مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات

هالة البدري تنسج خيوطها عبر «نساء في بيتي»

مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات
TT

مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات

مغامرة الكتابة بين ثلاث مبدعات

ما الذي تريده هالة البدري، في روايتها «نساء في بيتي»، من خلال استدعاء ثلاث مبدعات متباينات، من حيث النشأة والبيئة واللغة والزمن، تنحاز إليهن، وتنبش في سير حياتهن، بكل أنساقها العاطفية والنفسية والسياسة والاجتماعية، بل تحاورهن وتتبادل الرسائل معهن، وأيضاً مع بعض عشاقهن، بقوة الذاكرة والحلم، وكأنهن أصبحن جزءاً من عالمها الروائي؟ هل تبحث عن أفق جديد مغاير للكتابة، عن ملامح وعلامات وطاقات مخبوءة ومهمشة في طوايا تجربة الكاتبة نفسها وذاتها المبدعة؟ وهل يشكل هذا النبش مرآة موازية جمالياً ترى نفسها فيها؟ ثم ما هي نقاط التقاطع والتجاور التي تجمعهن، وتفرقهن أيضاً، في سقف لعبة تديرها الكاتبة بمحبة، وتعي ما يعتمل في نسيجها من نقص وإضافة، بل تحرض القارئ على أن يشاركها متعة شد خيوطها بين الحين والآخر؟
تحاول الكاتبة أن تجد مبرراً فنياً وعاطفياً لكل هذه التساؤلات في مستهل الرواية (ص 22)، متسائلة بضمير الأنا: «هل نحن واحد رغم كل المسافات والأبعاد والزمن؟ وهل من الضرورة أن نكون واحداً؟ (نحن) أوقع. بكل ما يحمل الضمير الجمعي من اتفاق واختلاف». ثم تمعن في التساؤل، متابعة بقولها: «لماذا لا أبدأ كتابة الرواية، وستجيب الأسئلة عن نفسها في رحلة المعرفة؛ معظم الروايات تبدأ بالضباب، ونتعرف معاً أنا والكتابة على الشخصيات والأماكن والمعنى. الأفضل إذن أن أكتبها مع القارئ، لنتابع معاً نموها».
أول مفردة هذا العقد الأنثوي المنتخب الشاعرة الروائية النمساوية «إنجبورج باخمان» التي ماتت محترقة عام 1972، عن عمر يناهز 47 عاماً، في كوخها بإيطاليا، وتقلبت حياتها بين عدد من الرجال، كان بينهم الموسيقي «هانز فيجل»، أول من آمن بموهبتها، ولحن لها أوبرا، وقدمها للأوساط الثقافية، لكنه كان مثلياً، ثم الشاعر اليهودي الألماني المضطهد من قبل النازي «باول سيلان» الذي تشير الرواية إلى أنه حبها الحقيقي المعذِّب الذي تفوق على أي رجل آخر في حياتها، والكاتب المسرحي ماكس فريش الذي عاشت معه تجربة عاطفية استمتعت فيها بمساحات التناقض والاختلاف بينهما... تجمع باخمان بالكاتبة الساردة رسالة ماجستير أعدتها باحثات بقسم اللغة الألمانية بالجامعة، عن روايتيهما «مالينا» و«امرأة ما»، رصدت فيها أوجه التشابه بين الروايتين، خصوصاً على مستوى اللغة، والعنف، ووحشية الحرب والحداثة، وأيضاً تطور الحدث الدرامي الذي انتهي بالقتل.
والثانية الرسامة التشكيلية الأميركية «جورجيا أوكيف» المولودة في ثمانينات القرن الثامن عشر، وهي فنانة تنتمي للمدرسة الطبيعية، اتخذت من الوردة رمزية فنية للرحم الأنثوي، وامتدت لوحاتها إلى عالم الصحراء بإيقاعه التجريدي اللانهائي، خلال رحلتها إلى المكسيك، وإقامتها لفترة في مزرعة خاصة، وفرت لها جواً من العزلة والسكينة، استطاعت في ظلالها معايشة أفقها الفني بروح صافية من شوائب النفس والحياة... ارتبطت «أوكيف» بعلاقة