تآمر التكنولوجيا والعاطفة في أسبوع لندن لربيع وصيف 2015

«بيربيري».. فنية تشفي من فوبيا الحشرات وتوم فورد يعود إلى ماضيه

«بيربيري برورسم»
«بيربيري برورسم»
TT

تآمر التكنولوجيا والعاطفة في أسبوع لندن لربيع وصيف 2015

«بيربيري برورسم»
«بيربيري برورسم»

قد تكون باريس مركز الأناقة الرفيعة، ونيويورك سيدة التسويق، وميلانو عاصمة الأناقة العصرية، إلا أن لندن أثبتت هذا الموسم أنها ملكة التكنولوجيا دون منازع. فقد وظفت كل تسهيلاتها وتطبيقاتها بكثافة ليخرج أسبوعها لربيع وصيف 2015 متفوقا ومكتسحا العالم من دون أن يتحرك من مكانه، «سومرست هاوس» مقره الرئيس. فقد نصبت في ساحته شاشات ضخمة يمكن من خلالها للمارة، أو من لم يتلق دعوة خاصة، متابعة ما يجري بداخل قاعة العرض أولا بأول.
والحقيقة أن لندن بدأت تغازل التكنولوجيا منذ عام 2010 عندما كانت أول عاصمة عالمية تبدأ ببث بعض العروض بشكل مباشر، بحجة أن يتمكن عشاق الموضة، ممن لم يستطيعوا حضور العروض لسبب أو لآخر، من متابعتها وكأنهم جزء منها. ردود الفعل كانت إيجابية، فالعملية تبدو محاولة صادقة لدمقرطة الموضة، إلا أن النتيجة كانت تغيير ثقافتها بشكل جذري. فما كان في السابق نخبويا وحكرا على شريحة منتقاة من الزبونات ووسائل الإعلام، أصبح مشاعا للكل ما داموا يمتلكون حسابا على الإنترنت وتطبيقات خاصة على هواتفهم الذكية.
ناتالي ماسيني، الرئيسة التنفيذية للأسبوع، صرحت في كلمة الافتتاح التي ألقتها يوم انطلاق الأسبوع يوم الجمعة الماضي، بأنها تعتبر التكنولوجيا واحدة من أهم أولوياتها، وقطعت على نفسها عهدا بأن تعمل على إدخال معظم المصممين عصر الإنترنت بحيث يصبح لكل منهم موقع متكامل يعرف بأعماله ويقربه من زبائنه أينما كانوا. المستقبل بالنسبة لها، كما بالنسبة للعديد من الشركات مثل «غوغل» و«أبل»، هو زاوج التكنولوجيا بالموضة، وليس أدل على هذا من «آيفون 6» والساعة الذكية من شركة «أبل» التي جندت لها شخصيات كبيرة كانت تعمل في مجال الموضة مثل أنجيلا أهرندتس، الرئيسة التنفيذية السابقة في دار «بيربيري»، وبول دينيف، الذي كان يعمل في دار «إيف سان لوران».
ورغم أن لندن لا تمتلك قدرات شركة «أبل» التقنية المتطورة، فإنها تملك في المقابل ناتالي ماسيني، التي يمكن القول بأنها المرأة التي غيرت نظرتنا إلى الإنترنت وإلى ثقافة التسوق ككل. كان ذلك عندما أطلقت «نت أبورتيه»، أول موقع تسوق متخصص في المنتجات المترفة، ألهم نجاحه آخرين قلدوها وأطلقوا مواقع مماثلة، ربما لم تعرف نفس النجاح، إلا أنها أثبتت وجودها ولا تزال تنمو بسرعة. هذه القدرة على قراءة مستجدات العصر واستباقها هي ما يجعل الجميع يثق في ماسيني، وبأنها أكثر من يعرف أهمية شبكة الإنترنت في عالم المنتجات المترفة، كما تعرف عدد الناس الذين يستعملونها كوسيلة أساسية في أي شيء يتعلق بحياتهم، من شراء حقيبة يد، إلى البحث عن مطاعم أو أفضل الوجهات السياحية أو الوصول إلى أحسن العروض وغيرها. المهم أن كل المؤشرات هذا الموسم تؤكد أن لندن لم تعد تكتفي بمغازلة التكنولوجيا بل دخلت معها في شراكة، بهدف الوصول إلى أكبر عدد من عشاق الموضة واستقطاب المزيد، سواء عبر «تويتر» أو «إنستغرام» وغيرهما. فالمسألة في الأخير ليست مجرد «دمقرطة» أو خدمة دون مقابل، بل هي عملية تقوم على مبدأ «أفد وفد». فاللافت في بطاقات الدعوة أنها بدأت تتضمن، إلى جانب توقيت العرض وعنوانه، «هاشتاغ» خاص بكل مصمم منهم، وكأنهم يحفزون الحضور على إرسال تغريدات ورسائل عبر «إنستغرام»، وكلما أكثروا منها كان ذلك في صالح المصمم.
لكن بعيدا عن التكنولوجيا، لم تفقد لندن ذلك الدفء العاطفي الذي ينتابك في معظم العروض ويجعلك غير قادر على لجم ابتسامة ترتسم على الوجه لعدة دقائق وكأنك مسحور فاقد القدرة على التحكم في تعابيرك. من هذه العروض لا بد أن نذكر عرضي «بيربيري برورسم» وتوم فورد.
«بيربيري» كانت أول دار أزياء تتبنى تقليد العرض المباشر لعروضها، ولا تزال لحد الآن تفخر بذلك. بدأ عرضها نحو الساعة الواحدة على صوت المغني الشاب جاي باي، مما أضفى على المناسبة شاعرية حركت عواطف الحضور وهم يتابعون الاقتراحات التي نسجها خيال كريستوفر بايلي.
في خط «بيربيري برورسم»، أكد المصمم كريستوفر بايلي، الذي يشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي للدار البريطانية العريقة منذ شهر مايو (أيار) الماضي خلفا لأنجيلا أهرندتس، التي التحقت بشركة «أبل»، أنه قادر على الموازنة بين الفني والتجاري.
