مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات

هالة البدري تنسج خيوطها عبر «نساء في بيتي»

مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات
TT

مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات

مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات

ما الذي تريده هالة البدري، في روايتها «نساء في بيتي»، من خلال استدعاء ثلاث مبدعات متباينات، من حيث النشأة والبيئة واللغة والزمن، تنحاز إليهن، وتنبش في سير حياتهن، بكل أنساقها العاطفية والنفسية والسياسة والاجتماعية، بل تحاورهن وتتبادل الرسائل معهن، وأيضاً مع بعض عشاقهن، بقوة الذاكرة والحلم، وكأنهن أصبحن جزءاً من عالمها الروائي؟ هل تبحث عن أفق جديد مغاير للكتابة، عن ملامح وعلامات وطاقات مخبوءة ومهمشة في طوايا تجربة الكاتبة نفسها وذاتها المبدعة؟ وهل يشكل هذا النبش مرآة موازية جمالياً ترى نفسها فيها؟ ثم ما هي نقاط التقاطع والتجاور التي تجمعهن، وتفرقهن أيضاً، في سقف لعبة تديرها الكاتبة بمحبة، وتعي ما يعتمل في نسيجها من نقص وإضافة، بل تحرض القارئ على أن يشاركها متعة شد خيوطها بين الحين والآخر؟
تحاول الكاتبة أن تجد مبرراً فنياً وعاطفياً لكل هذه التساؤلات في مستهل الرواية (ص 22)، متسائلة بضمير الأنا: «هل نحن واحد رغم كل المسافات والأبعاد والزمن؟ وهل من الضرورة أن نكون واحداً؟ (نحن) أوقع. بكل ما يحمل الضمير الجمعي من اتفاق واختلاف». ثم تمعن في التساؤل، متابعة بقولها: «لماذا لا أبدأ كتابة الرواية، وستجيب الأسئلة عن نفسها في رحلة المعرفة؛ معظم الروايات تبدأ بالضباب، ونتعرف معاً أنا والكتابة على الشخصيات والأماكن والمعنى. الأفضل إذن أن أكتبها مع القارئ، لنتابع معاً نموها».
أول مفردة هذا العقد الأنثوي المنتخب الشاعرة الروائية النمساوية «إنجبورج باخمان» التي ماتت محترقة عام 1972، عن عمر يناهز 47 عاماً، في كوخها بإيطاليا، وتقلبت حياتها بين عدد من الرجال، كان بينهم الموسيقي «هانز فيجل»، أول من آمن بموهبتها، ولحن لها أوبرا، وقدمها للأوساط الثقافية، لكنه كان مثلياً، ثم الشاعر اليهودي الألماني المضطهد من قبل النازي «باول سيلان» الذي تشير الرواية إلى أنه حبها الحقيقي المعذِّب الذي تفوق على أي رجل آخر في حياتها، والكاتب المسرحي ماكس فريش الذي عاشت معه تجربة عاطفية استمتعت فيها بمساحات التناقض والاختلاف بينهما... تجمع باخمان بالكاتبة الساردة رسالة ماجستير أعدتها باحثات بقسم اللغة الألمانية بالجامعة، عن روايتيهما «مالينا» و«امرأة ما»، رصدت فيها أوجه التشابه بين الروايتين، خصوصاً على مستوى اللغة، والعنف، ووحشية الحرب والحداثة، وأيضاً تطور الحدث الدرامي الذي انتهي بالقتل.
