التحقيقات الإسرائيلية حول مقتل فلسطينيين لا تفضي إلى شيء في العادة

إحباط دفع منظمة «بتسيلم» المعنية بحقوق الإنسان لوقف تعاونها

رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
TT

التحقيقات الإسرائيلية حول مقتل فلسطينيين لا تفضي إلى شيء في العادة

رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)

لا يزال حميدو فاخوري يتذكر بوضوح اللحظة التي سقط فيها شاب فلسطيني كان يعمل في مقهى داخل الحي، قتيلاً بعد إطلاق النار عليه. كانت القوات الإسرائيلية تجوب أرجاء المنطقة بعد غارة شنتها ليلاً ألقت خلالها القبض على العديد من الأفراد بمدينة طولكرم بالضفة الغربية، عندما لاحظ مرور محمد حبالي المعاق ذهنياً في الشارع متكئاً على عكاز خشبي يعينه على السير. وفي غضون ثوان، سمع أصوات طلقات رصاص ورأى حبالي ينهار على الأرض. وعن تلك اللحظة، قال فاخوري: «لا يمكنني نسيان كيف قتل هذا المسكين، ولن أنسى».
وأثارت مقاطع فيديو للحادث تنديدات واسعة من الفلسطينيين وجماعات معنية بحقوق الإنسان. وفي غضون فترة قصيرة، فتحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيقاً في الأمر. وقد أفاد شهود عيان أن حبالي قتل على أيدي قوات إسرائيلية. وأقرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن جنوداً تابعين لها فتحوا النار ولم تدحض سبب وفاة حبالي. إلا أنه بعد مرور سبعة شهور على الحادث، لم يبد التحقيق حول ما إذا كان الجنود الإسرائيليون المتورطون في الحادث أخطئوا جنائياً، أي مؤشرات على إنجاز تقدم.
من جانبها، فتحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيقات بخصوص 24 حالة إطلاق نار جنائية محتملة بحق فلسطينيين داخل الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين على امتداد العام الماضي، حسبما علمت «أسوشييتد برس». ولم تصل أي من هذه التحقيقات إلى إدانات، أو حتى توجيه اتهامات. وفي أغلب الحالات، لم يجر الجيش مقابلات مع شهود محوريين أو يجمع أدلة من موقع الحادث.
وشعرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان بإحباط بالغ تجاه الأمر، لدرجة أنها أوقفت عام 2016 تعاونها في التحقيقات العسكرية بعد عقود من التزامها بهذا التعاون. وقال المتحدث الرسمي باسم المنظمة، أميت غالوتز: «خلصنا إلى نتيجة كمنظمة معنية بحقوق الإنسان مفادها أننا نتسبب في قدر أكبر من الأذى عما نحققه من الخير بتعاوننا مع النظام لأنه في واقع الأمر مجرد آلية للتمويه فحسب». وأضاف أن نجاح هذا النظام: «يجري قياسه بقدرته، ليس على حماية الضحايا، وإنما الجناة».
جدير بالذكر أنه على مدار الأعوام الثمانية الماضية، خلص نحو 200 تحقيق جنائي حول إطلاق نار على فلسطينيين إلى قرارين فقط بالإدانة، تبعاً لما ذكرته «بتسيلم». من بين هاتين الحالتين، قضية حظيت باهتمام واسع لجندي ضبطته كاميرا وهو يطلق النار على مهاجم فلسطيني جريح ويرديه قتيلاً أثناء استلقائه على الأرض، وأسفر التحقيق عن تقليص عقوبة سجنه إلى 9 شهور.
