الفقر في دمشق يزيد المطالب برفع الرواتب... وسطو مسلح على مصارف

سوق الحميدية أحد الأسواق العريقة في دمشق (أ.ف.ب)
سوق الحميدية أحد الأسواق العريقة في دمشق (أ.ف.ب)
TT

الفقر في دمشق يزيد المطالب برفع الرواتب... وسطو مسلح على مصارف

سوق الحميدية أحد الأسواق العريقة في دمشق (أ.ف.ب)
سوق الحميدية أحد الأسواق العريقة في دمشق (أ.ف.ب)

في ظاهرة خارجة عن المألوف، تزايدت في دمشق أصوات الموظفين لدى الحكومة المطالبة بزيادة الرواتب، بعدما باتت الشريحة الكبرى من الناس ترزح تحت خط الفقر، بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار.
واعتبر خبراء أن وعود الحكومة بتحسين مستوى المعيشة هي «تخدير للناس ليس إلا»، لأنها «مفلسة»، في وقت تزايدت فيه حالات السطو المسلح على المصارف وشركات الحوالات المالية في العاصمة ومحافظات أخرى، وذلك في ظلّ تواصل حالة الانفلات الأمني وعجز الحكومة عن ضبطها.
وأثناء تجمع عشرات من المواطنين على باب مكتب في إحدى الدوائر الحكومية للحصول على وثيقة «إخراج قيد»، كان موظف يتولى مهمة تنظيم الدور يطالب بين الحين والآخر الناس بالانتظام وعدم التدافع، لكن لوحظ ولعدة مرات حصول أحاديث جانبية بينه وبين عدد من المصطفين وأخذه منهم أوراقهم المطلوبة للحصول على الوثيقة ومن ثم الدخول إلى المكتب لدقائق معدودة ومن ثم خروجه ليسلمهم الوثيقة قبل وصول دورهم.
هذا الأمر أثار غضب كثير من المنتظرين بفارغ الصبر وصول دورهم، ودفعهم لمطالبة الموظف بـ«تنظيم الدور (الطابور) وليس تجاوزه علناً بهذه الوقاحة مقابل 500 أو 1000 ليرة».
في سنوات ما قبل الحرب المستمرة في سوريا منذ نحو 8 سنوات، كان المواطنون نادراً ما يجرؤ أحدهم على المطالبة العلنية بزيادة الرواتب خوفاً من «تقارير كيدية» لمخبري أجهزة الاستخبارات، كون ذلك يشير ضمنياً إلى انتقاد الحكومة، وازداد حذر المواطنين من هذا الأمر خلال سنوات الحرب مع الانفلات الأمني والفوضى التي حصلت في البلاد وكثرة مخبري الأجهزة الأمنية.
وخلال سنوات الحرب، تراجعت احتياطات العملة الأجنبية لدى الحكومة من 20 مليار دولار أميركي في نهاية عام 2010 إلى 0.7 مليار دولار، في حين انخفضت الليرة السورية من نحو 50 ليرة إلى أكثر من 600 ليرة في مقابل الدولار الأميركي حالياً، مع ارتفاع جنوني في أسعار السلع توازى مع قيمة الدولار مقابل الليرة.
هذا الوضع خلف عواقب كارثية على التكاليف المعيشية للمواطنين، مع مراوحة متوسط الراتب الشهري لموظف حكومي بين 30 و40 ألف ليرة سورية، في حين لا يتعدى متوسط راتب موظفي القطاع الخاص 65 ألف ليرة سورية، ما أدى إلى اتساع شريحة الفقراء في البلاد، وبات بحسب بحث أجراه «المركز السوري لبحوث السياسات» بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت مؤخراً، أكثر من 93 في المائة من السوريين يعيشون في حالة «فقر وحرمان» بينهم نحو 60 في المائة يعيشون في «حالة فقر مدقع». موظف في إحدى المؤسسات الحكومية يؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث الأبرز هذه الأيام بين الموظفين خلال ساعات العمل، هو «تطلعهم إلى زيادة معقولة للرواتب تنتشلهم من الوضع المأساوي الذي يعيشونه»، ويقول إن «الناس نفد صبرها وانفجرت، لأن الوضع لم يعد يحتمل إطلاقاً، بعد أن وصل الموظف إلى درجة عدم القدرة على تأمين مستلزمات عائلته الأساسية، وكثير منهم إلى مرحلة الجوع»، ويضيف ساخراً: «لم يبقَ إلا أن نقف أمام المساجد ونستجدي الناس لنأكل!»، في إشارة إلى انتشار ظاهرة التسول وبشكل كبير في مناطق سيطرة الحكومة.
منذ اندلاع الأحداث في البلاد منتصف مارس (آذار) 2011 وتحولها إلى حرب طاحنة بعد عدة أشهر، أصدر الرئيس بشار الأسد 4 مراسيم بزيادة الأجور والرواتب الشهرية؛ الأول في عام 2011، والثاني في 2013 والثالث في 2015 والرابع في 2016. في حين أصدر في عام 2018 مرسوماً بزيادة رواتب العسكريين.
ولم تتجاوز نسبة زيادة الأجور والرواتب الشهرية في أي من المراسيم السابقة 30 في المائة من مجمل المرتب الشهري.
مدرس في إحدى مدارس ريف العاصمة يعتبر أنه حتى لو تمت زيادة الأجور والرواتب الشهرية بنسبة مائة في المائة، لن يحسن ذلك من الوضع المعيشي للمواطن، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «في سنوات ما قبل الحرب كان راتب موظف الدرجة الأولى يعادل 800 دولار واليوم 70 دولاراً، ودراسات تصدرها مراكز مقربة من الحكومة تقول إن العائلة المؤلفة من 5 أشخاص تحتاج شهرياً إلى نحو 300 ألف ليرة أي 500 دولار، وبالتالي رفع راتب الموظف إلى 140 دولاراً لن يحل المشكلة».
