حرب التجارة تشتعل مجدداً بين الصين والولايات المتحدة

بكين تهدد بـ«الانتقام» بعد قرار ترمب المفاجئ... وتوقعات بانهيار المفاوضات

يتوقع مراقبون انهيار مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة والصين بعد التصعيد الأميركي الأخير (أ.ب)
يتوقع مراقبون انهيار مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة والصين بعد التصعيد الأميركي الأخير (أ.ب)
TT

حرب التجارة تشتعل مجدداً بين الصين والولايات المتحدة

يتوقع مراقبون انهيار مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة والصين بعد التصعيد الأميركي الأخير (أ.ب)
يتوقع مراقبون انهيار مفاوضات التجارة بين الولايات المتحدة والصين بعد التصعيد الأميركي الأخير (أ.ب)

سارعت الصين بالإعلان أنها «لن تخضع للابتزاز»، رداً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، توسيع نطاق فرض الرسوم الجمركية العقابية، لتطال كل الواردات من الصين، مهددة، الجمعة، باتخاذ «تدابير مضادة انتقامية» ضدّ واشنطن، التي وضعت حداً للهدنة بين القوتين.
كان ترمب أعلن في سلسلة تغريدات مساء الخميس، أن إدارته ستفرض اعتباراً من أول سبتمبر (أيلول) المقبل رسوماً جمركية بنسبة 10 في المائة على ما قيمته 300 مليار دولار من الواردات الصينية، ما لم تكن مشمولة مسبقاً بهذا الإجراء.
وبعد تقارير متباينة، أمس، تحاشى المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كودلو، الإجابة على سؤال عما إذا كان الرئيس الأميركي سيؤجل، أو يوقف، فرض رسوم جمركية على بضائع صينية بقيمة 300 مليار دولار، إذا اتخذت بكين بعض الإجراءات الإيجابية. وأبلغ كودلو شبكة «فوكس بيزنس»، أمس: «لم أسمع عن أي شيء محدد». وأضاف قائلاً: «الرئيس غير راض عن التقدم نحو اتفاق للتجارة».
من جانبها، حذرت الحكومة الصينية من أنه لن يكون أمامها خيار آخر سوى اتخاذ تدابير مضادة إذا نفذ ترمب تهديداته. ولم تحدد بكين طبيعة هذه الإجراءات المضادة. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشون يينغ، الجمعة، إن بكين لن تقبل ممارسة الضغط الشديد عليها بأي شكل من الأشكال، وستتخذ التدابير المضادة اللازمة إذا فرضت الولايات المتحدة تعريفات إضافية على السلع الصينية.
وأضافت أن «الصين غير راضية، وتعارض بشدة ما تردد حول عزم الجانب الأميركي فرض تعريفات إضافية بنسبة 10 في المائة على واردات صينية بقيمة 300 مليار دولار»، معربة عن أملها أن تتمكن الولايات المتحدة من العودة إلى المسار الصحيح، قائلة: «لقد حان الوقت للجانب الأميركي لإظهار مدى صدقه».
واتهم وزير التجارة الصيني، في بيان، الولايات المتحدة، بانتهاك «التوافق» الذي توصل إليه ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في يونيو (حزيران) الماضي، على هامش قمة العشرين، حول إعادة إطلاق المفاوضات.
وتابع بيان وزارة التجارة أن «تحرك الجانب الأميركي لتصعيد الاحتكاكات الجمركية والتعريفات التجارية لا يتفق مع مصالح البلدين والعالم بأسره، وسيكون له تأثير تقشعر له الأبدان على الاقتصاد العالمي».
وحسب البيان، فإن الجانب الصيني «يعتقد دائماً أنه لا يوجد فائز في الحرب التجارية. الصين لا تريد القتال، لكنها ليست خائفة من القتال، لكنها ستقاتل إذا لزم الأمر. ونأمل أن تصحح الولايات المتحدة أخطاءها في الوقت المناسب، وأن تحل المشكلات على أساس المساواة والاحترام المتبادل، وأن تعود إلى المسار الصحيح».