من جانبهم، أكد مسؤولون إسرائيليون أن النظام بوجه عام فاعل، خاصة في ضوء البيئة الصعبة التي يعمل في إطارها. وفي هذا الصدد، قال موريس هيرش، المحقق العسكري الرفيع السابق في الضفة الغربية والذي يعمل حالياً مديراً لشؤون الاستراتيجيات القانونية لدى منظمة «باليستنيان ميديا ووتش» المعنية بمراقبة الخطابات المعادية لإسرائيل من جانب الفلسطينيين: «لم نقم ببناء نظام قانوني قوي، يعتبر من بين الأفضل على مستوى العالم، كي نساعد الجنود على الهروب من المساءلة».
من ناحية أخرى، من الممكن أن يخلف النقاش الدائر على هذا الصعيد تداعيات خطيرة، فقد تقدم الفلسطينيون بالتماس إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي للضغط لتوجيه اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد إسرائيل. ورغم عدم اعتراف إسرائيل بسلطة المحكمة، فإن المحكمة قد تنظر في قضايا إذا وجدت أن إسرائيل غير مستعدة أو غير قادرة على إقرار العدالة بخصوصها.
بعد أسبوع من مقتل حبالي، 22 عاماً، كان مراهق فلسطيني يدعى محمود نخلة يجلس برفقة أصدقائه خارج معسكر الجلزون للاجئين بالضفة الغربية. وفجأة، نزل جنود من على رأس تل بعد أن استفزتهم مجموعة من الشباب يصوبون باتجاههم حجارة. وقال شهود بأن نخلة وأصدقاءه أصابهم الذعر من مشهد سيارات الجيب المتقدمة نحوهم. وطاردتهم القوات داخل المعسكر وقتلت نخلة البالغ 18 عاماً.
ورأى عمر حميدات، 21 عاماً، المشهد من شرفة منزله وقال: «بدأوا إطلاق النار تلقائياً»، مشيراً إلى فيديو صوره للواقعة باستخدام هاتفه المحمول. وأضاف: «لم تحدث صدامات. لا شيء». وبعد شهور على مقتل حبالي ونخلة، لم تجر السلطات الإسرائيلية مقابلات مع شهود ولم تطلب الاطلاع على فيديوهات مصورة للحادثين. وكان العديد من الشهود، بينهم حميدات، أعلنوا استعدادهم للتعاون.
في كلتا الحالتين، أصدر الجيش بيانين متشابهين ذكر فيهما أن القوات استجابت لـ«اضطرابات» قام «عشرات الفلسطينيين بإطلاق الحجارة»، وهو موقف يؤدي تلقائياً إلى تخفيف صرامة قواعد الاشتباك. وعادة ما يجري وصف حوادث القتل التي تقع في مثل هذه المواقف بأنها حوادث مؤسفة، و«عادة ما لا تؤدي إلى أي قرارات جنائية»، حسبما أوضح إيلي بارون، النائب السابق للمحامي العسكري العام الإسرائيلي.
جدير بالذكر أن إثبات النية الجنائية يرتبط بمعايير صعبة للغاية على نحو خاص في غزة، التي قتل فيها نحو 200 فلسطيني، معظمهم غير مسلحين، العام الماضي أثناء مظاهرات على طول الحدود.
وتقول إسرائيل التي سحبت قواتها من المنطقة عام 2005. إن جماعة «حماس» التي تحكم غزة تستخدم المظاهرات كغطاء لشن هجمات، واتهمت إسرائيل الكثير من المتظاهرين بمحاولة تجاوز الجدار العازل ودخول إسرائيل. رداً على ذلك، تطبق القوات العسكرية الإسرائيلية قانون الصراع المسلح، ما يمنح الجنود سلطة كبيرة في فتح النار. ويعارض هذا التفسير القانوني جماعات حقوقية والأمم المتحدة.
داخل غرفة معتمة في معسكر جباليا للاجئين في غزة، جلس إبراهيم أيوب يتذكر مساء اليوم الذي أطلق فيه النار على نجله محمد، 14 عاماً، في الرأس، على يد قناص إسرائيلي. وقال: «لن يعترف شخص نفذ حكم الإعدام في طفل، بما اقترف. ومع هذا، يتعين علينا رفع أصواتنا».
وبالفعل، تقدمت الأسرة بشكوى لدى المؤسسة العسكرية من خلال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي قال إنه في مايو (أيار)، بعد عام من الحادث، طلب من اثنين من الشهود تقديم معلومات تفصيلية أساسية أمام المحققين عبر تطبيق «سكايب». ولم تظهر معلومات جديدة عن التحقيق منذ ذلك الحين.
