التحقيقات الإسرائيلية حول مقتل فلسطينيين لا تفضي إلى شيء في العادة

إحباط دفع منظمة «بتسيلم» المعنية بحقوق الإنسان لوقف تعاونها

رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
TT

التحقيقات الإسرائيلية حول مقتل فلسطينيين لا تفضي إلى شيء في العادة

رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)
رائدة من مخيم جباليا بغزة تبكي ابنها محمد أيوب (14 سنة) الذي قتلته القوات الإسرائيلية في مظاهرات العام الماضي (أ.ب)

لا يزال حميدو فاخوري يتذكر بوضوح اللحظة التي سقط فيها شاب فلسطيني كان يعمل في مقهى داخل الحي، قتيلاً بعد إطلاق النار عليه. كانت القوات الإسرائيلية تجوب أرجاء المنطقة بعد غارة شنتها ليلاً ألقت خلالها القبض على العديد من الأفراد بمدينة طولكرم بالضفة الغربية، عندما لاحظ مرور محمد حبالي المعاق ذهنياً في الشارع متكئاً على عكاز خشبي يعينه على السير. وفي غضون ثوان، سمع أصوات طلقات رصاص ورأى حبالي ينهار على الأرض. وعن تلك اللحظة، قال فاخوري: «لا يمكنني نسيان كيف قتل هذا المسكين، ولن أنسى».
وأثارت مقاطع فيديو للحادث تنديدات واسعة من الفلسطينيين وجماعات معنية بحقوق الإنسان. وفي غضون فترة قصيرة، فتحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيقاً في الأمر. وقد أفاد شهود عيان أن حبالي قتل على أيدي قوات إسرائيلية. وأقرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن جنوداً تابعين لها فتحوا النار ولم تدحض سبب وفاة حبالي. إلا أنه بعد مرور سبعة شهور على الحادث، لم يبد التحقيق حول ما إذا كان الجنود الإسرائيليون المتورطون في الحادث أخطئوا جنائياً، أي مؤشرات على إنجاز تقدم.
من جانبها، فتحت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحقيقات بخصوص 24 حالة إطلاق نار جنائية محتملة بحق فلسطينيين داخل الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين على امتداد العام الماضي، حسبما علمت «أسوشييتد برس». ولم تصل أي من هذه التحقيقات إلى إدانات، أو حتى توجيه اتهامات. وفي أغلب الحالات، لم يجر الجيش مقابلات مع شهود محوريين أو يجمع أدلة من موقع الحادث.
وشعرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان بإحباط بالغ تجاه الأمر، لدرجة أنها أوقفت عام 2016 تعاونها في التحقيقات العسكرية بعد عقود من التزامها بهذا التعاون. وقال المتحدث الرسمي باسم المنظمة، أميت غالوتز: «خلصنا إلى نتيجة كمنظمة معنية بحقوق الإنسان مفادها أننا نتسبب في قدر أكبر من الأذى عما نحققه من الخير بتعاوننا مع النظام لأنه في واقع الأمر مجرد آلية للتمويه فحسب». وأضاف أن نجاح هذا النظام: «يجري قياسه بقدرته، ليس على حماية الضحايا، وإنما الجناة».
جدير بالذكر أنه على مدار الأعوام الثمانية الماضية، خلص نحو 200 تحقيق جنائي حول إطلاق نار على فلسطينيين إلى قرارين فقط بالإدانة، تبعاً لما ذكرته «بتسيلم». من بين هاتين الحالتين، قضية حظيت باهتمام واسع لجندي ضبطته كاميرا وهو يطلق النار على مهاجم فلسطيني جريح ويرديه قتيلاً أثناء استلقائه على الأرض، وأسفر التحقيق عن تقليص عقوبة سجنه إلى 9 شهور.