كما انتقد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الجمعة، قرار الرئيس الأميركي، قائلاً على هامش اجتماع وزاري في بانكوك، إنّ «فرض رسوم جمركية ليس بأي حال من الأحوال وسيلة بناءة لحل الخلافات الاقتصادية والتجارية».
وكان لإعلان ترمب أثر كبير على الأسواق، حيث تراجع سعر برميل النفط 8 في المائة في نيويورك، كما تراجعت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت. وكانت ردة فعل الأسواق الآسيوية مماثلة عند افتتاحها، حيث خسرت بورصة طوكيو الجمعة أكثر من 2 في المائة نحو الساعة 01.30 بتوقيت غرينيتش، وبورصة شنغهاي 1.41 في المائة.
وقال ترمب للصحافيين لاحقاً «أنا غير قلق» من تراجع الأسواق، مضيفاً: «توقعت ذلك». واعتبر ترمب كذلك أن الرئيس الصيني يريد التوصل لاتفاق، لكنه «لا يعمل بالسرعة اللازمة» لتحقيق ذلك.
وحذر ترمب أيضاً من أنه قد يرفع من جديد الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، ما لم تقبل الصين بالمطالب الأميركية. وأثار احتمال رفعها إلى «ما يزيد عن 25 في المائة». وإذا طبّقت الرسوم الجمركية الجديدة فعلياً، فهي ستطال كلّ الواردات القادمة من العملاق الآسيوي.
بالإضافة إلى ذلك، أكد ترمب، الذي لم يتوقف عن إعطاء مواقف متضاربة خلال هذا النزاع التجاري، أن المحادثات ستستأنف كما هو مقرر «مطلع سبتمبر». غير أن رئيس المجلس الاقتصادي الصيني - الأميركي كريغ آلن، يخشى من أن قرار ترمب قد يدفع الصينيين إلى الانسحاب من المفاوضات.
وبرر ترمب قراره المفاجئ بكون بكين لم تفِ، في رأيه، بالتزامين مهمين؛ الأول شراء كميات أكبر من المنتجات الزراعية الأميركية، والثاني وقف مبيعات «الفنتانيل»، وهو عقار مخدر شديد القوة منتشر في الولايات المتحدة، والصين من منتجيه الرئيسيين.
يأتي ذلك رغم تأكيد بكين، الخميس، أنها زادت مبيعاتها خلال الأسابيع الأخيرة من المنتجات الزراعية الأميركية، ورغم استئناف المفاوضات بين الطرفين بأجواء هادئة نسبياً هذا الأسبوع في شنغهاي.
والأربعاء، تحدّث الطرفان عن محادثات «مثمرة» لوضع حد لحرب تجارية أطلقت قبل أكثر من عام. وقال المحلل لدى «ميسكارت فاينانشل سرفيسز»، غريغوري فولوخين، إن خطوة ترمب لم تكن متوقعة، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتفرض واشنطن أصلاً رسوماً جمركية إضافية بنسبة 25 في المائة على ما يساوي 250 مليار دولار من السلع الصينية. وردت بكين بفرض رسوم جمركية إضافية على ما يساوي نحو 110 مليارات دولار من السلع الأميركية.
وحتى الآن، لم تفرض الإدارة الأميركية رسوماً على السلع الأكثر استهلاكاً، بحيث يبقى الاقتصاد الأميركي، الذي يدعمه استهلاك الأسر، بمنأى نسبياً عن آثار الحرب التجارية.
لكن احتمال فرض رسوم جمركية على كلّ السلع أثار صدمة في الأسواق. وانخفضت أسهم مجموعة «بست باي» بنسبة 9 في المائة، وهي سلسلة متاجر للأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، مباشرة بعد إعلان ترمب. وحذر فولوخين من أن الرئيس الأميركي «يلعب بالنار».
وأطلق ترمب حرب رسوم جمركية ضد الصين، ليدفع السلطات الصينية إلى وضع حدّ للإعانات إلى الشركات الحكومية، ووقف النقل القسري للتقنيات المفروض على الشركات الأجنبية، وكذلك التوقف عن «سرقة» الملكية الفكرية الأميركية. وأكد أنه يريد «اتفاقاً جيداً» أو لا اتفاق على الإطلاق. وذهب الخميس إلى حد القول إنه يستطيع الاستغناء عن التجارة مع الصين.
واتهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الموجود في بانكوك، الصين، بـ«الحمائية»، وبأنها تعتمد «استراتيجية افتراسية». وقال: «الصين استفادت من المبادلات التجارية... آن الأوان لأن يتوقف ذلك».



الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
TT

الصادرات غير النفطية السعودية تقفز 22 % في يناير

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)
ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

أظهرت بيانات التجارة الدولية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لشهر يناير (كانون الثاني) 2026 تحقيق السعودية نمواً لافتاً في قطاع الصادرات غير النفطية؛ حيث ارتفعت قيمتها شاملة إعادة التصدير بنسبة 22.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، لتستقر عند 32.6 مليار ريال (نحو 8.69 مليار دولار).

ويعكس هذا الأداء المرن نجاح الجهود المبذولة لتنويع القاعدة الاقتصادية؛ حيث ارتفعت نسبة الصادرات غير النفطية إلى الواردات لتصل إلى 40.0 في المائة، مقارنة بنحو 34.9 في المائة في يناير 2025.

وتعود هذه الطفرة في الأداء غير النفطي بشكل أساسي إلى القفزة الكبيرة في نشاط «إعادة التصدير»، الذي سجل نمواً قياسياً بنسبة 95.5 في المائة ليبلغ 15.8 مليار ريال (نحو 4.21 مليار دولار)، وهو ما يمثل أعلى مستوى شهري لهذا النشاط منذ بداية عام 2017، وقد تركز هذا النمو في قطاع الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزائها، الذي نما بنسبة 78.2 في المائة ليستحوذ وحده على 46.1 في المائة من إجمالي السلع المعاد تصديرها.

وفي المقابل، سجلت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) انخفاضاً بنسبة 9.9 في المائة لتصل إلى 16.7 مليار ريال (نحو 4.45 مليار دولار).

وعلى صعيد المؤشرات الكلية، بلغ إجمالي الصادرات السلعية للمملكة في يناير نحو 98.7 مليار ريال (نحو 26.32 مليار دولار) بنمو محدود قدره 1.4 في المائة. وجاء هذا النمو المحدود متأثراً بتراجع الصادرات النفطية بنسبة 6.4 في المائة لتنخفض قيمتها إلى 66.1 مليار ريال (نحو 17.62 مليار دولار)، مما أدى لتقلص حصة النفط من إجمالي الصادرات إلى 67.0 في المائة مقابل 72.6 في المائة في العام السابق.

وأدى هذا التباين في أداء القطاعات، مع ارتفاع الواردات بنسبة 6.5 في المائة لتصل إلى 81.4 مليار ريال (نحو 21.70 مليار دولار)، إلى انخفاض فائض الميزان التجاري السلعي بنسبة 17.5 في المائة ليبلغ 17.3 مليار ريال (نحو 4.61 مليار دولار).

وفيما يخص الشركاء التجاريين، واصلت الصين تصدر القائمة كوجهة رئيسية لصادرات المملكة بنسبة 15.1 في المائة، تلتها الإمارات بنسبة 12.9 في المائة، ثم الهند بنسبة 9.8 في المائة. كما احتلت الصين المرتبة الأولى في قائمة الواردات بنسبة 31 في المائة.

أما على مستوى المنافذ الجمركية، فقد برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة كأهم منفذ للصادرات غير النفطية بحصة بلغت 19.3 في المائة، بينما تصدر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام منافذ الاستيراد بنسبة 27.7 في المائة من إجمالي الواردات السلعية للمملكة.


شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
TT

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص، في وقت يؤكد فيه قادة ومسؤولون أن تحويل هذا الزخم إلى نمو طويل الأمد يتطلب بيئة تنظيمية واضحة، وشراكات استراتيجية، ورؤية تتجاوز المدى القصير.

وخلال اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» الذي عُقد تحت عنوان «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، شدد رئيس اللجنة التنفيذية والرئيس التنفيذي بالإنابة لمعهد مبادرة مستقبل الاستثمار ريتشارد أتياس على أن المرحلة المقبلة «لن تُحدَّد بالكلمات، بل بالقرارات والشراكات والاستثمار والشجاعة»، في إشارة إلى التحولات العميقة التي يشهدها الإقليم.

وأكدت جلسات القمة أن شهية الاستثمار في أميركا اللاتينية باتت «حقيقية ومتنامية»؛ حيث أشار إيلان غولدفاين، رئيس بنك التنمية للبلدان الأميركية، إلى تشكّل ممر استثماري عابر للقارات، مدفوعاً بارتفاع الطلب واستعداد عدد من الدول لتبني أطر استثمارية متوافقة مع المعايير العالمية.

ولفت إلى أن القمة تمثل منصة لربط المستثمرين بالفرص، معتبراً أن «نمو الإنتاجية» سيكون العامل الحاسم في تحقيق قفزات اقتصادية، مع إمكانية وصول بعض الدول إلى معدلات نمو تتراوح بين 5 و6 في المائة.

إصلاحات تشريعية

وفي قطاع الطاقة، برزت أهمية البيئة التشريعية كعامل رئيسي لجذب الاستثمارات؛ حيث أكدت نائبة رئيس فنزويلا ديلسي رودريغيز أن «اليقين القانوني» يمثل حجر الأساس لاستقطاب رؤوس الأموال، مشيرة إلى إصلاحات قانونية شملت قطاع الهيدروكربونات. وكشفت أن بلادها استقطبت أخيراً أكثر من 120 شركة طاقة، معظمها من الولايات المتحدة، إلى جانب شركات من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.

اتفاقيات التجارة وتشكيل الأسواق

وتُسهم الاتفاقيات التجارية في تسريع زخم الاستثمار، إذ أشار نوربيرتو جيانغراندي، رئيس مجلس إدارة «مينيرفا فودز»، إلى قرب دخول اتفاقية الاتحاد الأوروبي و«ميركوسور» حيز التنفيذ، ما سيؤدي إلى إنشاء واحدة من كبرى مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.

ووصف جيانغراندي البرازيل بأنها «ملاذ آمن» في ظل التقلبات العالمية، لافتاً إلى النمو الكبير في صادرات اللحوم، التي ارتفعت من 50 ألف طن مطلع الألفية إلى نحو 5 ملايين طن متوقعة هذا العام. وأكد أن هذا التوسع يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، إلى جانب الكفاءات البشرية، مع تعزيز الإنتاج دون الإضرار بالموارد الطبيعية.

رأس المال البشري أساس النمو

في المقابل، يتزايد التركيز على الاستثمار الاجتماعي باعتباره محركاً أساسياً للنمو؛ حيث أكدت ماريا خوسيه بينتو، نائبة رئيس الإكوادور، أن بلادها انتقلت من اعتبار الإنفاق الاجتماعي «تكلفة» إلى اعتباره «استثماراً في النمو الاقتصادي». وأوضحت أن الأولويات تشمل مكافحة سوء التغذية المزمن، وتعزيز التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي.

وأشارت إلى أن كل دولار يُستثمر في معالجة سوء التغذية يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى 23 دولاراً مستقبلاً، داعية المستثمرين إلى تبني منظور طويل الأمد يركز على تنمية رأس المال البشري.