من جهته، قال مركز الميزان لحقوق الإنسان إن الجيش لم يطلب شهادة أو دليلا في أكثر من 50 قضية يمثلها المركز. جدير بالذكر أن الحكومة مجبرة تبعاً للقانون الدولي على التحقيق في تقارير وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان «بسرعة وبشكل كامل وبنية صادقة»، حسبما أكدت أنيسة بلال، الخبيرة المعنية بالقانون الإنساني الدولي في أكاديمية جنيف. وأضافت أن الفشل في ذلك ينقل حق الولاية القضائية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقد فتحت المحكمة بالفعل من جانبها «تحقيقاً مبدئياً» بخصوص ممارسات إسرائيلية عام 2015، لكنها لم تعلن موعد إنجاز التحقيق.
وفي رده على طلب بخصوص تحديثات عن التحقيقات الجارية، ذكر الجيش أنه أطلق سبعة تحقيقات جنائية في غزة و16 في الضفة الغربية على امتداد العام الماضي. وقد أغلقت ثلاث قضايا، وجرى التعامل مع قضيتين أخريين باعتبارهما أمورا تستدعي إجراءات تأديبية داخلية، وأغلقت منذ البداية، بينها إطلاق النار على شاب يبلغ 16 عاماً جرح في الضفة الغربية بينما كان مقيد اليدين ومعصوب العينين.
أيضاً، أطلقت المؤسسة العسكرية تحقيقاً في حادث إطلاق نار على مصور يعمل لدى «أسوشييتد برس» وإصابته في ساقه أثناء ارتدائه سترة تحمل كلمة «صحافة»، من على بعد عدة مئات من الأمتار عن الجدار العازل عن غزة. الصحافي قضى عدة أسابيع داخل مشفى إسرائيلي حتى تعافى، لم يطلب منه أو من المشرفين عليه تقديم شهاداتهم. ولم يطلب الجيش قط الاطلاع على فيديو الحادث. وفي نتيجته النهائية، قال الجيش: «لم يجر توجيه نيران» إلى المصور. وحث الجيش الصحافيين على «إبداء الحذر» أثناء تغطيتهم المظاهرات.
أما باقي التحقيقات المتعلقة بغزة والعديد من التحقيقات الخاصة بالضفة الغربية، بما في ذلك قضيتا مقتل حبالي ونخلة، فما تزال في المراحل الأولى من مراجعة الشرطة العسكرية. وهناك قضيتان فقط تتعلقان بالضفة الغربية، منها مقتل مسعف في خضم صدامات وقعت بمعسكر للاجئين، وصلت المرحلة النهائية من المراجعة قبل إصدار توصية حول ما إذا كان ينبغي توجيه اتهام جنائي.
وفي بيان له، شدد الجيش على أن تحقيقاته تجري على «نحو مستقل وفاعل». وقال كذلك إنه غالباً ما يواجه صعوبات في الحركة وتحديات أمنية على الأرض، الأمر الذي يجعل التحقيقات «معقدة وغالباً طويلة».
جدير بالذكر أن غزة الخاضعة لحكم «حماس» عادة ما تكون خارج متناول المحققين الإسرائيليين. كما أن جمع الأدلة في الضفة الغربية غالباً ما يتضمن عمليات عالية المخاطرة تجري ليلاً لجمع الأدلة أو الاعتماد على وسطاء يرفضون التعاون أحياناً. ويجد المحققون صعوبة أحياناً في الاطلاع على نتائج التشريح بسبب الطقوس الإسلامية التي تحث على الدفن السريع.
ومع هذا، يرى نقاد أن هذه العقبات يمكن التغلب عليها باستخدام التكنولوجيا، مثل مؤتمرات الفيديو والتعاون على نحو أفضل مع قوات الأمن الفلسطينية وتحسين مستوى تدريب المحققين. ويتهم هؤلاء الجيش ببناء نظام يعتمد بصورة شبه كاملة على شهادات الجنود فقط، والتي تتضمن أدلة غير كافية تتحول إلى مبررات لغلق القضايا.



أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
TT

أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)

ربطت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، محذرة من أن استمرار دعم الجماعات المسلحة وتقويض سلطة الحكومات الوطنية يحولان الأزمات الداخلية إلى تهديدات عابرة للحدود، تطال أمن المنطقة والملاحة الدولية والتجارة العالمية.

وقالت الزوبة إن الحديث عن أمن إقليمي مستدام لا يمكن أن ينفصل عن وجود يمن آمن ومستقر، مؤكدة أن تداعيات الانقلاب على الدولة اليمنية تجاوزت حدود البلاد لتطال أمن دول الجوار والممرات البحرية والمصالح الدولية. ودعت إلى ترجمة التضامن الدولي مع اليمن إلى خطوات عملية تعالج مصادر التهديد، وفي مقدمتها وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية إلى الجماعات المسلحة.

وفي كلمة ألقتها خلال الجلسة العامة الثالثة لحوار المنامة 2026، تحت عنوان «أسس الأمن الإقليمي»، وضعت الوزيرة استعادة الدولة اليمنية في صلب معادلة الأمن الإقليمي، محددة أربعة مرتكزات لتحقيق الاستقرار، تشمل احترام سيادة الدول وتعزيز مؤسساتها الوطنية، وتقديم الدبلوماسية والحوار على المواجهات، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والغذاء وحماية المدنيين ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب حماية الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وشددت على أن أي تسوية تتعلق باليمن ينبغي أن تقودها الدولة اليمنية وتصون سيادتها ومرجعيات الحل السياسي، وتفضي إلى استعادة مؤسساتها وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيدها، معتبرة أن دعم الجماعات المسلحة التي تنازع الحكومات سلطتها يقوض فرص الاستقرار ويطيل أمد الصراعات.

مدخل الاستقرار

في رسالتها أمام المشاركين في حوار المنامة، أكدت أفراح الزوبة أن الحكومة اليمنية تمضي في معركة استعادة الدولة، وأنها لا تطلب من أحد القتال نيابة عنها، لكنها تتطلع إلى إسناد شركائها وتعزيز قدرات مؤسساتها وإنفاذ حظر توريد الأسلحة ووقف تدفقها إلى الجماعات المسلحة.

وشددت على ضرورة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وفق المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.

وقالت إن اليمن المستقر قادر على استعادة دوره في محيطيه العربي والإقليمي، ليكون شريكاً في حماية أمن المنطقة وممراتها البحرية والتجارة الدولية، معتبرة أن اليمنيين وهم يدافعون عن دولتهم يدافعون، في الوقت نفسه، عن أمن المنطقة ومصالح العالم.

وزيرة الخارجية اليمنية مع نظيرها البحريني (سبأ)

وفي سياق تحذيرها من امتداد التهديدات إلى المجال البحري، استشهدت الزوبة بتقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، مشيرة إلى ما أورده تقرير عام 2024 بشأن تلقي الحوثيين أسلحة ومساعدة تقنية وتدريباً ودعماً مالياً من إيران وجماعات مسلحة عراقية و«حزب الله».

كما لفتت إلى ما تضمنه تقرير الفريق لعام 2025 من معلومات عن تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مجالات تهريب الأسلحة والتدريب وتبادل الخبرات العسكرية، محذرة من خطورة تشابك الجماعات المسلحة مع شبكات الجريمة المنظمة، وداعية إلى تعزيز تبادل المعلومات وتجفيف مصادر التمويل ومراقبة مسارات انتقال السلاح والخبرات عبر الحدود.