لم يقدم جديدا لم نره في المواسم الماضية، ومع ذلك كانت كل قطعة تمر أمام الأعين تشد الأنفاس، وتجعل الكل يفكر في امتلاكها وفي الطريقة التي سينسقها بها، بدءا من جاكيتات الجينز المزينة بقطع من الجلد اللماع في جوانب مختلفة، وتتميز بأطوال وألوان متنوعة تناسب الكل، إلى الفساتين المصنوعة من الموسلين أو التول، مرورا بالمعاطف المنقوشة. فمهارة المصمم ظهرت في قدرته على إقناعنا بأن ارتداء لوحات فنية بألوان ساطعة ورسومات واضحة ليس فقط ممكنا، بل في غاية الأناقة، سواء تعلق الأمر بشال أو فستان أو بمعطف واق من المطر. كانت الرسمات تجريدية بألوان مائية، ظهرت فيها كائنات حية مثل النحل أو اليعسوب وغيرهما بشكل رومانسي ستحبه حتى اللواتي تعانين من فوبيا الحشرات. ويبدو أن المصمم أخذها من أغلفة كتب قديمة وكبرها على قماش الغاباردين، الذي تشتهر به الدار، ليمنح التشكيلة مظهرا يمزج الشقاوة بالمرح البعيد عن التعقيدات. فالموضة هنا، بكل فنيتها الصارخة، تبقى لعبة شيقة يجب الاستمتاع بها، وعدم أخذها بجدية.
أما أهم اقتراحين قدمهما المصمم فهما الأسلوب الـ«سبور» المنطلق، ويشمل الدينم وباقي القطع المنفصلة التي يسهل تنسيقها مع أحذية رياضية، والأسلوب الرومانسي الذي تجسد في فساتين التول والموسلين.
بالنسبة للمصمم توم فورد، فقد أثبت لنا مساء يوم الاثنين الماضي أن من نسي ماضيه أو تنكر له تاه. ذكرنا عرضه بعصره الذهبي في كل من «غوتشي» و«إيف سان لوران»، مؤكدا أنه مهما حاول أن ينسى تلك الحقبة من حياته ويأخذ له طريقا جديدا ومختلفا، فإنه لا مهرب من الماضي، الذي ظهر في فساتين تقطر بالأنوثة تذكر بعهده في «غوتشي»، وتايورات مفصلة على الجسم تستحضر قدرات الراحل إيف سان لوران، علما بأنه شغل منصب المصمم الفني لهذه الدار أيضا بعد أن استحوذت عليها مجموعة «بي بي آر» التي كانت تملك «غوتشي».
ما لا يختلف عليه اثنان أن مجرد ذكر اسم توم فورد يكسب أسبوع لندن بريقا لا يقدر بثمن، منذ أن التحق به منذ بضع سنوات. مساء يوم الاثنين الماضي رسخ هذه الفكرة، ليس بالمعنى المجازي فحسب بل أيضا من حيث التطبيق، فالتشكيلة التي اقترحها لربيع وصيف 2015 أخذتنا إلى السبعينات من القرن الماضي، وأدخلتنا النوادي الليلية و«الديسكوهات» ببريقها وإثارتها الحسية. اقتراحاته لن تناسب أسلوب كل امرأة نظرا لجرأتها الأنثوية وإغرائها المكشوف، لكن لحسن الحظ أن توم فورد يمتلك كل الأدوات اللازمة لإضفاء عنصر الإبهار عليها علاوة على التفصيل المتقن الذي يرتقي بها إلى مصاف التحف الكلاسيكية. ما تجدر الإشارة إليه أن توم فورد، الذي درس تاريخ الفنون ثم العمارة قبل أن يتجه إلى تصميم الأزياء، هو من حدد معنى الأنوثة في التسعينات عندما التحق بدار «غوتشي» في عام 1990.
كانت الشركة حينها تمر بمرحلة حرجة ومهددة بالإفلاس، فجاء هو ليمنحها قبلة الحياة، ويتسلطن فيها إلى عام 2004، عندما تركها وبدأ خطه الخاص حاول تغيير أسلوبه، متبنيا التفصيل الدقيق على الجسم من خلال تايورات وقطع منفصلة تشي بالأنوثة لكنها أيضا تشي بالقوة بحيث تناسب امرأة عالمية واثقة من نفسها، مما أعطى الانطباع بأنه يجافي التصاميم المنسابة، على الطريقة «الغوتشية» القديمة.
أعادت الفتحات العالية في فساتين منسابة وظهور أجزاء مكشوفة من الجسم صور الماضي، وإن كانت الأنوثة هنا أكثر جرأة قد يراها البعض جزءا من عالم الماسوسادية السري. فقد كانت هناك إيحاءات قوية من هذا العالم تظهر في الجلد والفساتين الضيقة والتنورات القصيرة التي تظهر من تحتها جوارب النايلون المربوطة أعلى الساق، كما في الأحذية العالية جدا، التي تختفي أحيانا تحت بنطلونات واسعة من تحت تذكر بموضة «التشارلستون». كانت العارضات يتمتعن بقوة لا تغفلها العين، وهن يتخايلن على المنصة الزجاجية، إلى حد أنه لم يكن ينقصهن سوى سوط أسود. لكن يبدو أن توم فورد لا يحب الترجمات الحرفية، وككل مصمم مبدع يفضل أن يترك مساحة لبعض الخيال. هذه النظرة الجريئة للأنوثة هي ما تجعله متميزا عن غيره، ومن بين قلة تؤثر على الموضة بالفعل.
فهو لا يأبه بإملاءات الموضة وتوجهاتها، بقدر ما يشغل نفسه بطرح فكرة يدرسها من كل الجوانب لكي تظهر في قطع تبدو وكأنها مفصلة على الجسم، أو جزء منه، بروعتها وإثارتها في الوقت ذاته. وهذه في حد ذاته معادلة صعبة لا ينجح فيها سوى الكبار والمستعدين لخض التابوهات.