عاطفية ملتهبة مع المصور الفوتوغرافي الأميركي الشهير ألفريد ستجليتز، وتزوجته، وكان له الفضل في تعريف الأوساط الفنية بها في نيويورك، لكنه مع ذلك سجنها في برواز الأنثى الموديل، مستغلاً جسدها العاري في إنعاش عين الكاميرا، وتصويره من زوايا حساسة، وبمهارة فنية، حتى أنه أقام معرضاً خاصاً لهذه الصور أثار ضجة في الصحافة وفي الوسط الفني، لكنه ترك بقعة من الاستياء لم تفارق روحها، وسعت الشرخ العاطفي بينهما، بين امرأة محبة مخلصة للفن والحياة، وزوج بوهيمي يؤمن بالحرية إلى حد الفوضى في كل شيء، حتى في الزواج... وظل الأمر هكذا حتى رحلت عن عالمنا سنة 1986، عن 97 عاماً.
والثالثة قوت القلوب الدمرداشية التي انقلبت حياتها من أميرة إلى امرأة مطاردة، بعد رحيلها من مصر في أعقاب ثورة 23 يوليو، وماتت مقتولة على يد ابنها في روما عام 1968، إثر مشادة بينهما.
كتبت قوت القلوب باللغة الفرنسية، كعادة أبناء الطبقة الأرستقراطية آنذاك، وعرفت طريقها إلى عالم الإبداع وهي في الخامسة والأربعين، ونشرت لها دار «غاليمار» معظم أعمالها، وقدم الكاتب الفرنسي جان كوكتو روايتها «الخزانة الهندية» التي أصدرتها «غاليمار» عام 1940.
وفي روايتها «رمزة»، التي ترجمها دسوقي سعيد عن الألمانية، ونشرت ضمن سلسلة «دار الهلال»، تنحاز لحرية المرأة، وتمردها على الأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة، حتى تكون عضواً فاعلاً في المجتمع، وهو ما فعلته قوت القلوب حين اشترطت في زواجها أن تكون العصمة في يدها.
وعلى عكس سيرة «باخمان»، و«أوكيف»، لم تكشف الكاتبة في معرض نبشها لسيرة قوت القلوب عن فضاء خاص لعلاقة عاطفية جمعتها بالكاتب محمود أبو الفتح، اللهم مجرد إشارات عابرة لا توثق لشيء، وربما لذلك استطردت الكاتبة في وصف وضعها الاجتماعي، بوصفها أميرة تنتمي إلى أسرة تنحدر من سلالة أمراء المماليك الذين قدموا إلى مصر من القوقاز مع العثمانيين، والتحولات المجتمعية التي مرت بها الأسرة، حتى أصبحت هناك طريقة صوفية تعرف بالطريقة الدمرداشية.
هذا الترحال في سير هؤلاء المبدعات يشير ضمنياً إلى أن الكتابة رحلة في المعرفة، لكن هذه اللعبة الثرية الشغوفة بالتأمل فيما وراء الأشياء والعناصر، ومحاولة اكتشاف ما تخفيه في ظلالها من حقائق وأسرار... اتسعت في كثير من المناطق بلا مبرر فني، اللهم الاستطراد والتكرار، ما جعل السؤال معلقاً بين بداهة المعرفة وطزاجتها المربكة الموجعة في سير هؤلاء المبدعات، وتنقلاتهن بعفوية في براح المكان والمعني والزمن، وبين حالة من النمطية والتكرار تخيم على سيرة البطلة الكاتبة نفسها، وكأن هذا الاستدعاء ابن إرادة فنية واعية تحاول كسر هذه النمطية، أو على الأقل إخراج الصورة من أسر الإطار الضيق إلى براح الواقع الموّار بالرؤى ومغامرة الاختلاف، حتى مع الذات نفسها.