وأكدت أن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا ينفصل عن استقرار اليمن، وأن حماية الساحل والممرات البحرية تبدأ بمعالجة مصادر التهديد على اليابسة، ووقف تدفق السلاح والتمويل، ومكافحة شبكات التهريب، وتعزيز قدرات الدول الساحلية مع احترام سيادتها.

تركيز على الدعم الدولي

على هامش حوار المنامة، نقلت الزوبة هذه الملفات إلى مباحثاتها الثنائية مع مسؤولين بريطانيين وكنديين ومصريين وأميركيين وخليجيين وأتراك، في تحرك ركز على تعزيز الدعم الدولي لمؤسسات الدولة اليمنية وتوسيع التعاون الأمني والبحري ومواجهة مصادر تسليح الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزيرة بحثت مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية، واستعرضت استمرار الحصار الحوثي على تعز وتدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب الانتهاكات التي يتعرض لها موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المحتجزون لدى الجماعة.

أفراح الزوبة خلال لقائها مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

وتوقف اللقاء عند وفاة الموظف الأممي محمد الشامي أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد أكثر من عامين على اختطافه، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين الدوليين في مناطق سيطرة الجماعة.

كما تناول الجانبان التعاون الأمني والبحري، بما في ذلك بناء قدرات خفر السواحل وحماية المنشآت الحيوية، وتكثيف الجهود الدولية لمواجهة مصادر تسليح الحوثيين والحد من تدفق الأسلحة إليهم. وأكد الوزير البريطاني استمرار دعم بلاده للحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، وأهمية تبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

وفي مباحثاتها مع وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، بدر عبد العاطي، ركزت أفراح الزوبة على التطورات في البحر الأحمر ومخاطر التصعيد الحوثي على أمن الملاحة، مستعرضة استمرار حصار تعز واستهداف المطارات في اليمن والمملكة العربية السعودية، وما تمثله هذه الاعتداءات من تهديد للمدنيين والطيران المدني والأمن الإقليمي.

وأكد الجانبان أهمية صون أمن الممرات البحرية الدولية وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوترات، بينما جدد الوزير المصري موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ومساندة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.


نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
TT

نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)

دخل الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية أسبوعه الرابع، وسط ازدياد القيود على وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، بينما تتسع موجات النزوح وتتراجع قدرة المنظمات الإغاثية على تلبية الاحتياجات المتصاعدة للسكان.

وتواجه شاحنات المساعدات الإنسانية عراقيل حوثية متكررة عند نقاط التفتيش، رغم حصولها على التصاريح اللازمة، في ظل إغلاق الجماعة معظم الطرق التي تربط المحافظة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث توجد مخازن الإمدادات في عدن.

ولم تسلم الطرق الالتفافية الواقعة في مناطق التماس من القيود، فيما أسهمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطرق في إبطاء حركة النقل وتأخير وصول الإمدادات إلى المحتاجين.

وتشير بيانات المنظمات الإنسانية إلى تجاوز عدد النازحين 300 ألف شخص، فرّ معظمهم من جراء القتال في تعز وعلى امتداد الساحل الغربي. كما تنذر موجة النزوح الجديدة التي بدأت من محافظة لحج في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باستمرار اتساع نطاق الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد المتضررين.

مظاهرة حاشدة من سكان مدينة تعز تنديداً بالحصار الحوثي (إعلام محلي)

وتتفاقم الأوضاع داخل مدينة تعز ومحيطها مع استمرار استهداف الأحياء السكنية بالقذائف المدفعية، وفرض قيود مشددة على الوصول إلى عدد من المناطق. وفي موازاة ذلك، تواجه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، فيما لا تزال إمدادات إنسانية مخصصة للمدينة عالقة في انتظار السماح بوصولها، بالتزامن مع صعوبات متصاعدة تواجه الأسر النازحة الراغبة في مغادرة المحافظة.

