التعديلان من الحفاظ على خصوصية العامل الفلسطيني وعدم معاملته بالمثل». ودعت إلى بحث موضوعي وعلمي هادئ بما يقود إلى حلول فعلية، وألا تكون الخطوات المعتمدة جزءاً من الصراع بين القوى السياسية، من دون حسابات دقيقة لمصالح الاقتصاد اللبناني ومصالح الإخوة اللاجئين الفلسطينيين على أرضه.
- فلسطينيو لبنان... بين السلاح والحقوق
> شكّلت مطالبة الفلسطينيين في لبنان باستثنائهم من الإجراءات التي تتخذها وزارة العمل بحق العمال الأجانب مدخلاً لبعض القوى الفلسطينية واللبنانية، على حد سواء، لربط تحصيل الحقوق الفلسطينية بحل موضوع السلاح الفلسطيني المنتشر خارج وداخل المخيمات.
وكان القرار الوطني اللبناني الذي اتُّخذ في عام 2006 بُعيد انعقاد أول «طاولة حوار» بين القيادات اللبنانية، قد قضى بسحب السلاح من المجموعات الفلسطينية المتمركزة خارج المخيمات، ومن ثم، أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال زيارته الأخيرة للبنان العام الماضي رفضه وجود السلاح بيد الفلسطينيين في المخيمات وخارجها، معتبراً أنه من حق الحكومة اللبنانية أن تسحب كل السلاح الفلسطيني على أراضيها من منطلق أن الفلسطينيين في لبنان في حماية الجيش اللبناني والحكومة. ولكن مع هذا، لم تحرك الدولة اللبنانية ساكناً بل ظلت في موقع المتفرج في معظم الأحيان على تحول إشكالات فردية داخل المخيمات إلى صراعات دموية، وهي أن بادرت فقامت بذلك من موقع الوسيط، وعلى أساس حل على قاعدة «تبويس اللحى».
ويعد الوزير السابق حسن منيمنة، رئيس «لجنة الحوار اللبناني- الفلسطيني»، أنه «لا حل للأحداث الأمنية المتكررة في المخيمات إلا من خلال سحب السلاح الفلسطيني؛ سواء من داخل أو خارج المخيمات، بعدما بات دوره يقتصر على تغذية الصراع بين الفصائل وخدمة أجندات خارجية». وكان منيمنة قد اتهم النظام السوري بمنع تطبيق الاتفاق اللبناني الذي قضى بسحب السلاح من خارج المخيمات، لافتاً إلى أنه لا يجب رمي الموضوع على الفلسطينيين، لأن الرئيس محمود عباس أعلن في أكثر من زيارة للبنان موافقته على سحب السلاح الفلسطيني ودخول الجيش إلى المخيمات.
وبدا لافتاً، ما نُقل أخيراً عن أمين سر حركة «فتح الانتفاضة» العقيد سعيد موسى «أبو موسى» خلال زيارته رئيس بلدية صيدا الدكتور عبد الرحمن البزري، إذ أعلن رفض إلغاء وجود السلاح الفلسطيني بالمطلق خارج المخيمات الفلسطينية في لبنان. واعتبر أن للسلاح الفلسطيني خارج المخيمات أهدافاً ورؤية تختلف عن وجوده داخل المخيمات، وهو يتعلق بمواجهة العدو الصهيوني. كذلك أجمع موسى والبزري على رفض محاولات ربط موضوع الحقوق المدنية الفلسطينية بموضوع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات أو داخلها، واعتبرا أن ذلك يدخل في إطار «البازار السياسي».
وفي موقف مقابل، طالب حزب «الكتائب» الحكومة بالإسراع في تنفيذ مقررات «طاولة الحوار» لجهة نزع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.