من جانبهم، أكد مسؤولون إسرائيليون أن النظام بوجه عام فاعل، خاصة في ضوء البيئة الصعبة التي يعمل في إطارها. وفي هذا الصدد، قال موريس هيرش، المحقق العسكري الرفيع السابق في الضفة الغربية والذي يعمل حالياً مديراً لشؤون الاستراتيجيات القانونية لدى منظمة «باليستنيان ميديا ووتش» المعنية بمراقبة الخطابات المعادية لإسرائيل من جانب الفلسطينيين: «لم نقم ببناء نظام قانوني قوي، يعتبر من بين الأفضل على مستوى العالم، كي نساعد الجنود على الهروب من المساءلة».
من ناحية أخرى، من الممكن أن يخلف النقاش الدائر على هذا الصعيد تداعيات خطيرة، فقد تقدم الفلسطينيون بالتماس إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي للضغط لتوجيه اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد إسرائيل. ورغم عدم اعتراف إسرائيل بسلطة المحكمة، فإن المحكمة قد تنظر في قضايا إذا وجدت أن إسرائيل غير مستعدة أو غير قادرة على إقرار العدالة بخصوصها.
بعد أسبوع من مقتل حبالي، 22 عاماً، كان مراهق فلسطيني يدعى محمود نخلة يجلس برفقة أصدقائه خارج معسكر الجلزون للاجئين بالضفة الغربية. وفجأة، نزل جنود من على رأس تل بعد أن استفزتهم مجموعة من الشباب يصوبون باتجاههم حجارة. وقال شهود بأن نخلة وأصدقاءه أصابهم الذعر من مشهد سيارات الجيب المتقدمة نحوهم. وطاردتهم القوات داخل المعسكر وقتلت نخلة البالغ 18 عاماً.
ورأى عمر حميدات، 21 عاماً، المشهد من شرفة منزله وقال: «بدأوا إطلاق النار تلقائياً»، مشيراً إلى فيديو صوره للواقعة باستخدام هاتفه المحمول. وأضاف: «لم تحدث صدامات. لا شيء». وبعد شهور على مقتل حبالي ونخلة، لم تجر السلطات الإسرائيلية مقابلات مع شهود ولم تطلب الاطلاع على فيديوهات مصورة للحادثين. وكان العديد من الشهود، بينهم حميدات، أعلنوا استعدادهم للتعاون.
في كلتا الحالتين، أصدر الجيش بيانين متشابهين ذكر فيهما أن القوات استجابت لـ«اضطرابات» قام «عشرات الفلسطينيين بإطلاق الحجارة»، وهو موقف يؤدي تلقائياً إلى تخفيف صرامة قواعد الاشتباك. وعادة ما يجري وصف حوادث القتل التي تقع في مثل هذه المواقف بأنها حوادث مؤسفة، و«عادة ما لا تؤدي إلى أي قرارات جنائية»، حسبما أوضح إيلي بارون، النائب السابق للمحامي العسكري العام الإسرائيلي.
جدير بالذكر أن إثبات النية الجنائية يرتبط بمعايير صعبة للغاية على نحو خاص في غزة، التي قتل فيها نحو 200 فلسطيني، معظمهم غير مسلحين، العام الماضي أثناء مظاهرات على طول الحدود.
وتقول إسرائيل التي سحبت قواتها من المنطقة عام 2005. إن جماعة «حماس» التي تحكم غزة تستخدم المظاهرات كغطاء لشن هجمات، واتهمت إسرائيل الكثير من المتظاهرين بمحاولة تجاوز الجدار العازل ودخول إسرائيل. رداً على ذلك، تطبق القوات العسكرية الإسرائيلية قانون الصراع المسلح، ما يمنح الجنود سلطة كبيرة في فتح النار. ويعارض هذا التفسير القانوني جماعات حقوقية والأمم المتحدة.
داخل غرفة معتمة في معسكر جباليا للاجئين في غزة، جلس إبراهيم أيوب يتذكر مساء اليوم الذي أطلق فيه النار على نجله محمد، 14 عاماً، في الرأس، على يد قناص إسرائيلي. وقال: «لن يعترف شخص نفذ حكم الإعدام في طفل، بما اقترف. ومع هذا، يتعين علينا رفع أصواتنا».
وبالفعل، تقدمت الأسرة بشكوى لدى المؤسسة العسكرية من خلال المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي قال إنه في مايو (أيار)، بعد عام من الحادث، طلب من اثنين من الشهود تقديم معلومات تفصيلية أساسية أمام المحققين عبر تطبيق «سكايب». ولم تظهر معلومات جديدة عن التحقيق منذ ذلك الحين.