شراكات طويلة

من جانبه، شدد المدير العام للأميركتين في وزارة الاستثمار السعودية عبد الرحمن بكر على أن التحدي لا يكمن في قرار الاستثمار بحد ذاته، بل في «كيفية الاستثمار»، مشيراً إلى أن تنوع الأسواق داخل أميركا اللاتينية يتطلب فهماً عميقاً لكل مدينة ودولة على حدة.

وقال إن بناء شراكات طويلة الأمد، وتعزيز الحضور المحلي، وفهم الخصوصيات الاقتصادية لكل سوق، تمثل عناصر أساسية للنجاح، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على تمويل المشاريع، بل يمتد إلى دعم الاقتصادات في مسار نموها.

رؤية مشتركة

وخرجت القمة إلى أن تحقيق الإمكانات الكاملة لأميركا اللاتينية يتطلب مواءمة بين رأس المال والسياسات والموارد البشرية ضمن رؤية مشتركة طويلة الأمد. ومع توافر الشراكات الاستراتيجية، والأطر التنظيمية الواضحة، والتركيز المتزايد على رأس المال البشري، تبدو المنطقة في موقع مؤهل لتحويل الفرص الناشئة إلى نمو مستدام وقابل للتوسع.


رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)
أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

مع استعدادها للانطلاق الرسمي، اليوم (الخميس)، أكد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» ريتشارد أتياس أن قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي «FII PRIORITY Miami» تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي، في ظل تسارع حركة رأس المال والتكنولوجيا عبر الحدود، مشدداً على أن دور المؤسسة يتجاوز النقاش إلى التأثير العملي في مسارات الاستثمار.

وقال أتياس، في لقاء إعلامي على هامش القمة المنعقدة في ميامي الأميركية، إن القمة استهلت أعمالها بجلسة خاصة حول «النظام الجديد لأميركا اللاتينية»، استجابة لاهتمام متزايد بدور المنطقة، لافتاً إلى أن ميامي باتت «نقطة التقاء استراتيجية بين شمال وجنوب القارة الأميركية»، ومركزاً لإعادة توجيه الاستثمارات. وأضاف أن الجلسات شهدت مشاركة قادة أعمال ومسؤولين سياسيين، إلى جانب اجتماعات مغلقة بين المستثمرين.

رقم قياسي

وأشار أتياس إلى تسجيل رقم قياسي في عدد المشاركين، يقترب من 1900 مشارك، بينهم نحو 40 في المائة من خارج الولايات المتحدة، رغم التحديات المرتبطة بالسفر، خصوصاً من الشرق الأوسط، مؤكداً أن «الإقبال يعكس تعطشاً عالمياً لفهم اتجاهات رأس المال والفرص الجديدة».

وفيما يتعلق بأبرز توجهات القمة، قال إن النقاشات هذا العام أصبحت «أكثر نضجاً وواقعية»، خاصة في ملف الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الحديث لم يعد نظرياً كما في السابق، بل بات يركز على التطبيقات العملية، مثل مراكز البيانات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة، حيث «يمكن تتبع أين تتجه الاستثمارات فعلياً».

وأضاف أن العملات الرقمية لا تزال حاضرة بقوة، إلى جانب تنامي الاهتمام بقطاع السياحة، الذي وصفه بأنه «يشهد نمواً رغم التحديات العالمية».

تنطلق الخميس فعاليات اليوم الأول من قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

وانطلقت القمة التي تعقد تحت شعار «رأس المال المتحرك»، بجلسات تحضيرية متخصصة حول أسواق أميركا اللاتينية، في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، وتزداد فيه وتيرة انتقال الاستثمارات والأفكار عبر الحدود والقطاعات.

وتتناول القمة في جلساتها محاور رئيسية تشمل «حواراً افتتاحياً» مع ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجلسة «الجغرافيا الجديدة للاستثمار»، إلى جانب بحث العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والخليج.