وفي أحدث مؤشر على التكلفة البشرية للقتال، قالت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان» إنها وثقت 263 ضحية مدنية، بين قتيل وجريح، حتى 27 أكتوبر الماضي، بينهم 67 قتيلاً. وبلغ عدد الأطفال بين الضحايا 97، أي نحو نصف إجمالي القتلى، في مؤشر على حجم المخاطر التي يتعرض لها القُصّر من جراء استمرار الأعمال القتالية.

استجابة محدودة

على صعيد الاستجابة الإنسانية، استهدفت المرحلة الأولى من المساعدات، عبر «آلية الاستجابة السريعة»، 207 آلاف و480 نازحاً، تسلمت غالبية الأسر منهم حصصها الإغاثية. ومع ذلك، فلا يزال نحو 9 آلاف أسرة مسجلة تنتظر الحصول على المساعدات؛ بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وإجراءات التصاريح وتدهور الوضع الأمني، وهي عوامل تعرقل عمليات النقل والتوزيع.

أما المرحلة الثانية من الاستجابة، فلا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية. فعلى الرغم من وصول المساعدات النقدية الطارئة إلى معظم الأسر التي استكملت عملية التحقق من بياناتها، فإن تغطية المساعدات الغذائية لم تصل إلا لما يزيد قليلاً على نصف تلك الأسر، في حين ظلت خدمات المأوى والمياه والإصحاح محدودة للغاية مقارنة بأعداد المحتاجين.

الحوثيون يستهدفون بشكل متكرر أحياء مدينة تعز بالقذائف المدفعية (إعلام محلي)

وبدورها، لم تصل خدمات التغذية العلاجية إلا إلى جزء ضئيل من الفئات المستهدفة؛ مما يزيد هشاشة الأسر المقيمة في مواقع النزوح المكتظة، ويرفع تعرضها للمخاطر الصحية، خصوصاً مع تفشي وباء الكوليرا وتدهور ظروف الإيواء والصرف الصحي.

ولا تقتصر التداعيات على نقص الغذاء والخدمات الأساسية؛ إذ تشير تقارير الشركاء الإنسانيين إلى ازدياد حالات انفصال أفراد الأسر، والمخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب والمتفجرات، فضلاً عن ارتفاع التهديدات المتعلقة بالطرد والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أدى إغلاق 5 مساحات آمنة مخصصة للنساء والفتيات إلى تقليص فرص حصولهن على خدمات الحماية والدعم.

ورغم القيود الأمنية وصعوبات الوصول، فإن منظمات وطنية ودولية تواصل تقديم الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، بما يشمل الرعاية الصحية والمياه والمأوى والمساعدات النقدية، إلى جانب أنشطة التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب في مناطق الساحل الغربي.

تعليق الدراسة

في امتداد لتداعيات الوضع الأمني على الحياة اليومية، جددت «لجنة الطوارئ» بمحافظة تعز تأكيد استمرار قرار تعليق الدراسة ومنح إجازات مؤقتة في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حتى صدور إشعار رسمي آخر، محذرة من أي محاولات لاستئناف العملية التعليمية خارج التوجيهات المعتمدة.

وقالت «اللجنة» إن أي دعوة لاستئناف الدراسة، أو إلزام الطلاب والكوادر التعليمية والإدارية الحضور، خلافاً لقراراتها السابقة، يمثلان مخالفة صريحة للتعليمات الرامية إلى حماية الأرواح وصون الحقوق.

سكان في تعز المحاصرة خلال تشييع مدنيين وعسكريين قتلوا بقصف حوثي (رويترز)

وأبدت «اللجنة» قلقها إزاء معلومات عن ضغوط تمارسها الجماعة الحوثية على مديري المدارس والمعاهد وقيادات فروع الجامعات والكليات لاستئناف الدراسة، رغم استمرار المخاطر الأمنية، محذرة من استغلال المؤسسات التعليمية في عمليات التجنيد والاستقطاب والتعبئة الطائفية.

