شباب يفرون من جحيم غزة إلى أوروبا ليلاقيهم الموت في {المتوسط}

والدة مهاجر لـ(«الشرق الأوسط») : ابني في السجن وزوجته بين الحياة والموت وأحفادي مفقودون

لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
TT

شباب يفرون من جحيم غزة إلى أوروبا ليلاقيهم الموت في {المتوسط}

لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)
لاجئة تنزل من قارب إنقاذ في مرفأ جنوب إيطاليا أول من أمس بعد غرق مركبها بالبحر المتوسط (أ.ف.ب)

لم يكن ينقص الفلسطينيين في قطاع غزة، أي موت آخر صعب، حتى يقضي أبناؤهم الذين نجوا من مئات أطنان القنابل خلال 50 يوما من الحرب الإسرائيلية على غزة، غرقى وسط المياه الإقليمية للدول العربية والغربية.
ويصل كثير من الأهالي في القطاع الليل بالنهار في متابعة مصير أبنائهم الذين هربوا من غزة بداية الشهر الحالي، على أمل العيش في بلاد أخرى، بعد الكشف المفاجئ عن وجود عدد كبير من الغزيين كانوا على متن قوارب وسفن غير شرعية غرقت في 3 حوادث قبالة مصر وإيطاليا وليبيا.
ولا توجد حتى الآن أرقام دقيقة لأعداد المهاجرين الذين خرجوا عبر الأنفاق، كما لا توجد تفاصيل حول الغرقى بسبب عمليات الإنقاذ المتواصلة، ولأنهم عادة يسافرون من دون وثائق ثبوتية.
وقال محمود بارود، مدير الإدارة العامة للشباب بوزارة الشباب والرياضة في غزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأوضاع المعيشية الصعبة وانتشار البطالة وارتفاع أعداد الخريجين العاطلين عن العمل، كلها أسباب تؤدي إلى هجرة الشباب، ومما زاد الأمر سوءا العدوان الأخير على غزة الذي أفقدهم الكثير، مما جعلهم في حالة يئس أدت إلى تنامي فكرة الهجرة لديهم».
واتضح أن الهجرة لم تبدأ بعد الحرب، وأن كثيرين نجحوا في مغادرة القطاع والوصول إلى دول أوروبية أثناء الحرب نفسها التي استمرت من 8 يوليو (تموز) وحتى 26 أغسطس (آب) الماضي، وهو ما شجع آخرين، بينهم عائلات بأكملها، على اتخاذ قرار مماثل.
وقالت والدة أحد الشبان، ويدعى سلامة، كان يفترض أن يصل إلى السويد مع أسرته قبل أن يغرق قاربه قبالة سواحل الإسكندرية الخميس الماضي، إن نجلها لم يجد مناصا من الهجرة بعدما فقد مصدر رزقه الوحيد عبر العمل في الأنفاق. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «ضاقت بابني كل السبل، ولم يجد ما يقيت به أطفاله، ففكر في الهجرة. ولو كان وجد البديل في غزة لكان في حضني ولم يجلس الآن في السجن بمصر». وأنقذت البحرية المصرية عددا من المهاجرين، غير أن السلطات أودعتهم في السجن بصفتهم مهاجرين غير شرعيين.
وتابعت: «لم أعد أعرف للنوم سبيلا، فأقضي وقتي بالاطمئنان من أي جهة أشعر بأن لديها خبرا عن أحفادي المفقودين، ناهيكم بحالة زوجة ابني، إنها بين الحياة والموت».
وكان عشرات على ظهر مركب غرقوا، قضى منهم 15 فلسطينيا على الأقل. لكن الحادثة الأكثر بشاعة، كانت قبالة سواحل إيطاليا يوم الأربعاء الماضي، إذ ما زال مئات، بينهم عائلات فلسطينية كاملة، في عداد المفقودين.
وكانت منظمة الهجرة العالمية أعلنت أن نحو 500 أصبحوا في عداد المفقودين في غرق سفينة مهاجرين بالبحر المتوسط الأسبوع الماضي، وذلك بعد غرق سفينة قبالة ساحل ليبيا.