* بول سميث
* بول سميث قوة يستند إليها أسبوع لندن، وحتى الآن لم يخيب الظن فيه، فهو لا يزال يتمتع بنفس الحماس الذي كان يحركه وهو في العشرينات عندما بدأ في محل صغير لا تتعدى مساحته مترين تقريبا، كما لا يزال يبتكر ويفكر في التجديد. حماسه يصيب بالعدوى حتى عندما يقدم تشكيلة بسيطة تبدو وكأنها لا تتعدى العادي، السبب أننا لا نصدق أنه يمكن ان يقدم العادي، ونتوقع منه دائما أنها يُضمن ثناياها تفصيلا أتقنه على مر السنين وأصبح يجري في دمه. لا ينكر المصمم ان يعشق التفصيل، إذ لا ننسى أنه بدأ كمصمم للأزياء الرجالية، وهذه المرة قدم تصاميم تغلب عليها نفس الخطوط الواضحة والأفقية، حتى في الفساتين التي خاصمت الخصر تماما. فقد ترك كل قطعة، سواء كانت جاكيتا مفصلا أو فستانا مستقيما، ينسدل على الجسم بشكل مستطيل.
كان واضحا أنه يريد ان يقدم جديدا ومختلفا عن التايورات المفصلة التي أتحفنا بها في المواسم الماضي. جديده تجسد في فساتين بسيطة جدا من القطن والكتان. أما المختلف، فظهر في تصاميم تبدو في غاية البساطة للوهلة الأولى بنقشات مقلمة أو مطبوعة بالورود، يشفع لها انها تتكلم كل اللغات، ولا تغر بساطتها الظاهرية العارفين، فالمصمم المخضرم، سيد التفاصيل الخفية، وهي تفاصيل ظهرت هنا في ياقات توكسيدو واسعة وأهداب وشراشيب تزين أسفل قمصان طويلة، إضافة إلى فتحات جانبية، سواء في تنورات أو قمصان، يظهر من تحتها حرير شفاف مهمته ان يضفي عليها العملية والانوثة في الوقت ذاته. والأهم من هذا يجعلها تناسب أجواء الصيف والإجازات بانطلاقها وسهولتها كما تناسب أجواء العمل بأناقتها العملية.

