التحقيقات الإسرائيلية حول مقتل فلسطينيين لا تفضي إلى شيء في العادة

إحباط دفع منظمة «بتسيلم» المعنية بحقوق الإنسان لوقف تعاونها

رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
TT

التحقيقات الإسرائيلية حول مقتل فلسطينيين لا تفضي إلى شيء في العادة

رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)

لا يزال حميدو فاخوري يتذكر بوضوح اللحظة التي سقط فيها شاب فلسطيني كان يعمل في مقهى داخل الحي، قتيلاً بعد إطلاق النار عليه. كانت القوات الإسرائيلية تجوب أرجاء المنطقة بعد غارة شنتها ليلاً ألقت خلالها القبض على العديد من الأفراد بمدينة طولكرم بالضفة الغربية، عندما لاحظ مرور محمد حبالي المعاق ذهنياً في الشارع متكئاً على عكاز خشبي يعينه على السير. وفي غضون ثوان، سمع أصوات طلقات رصاص ورأى حبالي ينهار على الأرض. وعن تلك اللحظة، قال فاخوري: «لا يمكنني نسيان كيف قتل هذا المسكين، ولن أنسى».
وأثارت مقاطع فيديو للحادث تنديدات واسعة من الفلسطينيين وجماعات معنية بحقوق الإنسان. وفي غضون فترة قصيرة، فتحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيقاً في الأمر. وقد أفاد شهود عيان أن حبالي قتل على أيدي قوات إسرائيلية. وأقرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن جنوداً تابعين لها فتحوا النار ولم تدحض سبب وفاة حبالي. إلا أنه بعد مرور سبعة شهور على الحادث، لم يبد التحقيق حول ما إذا كان الجنود الإسرائيليون المتورطون في الحادث أخطئوا جنائياً، أي مؤشرات على إنجاز تقدم.
من جانبها، فتحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيقات بخصوص 24 حالة إطلاق نار جنائية محتملة بحق فلسطينيين داخل الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين على امتداد العام الماضي، حسبما علمت «أسوشييتد برس». ولم تصل أي من هذه التحقيقات إلى إدانات، أو حتى توجيه اتهامات. وفي أغلب الحالات، لم يجر الجيش مقابلات مع شهود محوريين أو يجمع أدلة من موقع الحادث.
وشعرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان بإحباط بالغ تجاه الأمر، لدرجة أنها أوقفت عام 2016 تعاونها في التحقيقات العسكرية بعد عقود من التزامها بهذا التعاون. وقال المتحدث الرسمي باسم المنظمة، أميت غالوتز: «خلصنا إلى نتيجة كمنظمة معنية بحقوق الإنسان مفادها أننا نتسبب في قدر أكبر من الأذى عما نحققه من الخير بتعاوننا مع النظام لأنه في واقع الأمر مجرد آلية للتمويه فحسب». وأضاف أن نجاح هذا النظام: «يجري قياسه بقدرته، ليس على حماية الضحايا، وإنما الجناة».
جدير بالذكر أنه على مدار الأعوام الثمانية الماضية، خلص نحو 200 تحقيق جنائي حول إطلاق نار على فلسطينيين إلى قرارين فقط بالإدانة، تبعاً لما ذكرته «بتسيلم». من بين هاتين الحالتين، قضية حظيت باهتمام واسع لجندي ضبطته كاميرا وهو يطلق النار على مهاجم فلسطيني جريح ويرديه قتيلاً أثناء استلقائه على الأرض، وأسفر التحقيق عن تقليص عقوبة سجنه إلى 9 شهور.