والثانية الرسامة التشكيلية الأميركية «جورجيا أوكيف» المولودة في ثمانينات القرن الثامن عشر، وهي فنانة تنتمي للمدرسة الطبيعية، اتخذت من الوردة رمزية فنية للرحم الأنثوي، وامتدت لوحاتها إلى عالم الصحراء بإيقاعه التجريدي اللانهائي، خلال رحلتها إلى المكسيك، وإقامتها لفترة في مزرعة خاصة، وفرت لها جواً من العزلة والسكينة، استطاعت في ظلالها معايشة أفقها الفني بروح صافية من شوائب النفس والحياة... ارتبطت «أوكيف» بعلاقة عاطفية ملتهبة مع المصور الفوتوغرافي الأميركي الشهير ألفريد ستجليتز، وتزوجته، وكان له الفضل في تعريف الأوساط الفنية بها في نيويورك، لكنه مع ذلك سجنها في برواز الأنثى الموديل، مستغلاً جسدها العاري في إنعاش عين الكاميرا، وتصويره من زوايا حساسة، وبمهارة فنية، حتى أنه أقام معرضاً خاصاً لهذه الصور أثار ضجة في الصحافة وفي الوسط الفني، لكنه ترك بقعة من الاستياء لم تفارق روحها، وسعت الشرخ العاطفي بينهما، بين امرأة محبة مخلصة للفن والحياة، وزوج بوهيمي يؤمن بالحرية إلى حد الفوضى في كل شيء، حتى في الزواج... وظل الأمر هكذا حتى رحلت عن عالمنا سنة 1986، عن 97 عاماً.
والثالثة قوت القلوب الدمرداشية التي انقلبت حياتها من أميرة إلى امرأة مطاردة، بعد رحيلها من مصر في أعقاب ثورة 23 يوليو، وماتت مقتولة على يد ابنها في روما عام 1968، إثر مشادة بينهما.
كتبت قوت القلوب باللغة الفرنسية، كعادة أبناء الطبقة الأرستقراطية آنذاك، وعرفت طريقها إلى عالم الإبداع وهي في الخامسة والأربعين، ونشرت لها دار «غاليمار» معظم أعمالها، وقدم الكاتب الفرنسي جان كوكتو روايتها «الخزانة الهندية» التي أصدرتها «غاليمار» عام 1940.
وفي روايتها «رمزة»، التي ترجمها دسوقي سعيد عن الألمانية، ونشرت ضمن سلسلة «دار الهلال»، تنحاز لحرية المرأة، وتمردها على الأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة، حتى تكون عضواً فاعلاً في المجتمع، وهو ما فعلته قوت القلوب حين اشترطت في زواجها أن تكون العصمة في يدها.
وعلى عكس سيرة «باخمان»، و«أوكيف»، لم تكشف الكاتبة في معرض نبشها لسيرة قوت القلوب عن فضاء خاص لعلاقة عاطفية جمعتها بالكاتب محمود أبو الفتح، اللهم مجرد إشارات عابرة لا توثق لشيء، وربما لذلك استطردت الكاتبة في وصف وضعها الاجتماعي، بوصفها أميرة تنتمي إلى أسرة تنحدر من سلالة أمراء المماليك الذين قدموا إلى مصر من القوقاز مع العثمانيين، والتحولات المجتمعية التي مرت بها الأسرة، حتى أصبحت هناك طريقة صوفية تعرف بالطريقة الدمرداشية.
هذا الترحال في سير هؤلاء المبدعات يشير ضمنياً إلى أن الكتابة رحلة في المعرفة، لكن هذه اللعبة الثرية الشغوفة بالتأمل فيما وراء الأشياء والعناصر، ومحاولة اكتشاف ما تخفيه في ظلالها من حقائق وأسرار... اتسعت في كثير من المناطق بلا مبرر فني، اللهم الاستطراد والتكرار، ما جعل السؤال معلقاً بين بداهة المعرفة وطزاجتها المربكة الموجعة في سير هؤلاء المبدعات، وتنقلاتهن بعفوية في براح المكان والمعني والزمن، وبين حالة من النمطية والتكرار تخيم على سيرة البطلة الكاتبة نفسها، وكأن هذا الاستدعاء ابن إرادة فنية واعية تحاول كسر هذه النمطية، أو على الأقل إخراج الصورة من أسر الإطار الضيق إلى براح الواقع الموّار بالرؤى ومغامرة الاختلاف، حتى مع الذات نفسها.