وحمّلت «اللجنة» الحوثيين وكل من يتواطأ معهم المسؤولية عن هذه الضغوط وما قد ينجم عنها من تعريض الطلاب والموظفين للخطر، مؤكدة أن تعليق الدراسة لا يمس الحقوق التعليمية للطلاب أو الحقوق القانونية والوظيفية والمالية للعاملين في القطاع.

كما حذرت بأن تشغيل المؤسسات التعليمية خارج الأطر المعتمدة قد يعرض المسؤولين للمساءلة القانونية والإدارية، بما في ذلك تعليق صرف المستحقات المالية للمتورطين في مخالفة التعليمات. ودعت القياداتِ التعليميةَ إلى التزام القرار والإبلاغ عبر وسائل آمنة عن أي ضغوط أو تهديدات.


وفاة موظف أممي ثانٍ في سجون الحوثيين منذ 2025

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

وفاة موظف أممي ثانٍ في سجون الحوثيين منذ 2025

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

أعلنت الأمم المتحدة وفاة أحد موظفي مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، محمد الشامي، في أثناء اعتقاله لدى الجماعة الحوثية في اليمن، في ثاني حالة وفاة لموظف أممي داخل سجون الجماعة منذ فبراير (شباط) 2025، وسط تصاعد المخاوف الدولية بشأن مصير عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المجال الإنساني المحتجزين لديها.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في بيان، إن الأمين العام أنطونيو غوتيريش، أعرب عن صدمته البالغة وإدانته لوفاة الشامي، الذي كان محتجزاً تعسفياً لدى سلطات الحوثيين منذ السادس من يونيو (حزيران) 2024، مؤكداً أن ملابسات وفاته لا تزال مجهولة.

وأوضح البيان أن الجماعة الحوثية لم تقدّم، منذ اعتقال الموظف الأممي، أي معلومات عن سلامته أو دليلاً يثبت أنه لا يزال على قيد الحياة، رغم الطلبات المتكررة من الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن المنظمة الدولية تسعى بصورة عاجلة للحصول على توضيحات بشأن ظروف وفاته.

محمد الشامي موظف أممي فارق الحياة في سجن حوثي من بين 75 آخرين رهن الاعتقال (إعلام محلي)

وطالب غوتيريش بإجراء تحقيق فوري ومحايد وشفاف وشامل لكشف ملابسات الوفاة، محمّلاً السلطات التي تحتجز الأشخاص مسؤولية حمايتهم وسلامتهم، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية والحفاظ على صحتهم الجسدية والنفسية.

انتهاكات متكررة

تعيد وفاة الشامي تسليط الضوء على سجل الانتهاكات المرتبطة بحملات الاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية بحق موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الإنسانية والمدنية، وما يرافقها من احتجاز تعسفي وغياب المعلومات عن أوضاع المعتقلين، وفق ما أورده البيان الأممي.

وأشار المتحدث إلى أن هذه هي حالة الوفاة الثانية لموظف أممي في أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد وفاة أحد موظفي برنامج الأغذية العالمي في فبراير 2025، محذراً من المخاطر الجسيمة التي يتعرض لها العاملون الأمميون والإنسانيون الذين لا يزالون رهن الاحتجاز، وبعضهم منذ سنوات.

وكشف البيان عن أن 70 موظفاً حالياً في الأمم المتحدة وخمسة من موظفيها السابقين لا يزالون محتجزين لدى الجماعة، إلى جانب عاملين في منظمات إنسانية ومنظمات مجتمع مدني، معرباً عن قلق بالغ إزاء سلامتهم وأوضاعهم الصحية والنفسية.

وجدد الأمين العام دعوته إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، والتزام المعايير الدولية التي تكفل المعاملة الإنسانية لكل شخص محروم من حريته، واحترام كرامته وحقوقه الأساسية.