من جانبهم، أكد مسؤولون إسرائيليون أن النظام بوجه عام فاعل، خاصة في ضوء البيئة الصعبة التي يعمل في إطارها. وفي هذا الصدد، قال موريس هيرش، المحقق العسكري الرفيع السابق في الضفة الغربية والذي يعمل حالياً مديراً لشؤون الاستراتيجيات القانونية لدى منظمة «باليستنيان ميديا ووتش» المعنية بمراقبة الخطابات المعادية لإسرائيل من جانب الفلسطينيين: «لم نقم ببناء نظام قانوني قوي، يعتبر من بين الأفضل على مستوى العالم، كي نساعد الجنود على الهروب من المساءلة».
من ناحية أخرى، من الممكن أن يخلف النقاش الدائر على هذا الصعيد تداعيات خطيرة، فقد تقدم الفلسطينيون بالتماس إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي للضغط لتوجيه اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد إسرائيل. ورغم عدم اعتراف إسرائيل بسلطة المحكمة، فإن المحكمة قد تنظر في قضايا إذا وجدت أن إسرائيل غير مستعدة أو غير قادرة على إقرار العدالة بخصوصها.
بعد أسبوع من مقتل حبالي، 22 عاماً، كان مراهق فلسطيني يدعى محمود نخلة يجلس برفقة أصدقائه خارج معسكر الجلزون للاجئين بالضفة الغربية. وفجأة، نزل جنود من على رأس تل بعد أن استفزتهم مجموعة من الشباب يصوبون باتجاههم حجارة. وقال شهود بأن نخلة وأصدقاءه أصابهم الذعر من مشهد سيارات الجيب المتقدمة نحوهم. وطاردتهم القوات داخل المعسكر وقتلت نخلة البالغ 18 عاماً.
ورأى عمر حميدات، 21 عاماً، المشهد من شرفة منزله وقال: «بدأوا إطلاق النار تلقائياً»، مشيراً إلى فيديو صوره للواقعة باستخدام هاتفه المحمول. وأضاف: «لم تحدث صدامات. لا شيء». وبعد شهور على مقتل حبالي ونخلة، لم تجر السلطات الإسرائيلية مقابلات مع شهود ولم تطلب الاطلاع على فيديوهات مصورة للحادثين. وكان العديد من الشهود، بينهم حميدات، أعلنوا استعدادهم للتعاون.
في كلتا الحالتين، أصدر الجيش بيانين متشابهين ذكر فيهما أن القوات استجابت لـ«اضطرابات» قام «عشرات الفلسطينيين بإطلاق الحجارة»، وهو موقف يؤدي تلقائياً إلى تخفيف صرامة قواعد الاشتباك. وعادة ما يجري وصف حوادث القتل التي تقع في مثل هذه المواقف بأنها حوادث مؤسفة، و«عادة ما لا تؤدي إلى أي قرارات جنائية»، حسبما أوضح إيلي بارون، النائب السابق للمحامي العسكري العام الإسرائيلي.
جدير بالذكر أن إثبات النية الجنائية يرتبط بمعايير صعبة للغاية على نحو خاص في غزة، التي قتل فيها نحو 200 فلسطيني، معظمهم غير مسلحين، العام الماضي أثناء مظاهرات على طول الحدود.
وتقول إسرائيل التي سحبت قواتها من المنطقة عام 2005. إن جماعة «حماس» التي تحكم غزة تستخدم المظاهرات كغطاء لشن هجمات، واتهمت إسرائيل الكثير من المتظاهرين بمحاولة تجاوز الجدار العازل ودخول إسرائيل. رداً على ذلك، تطبق القوات العسكرية الإسرائيلية قانون الصراع المسلح، ما يمنح الجنود سلطة كبيرة في فتح النار. ويعارض هذا التفسير القانوني جماعات حقوقية والأمم المتحدة.
داخل غرفة معتمة في معسكر جباليا للاجئين في غزة، جلس إبراهيم أيوب يتذكر مساء اليوم الذي أطلق فيه النار على نجله محمد، 14 عاماً، في الرأس، على يد قناص إسرائيلي. وقال: «لن يعترف شخص نفذ حكم الإعدام في طفل، بما اقترف. ومع هذا، يتعين علينا رفع أصواتنا».
وبالفعل، تقدمت الأسرة بشكوى لدى المؤسسة العسكرية من خلال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي قال إنه في مايو (أيار)، بعد عام من الحادث، طلب من اثنين من الشهود تقديم معلومات تفصيلية أساسية أمام المحققين عبر تطبيق «سكايب». ولم تظهر معلومات جديدة عن التحقيق منذ ذلك الحين.