من جهته، قال مركز الميزان لحقوق الإنسان إن الجيش لم يطلب شهادة أو دليلا في أكثر من 50 قضية يمثلها المركز. جدير بالذكر أن الحكومة مجبرة تبعاً للقانون الدولي على التحقيق في تقارير وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان «بسرعة وبشكل كامل وبنية صادقة»، حسبما أكدت أنيسة بلال، الخبيرة المعنية بالقانون الإنساني الدولي في أكاديمية جنيف. وأضافت أن الفشل في ذلك ينقل حق الولاية القضائية إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقد فتحت المحكمة بالفعل من جانبها «تحقيقاً مبدئياً» بخصوص ممارسات إسرائيلية عام 2015، لكنها لم تعلن موعد إنجاز التحقيق.
وفي رده على طلب بخصوص تحديثات عن التحقيقات الجارية، ذكر الجيش أنه أطلق سبعة تحقيقات جنائية في غزة و16 في الضفة الغربية على امتداد العام الماضي. وقد أغلقت ثلاث قضايا، وجرى التعامل مع قضيتين أخريين باعتبارهما أمورا تستدعي إجراءات تأديبية داخلية، وأغلقت منذ البداية، بينها إطلاق النار على شاب يبلغ 16 عاماً جرح في الضفة الغربية بينما كان مقيد اليدين ومعصوب العينين.
أيضاً، أطلقت المؤسسة العسكرية تحقيقاً في حادث إطلاق نار على مصور يعمل لدى «أسوشييتد برس» وإصابته في ساقه أثناء ارتدائه سترة تحمل كلمة «صحافة»، من على بعد عدة مئات من الأمتار عن الجدار العازل عن غزة. الصحافي قضى عدة أسابيع داخل مشفى إسرائيلي حتى تعافى، لم يطلب منه أو من المشرفين عليه تقديم شهاداتهم. ولم يطلب الجيش قط الاطلاع على فيديو الحادث. وفي نتيجته النهائية، قال الجيش: «لم يجر توجيه نيران» إلى المصور. وحث الجيش الصحافيين على «إبداء الحذر» أثناء تغطيتهم المظاهرات.
أما باقي التحقيقات المتعلقة بغزة والعديد من التحقيقات الخاصة بالضفة الغربية، بما في ذلك قضيتا مقتل حبالي ونخلة، فما تزال في المراحل الأولى من مراجعة الشرطة العسكرية. وهناك قضيتان فقط تتعلقان بالضفة الغربية، منها مقتل مسعف في خضم صدامات وقعت بمعسكر للاجئين، وصلت المرحلة النهائية من المراجعة قبل إصدار توصية حول ما إذا كان ينبغي توجيه اتهام جنائي.
وفي بيان له، شدد الجيش على أن تحقيقاته تجري على «نحو مستقل وفاعل». وقال كذلك إنه غالباً ما يواجه صعوبات في الحركة وتحديات أمنية على الأرض، الأمر الذي يجعل التحقيقات «معقدة وغالباً طويلة».
جدير بالذكر أن غزة الخاضعة لحكم «حماس» عادة ما تكون خارج متناول المحققين الإسرائيليين. كما أن جمع الأدلة في الضفة الغربية غالباً ما يتضمن عمليات عالية المخاطرة تجري ليلاً لجمع الأدلة أو الاعتماد على وسطاء يرفضون التعاون أحياناً. ويجد المحققون صعوبة أحياناً في الاطلاع على نتائج التشريح بسبب الطقوس الإسلامية التي تحث على الدفن السريع.
ومع هذا، يرى نقاد أن هذه العقبات يمكن التغلب عليها باستخدام التكنولوجيا، مثل مؤتمرات الفيديو والتعاون على نحو أفضل مع قوات الأمن الفلسطينية وتحسين مستوى تدريب المحققين. ويتهم هؤلاء الجيش ببناء نظام يعتمد بصورة شبه كاملة على شهادات الجنود فقط، والتي تتضمن أدلة غير كافية تتحول إلى مبررات لغلق القضايا.