ويحمل المركب، الذي يزعم شهود عيان، أنه أغرق عن عمد، عائلات فلسطينية كاملة كانت تقيم بالعريش، بالإضافة إلى سوريين وسودانيين ومصريين، وانطلق من ميناء الإسكندرية باتجاه الشواطئ الإيطالية، قبل أن يتعرض «لاصطدام متعمد». ومن بين المفقودين 15 فلسطينيا من عائلة واحدة، بحسب أحد أقاربهم.
وقال الرجل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن «15 شخصا من عائلة المصري، من بينهم شقيقان وامرأة واثنان من أطفالهم، غادروا القطاع للهجرة إلى بلد أوروبي عبر وسيط، واستقلوا مركبا من الإسكندرية متوجهين إلى إيطاليا». وأضاف: «لم تصلنا أخبار منهم، ولا نعلم ما إذا كانوا غرقوا أو نجوا».
وقالت سفارة فلسطين في العاصمة اليونانية (أثينا)، أمس، إن سفينة المهاجرين، التي كانت تقل أكثر من 400، أغلبهم من الفلسطينيين، «تعرضت للإغراق عمدا مساء الأربعاء الماضي، في إطار تنافس عصابات الموت والمهربين».
وأكدت السفارة في بيان، أن «سفينة مصرية، تحمل اسم سفينة الحاج رزق، ارتطمت بسفينة المهاجرين وأغرقتها في حدود المياه الإقليمية المالطية (على بعد 120 ميلا بحريا من الشواطئ الإيطالية) بعد أن كانت انطلقت من شواطئ الإسكندرية في مصر بترتيبات من مجرم مهرب».
وأشارت السفارة إلى أن النجدة وصلت للسفينة من إيطاليا ومالطا صباح السبت، مما يعني أنهم مكثوا في المياه نحو 3 أيام، إذ وصلت سفينة يونانية تجارية وأنقذت 3 فلسطينيين أحياء، وهم الآن في خانيا بجزيرة كريت.
ووصفت منظمة الهجرة الدولية الحادثة بأنها «الأسوأ منذ سنوات» وبأنها تمثل «جريمة قتل جماعية».
والتقت «الشرق الأوسط» عائلات شبان كانوا على متن السفينة، وقالوا إنهم لا يعلمون شيئا عن مصير أبنائهم.
وقالت عائلة مجد، وهو خريج بكالوريوس تمريض عاطل عن العمل، ويبلغ من العمر 25 سنة وكان على متن السفينة التي غرقت بالقرب من اليونان، إنه ليست لديهم أي معلومات عنه، وإن آخر اتصال معه كان يوم 6 سبتمبر (أيلول) في الإسكندرية، إذ أبلغهم أنه وكثير من العائلات ينتظرون أن يقلهم المركب لتجهوا إلى إيطاليا.
وقال شقيق الشاب محمد، الذي أنهى دراسته الجامعية ثم سافر بطريقه غير رسمية إلى مصر، إنهم يحاولون بكل السبل التأكد إذا ما كان من بين الناجين أو لا.
ورغم ما تحمله هذه الرحلات من موت محقق وصعب، ما زال شبان في غزة يخططون لمثل هذه الرحلات.
وقال أحمد حسين لـ«الشرق الأوسط»: «حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة إنجليزية منذ 10 سنوات ولم أجد فرصة عمل، ولا يوجد مخرج من الوضع الراهن سوى التفكير في الهجرة، أنا أفكر فعلا في ذلك».
وحسب مصادر مختلفة، فإن قصة الهجرة تبدأ باتفاق في غزة عبر دفع مبلغ لا يقل عن 3 آلاف دولار أميركي، يغادر بعدها صاحب المبلغ بطريقة مشروعة إن استطاع، أو تهريب من خلال البحر أو الأنفاق إلى مصر، ومن هناك عبر قوارب إلى شواطئ دول أوروبية.