من جهته، قال مركز الميزان لحقوق الإنسان إن الجيش لم يطلب شهادة أو دليلا في أكثر من 50 قضية يمثلها المركز. جدير بالذكر أن الحكومة مجبرة تبعاً للقانون الدولي على التحقيق في تقارير وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان «بسرعة وبشكل كامل وبنية صادقة»، حسبما أكدت أنيسة بلال، الخبيرة المعنية بالقانون الإنساني الدولي في أكاديمية جنيف. وأضافت أن الفشل في ذلك ينقل حق الولاية القضائية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقد فتحت المحكمة بالفعل من جانبها «تحقيقاً مبدئياً» بخصوص ممارسات إسرائيلية عام 2015، لكنها لم تعلن موعد إنجاز التحقيق.
وفي رده على طلب بخصوص تحديثات عن التحقيقات الجارية، ذكر الجيش أنه أطلق سبعة تحقيقات جنائية في غزة و16 في الضفة الغربية على امتداد العام الماضي. وقد أغلقت ثلاث قضايا، وجرى التعامل مع قضيتين أخريين باعتبارهما أمورا تستدعي إجراءات تأديبية داخلية، وأغلقت منذ البداية، بينها إطلاق النار على شاب يبلغ 16 عاماً جرح في الضفة الغربية بينما كان مقيد اليدين ومعصوب العينين.
أيضاً، أطلقت المؤسسة العسكرية تحقيقاً في حادث إطلاق نار على مصور يعمل لدى «أسوشييتد برس» وإصابته في ساقه أثناء ارتدائه سترة تحمل كلمة «صحافة»، من على بعد عدة مئات من الأمتار عن الجدار العازل عن غزة. الصحافي قضى عدة أسابيع داخل مشفى إسرائيلي حتى تعافى، لم يطلب منه أو من المشرفين عليه تقديم شهاداتهم. ولم يطلب الجيش قط الاطلاع على فيديو الحادث. وفي نتيجته النهائية، قال الجيش: «لم يجر توجيه نيران» إلى المصور. وحث الجيش الصحافيين على «إبداء الحذر» أثناء تغطيتهم المظاهرات.
أما باقي التحقيقات المتعلقة بغزة والعديد من التحقيقات الخاصة بالضفة الغربية، بما في ذلك قضيتا مقتل حبالي ونخلة، فما تزال في المراحل الأولى من مراجعة الشرطة العسكرية. وهناك قضيتان فقط تتعلقان بالضفة الغربية، منها مقتل مسعف في خضم صدامات وقعت بمعسكر للاجئين، وصلت المرحلة النهائية من المراجعة قبل إصدار توصية حول ما إذا كان ينبغي توجيه اتهام جنائي.
وفي بيان له، شدد الجيش على أن تحقيقاته تجري على «نحو مستقل وفاعل». وقال كذلك إنه غالباً ما يواجه صعوبات في الحركة وتحديات أمنية على الأرض، الأمر الذي يجعل التحقيقات «معقدة وغالباً طويلة».
جدير بالذكر أن غزة الخاضعة لحكم «حماس» عادة ما تكون خارج متناول المحققين الإسرائيليين. كما أن جمع الأدلة في الضفة الغربية غالباً ما يتضمن عمليات عالية المخاطرة تجري ليلاً لجمع الأدلة أو الاعتماد على وسطاء يرفضون التعاون أحياناً. ويجد المحققون صعوبة أحياناً في الاطلاع على نتائج التشريح بسبب الطقوس الإسلامية التي تحث على الدفن السريع.
ومع هذا، يرى نقاد أن هذه العقبات يمكن التغلب عليها باستخدام التكنولوجيا، مثل مؤتمرات الفيديو والتعاون على نحو أفضل مع قوات الأمن الفلسطينية وتحسين مستوى تدريب المحققين. ويتهم هؤلاء الجيش ببناء نظام يعتمد بصورة شبه كاملة على شهادات الجنود فقط، والتي تتضمن أدلة غير كافية تتحول إلى مبررات لغلق القضايا.



مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
TT

مصر وسوريا لتعزيز الترابط بترتيبات لعودة «الرحلات الجوية»

وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)
وفد من سلطة الطيران المدني المصري يتفقد مطار دمشق (هيئة الطيران المدني السوري)

في خطوة جديدة للتقارب بين مصر وسوريا، بحث وفدٌ من سلطة الطيران المدني المصري إجراءات استئناف الرحلات الجوية من القاهرة لدمشق.

وتدعم عملية استئناف الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق تحقيق مزيد من التقارب بين البلدين، وفق دبلوماسيين ومراقبين مصريين أشاروا إلى أن «النقل الجوي سيسهل التعاون المشترك في مجالات عدة خصوصاً التبادل التجاري، وحركة الأفراد».

وأجرى وفد من سلطة الطيران المدني المصري، ترأسه رئيس الإدارة المركزية لأمن الطيران ياسر محمد عبد الحليم، جولة ميدانية، الاثنين، في مطار دمشق، وفق إفادة الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية.

وحسب البيان، استهدفت الجولة «الاطلاع على الإجراءات والتدابير المتّبعة في مطار دمشق الدولي، تمهيداً لاستئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين مصر وسوريا وعودة الربط الجوي بين البلدين».

وتوقفت الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق منذ عام 2011، على خلفية الأوضاع الأمنية هناك.

تنشيط الحركة

وستساعد عودة رحلات الطيران بين القاهرة ودمشق في «تنشيط حركة النقل الجوي، وتسهيل حركة المسافرين، وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، حسب هيئة الطيران المدني السوري.

وسبقت جولة الوفد المصري بمطار دمشق، محادثات مع رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، الأحد، وحسب إفادة من الهيئة، ناقش الجانبان «سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الطيران المدني، بما في ذلك استئناف تشغيل الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين».

ولم تعلن سلطة الطيران المدني المصري، حتى الآن، عن عودة رحلات الطيران الجوي إلى دمشق.

وتشكل ترتيبات الرحلات الجوية بين القاهرة ودمشق، «خطوة إيجابية على صعيد تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين»، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «هذه الخطوة ستدعم حركة التبادل التجاري، وتعزز من التعاون في مجال الخدمات والسياحة ونقل الأفراد».

ويرى الشرقاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة تتعامل في تطوير علاقاتها مع الجانب السوري، بمنهج قائم على الانفتاح الاقتصادي بما يعزز من الترابط السياسي»، منوهاً بأن «القاهرة تعول على زيادة الاستثمارات المشتركة، للمساهمة في عملية إعادة إعمار سوريا».

مصر وسوريا لمزيد من التقارب عبر تدابير لاستئناف الرحلات الجوية المباشرة (هيئة الطيران المدني السوري)

وبينما يتسم مسار التعاون السياسي المصري مع سوريا بالحذر منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع الحكم، يتخذ البلدان عدة خطوات للتعاون والتقارب على الصعيد الاقتصادي والتجاري، حيث استضافت العاصمة السورية دمشق، مطلع العام الحالي، «الملتقى الاقتصادي السوري - المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدين، بهدف تعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين.

تعزيز التقارب

ويرى مستشار وزير السياحة المصري، وليد البطوطي، في ترتيبات عودة رحلات الطيران مع سوريا، «خطوة تحقق إضافة في مستوى التعاون والترابط بين البلدين»، وقال إنها «تعكس تطور العلاقات بين البلدين، وأن هناك فرصة مشتركة يمكن التعويل عليها لتحقيق مزيد من التقارب».