هي إذن محاولة للفهم والإدراك، وإعادة التأمل والقراءة، وفي الوقت نفسه دعوة إلى وضع تجربة الكتابة وفق كل هذه المعطيات على طاولة البحث من جديد، وهو ما تعود الكاتبة لتوكيده مجدداً على لسان الذات الساردة، وفي معرض تساؤل بعنوان «ما الذي يجمعنا؟»، قائلة (ص 189): «لماذا اخترت كلاً منهن بالذات، خصوصاً أن العناصر التي تجمعنا متوفرة عند عدد كبير من الكاتبات والفنانات الأخريات؟ ربما لمجرد الشعور بالقرب نفسياً، وهذا وحده كافٍ. أظن أيضاً أننا في حاجة لمن يحلل هذا الاختيار، عن طريق إخضاع حياتي وكتاباتي أنا وليس هن للتحليل والبحث»، ثم تستدرك لدرأ شبهة الإيثار والأنانية، قائلة: «لا، بل نحن جميعاً. لا بد من تحليل عناصر الحياة عند الجميع، لأني أولاً أعرف مئات الكاتبات، فلماذا وقع الاختيار على هؤلاء؟».
قد يختلف كثيرون حول دوافع ورافد هذا التحليل المنشود، ودوره في عملية اختيار الكاتبة لهؤلاء المبدعات، لكن في ظني ستظل الحياة العاطفية، بأفقها الحر العاري من كل كوابح المتعة والشهوة وحواجز المجتمع، معولاً أساسياً في هذا التحليل، وهو ما عاشته هؤلاء الكتابات بعصب عارٍ، حتى اللحظات الأخيرة من حياتهن.
مع ذلك، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بروح من الواقعية والتخيل معاً: ما هي الرواية إذن؟ بل ما هو الشكل الفني الجديد الذي تمخضت عنه هذه الرحلة من النبش المضني؟ وهل نحن إزاء رواية تبحث عن الرواية؟
إن الرواية، والفن عموماً، فعل ذاتي مفتوح على كل إمكانيات وحدوسات المعرفة الإنسانية، لكنه ليس محض تحقيق وبحث استقصائي يستحلب المشهد حتى آخر الشوط، من أجل التدليل على وقائع ومواقف سياسية وتاريخية معينة؛ الفن رؤية أعمق وأعلى، تتجاوز معايير الصدق والكذب المخادعة في هذا الوقائع، أيضاً سرد الواقعة روائياً هو في النهاية رؤية فنية خاصة لها.
ومن ثم، لا يهمني هنا أن أعرف موقف الصحافي محمود أبو الفتح من ثورة 23 يوليو 1952، ولا علاقته بجمال عبد الناصر، ولا هل كان وطنياً أم خائناً، أو أن الشيخ عبد الرحيم الدمرداش باشا، شيخ الطريقة الدمرداشية، هو من أنشأ في عام 1931 مستشفى الدمرداش، وغيرها من الوقائع الاجتماعية والسياسية التي تشكل حمولة زائدة في الرواية... ناهيك عن أنها لا تمثل علامة فارقة في التاريخ المصري، وأصبح معظمها متاحاً للقارئ على الإنترنت. ومن ثم، لا تعنيني، خصوصاً في سياق عمل روائي يبحث عن لحظات التمرد والثورة في نفوس هؤلاء الكاتبات، ويلتقطها بلغة سردية رائقة مشرّبة بروح الشعر، وسط عواصف حياتهن وتقلباتها المأساوية، وعلاقتهن العاطفية المتكسرة، بنوعية خاصة من الرجال، هم أيضاً مبدعون وفنانون متمردون، ينقسمون على أنفسهم في لحظة، ويتفقون في لحظات.
على المستوى الفني، اتخذت الكاتبة من جدلية السابق واللاحق محوراً لإدارة لعبتها الروائية، بين بطلاتها الثلاث: «ناهد» بطلة روايتها «امرأة ما»، و«أنا» بطلة رواية باخمان التي سمتها الكاتبة الساردة بهذا الاسم، و«رمزة» بطلة رواية قوت القلوب. وقد استطاعت عن طريق آلية الانعكاس أن تضع يدها على بؤرة سردية مشتركة بينها، كبطلة الرواية المركزية، وبين هؤلاء الشخوص، وتأمل ما ينعكس على ذاتها من ظلالهن عبر فوارق الزمن وتحولات الحياة، والتنقل بسلاسة فنية ولغوية، من الوعي المعرفي بالحالة إلى الوعي الإبداعي الذي ينهض على التفاعل الحي بين كل أطراف اللعبة، وكأن كل طرف هو صدى للآخر، أو ظل له.
لقد أدارت هالة البدري اللعبة باقتدار كمغامرة سردية شيقة، لكنها أخفقت في أن تجعل منها نواة لكتابة جديدة.



أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».


السعودية تنضم رسمياً إلى أكبر تجمع دولي لـ«الذكاء الاصطناعي»

رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)
رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)
TT

السعودية تنضم رسمياً إلى أكبر تجمع دولي لـ«الذكاء الاصطناعي»

رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)
رئيس «سدايا» متحدثاً خلال الجلسة الخاصة بالشراكة في المؤتمر الدولي بالهند (واس)

أعلنت الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي (GPAI)، التي تعمل تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، انضمام السعودية رسمياً بصفتها عضواً في الشراكة، في خطوة تعكس مكانة المملكة المتقدمة لاعباً محورياً في مسيرة البيانات والذكاء الاصطناعي عالمياً، وتعزز دورها الريادي في صياغة مستقبل هذه التقنيات المتقدمة على المستوى الدولي.

وجاء إعلان انضمام السعودية خلال أعمال «مؤتمر تأثير الذكاء الاصطناعي 2026» المنعقد في الهند، إذ تمثّل المملكة في هذه الشراكة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وذلك امتداداً للدعم المتواصل الذي تحظى به من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس إدارة «سدايا»، لتضطلع بدورها في ترسيخ مكانة المملكة مرجعاً عالمياً في حوكمة وتنظيم وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتُعدّ «الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي» إحدى المبادرات المنبثقة عن قمة مجموعة السبع (G7)، وتهدف إلى دعم الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وتعزيز التعاون الدولي لسد الفجوة بين الجوانب النظرية والتطبيقات العملية.

وتضم الشراكة 46 دولة، يمثلها خبراء رائدون من المجتمع المدني والحكومات والصناعات والأوساط الأكاديمية، بهدف سد الفجوة بين البُعدَين النظري والتطبيقي في مجال الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى دعم أنشطة البحث والتطوير المرتبطة بأولويات هذا المجال. وتُعدّ منصة عالمية ومرجعاً دولياً لأبرز القضايا المتعلقة به، كما تتبنى تعزيز الثقة في استخداماته.

ويُتوقع أن يسهم هذا الانضمام في تعزيز ثقة المجتمع التقني العالمي بالبيئة التنظيمية في السعودية، وجذب الاستثمارات النوعية والشركات التقنية الكبرى ورواد الأعمال، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة في توطين التقنيات المتقدمة وزيادة إسهام الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي، تماشياً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتتيح عضوية السعودية في «GPAI» فرصة للمشاركة الفاعلة في الحوارات الدولية المؤثرة، والإسهام في صياغة المعايير والسياسات المنظمة للتقنيات الحديثة، إلى جانب تبادل الخبرات مع الدول الأعضاء والخبراء من الحكومات والصناعات والأوساط الأكاديمية، بما يعزز حضور المملكة في صناعة القرار التقني العالمي.