الصواريخ الحوثية المرتدّة تهدد مناطق سيطرة الجماعة

جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
TT

الصواريخ الحوثية المرتدّة تهدد مناطق سيطرة الجماعة

جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)
جانب من دمار بمنازل في شمال إبّ جراء سقوط صاروخ حوثي (فيسبوك)

أفادت مصادر يمنية مطلعة بسقوط عدد من الصواريخ الباليستية في مناطق متفرقة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، عقب فشل عمليات إطلاقها أو انحرافها عن مساراتها، ما تسبب، وفق المصادر، في سقوط ضحايا مدنيين وأضرار طالت منازل وممتلكات ومنشآت.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن العديد من الصواريخ فشلت عملية إطلاقها وسقطت داخل مناطق مأهولة أو بالقرب منها، متسببة في أضرار مادية وحالة من الهلع بين السكان. كما تحدثت مصادر محلية وتقارير متداولة عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين في بعض تلك الحوادث.

وتعيد هذه الوقائع تسليط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها سكان المناطق الخاضعة للحوثيين جراء إطلاق الصواريخ الباليستية من مناطق مأهولة؛ إذ يمكن أن تتحول عمليات الإطلاق الفاشلة إلى تهديد مباشر للسكان والمنشآت والأراضي الزراعية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وكان أحدث هذه الحوادث سقوط صاروخ باليستي حوثي في قرية «العيانة» بمديرية خمر في محافظة عمران. وبحسب المعلومات المتداولة، تسبب سقوط الصاروخ في أضرار وخسائر بالمنطقة، وسط حديث عن وقوع ضحايا مدنيين.

سقوط صاروخ حوثي على إحدى القرى الريفية في محافظة عمران (فيسبوك)

وقبل حادثة خمر بأيام سقط صاروخ حوثي في منتصف الشهر الحالي بالقرب من مزارع في قرية «بيت شلوان» بمديرية بني صريم في محافظة عمران، ما أسفر، وفق مصادر محلية، عن مقتل مزارع وإصابة آخرين، إلى جانب أضرار لحقت بأراضٍ ومعدات زراعية تعود لمواطنين.

وقال سكان في المنطقة إن عناصر أمنية تابعة للحوثيين سارعت عقب الحادثة إلى تطويق موقع سقوط الصاروخ، في محاولة، بحسب روايات الأهالي، لمنع الوصول إلى الموقع والحد من تداول تفاصيل الحادثة.

حوادث متتابعة

توالت حوادث سقوط الصواريخ داخل مناطق سيطرة الجماعة مع فشل إطلاق صاروخين باليستيين في حادثتين منفصلتين وقعتا مطلع الشهر الحالي في محافظتَي إبّ والحديدة، وتسببتا، وفق المصادر، في أضرار ودمار طال منازل مدنيين. ففي محافظة إبّ، سقط صاروخ حوثي في منطقة «المجمعة» شمال غربي مدينة إبّ إثر فشل عملية إطلاقه، ما أدى إلى تدمير أكثر من خمسة منازل وإصابة عدد من السكان، بينهم نساء وأطفال.

أضرار ودمار في منازل نتيجة استخدام الحوثيين الصواريخ الباليستية (فيسبوك)

وفي حادثة أخرى، سقط صاروخ في قرية «محوى طلحة» شرق مدينة زبيد بمحافظة الحديدة، عقب فشل عملية إطلاقه، متسبباً في تدمير وإلحاق أضرار بعدد من منازل المدنيين.