وتتعدد أهمية استئناف النقل الجوي بين القاهرة ودمشق، وفق البطوطي، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «رحلات الطيران ستسهل إجراءات نقل الرعايا بين البلدين، خصوصاً وأن هناك جالية سورية كبيرة في مصر»، إلى جانب «تسهيل حركة السياحة، وعملية التبادل التجاري».

وهناك نحو مليون ونصف المليون سوري يقيمون في مصر، بينهم أكثر من 15 ألف منتسب لاتحاد الغرف المصرية، باستثمارات تقارب مليار دولار، وفق اتحاد الغرف التجارية المصري.

Your Premium trial has ended


هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
TT

هل تنجح «التدابير المشتركة» بين القاهرة وأبوظبي في احتواء أزمة «بنك مصر؟»

مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)
مقر بنك مصر في الإمارات (صفحة البنك - فيسبوك)

شرعت مصر والإمارات في اتخاذ «إجراءات وتدابير» وصفت بـ«اللازمة»، للتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي شملت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة يتوقع مراقبون أنها «ستفضي إلى حل الأزمة»، وسط تلويح أميركي بفرض عقوبات جديدة ضد أي مؤسسات متورطة في تحويلات مشبوهة لصالح إيران.

ورجح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لـ«رويترز»، أن تكشف وزارة الخزانة عن عقوبات ثانوية جديدة أسبوعية تهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، مع التركيز في البداية على البنوك.

وزير الخزانة سكوت بيسنت (أ.ب)

وبعد فرض إجراءات وتدابير خاصة، يوم الجمعة الماضي، على فرع لـ«بنك مصر» في الإمارات بسبب ما تردد عن صلات مالية ‌بإيران، قال بيسنت ‌في مقابلة، مساء الأحد، إن «الخطوة التالية ‌قد ⁠تتمثل في عزل ⁠مؤسسة ما تماماً عن النظام المالي القائم على الدولار»، وأضاف قبل انعقاد اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»: «سترون مزيداً من هذه الإجراءات كل أسبوع... نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك بأنه من ⁠غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية ‌أو أن ‌تساعد النظام (الإيراني)».

وكان «مصرف الإمارات المركزي» و«البنك المركزي المصري»، أكدا في بيان مشترك، مساء الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

عملية ضغط

ويرى الأكاديمي الاقتصادي المصري كريم العمدة أن «البنك المركزي المصري ونظيره الإماراتي لديهما القدرة على تدارك الأزمة... المركزي المصري والإماراتي لا يسمحان بحدوث أي مخالفات، وهو ما سيعمل البنكان على إثباته للسلطات الأميركية، ومن ثم حل الأزمة نهائياً».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ما يحدث ليس مستهدفاً به بنك مصر ولا القطاع المصرفي الإماراتي أو المصري، بل هو عملية ضغط على إيران، وحينما تحقق واشنطن أهدافها فإن هذا الضغط سيخفف ولن تكون هناك أزمة، خصوصاً أن هناك بنوكاً كثيرة حول العالم تتعامل مع إيران في التجارة وبعلم الولايات المتحدة والهدف من ذلك تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الإيراني».

وأعلن «مصرف الإمارات المركزي» السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات بوصفها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

تحقيق شفاف

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن «المصرفين المركزي الإماراتي والمصري يعملان حالياً على إجراء تحقيق شفاف ومتكامل حول ما أثارته وزارة الخزانة الأميركية تجاه فرع بنك مصر لتوضيح كل الملابسات، وإثبات أن البنك المعني لم يتورط في أي أنشطة مخالفة، سواء فيما يتعلق بإيران أو غيرها».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «التحقيق قد يشمل معاملات معينة أو فترة معينة تغطي كل ما أثارته السلطات الأميركية، وبالتالي حين إثبات عدم صحة كل ما أثير ستنتهي الأزمة ولن يصل الأمر لحظر أو عقوبات مباشرة على البنك، خصوصاً أن القطاع المصرفي الإماراتي وأيضاً المصري يتعاملان بجدية وشفافية كاملة مع أي مخالفات، لكن ستستمر عملية قيود وزارة الخزانة الأميركية على خدمة المراسل بالدولار التي تقدمها لبنك مصر في الإمارات أو غيره من البنوك الأخرى من أجل تشديد الضغط على إيران».