كما تركز على التحولات التكنولوجية والمالية، من الذكاء الاصطناعي إلى العملات المستقرة، مروراً بدور رأس المال الخاص، وفرص الأسواق السعودية، إضافة إلى استكشاف آفاق أفريقيا وبروز فئات أصول جديدة مدفوعة بالتقنيات المتقدمة.

جيل جديد

وبالعودة إلى الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، الذي أكد بروز جيل جديد من رواد الأعمال الشباب، الذين باتوا يقودون شركات تدير مليارات الدولارات، قال: «ميامي أصبحت منصة لاكتشاف القادة الجدد للاقتصاد العالمي»، مضيفاً أن بعض هؤلاء بدأوا مشاريعهم العام الماضي وأصبحوا اليوم لاعبين رئيسيين في السوق.

إطلاق مؤشر لرأس المال المتحرك

وفي سياق تعزيز دورها كمحرك للتحولات الاستثمارية، أعلنت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، وهي مؤسسة عالمية غير ربحية بذراع استثمارية ترتكز على «إحداث أثر في الإنسانية»، إطلاق «مؤشر رأس المال المتحرك» (CMI) خلال قمة ميامي، بوصفه أداة عالمية مبتكرة لرصد وتحليل تدفقات رأس المال عبر الحدود والقطاعات والتقنيات.

ويهدف المؤشر إلى تقديم رؤية غير مسبوقة لصنّاع القرار حول كيفية توظيف رؤوس الأموال طويلة الأجل، من خلال متابعة الاستثمارات المعلنة والمُلتزم بها في مجالات حيوية تشمل الذكاء الاصطناعي والطاقة والابتكار الحضري والغذاء وتقنيات إطالة العمر.

ويرتكز المؤشر على 6 محاور رئيسية، منها كفاءة حركة رأس المال وجودته وشموليته واستعداده للمستقبل، بما يتيح تقييماً أعمق لا يقتصر على حجم التدفقات، بل يمتد إلى أثرها في خلق قيمة مستدامة.

وقال أتياس إن المؤسسة أسهمت في تحفيز صفقات تتجاوز قيمتها 170 مليار دولار، ما يمنحها فهماً دقيقاً لمسارات رأس المال عالمياً، مضيفاً أن المؤشر الجديد «سيحوّل هذه المعرفة إلى أداة استراتيجية توفر وضوحاً واتجاهاً واستشرافاً في بيئة اقتصادية معقدة».

ومن المقرر استكمال تطوير المؤشر بالتعاون مع شركاء دوليين، على أن يُطلق بشكل كامل خلال النسخة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في خطوة تعكس توجه المؤسسة نحو تقديم أدوات عملية تُسهم في توسيع الوصول إلى المعرفة الاستثمارية وتعزيز الشفافية والشمولية في فهم حركة الأموال عالمياً.

عقد الصفقات

كما شدد على أن القمة تتيح بيئة للتعاون والتعلم، حيث يجتمع المنافسون لتبادل الرؤى والخبرات، موضحاً أن «المنصة لم تعد فقط للحوار، بل أيضاً لعقد الصفقات»، مع توقع الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات خلال أيام القمة في قطاعات متعددة، منها الذكاء الاصطناعي والسياحة.

وحول اختيار ميامي، قال أتياس إن المدينة أصبحت مركزاً عالمياً يربط بين الأسواق، مشيراً إلى أن استراتيجية المؤسسة تقوم على تنظيم فعاليات في مراكز اقتصادية مختلفة، مع بقاء الرياض الحدث الرئيسي السنوي.

وشدد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» على أن العالم، رغم التحديات، «يظل قادراً على التكيف»، وأن القمة تسعى إلى تزويد قادة الأعمال بما يشبه «بوصلة جديدة» لفهم اتجاهات الأسواق خلال الأشهر المقبلة، مضيفاً أن «الحوار والتواصل في أوقات عدم اليقين أصبحا أكثر أهمية من أي وقت مضى».