وسبق الحادثتين بأيام سقوط صاروخ ثالث أطلقته الجماعة ليلاً في أرض زراعية بالقرب من قريتَي «شبل» و«النوبي» بمديرية جبلة جنوب غربي إبّ، بعد فشل عملية إطلاقه من منصة متحركة باتجاه مدينة المخا على الساحل الغربي، ما أثار حالة من الذعر بين السكان.

سبعة صواريخ

بحسب منصة «يمن ديلي» اليمنية، فشلت الجماعة الحوثية في إطلاق سبعة صواريخ باليستية خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 27 أغسطس (آب) الماضي، انتهى بها المطاف إلى السقوط داخل مناطق خاضعة لسيطرتها.

ويربط الخبراء هذه الإخفاقات بعدة عوامل محتملة، في مقدمها فقدان جزء من الكوادر الأجنبية ذات الخبرة، ولا سيما الإيرانية واللبنانية، التي كانت تضطلع بمهام فنية وتدريبية متخصصة في تشغيل هذا النوع من الأسلحة.

وبحسب تقديراتهم، أدى ذلك إلى إسناد جانب من تلك المهام إلى عناصر حوثية محلية تفتقر إلى الخبرة والكفاءة الفنية اللازمة لتشغيل المنظومات الصاروخية بكفاءة.

قرى سكنية ومزارع ومرتفعات حوّلها الحوثيون إلى منصات صاروخية (إعلام محلي)

ويتزامن تكرار هذه الحوادث مع استمرار الجماعة في استخدام القرى السكنية والمزارع والمناطق الجبلية في عدد من مناطق سيطرتها مواقع لإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية لهذه المناطق، وفق مصادر محلية ومراقبين.

ويرى مراقبون أن إطلاق الصواريخ من مناطق مأهولة لا يضاعف فقط المخاطر التي يتعرض لها المدنيون في المناطق المستهدفة، وإنما يضع أيضاً سكان مناطق الإطلاق أنفسهم في دائرة الخطر، خصوصاً عندما تفشل عمليات الإطلاق، أو تنحرف الصواريخ عن مساراتها.


من الشارع إلى الهاتف… الحوثيون يحاصرون ذكرى الثورة اليمنية

من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
TT

من الشارع إلى الهاتف… الحوثيون يحاصرون ذكرى الثورة اليمنية

من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)
من الاحتفالات اليمنية بذكرى الثورة العام الماضي (إعلام محلي)

في عشية الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر (أيلول) تعيش العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية حالة توتر أمني واستخباراتي وإجراءات تقييد ورقابة مشددتين لمنع الاحتفالات الشعبية، وامتدت آثارها إلى منصات التواصل الاجتماعي، في حين اعتقلت الجماعة أكثر من 30 شخصاً في محافظة ذمار بسبب تحديث صورهم الشخصية على تطبيق «واتساب» بشعار ذكرى الثورة، وهو ما فجّر موجة غضب عارمة على منصات التواصل الاجتماعي.

وتقول مصادر محلية في ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) لـ«الشرق الأوسط» إن نقاط التفتيش الحوثية في المحافظة بدأت عقب ذلك بتفتيش هواتف سائقي وركاب السيارات بحثاً عن شعارات أو صور وعبارات احتفالية بذكرى الثورة، متسببة في حالة من القلق في أوساط السكان، الذين لجأ غالبيتهم إلى إخفاء هذه المظاهر من هواتفهم أو عدم التنقل بها في الشوارع خشية الاعتقال.

وشهدت صنعاء وعدد من المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية إجراءات مشددة للتضييق على السكان ومنع أي مظاهر للاحتفال بذكرى الثورة التي أطاحت بحكم أسلاف زعيم الجماعة في 1962.