تجدر الإشارة إلى أن بيسنت قال الأحد إنه يعتزم نقل ‌الرسالة بوضوح لوزراء مالية «مجموعة العشرين» ‌ومحافظي البنوك المركزية لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإلا فسوف يواجهون عقوبات ثانوية.

وأطلقت وزارة الخزانة الأميركية هذه المبادرة، التي أطلق عليها اسم «عملية ‌الإقصاء الاقتصادي»، الأسبوع الماضي.

فرص الاحتواء

فيما يرى مدير الاستثمار والمحلل المالي المقيم في الإمارات حسام الحسيني أن «فرص احتواء أزمة بنك مصر ما زالت مرتفعة، خصوصاً أن الإجراء الأميركي الحالي يخص فروع بنك مصر في الإمارات، ولا يمتد إلى البنك الأم في مصر، كما أنه ما زال في مسار تنظيمي وليس عقوبة نهائية شاملة، والأهم هنا هو سرعة استجابة السلطات الإماراتية؛ فمصرف الإمارات المركزي بدأ فحصاً عاجلاً ومراجعة متعمقة للمعاملات محل الملاحظات الأميركية، بالتنسيق مع البنك المركزي المصري وبنك مصر. هذه الاستجابة المؤسسية السريعة تعزز فرص معالجة أي ثغرات امتثال قبل تحول الملف إلى مستوى أكثر تشدداً».

وأوضح الحسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «تصريحات وزير الخزانة الأميركي تعني أن واشنطن ستواصل تشديد الضغط على المؤسسات المرتبطة بالمعاملات الإيرانية، لذلك سيعتمد احتواء الأزمة على نتائج الفحص الإماراتي، وشفافية الإجراءات التصحيحية، ومدى اقتناع الجانب الأميركي بأن المخاطر عولجت بالكامل. وحتى الآن، لا أرى ما يبرر الحديث عن عقوبات مباشرة على بنك مصر ككل أو عن أزمة أوسع في القطاع المصرفي المصري».


الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يعزز جاهزيته وسط مخاوف الحوثي من عملية برية

قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)
قوات من الجيش اليمني تتصدى للحوثيين عند خطوط التماس (إعلام عسكري)

بعد أسابيع من التصعيد الحوثي متعدد المسارات، بدت خطوط المواجهة أكثر هدوءاً خلال اليومين الأخيرين، وسط مخاوف الجماعة المدعومة من إيران من عملية برية متزامنة تحضر لها القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها.

وشهد أغسطس (آب) تصعيداً حوثياً واسعاً امتد من جبهات مأرب، وشبوة، وحضرموت، وتعز، والضالع، إلى الساحل الغربي، وباب المندب، واستخدمت خلاله الجماعة الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في واحدة من أكثر موجات التصعيد اتساعاً منذ 2022.

وفي المقابل، ردت القوات الحكومية بمختلف تشكيلاتها بعمليات عسكرية، وضربات بالطيران المسيّر، إلى جانب التصدي للهجمات الحوثية على خطوط التماس، وإسقاط أعداد من الطائرات المسيّرة، في حين أظهرت التطورات الميدانية أن الجماعة لم تتمكن من تحويل تصعيدها إلى تغيير واضح في موازين السيطرة على الأرض.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحرّمي يجتمع عبر الفيديو مع قادة عسكريين (إكس)

وتتزايد، وفق مصادر عسكرية، مخاوف الحوثيين من أن يكون رفع الجاهزية الحكومية جزءاً من استعداد لعملية برية مباغتة، خصوصاً في ظل تعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة في قطاعات المواجهة، ورفع مستوى الرصد، والمتابعة.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، مع قيادة محور المشاة والإسناد الثاني مستوى الجاهزية، والاستعداد في مختلف قطاعات المحور، والتطورات في جبهات المسيمير، وكرش، وحيفان، إلى جانب إجراءات تأمين باب المندب.