السعودية تنضم إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي لتعزيز ريادتها الدولية في التقنيات المتقدمة (واس)

من جهته، أكد رئيس «سدايا»، الدكتور عبد الله الغامدي، أن انضمام السعودية إلى الشراكة العالمية يُجسّد خطوة استراتيجية تُرسّخ مكانتها عالمياً، وتعكس التزامها بربط الأولويات الإقليمية بالمسؤولية العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك في كلمة ألقاها خلال رئاسته وفد المملكة في الجلسة الخاصة بالشراكة في أثناء «مؤتمر تأثير الذكاء الاصطناعي 2026» في الهند.

وأوضح أن السعودية تُعد أول دولة عربية تنضم إلى هذا التجمع الدولي الذي يعمل تحت مظلة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بما يؤكد دورها الريادي في تعزيز الاستخدام المسؤول والموثوق لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومساهمتها الفاعلة في صياغة مستقبله على المستوى الدولي. وأشار إلى أن المملكة تحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث حجم المساهمات في مرصد الذكاء الاصطناعي التابع للمنظمة، حيث أسهمت بأكثر من 60 سياسة، بما يعكس دورها المؤثر في دعم الأطر الدولية المعنية بحوكمة الذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية وتبادل المعرفة.

وأضاف أن السعودية تعمل على تعميق تعاونها الاستراتيجي مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، من خلال توسيع نطاق مرصد حوادث الذكاء الاصطناعي، ليشمل منطقة الشرق الأوسط، بما يُسهم في تعزيز الفهم الإقليمي لمخاطر الذكاء الاصطناعي، ويدعم تطوير سياسات قائمة على الأدلة والمعايير الدولية.

ولفت إلى أن هذه الشراكة ستعزز ريادة السعودية إقليمياً في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول، إلى جانب مبادراتها النوعية، ومنها «ميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي» الذي تبنّته 53 دولة إسلامية، ويهدف إلى ترسيخ المبادئ الأخلاقية وتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات المتقدمة بما يخدم الإنسان والمجتمع.


مصر: قضية «فرد أمن التجمع» بين «ضغوط» التنازل واستمرار محاكمة المتهم

وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: قضية «فرد أمن التجمع» بين «ضغوط» التنازل واستمرار محاكمة المتهم

وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)
وزارة الداخلية أصدرت بياناً حول الواقعة (وزارة الداخلية)

تصاعدت تداعيات حادث تعدي شخص على فرد أمن في مجمع سكني بالتجمع الخامس (شرق القاهرة) وسط آراء متباينة عن سبب المشاجرة، وتعليقات على صفحات «سوشيالية» متعاطفة مع فرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، ومطالبات له برفض أي «ضغوط» قد يتعرض لها للتصالح والتنازل.

وتصدر وسم «فرد الأمن» قوائم «الترند» على «إكس» و«غوغل» بمصر، السبت، بعد انتشار القصة التي تم ترديدها بأكثر من طريقة، لكنها في النهاية تخضع لجهات التحقيق، بينما ظهرت آراء متباينة بعضها يشير إلى تعرض فرد الأمن لإغراءات وربما «ضغوط» للتنازل مقابل تعويض، بينما دعته تعليقات أخرى لعدم التنازل.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت في بيان سابق أنه قد تبلغ لقسم شرطة التجمع الخامس من فرد أمن إداري بمجمع سكني (مصاب بسحجات وكدمات متفرقه بالجسم) وآخر من الملاك بذات المجمع بتضررهما من أحد قاطني المجمع؛ لقيامه بالتعدي بالضرب على الأول محدثاً إصابته، وكذا التعدي على الثاني بالسب والشتم حال تدخله لمعاتبته.

وعقب تقنين الإجراءات تم ضبط المشكو في حقه «صاحب مصنع»، وبمواجهته اعترف بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، لتضرره من عدم قيام فرد الأمن بممارسة عمله، واعتراضه على تدخل الثاني.