أجهزة الأمن الحوثية تشدد قبضتها لملاحقة المحتفلين بذكرى الثورة اليمنية (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الإجراءات الأمنية الاستباقية على التحركات الميدانية واعتقال عشرات الناشطين والسكان بسبب مظاهر الاحتفال بهذه الذكرى، بل طالت مواقع التواصل الاجتماعي التي تشهد جدلاً بين من يتمسكون بهوية الثورة، وموالين للجماعة التي تخشى تحول المناسبة إلى انتفاضة شعبية.

خوف من الشارع

في ظل ذلك، كشفت مصادر أخرى في صنعاء عن أن الجماعة ألزمت مسؤولي الأحياء المعروفين بـ«عقال الحارات»، وهي مناصب شبه رسمية، بتحديث بيانات السكان وإبلاغ أقسام الشرطة والجهات الأمنية عن السكان الجدد، وإجبار ملاك العقارات على تسليم بيانات كاملة عن كل العائلات التي تستأجر منازل لديهم.

ووفقاً لما نقلته المصادر لـ«الشرق الأوسط»؛ تشمل طلبات الجماعة الإفصاح عن كل ما يتعلق بالمستأجرين الجدد وأنشطتهم وتحركاتهم خلال الأسابيع الأخيرة، وأرقام هواتفهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

قلعة القاهرة في تعز تتزين بالأضواء احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية (إكس)

وحسب المصادر فإن الجماعة تشدد الرقابة على كل فرد لا يملك حساباً باسمه على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب شكوكها في امتلاكه حسابات بأسماء مستعارة هرباً من الرقابة.

ويرى محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث أكاديمي متخصص في السياسة والإعلام في جامعة صنعاء، أن الجماعة تمكنت خلال السنوات الأخيرة، بفعل ممارساتها القمعية وإجراءات التضييق على الحريات، من الحدّ من المظاهر الاحتفالية بذكرى الثورة اليمنية، إلا أن الممارسات نفسها والإجراءات ضاعفت من إيمان اليمنيين بهذه الثورة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة، وحسب نقاشات داخلية اطلع عليها من خلال زملاء له ينتمون إلى الجماعة، وقفت أمام خيارين، إما السماح للسكان بممارسة الاحتفالات لتفريغ احتقاناتهم من تردي الأوضاع المعيشية وسوء الخدمات، وإما منعها بكل أدوات القوة الممكنة وتشديد الخناق عليها.

ويشير إلى أن الخيار الأول كان مرتبطاً باحتمالية اكتفاء السكان بالاحتفالات كتنفيس عن الغضب الجماعي المكبوت خصوصاً إذا أسهمت الجماعة في هذه الاحتفالات وتكفلت برعايتها، إلا أن الخيار الثاني انتصر بفعل الذهنية الأمنية والقمعية للجماعة التي ترى أن السماح بالتعبير عن الغضب الشعبي يفتح الباب أمام إمكانية تحوله إلى انتفاضة عارمة يصعب السيطرة عليها.

ذكرى الثورة اليمنية هذا العام تتزامن مع تصعيد عسكري حوثي وحملات تجنيد (أ.ب)

وكانت مصادر مطلعة قد كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن أن الحملات الأمنية للتضييق على الاحتفالات بذكرى «ثورة 26 سبتمبر» بدأت بالتنافس بين أجنحة داخل الجماعة لتوريط بعضها بعضاً في أزمات تتسبب في تراجع نفوذها.

وطبقاً للمصادر، فإن عدداً من قادة الجماعة المستائين من تمكين علي حسين الحوثي، وهو نجل مؤسس الجماعة، من قيادة جهاز استخباراتي مستحدث باسم «جهاز استخبارات الشرطة ومكافحة الإرهاب»، أوصوا بتنفيذ كبرى هذه الحملات مباشرة عقب إنشاء الجهاز قبل عامين، وهو ما نتج عنه اعتقال آلاف السكان خلال فترة زمنية قياسية.