شهر من التصعيد والردود

لم يكن التصعيد الحوثي خلال أغسطس محصوراً في جبهة واحدة. فقد امتدت الهجمات من مناطق التماس في مأرب، وشبوة، وحضرموت، إلى الساحل الغربي، بينما تحولت مدينة المخا وميناؤها إلى أحد أبرز مسارح المواجهة، مع إطلاق الجماعة صواريخ باليستية، وطائرات مسيّرة باتجاه المدينة، والمنشآت الساحلية.

وفي إحدى أبرز الهجمات، تعرضت المخا لقصف صاروخي ومسيّر أدى إلى سقوط قتلى، وجرحى، وأضرار في الميناء، والمنشآت، كما امتدت المواجهات خلال الشهر إلى جبهات أخرى، بينها مأرب، وشبوة، وحضرموت، والضالع، وتعز.

طائرة مسيرة يستخدمها الجيش اليمني في الرد على تصعيد الحوثيين (إكس)

وبينما واصلت الجماعة تحركاتها على خطوط التماس، ومحاولاتها استخدام مناطق مدنية وريفية قريبة من الجبهات لإطلاق الصواريخ، والطائرات المسيّرة، ردت القوات الحكومية على هذا التصعيد بعمليات وضربات استهدفت قدرات حوثية، ومواقع إطلاق، إلى جانب التصدي للهجمات على الأرض.

كما اتخذت المواجهة بعداً بحرياً خلال الشهر، مع استهداف الحوثيين سفناً تجارية في منطقة باب المندب، وجنوب البحر الأحمر، الأمر الذي أعاد المخاوف الدولية من التهديد الذي تشكله الجماعة لحركة التجارة والملاحة العالمية.

وفي تطور متصل، أعلنت القوات البحرية التابعة للمقاومة الوطنية ضبط شحنة معدات عسكرية في البحر الأحمر كانت في طريقها إلى الحوثيين، وقالت إن العملية جاءت بعد رصد استخباراتي لنشاط شبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وضمت الشحنة أنظمة توجيه وتحكم للطائرات المسيّرة، ومعدات لبث ومعالجة الفيديو، وهوائيات اتصال، ومكونات إلكترونية، إضافة إلى أجزاء لأنظمة حقن الوقود، وأجهزة اتصال لا سلكية مخصصة للطائرات المسيّرة.

تذكير بالدعم الإيراني

بالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف القيادة السياسية اليمنية رسائلها إلى المجتمع الدولي بشأن طبيعة التهديد الحوثي، خصوصاً مع ارتباط التصعيد الداخلي بأمن البحر الأحمر.

وفي هذا السياق التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عثمان مجلي السفيرة الفرنسية لدى اليمن كاترين قرم كمون بمناسبة انتهاء فترة عملها، مشيداً بالدعم السياسي والدبلوماسي الفرنسي للحكومة اليمنية، وموقف باريس الرافض للجماعة الحوثية.

عضو مجلس القيادة اليمني عثمان مجلي مع السفيرة الفرنسية (سبأ)

وربط مجلي بين القدرات العسكرية الحوثية والدعم الإيراني، مشيراً إلى ضبط أسلحة، ومعدات، وخبراء إيرانيين، ومعتبراً أن استمرار هذا الدعم يمثل عاملاً أساسياً في قدرة الجماعة على مواصلة نشاطها العسكري.

كما أكد أهمية الدعم السعودي لليمن، وحكومته، وربط استعادة الاستقرار اليمني بحماية أمن المنطقة، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، ومضيق هرمز.