هي إذن محاولة للفهم والإدراك، وإعادة التأمل والقراءة، وفي الوقت نفسه دعوة إلى وضع تجربة الكتابة وفق كل هذه المعطيات على طاولة البحث من جديد، وهو ما تعود الكاتبة لتوكيده مجدداً على لسان الذات الساردة، وفي معرض تساؤل بعنوان «ما الذي يجمعنا؟»، قائلة (ص 189): «لماذا اخترت كلاً منهن بالذات، خصوصاً أن العناصر التي تجمعنا متوفرة عند عدد كبير من الكاتبات والفنانات الأخريات؟ ربما لمجرد الشعور بالقرب نفسياً، وهذا وحده كافٍ. أظن أيضاً أننا في حاجة لمن يحلل هذا الاختيار، عن طريق إخضاع حياتي وكتاباتي أنا وليس هن للتحليل والبحث»، ثم تستدرك لدرأ شبهة الإيثار والأنانية، قائلة: «لا، بل نحن جميعاً. لا بد من تحليل عناصر الحياة عند الجميع، لأني أولاً أعرف مئات الكاتبات، فلماذا وقع الاختيار على هؤلاء؟».
قد يختلف كثيرون حول دوافع ورافد هذا التحليل المنشود، ودوره في عملية اختيار الكاتبة لهؤلاء المبدعات، لكن في ظني ستظل الحياة العاطفية، بأفقها الحر العاري من كل كوابح المتعة والشهوة وحواجز المجتمع، معولاً أساسياً في هذا التحليل، وهو ما عاشته هؤلاء الكتابات بعصب عارٍ، حتى اللحظات الأخيرة من حياتهن.
مع ذلك، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بروح من الواقعية والتخيل معاً: ما هي الرواية إذن؟ بل ما هو الشكل الفني الجديد الذي تمخضت عنه هذه الرحلة من النبش المضني؟ وهل نحن إزاء رواية تبحث عن الرواية؟
إن الرواية، والفن عموماً، فعل ذاتي مفتوح على كل إمكانيات وحدوسات المعرفة الإنسانية، لكنه ليس محض تحقيق وبحث استقصائي يستحلب المشهد حتى آخر الشوط، من أجل التدليل على وقائع ومواقف سياسية وتاريخية معينة؛ الفن رؤية أعمق وأعلى، تتجاوز معايير الصدق والكذب المخادعة في هذا الوقائع، أيضاً سرد الواقعة روائياً هو في النهاية رؤية فنية خاصة لها.
ومن ثم، لا يهمني هنا أن أعرف موقف الصحافي محمود أبو الفتح من ثورة 23 يوليو 1952، ولا علاقته بجمال عبد الناصر، ولا هل كان وطنياً أم خائناً، أو أن الشيخ عبد الرحيم الدمرداش باشا، شيخ الطريقة الدمرداشية، هو من أنشأ في عام 1931 مستشفى الدمرداش، وغيرها من الوقائع الاجتماعية والسياسية التي تشكل حمولة زائدة في الرواية... ناهيك عن أنها لا تمثل علامة فارقة في التاريخ المصري، وأصبح معظمها متاحاً للقارئ على الإنترنت. ومن ثم، لا تعنيني، خصوصاً في سياق عمل روائي يبحث عن لحظات التمرد والثورة في نفوس هؤلاء الكاتبات، ويلتقطها بلغة سردية رائقة مشرّبة بروح الشعر، وسط عواصف حياتهن وتقلباتها المأساوية، وعلاقتهن العاطفية المتكسرة، بنوعية خاصة من الرجال، هم أيضاً مبدعون وفنانون متمردون، ينقسمون على أنفسهم في لحظة، ويتفقون في لحظات.
على المستوى الفني، اتخذت الكاتبة من جدلية السابق واللاحق محوراً لإدارة لعبتها الروائية، بين بطلاتها الثلاث: «ناهد» بطلة روايتها «امرأة ما»، و«أنا» بطلة رواية باخمان التي سمتها الكاتبة الساردة بهذا الاسم، و«رمزة» بطلة رواية قوت القلوب. وقد استطاعت عن طريق آلية الانعكاس أن تضع يدها على بؤرة سردية مشتركة بينها، كبطلة الرواية المركزية، وبين هؤلاء الشخوص، وتأمل ما ينعكس على ذاتها من ظلالهن عبر فوارق الزمن وتحولات الحياة، والتنقل بسلاسة فنية ولغوية، من الوعي المعرفي بالحالة إلى الوعي الإبداعي الذي ينهض على التفاعل الحي بين كل أطراف اللعبة، وكأن كل طرف هو صدى للآخر، أو ظل له.
لقد أدارت هالة البدري اللعبة باقتدار كمغامرة سردية شيقة، لكنها أخفقت في أن تجعل منها نواة لكتابة جديدة.



التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
TT

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)

عندما يلتقي موسما الصوم لدى المسلمين والمسيحيين في لبنان، لا يبقى الأمر محصوراً بالطقوس الدينية، بل يتجسّد في تفاصيل الحياة داخل الأحياء المختلطة، حيث تتداخل العادات في مشهد يومي يعكس روح المشاركة.

في مناطق مثل الطريق الجديدة والمزرعة وقريطم والسوديكو، يراعي الجيران بعضهم بعضاً، من تخفيف الضجيج صباحاً إلى مراعاة أوقات الإفطار وتبادل الأطباق المنزلية. فموائد رمضان تصل إلى الجيران المسيحيين، ويبادل هؤلاء أطباقاً تتناسب مع الشهر، ولا سيما المأكولات المحضّرة بالزيت. ومرات تشمل هذه الموائد الحضور الافتراضي للأبناء المهاجرين، فينضمون إلى موائد الإفطار المختلطة عبر اتصال إلكتروني. وغالباً ما تتحوَّل السهرات المسائية إلى لقاءات مشتركة تجمع العائلات حول الشاي أو الحلويات، فيتراجع البعد الطقسي أمام البعد الاجتماعي.

العائلات اللبنانية تجتمع على موائد رمضان (الشرق الأوسط)

وتشير أنيسة مكاوي، التي تسكن في منطقة المزرعة، إلى أن هذه التفاعلات بين المجتمعين ليست طارئة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا على ممارسة هذه التقاليد منذ الصغر، لأننا تربينا عليها. كانت والدتي تُهدي جارتها طبق حساء العدس الأصفر، وبالتالي تردّ لها الجارة الطبق مليئاً بحلوى الصفوف أو النمورة».

هذا الالتقاء بين موسمَي الصوم يعزز روابط الجيرة، وينعكس نبضاً مفعماً بالديناميكية في المدينة ومناطق أخرى. فيجتمع اللبنانيون في المقاهي والأسواق ومعارض رمضان اليدوية، وكذلك ينتظرون قرع الأجراس عند الظهر ورفع أذان المغرب لتبادل عبارة «صوم مبارك».

وتقول نهى، ربّة منزل وجدّة لستة أحفاد، إنّ هذه المناسبة تُعيد إلى أهل المدن وسكان المناطق الجبلية التقاليد الموروثة: «في كل مرة يلتقي فيها زمن الصومين، نحيي عادات تعلّمناها من أمهاتنا وجدّاتنا. فتطفو أواصر العلاقات الاجتماعية من جديد. ويستعيد المجتمع دفئه بفضل هذه التقاليد. نعود إلى زيارات الجيران والأصدقاء والدعوات إلى موائد الإفطار. وتساعد ربّات المنازل بعضهنّ بعضاً في تحضير الأطباق، ونسترجع نبضاً نفتقده في الأيام العادية».

أطباق رمضانية تتبادلها ربات المنازل في زمن الصوم (الشرق الأوسط)

في أحياء كثيرة، تختصر لحظة الغروب مشهد التقاء موسمي الصوم بصورة سمعية وإنسانية معبّرة. بين قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المغرب، يتشكّل إيقاع يومي يذكّر السكان بأنهم يعيشون زمنين روحيين متوازيين في مساحة واحدة. فلا يعود الصوت مجرد إعلان طقس ديني، بل علامة على تقاطع الحياة الاجتماعية. وفي الأحياء المختلطة، يعرف الجيران هذا التزامن ولا يفوتهم، فيضبطون مواعيدهم عليه، ويتبادلون التحيات أو الأطباق، وكأن الصوتين يشكّلان خلفية مشتركة ليومهم.

وتحضر هذه الثنائية السمعية في ذاكرة اللبنانيين بوصفها جزءاً من المشهد اليومي، ليتحوَّل التقاء موسمي الصوم إلى تجربة تتجاوز الرمزية الدينية، وتصبح حالة معيشة حسّية يعيشها أهل الحي الواحد.

كما يقصد بعض اللبنانيين العودة إلى أرض الوطن خلال الشهر الفضيل. فيغادرون أماكن إقامتهم في أوروبا أو كندا ليعيشوا تفاصيل هذه الفترة في بلدهم الأم. وتقول نانسي في هذا السياق: «أحجز تذكرة السفر من ألمانيا إلى لبنان قبل حلول الشهر الفضيل. وغالباً ما أتفق مع صديقات مغتربات على العودة معاً. فشهر رمضان هنا يحمل لنا ذكريات نحب استعادتها بين الجيران والأهل. وله خصوصيته التي لا نجدها في بلاد الاغتراب الأوروبية. هذا اللقاء السنوي أنتظره من عام إلى آخر بفارغ الصبر، وأخطط له قبل أشهر طويلة».


«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.