انتفاضة الصور

بدلاً من أن تتسبب هذه الحملة الحوثية باستياء داخل الجماعة، وتؤدي إلى تقليص نفوذ علي حسين الحوثي، بسبب المخاوف من ردود الفعل المجتمعية والتأثير على سمعة الجماعة، حدث العكس، ولقيت ممارساته استحساناً لدى عمه عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، والبيئة المحيطة به.

ورغم أن إجراءات الجماعة حدّت، وبشكل لافت من انتشار مظاهر الاحتفال الشعبي بذكرى الثورة اليمنية فإن مواقع التواصل الاجتماعي لا تزال تشهد توسعاً في المظاهر الاحتفالية، حيث تحوّلت الصفحات الشخصية إلى جداريات بألوان علم البلاد، الأحمر والأبيض والأسود، ونظم مئات الآلاف حملة لتغيير صورهم الشخصية وتركيب إطارات مخصصة للذكرى بوصفه نوعاً من التحدي السلمي.

احتفالات بذكرى الثورة في مدينة المخا العام الماضي قبل سقوطها مؤخراً في يد الحوثيين (إكس)

وتجاوز النقاش البعد التاريخي ليرتبط بالواقع المعيشي المتدهور؛ إذ ركزت المنشورات على مقارنات حادة بين عهد ما قبل الانقلاب الحوثي والوضع الراهن، وركز المستخدمون على التغيرات التي تشهدها البلاد منذ سيطرة الجماعة مثل انقطاع رواتب الموظفين العموميين وتوقف بناء المدارس وتعطيل خدمة الكهرباء وخصخصتها وزيادة فرض الجبايات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

وفي المقابل، تحركت الحسابات الموالية للجماعة لشيطنة هذا الحراك الافتراضي، متهمة المشاركين فيه بأنهم «خونة ومرتزقة» ينفذون أجندات خارجية لإثارة الفوضى.

وخلال السنوات الماضية تحولت ذكرى ثورة «26 سبتمبر» إلى رمز سياسي ووطني لرفض حكم الحوثيين، حيث يعوّض اليمنيون بالاحتفالات عبر العالم الافتراضي ما حُرموا من التعبير عنه في شوارع المدن وميادينها العامة.


الجيش اليمني يُحبط محاولة حوثية لعزل تعز عن عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
TT

الجيش اليمني يُحبط محاولة حوثية لعزل تعز عن عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)

أحبطت القوات الحكومية اليمنية محاولات حوثية في جبهتَي حيفان والمقاطرة، استهدفت الاقتراب من طريق هيجة العبد، وكانت تهدف لعزل محافظة تعز عن المناطق الجنوبية وصولاً إلى عدن.

وأعلنت القوات الحكومية تأمين الطريق الحيوي، وعودة حركة المواطنين والمسافرين. وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي إن وحدات من محور تعز ومحور طور الباحة وألوية «العمالقة»، بمساندة المقاومة الشعبية، تصدّت لمحاولات التسلل، وأجبرت العناصر المهاجمة على التراجع، مشيراً إلى تكبدها خسائر بشرية ومادية.

وفي مديرية حيفان، تصدت القوات لهجوم حوثي على عزلة الأحكوم، في حين شهدت منطقة الأشبوط وهيجة العبد في المقاطرة اشتباكات مع عناصر حاولت الاقتراب من الطريق والتمركز في مواقع قريبة منه.

وبدورها، أحبطت قوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن ودمرت، أمس (الخميس)، ستة صواريخ باليستية أطلقتها الميليشيات الحوثية باتجاه السعودية، في محاولة لاستهداف مدينتَي الطائف وينبع. وتوعّد المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي الحوثيين، مؤكداً أن تصعيد عملياتهم الإرهابية «سيتم التعامل معه بحزم».

وتزامن هذا الاستهداف مع إطلاق الدفاع المدني السعودي صافرات الإنذار المبكر في مكة المكرمة وجدة والطائف وينبع وتبوك، قبل إعلان زوال الخطر عن المدن الخمس.