وقال أحد أقرباء من نجحوا في الهجرة: «هناك أشخاص مكلفون تسهيل وتأمين عبور المهاجرين غير الشرعيين من خلال الأراضي المصرية، وصولا للمركب التي ستقلهم إلى أوروبا، وبمجرد وصول المجموعة الراغبة في الهجرة إلى الأراضي المصرية، يدفع كل منهم أجرة النفق أولا، ثم مبلغ ألفي دولار للشخص المذكور، الذي يخرجهم من شبه جزيرة سيناء، ومن ثم ينقلهم عبر قناة السويس، حيث يعبرون المياه من خلال مركب تسمى (معدية)، ويتجنبون السير عبر جسر السويس، لتلافي المرور عبر نقاط أمنية مصرية».
وتابع: «المهاجرون يضطرون إلى قطع كل مصر من شرقها وحتى غربها، فبعضهم يصل مدينة الإسكندرية الساحلية، وآخرون يواصلون مسيرهم إلى ليبيا، ليستقلوا من إحدى النقاط الساحلية في البلدين مركبا، قد يكون باليا وقد يكون متينا، ومن ثم يركبون البحر أياما، حتى يصلون - إن حالفهم الحظ - إلى السواحل الإيطالية، ومن هناك يلتقطهم أشخاص متخصصون بالهجرة، ويخيرونهم إلى أي بلد يرغبون في التوجه إليه، وبالطبع لكل بلد تسعيرة خاصة».
وأثارت سهولة مغادرة القطاع تساؤلات عدة حول الدور الرقابي للحكومة الفلسطينية هناك.
وحذرت فصائل فلسطينية ومسؤولون من خطورة استمرار «ظاهرة الهجرة» على الفلسطينيين، ودعت منظمات حقوقية للتحقيق في ظاهرة «الهجرة غير الشرعية ومحاسبة المهربين الذين يبطشون بالمهاجرين».
وتساءل نافذ غنيم، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني، عن سبب غض طرف الجهات المسؤولة في قطاع غزة عما يجري، ويضيف: «هناك ما يشبه عصابات مافيا التهريب معروفة للجميع، كما يتحدث البعض عن تسهيل بعض الجهات مهمة الخروج للراغبين في الهجرة».
وهاجمت حركة فتح بشدة حركة حماس، وطالب المتحدث باسم حركة فتح، أحمد عساف، جماهير الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية باتخاذ موقف حازم من «المتورطين من حماس» في تسهيل «تهجير أهلنا في قطاع غزة عبر الأنفاق وقذفهم إلى المجهول في البحر».
وأضاف عساف: «إن من يستسهل المتاجرة بالدين وبالدم الفلسطيني يتاجر اليوم بالبشر وهم أحياء ويقذفهم إلى عرض البحر ليواجهوا الموت بلا ضمير ومن غير أي وازع أخلاقي».
ووصف عساف ما يقوم به جهاز أمن حماس بـ«الخيانة العظمى»، لأنه ينفذ وبطريقة رخيصة مخطط «الترانسفير» والتهجير الإسرائيلي الذي طالما سعت دولة الاحتلال إلى تنفيذه.
وردت حركة حماس، متهمة فتح باستغلال حادثة الغرق للإساءة إليها. ودعا المتحدث باسم الحركة، سامي أبو زهري، في تصريح مكتوب، حركة فتح إلى التوقف عن «إيذاء الفلسطينيين في غزة وتشويه صورة المقاومة من خلال الحملة المنظمة على لسان ناطقيها».
وقال أبو زهري: «إن تعرض الكثير من أبناء شعبنا لعملية غرق في عرض البحر - لهو أمر يسيء إلى شعبنا، ويمثل عقابا لهم بدلا من مكافأتهم بالحفاظ على الوحدة الوطنية»، داعيا فتح إلى حل القضايا الخلافية عبر الحوار الوطني.
وكانت وزارة الداخلية في غزة قالت إن الأجهزة الأمنية ضبطت بعض المهربين في القطاع الذين ساعدوا بعض الشباب على الخروج مقابل مبالغ مادية. وأشار الناطق باسم الداخلية، إياد البزم، إلى اتصالات مستمرة مع الجهات المختصة والسلطات المصرية للكشف عن تفاصيل جديدة بخصوص أعداد الضحايا والمفقودين والناجين من غرق المركب في عرض البحر المتوسط.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.