* أليس تامبرلي
* ما يلفت النظر في عروض أليس تامبرلي أنها في كل عرض تفاجئنا بتبني أسلوب جديد؛ فقد عودتنا في السابق مثلا على الإبهار وفساتين السهرة ذات التصاميم التي تحاكي الـ«هوت كوتير» بتطريزاتها السخية، أما في هذه المرة، فاختارت تقديم تشكيلة منطلقة تبدو وكأنها تتمرد على كل ما قدمته من قبل وتفككه، لكن سرعان ما تنتبه إلى أن الأساسيات موجودة، من التفصيل إلى الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة، مرورا بالنقشات المرسومة بعناية، والتطريزات العصرية التي قد لا تعتمد على الأحجار والبريق، لكنها تؤدي الدور نفسه بتقنياتها المتوارثة من الماضي. المصممة البالغة من العمر 39 سنة، أطلقت على تشكيلتها عنوان «الآن حان وقت التطوير في دار تامبرلي»، والتطوير تجلى هنا في الانطباع باللامبالاة، وتلك الصورة الأكثر شبابية، التي كانت تخلفها كل قطعة تتخايل بها العارضات، مستمدة قوتها من الأقمشة الخفيفة والناعمة، والألوان المنعشة، فضلا عن التصاميم طبعا. الأقمشة شملت القطن والكتان والموسلين والجاكار، بينما شملت الألوان الأبيض والأحمر والوردي والأزرق، إضافة إلى رسمات تجريدية لحيوانات بحرية، وبعضها الآخر أشكال هندسية استوحتها المصممة من اللوحات اليابانية المرسومة بحبر الـ«شانغا» Shunga ink.
بالنسبة للتصاميم، رغم الإحساس بالانطلاق غلب التفصيل على بنطلونات واسعة بصديرات مأخوذة من خزانة الرجل، أضفت عليها المصممة نعومة باستعمال درجات ألوان فاتحة وأقمشة ناعمة، نسقتها مع جاكيتات من الحرير تتميز بتصميم سخي، من حيث ابتعادها عن الصدر.
أما الفساتين فجاءت منسدلة بخصور منخفضة أحيانا، لتبقى القطع المستوحاة من الكيمونو الياباني أجمل، إضافة إلى باقي التشكيلة. بالنسبة للمساء، ظلت تامبرلي وفية لعنصر الإبهار، واقترحت فساتين بذيول طويلة تتطاير مع كل حركة بفضل تصميمها وخفة أقمشتها.



كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.


باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
TT

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)
سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

 

للموضة قدرة عجيبة على توقع الألوان، والتصاميم بسنوات، لكنها للأسف تفقد السيطرة أمام التحولات الاقتصادية، والسياسية، رغم أن تأثيراتها عليها تكون مباشرة، وأحياناً قاتلة.

اليوم تواجه صناعة الموضة تحديات خارجية متزايدة تفرض إعادة رسم قواعد اللعبة، بدءاً من التوترات التجارية، وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى اضطراب سلاسل التوريد. حتى المستهلك أصبح يفرض شروطه الخاصة. المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير عكس هذا المزاج القلق، والمعطيات التي خرج بها ستُترجم، عاجلاً أو آجلاً، إلى تكاليف أعلى، أو تأخير في الإنتاج، وتغيير في خريطة الأسواق.

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما وفق ما قاله باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي لمجلس إدارة «مجموعة شلهوب»، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

مايكل شلهوب، الابن، والذي تولى حديثاً منصبه باعتبار أنه رئيس تنفيذي لـ«مجموعة شلهوب» شرح أن الأوضاع الحالية تتطلب تغيير الأولويات: «يجب أن نضع المستهلك في المقدمة... ننصت له، ونفهم متطلباته، حتى نستطيع أن نقدم له منتجات تناسبه، وتلبي تطلعاته»، وهذا تحديداً ما تقوم به منطقة الشرق الأوسط حالياً، وتعلِّمه للغرب.

الشرق الأوسط... الأمل

تأسّست «ويلي شافاريا» عام 2015 على يد ويلي شافاريا وديفيد راميريز وتحوَلت سريعاً إلى واحدة من أكثر الأصوات أصالة في عالم الموضة (ويلي شافاريا)

فهذه المنطقة تبقى ضمن هذا المشهد، حسب الخبراء واستطلاعاتهم، بقعة ضوء، وملاذاً آمناً لصناع الموضة العالمية. دراسة أجرتها شركة «يورومونيتور إنترناشيونال» مثلاً تفيد بأن سوق الأزياء في المنطقة تواصل نموها بمعدل سنوي مستقر، فيما تظهر استطلاعات أخرى متخصصة مثل Bof Insightsأن شريحة واسعة من أصحاب الدخل المرتفع في الخليج لا تزال تنفق بسخاء على الموضة.

هذه القوة التي تتمتع بها الشرق الأوسط حالياً لم تأتِ صدفة، ولم تكن نتاج طفرة عابرة. هي نتاج مشروع طويل بُني على أسس واضحة، وشراكات مدروسة تقوم بها المملكة العربية السعودية في مجالات الترفيه، والثقافة، والإبداع، ودولة الإمارات، وغيرهما من دول الخليج في مجال الموضة.