ودخل على خط التعليقات شخصيات بارزة من بينهم رجل الأعمال نجيب ساويرس الذي قام بإعادة نشر الواقعة مصحوبة بتعليق لشخص آخر عن السبب وراء صمت فرد الأمن وعدم رده على صاحب المصنع. وهو ما رد عليه ساويرس بأن فرد الأمن يخاف أن يخسر عمله، متابعاً في تعليقه بأن هناك جزءاً ناقصاً في القصة، متسائلاً عن سبب الخلاف أصلاً، وما دفع الرجل الثري للتعدي على العامل، وهو ما قوبل بتعليقات تؤكد أنه أياً كان السبب فلا مبرر لواقعة التعدي على فرد الأمن بهذا الشكل.

ووصل الأمر ببعض التعليقات أن تطالب فرد الأمن بعدم التنازل عن القضية، والتمسك بحقه في مقاضاة المعتدي، وأعلنت أيضاً صفحات «سوشيالية» عن مكافأة إذا لم يتنازل.

ومع التداول «السوشيالي» الواسع للواقعة وتصدرها «الترند» ليومين على التوالي، يرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن «هذا الحادث لم يشهد تبايناً حول مع أم ضد، لكن كان هناك إجماع ضد تجاوز واضح على موظف يؤدي عمله».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مع نشر مقطع الفيديو بكثافة مصحوب بالتعليقات الغاضبة، وحملات التضامن، وهو الأمر الذي أسهم في تصعيد الاهتمام العام، ودفع جهات التحقيق إلى إصدار بيانات توضيحية سريعة؛ فلم يعد الحدث محصوراً في أطرافه المباشرين، بل أصبح ساحة للنقاش حول احترام القانون».

وتابع فتحي: «أيضاً أثرت الخلفية الاجتماعية للأطراف في حجم التعاطف والإدانة، على المنصات، وناشد الجميع تطبيق القانون دون النظر لأي اعتبارات طبقية؛ بينما دعا البعض لتدشين حملات مقاطعة لعلامة تجارية يمتلكها المتهم كعقاب اجتماعي جمعي، وتكشف الواقعة عن قوة وتأثير المنصات الرقمية، وقدرتها على تحويل حادثة محدودة إلى قضية عامة خلال ساعات».

في المقابل، ظهرت تعليقات تشير إلى اعتذار محامي المعتدي للشعب المصري مشيراً إلى ملابسات ما حدث.

بينما جاءت تعليقات أخرى لمستخدمين متضامنين مع فرد الأمن، تطالبه بالتنازل لكن مقابل مبلغ كبير يضمن له حياة جيدة.

وترى الخبيرة الحقوقية هبة عادل أن «فرد الأمن في المنشآت الخاصة يتمتع بالحماية القانونية الكاملة بوصفه مواطناً يؤدي عملاً مشروعاً، وأي اعتداء عليه يُعد جريمة يُعاقب عليها القانون وفقاً لنصوص الضرب أو استعمال القوة». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «العدالة لا تُبنى على مقاطع مجتزأة أو انحيازات رقمية. وتداول الوقائع خارج إطار التحقيق يخلق محاكمات شعبية تضر بحقوق جميع الأطراف».

وأشارت إلى ضرورة احترام مسار التحقيق، وضمان أن تكون الحقيقة القضائية هي المرجعية الوحيدة للحكم، مؤكدة أن «تداول الوقائع عبر (السوشيال ميديا) يضر بجميع الأطراف، ويضر بأسرهم، ويشهر بهم، ويخلق آراء وافتراضات حول الوقائع وتوقعات بالأحكام».

ويرى المتخصص في علم النفس، الدكتور جمال فرويز، أن «هناك تبايناً كبيراً بين الرأسماليين أو الطبقات الثرية قديماً وحديثاً، وهو ما يظهر في بعض الوقائع التي تشير إلى أن المال أصبح سلطة في حد ذاته»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «في بعض الحوادث يمكن أن تكون هناك عصبية غير مبررة، وفي المشكلات المماثلة يجب أن نراجع الظروف النفسية للشخص نفسه عبر اختبارات نفسية متعددة، هل تعرض لاستفزاز بكلمة أو إيماءة، ومن ثم رأينا عصبية غير مبررة وتعاملاً بصورة مبالغ فيها».