وغالباً ما تقابل تصريحات مسؤولي الحكومة حول جهودها لتحسين الوضع المعيشي للمواطنين بالسخرية. ويقول خبير اقتصادي لـ«الشرق الأوسط»: «بالأصل هل يوجد إنتاج لكي يحسنوه؟!»، ويتساءل: «أين النفط لكي يحسنوا إنتاجه؟ أين الصناعة؟ أين الزراعة؟.......؟»، ويوضح أن «رئيس الحكومة صرح مؤخراً بأن هذا الأمر (زيادة الرواتب) يرتب على الخزينة 220 مليار ليرة سنوياً، لا أعلم من أين سيأتون بالمال. المؤشرات تؤكدا أن هناك حالة إفلاس».
وبلغ إجمالي خسائر الاقتصاد السوري بعد دمار كبير طاله من جراء الحرب، حسب تقرير لـ«البنك الدولي»، أصدره منتصف عام 2017، نحو 226 مليار دولار أميركي، ولفت إلى أن نحو 27 في المائة من مجموع الوحدات السكنية قد دمرت أو تضررت جزئياً، بينما تشير الأرقام المحلية إلى أن 67 في المائة من قدرة سوريا الصناعية دمرت بشكل كامل.
وتتقاسم الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية السيطرة على حقول النفط، لكن غالبية حقول النفط السوري تقع تحت سيطرة الأخيرة في محافظتي الحسكة ودير الزور وتنحسر سيطرة الحكومة على حقول النفط في مناطق غرب الفرات في دير الزور وسلسلة الجبال التي تعرضت للتخريب خلال المعارك مع تنظيم داعش.
وبلغ إنتاج سوريا قبل اندلاع الحرب في عام 2011 نحو 400 ألف برميل نفط يومياً، أكثر من نصفها للاستهلاك المحلي والباقي للتصدير، أما اليوم فلا تتجاوز نسبة الإنتاج 14 ألف برميل، حسب مصادر حكومية.
كما أصبحت الحكومة وفق الدراسة تعتمد بشكل متزايد على المدفوعات المسبقة من البنك المركزي السوري، بالإضافة إلى المساعدات الخارجية من قبل حلفائها، التي تتزايد خلال الحرب بسبب قاعدة الدخل الضريبي المحدودة للغاية، لافتة إلى أنه في عام 2015، تم تمويل ثلث نفقات الحكومة على الأقل من خلال الاقتراض طويل الأجل من البنك المركزي.
يجري ذلك في ظلّ تواصل حالة الانفلات الأمني في دمشق ومحيطها، فقد قام مسلحان يوم الخميس الماضي باقتحام شركة «الهرم» للحوالات المالية في ضاحية قدسيا الواقعة في محيط العاصمة.
وتحدثت وسائل إعلام محلية وصفحات على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عن أنه جرى إطلاق للنار أدى إلى إصابة شخصين، إضافة إلى إصابة مدير الشركة عبد القادر شيخة الذي كان في مقر الفرع لحظة وقوع عملية السطو، وهو أيضاً عضو مجلس مدينة ضاحية قدسيا، وقد توفي لاحقاً متأثراً بجراحه.
ونقلت المصادر عن إحداهن اللاتي كن في مقر الشركة حينها أن الشخصين المسلحين أمرا من كانوا في الفرع بالانبطاح أرضاً، قبل أن يُسمع تبادل لإطلاق النار، ثم لاذ المسلحان بالفرار عبر دراجة نارية، بينما بثت صفحة ضاحية قدسيا على «فيسبوك» شريطاً مصوراً يظهر المسلحان أثناء فرارهما.
وفي اليوم التالي، كشفت صفحات موالية عن هوية منفذي عملية السطو، ونقلت عن مصادر خاصة أن أحد اللصوص المنفذين للعملية ضابط في الجيش النظامي ويدعى أنس محفوظ، واللص الثاني يدعى مهند داود، بينما أعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض على الجانيين وإحالتهما للقضاء لنيل جزائهما، دون الإشارة إلى هويتهما ووظيفتهما.
وبعد عملية السطو على شركة «الهرم» للحوالات المالية في ضاحية قدسيا تعرض مكتب شركة «الحافظ» للحوالات في حي الفرقان بمدينة حلب شمال البلاد ليل السبت/ الأحد لعملية سطو مسلح من قبل أشخاص مجهولين، يرتدون أقنعة، حيث سرقوا أجهزة «اللابتوبات» فقط ومبلغاً مالياً بسيطاً، دون الاقتراب من خِزن الأموال الرئيسية، على ما ذكر تلفزيون «الخبر».
لكن عملية السطو المسلح الأبرز شهدتها ساحة الشعلة بمدينة السويداء جنوب سوريا، حيث أكدت مصادر محلية نقلاً عن شهود عيان، بحسب صفحات على «فيسبوك»، أن مسلحين ظهروا بوجوه سافرة، في وضح النهار وأمام المارّة، ولم يحاولوا إخفاء شخصياتهم، وأجبروا سيارة المصرف العقاري الحكومي على التوقف واقتادوها مع السائق إلى جهة مجهولة، وكانت تقل مبلغاً كبيراً من المال يُقدّر بـ35 مليون ليرة.
ومنذ اندلاع الأحداث في سوريا وانتشار كثير من المجموعات المسلحة وظاهرة فوضى حمل السلاح في مناطق سيطرة الحكومة، تشهد تلك المناطق انفلاتاً أمنياً غير مسبوق وتزايدت جرائم القتل والخطف بغرض الفدية والسرقة.



مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».