نجاح من رحم الأزمات

صورة أرشيفية للأخوين باتريك وأنطوني شلهوب (مجموعة شلهوب)

هذا المشروع كانت «مجموعة شلهوب» طرفاً أساسياً فيه منذ سبعين عاماً. يمكن قراءة هذا المشروع لا بوصفه قصة نجاح تقليدية، بل إنه حالة تشكّلت أساساً في بيئات غير مستقرة سياسياً واقتصادياً، وتكيَفت معها. بدأت في دمشق عندما افتتح ميشال شلهوب، الأب، أول متجر لعلامة «كريستوفل» عام 1955. وفي عام 1965، اضطرت العائلة لنقل أنشطتها إلى بيروت بسبب الأحوال الاقتصادية المتذبذبة في سوريا، وفي عام 1975 وبعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، اضطرت المجموعة إلى الانتقال إلى الكويت. في عام 1990 أدى غزو الكويت إلى انتقالها من جديد إلى دبي. يقول باتريك شلهوب، الرئيس التنفيذي للمجموعة، إن هذا الانتقال كان مخططاً له مسبقاً، وكل ما في الأمر أن الغزو سرَّعه.

جاءت شراكة المجموعة مع ويلي شافاريا للتوسع في منطقة الشرق الأوسط (مجموعة شلهوب)

بحس تجاري، تحوّلت هذه التنقلات المفروضة إلى خبرة، واستراتيجيات عمل قائمة على استباق الأحداث، وترسيخ رؤى استشرافية لا تزال المجموعة تتمتع بها إلى اليوم. فالاستقرار بالنسبة لها ليس شرطاً للنجاح.

باتريك شلهوب واستراتيجيات توسعية

بالنسبة لباتريك شلهوب، الذي انضم إلى العمل العائلي أواخر السبعينات، لم تكن الموضة من أولوياته، ولم يفكر في دخولها قبل ذلك. كان شغوفاً بالرياضيات. لكن الحرب غيَرت اتجاهه، وأدخلته هذا العالم من بوابة الإدارة. كان طموحه كبيراً، إذ وضع نصب عينيه ألا تبقى المجموعة في موقع المتلقي، أو ردّ الفعل. سرعان ما حوّلها من مجرد موزع محلي إلى لاعب إقليمي بثقل دولي، حيث فتح مرحلة الشراكات الكبرى، والمشاريع المشتركة مع علامات كبيرة، مثل «لوي فويتون»، «ديور»، «فيرساتشي»، «فندي»، «جيمي تشو»، «جاكيموس»، «لوبوتان»، «بيرلوتي».

باتريك شلهوب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة في حذاء من «ليفل شوز» (ليفل شوز)

بعدها بدأ استراتيجية امتلاك وإطلاق علامات حصرية، أبرزها «ليفل شوز» و«ووجوه». هذا التوسع استدعى الاستثمار في الجانب الإنساني لأهميته. استثمر مبكراً في التعليم، والتدريب عبر إنشاء أكاديمية تحمل اسم العائلة لتنمية المواهب الشابة، والتعاون الأكاديمي مع الجامعة الأميركية في الشارقة.

السوق السعودية

مؤخراً فتح باتريك أبواب هذه الأكاديمية في السعودية. لم تفُته أهمية هذه السوق. صحيح أن علاقته بها بدأت منذ عقود بافتتاح أولى متاجرها عام 1991، لعلامات تجارية مثل «فيسز» و«تاناغرا» و«كريستوفل» و«غوالي»، لكنه طوَرها مؤخراً، تطوّرت، وافتتح محلات جديدة على شكل وجهات توفر تجارب غامرة. والأهم من هذا تأخذ بعين الاعتبار أن مستهلك اليوم مختلف. هو أكثر وعياً وانتقائية، وحساسية تجاه القيم التي تمثلها العلامات، وعلى رأسها الاستدامة.

تطمح «ويلي شافاريا» نحو التوسّع الدولي ودخول الأسواق الجديدة وتحقيق القيمة المستدامة (مجموعة شلهوب)

هذا المستهلك يُقسِمه باتريك شلهوب إلى ثلاث فئات رمزية تعكس اختلاف الدوافع والتطلعات. ما أسماه بالخيول وهم فئة تعشق الموضة وتبحث عن الاعتراف والمكانة الاجتماعية. وفئة الغزلان التي تتعامل معها كامتداد طبيعي لهويتهم، فيما تتميز فئة الصقور، بكونها أكثر جرأة، لأنها تبتعد عن المفهوم التقليدي وتبحث عن التجربة والتفرد والحرفية.

خلف هذا التصنيف تبرز حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن هذا المستهلك أصبح مُتطلَبا لا يتغاضى عن الاخطاء مهما كانت صغيرة، وأي قراءة خاطئة للسياق الثقافي قد تتحول إلى خسارة يصعب تعويضها.

من عرض ويلي شافاريا لربيع وصيف 2026 الذي قدم لأول مرة في باريس (مجموعة شلهوب)

وهذا ما أشار إليه في مؤتمر BoF VOICES 2025 السنوي، موضحاً أن لكل منطقة في العالم خصوصيتها الثقافية، والسيكولوجية، وبالتالي لا يمكن استنساخ تجربة معينة خارج هذا السياق. لا بد من ترجمتها بحس يُراعي البيئة، والجوهر، حتى لا تصطدم بحساسية المكان.

 

 

لم يكن حضور باتريك شلهوب في هذا المؤتمر إلى جانب قادة صناعة الرفاهية من مختلف أنحاء العالم شكلياً، أو لمجرد استكمال التمثيل، بل مشاركة فكرية حقيقية، تعكس التحول اللافت لمنطقة الشرق الأوسط باعتبار أنها لاعب مؤثر على الساحة.

ومع ذلك لا يتجاهل باتريك أن التباطؤ العالمي على صناعة الترف عموماً له تأثيرات قد تكون أقل على منطقة الشرق الأوسط عموماً، والسعودية خصوصاً، لكنها لا تعني انعدامها تماماً. فالقوة الشرائية وحدها لا تُفسر الاستقرار، والنمو. يقول في هذا الصدد: «إن دورنا يكمن في تكريم إرثنا، من خلال إعادة تصوّره بما ينسجم مع آفاق الغد. وهذا هو جوهر رؤية 2033: بوصلتنا الطموحة للعقد المقبل. رؤية تقوم على الانتقال من دور الشريك إلى تأسيس دار العلامات التجارية، لنصوغ وننمّي إبداعاتنا الخاصة، مع استمرارنا في تمثيل أكثر العلامات التجارية رفاهية، وإلهاماً في العالم. ومن هنا، نرسّخ جذورنا في الشرق الأوسط، موطننا، وننطلق للتوسّع عالمياً نحو أميركا اللاتينية، وأوروبا، والولايات المتحدة».

استحواذ واستثمار

ضمن هذا السياق، اتجهت مجموعة شلهوب تدريجياً إلى تنويع أدوارها. فإلى جانب الشراكات مع علامات عالمية كبيرة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، باستحواذها على حصة استراتيجية في دار الأزياء الأميركية «ويلي شافاريا»، بدأت تستثمر أيضاً في علامات خاصة، وإطلاقها، بهدف الانتقال من دور الوسيط إلى دور مؤثر في صناعة الموضة.

باتريك شلهوب وابنه مايكل الذي تسلم المشغل منه ليستمر إرث العائلة (ليفل شوز)

من هذه الرؤية وُلدت تجربة «ليفل شوز» التي انطلقت في دبي، وتستعد اليوم لدخول السوق الأميركية في إشارة إلى قدرة أول علامة تنشأ في المنطقة أن تنطلق إلى العالمية «ما دامت تستند إلى ثلاثة عوامل محورية هي: الذكاء الاصطناعي، والمواهب، والتميّز التشغيلي» وفق رأي باتريك.

هذه العوامل وفق رأيه لا تنسلخ عن التحولات البنيوية التي تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة، وتتجلى في الاستثمار في الصناعات الإبداعية، وفي مستهلك أصبح أكثر اطلاعاً، وتطلعاً للأحسن.