لجنة تحقيق سودانية توجه اتهامات لضباط برتب رفيعة بقتل المعتصمين

TT

لجنة تحقيق سودانية توجه اتهامات لضباط برتب رفيعة بقتل المعتصمين

وجهت لجنة التحقيق في أحداث فض الاعتصام من أمام القيادة العامة للجيش السوداني الشهر الماضي، اتهامات إلى قادة عسكريين رفيعي المستوى أشارت إلى أسمائهم بالأحرف الأولى، بالإضافة إلى أفراد تحت إمرتهم وملثمين مدنيين «مجهولين»، بقتل عشرات المعتصمين السلميين وجرح المئات، وأمرت بفتح بلاغات جنائية ضدهم، تحت مواد تصل عقوبتها الإعدام والسجن المؤبد، بيد أن قوى إعلان الحرية والتغيير رفضت التقرير واعتبرته إخفاءً للحقائق ودفنها في الركام.
وفجر 3 يونيو (حزيران) الماضي، هاجمت قوات عسكرية المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش، وأطلقت عليهم الرصاص بكثافة وعشوائية، ما أدى لمقتل العشرات وإصابة المئات، وفض الاعتصام بالقوة، على الرغم من تصريحات قادة المجلس العسكري الانتقالي العديدة بعدم رغبتهم في فض الاعتصام بالقوة. وقال رئيس لجنة التحقيق في أحداث مأساة فض الاعتصام التابعة للنائب العام فتح الرحمن سعيد، في مؤتمر صحافي عقده بالخرطوم أمس، إن اللجنة أمرت بفتح بلاغات ضد ثمانية ضباط بينهم ضابط برتبة لواء وعميد ورتب أصغر، ووجهت إليهم اتهامات بإصدار الأوامر لفض الاعتصام بالقوة وما رافقه من عمليات قتل وحشية.
وأوضح أن ضابطين برتبتي اللواء والعميد ورد اسميهما بالأحرف الأولى، أصدرا الأوامر لقوات مكافحة الشغب، وقوات أمنية أخرى بضرب المعتصمين، مخالفين التعليمات الصادرة لهم بـ«تنظيف» منطقة كولومبيا القريبة من ساحة الاعتصام. وتقع المنطقة المعروفة بـ«كولومبيا» على الضفة الشرقية لنهر «النيل الأزرق» وبالقرب من قيادة الجيش محل الاعتصام، ونشأت قبل الاعتصام بسنين، واشتهرت بأنها «وكر» لتجار المخدرات والخمور، وأخذت اسمها من «مخدرات كولومبيا». وحين بدء الاعتصام شارك روادها في الاحتجاجات، ما استفز القوات العسكرية التي سعت لـ«تنظيفها» مستخدمةً القوة المفرطة، ولاحقاً اتخذتها ذريعة لفض الاعتصام، كما تشير تقارير النشطاء ومواقع التواصل الاجتماعي وقوى الحراك.
ووجهت اللجنة بناءً على استجواب 59 شاهداً، بينهم ضباط في القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ومواطنين وأطباء ومعتصمين، و29 مستنداً متعلقاً ببلاغات ضد كل من اللواء ركن «أ. س. أ»، وهو الذي أصدر أمراً للعميد الركن «ع. ع. م» بتحريك قوة مكافحة الشعب التابعة لـ«قوات الدعم السريع»، لفض الاعتصام دون تلقي أوامر عليا. وهزت «جريمة» فض الاعتصام الضمير العالمي لبشاعتها وأعداد القتلى السلميين الذين راحوا ضحية لها، وأصابت المواطنين السودانيين بحالة من الصدمة والترويع، واتجهت الاتهامات مباشرةً إلى «المجلس العسكري الانتقالي»، الذي اضطر إلى تكوين لجنة تحقيق عسكرية من جانبه، ولجنة أخرى كوّنها النائب العام، فيما يُنتظر أن تكون «لجنة تحقيق مستقلة» ثالثة من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير بعد تكوين الحكومة المدنية.
وقالت اللجنة إن الضابطين اللذين أصدرا الأوامر لم يكونا ضمن القادة المنوط بهم «نظافة منطقة كولومبيا»، ولم يتلقيا تعليمات أو أوامر بالمشاركة في تنفيذ الخطة، وأن أحدهم تمرد على تعليمات قائد العملية، وأضافت: «تم تحذير العميد (ع. ع. م) من قِبل قائد العملية بأنه غير معني، لكنه خالف تلك التوجيهات، وقاد قوة من معسكر (صالحة) إلى داخل منطقة الاعتصام، وأمرهم بجلد المعتصمين». واتهمت اللجنة قائد قوة مكافحة الشغب التابعة لـ«قوات الدعم السريع» المقدم «ب. ح. ع»، والذي شارك في التنوير الخاص بنظافة منطقة كولومبيا، بالمشاركة مع قواته بدخول منطقة الاعتصام، وضرب المعتصمين بالعصي ما تسبب في فض الاعتصام.
وحمّلت قوة مشتركة مكلفة بتنظيف كولومبيا «قوات مكافحة الشغب، وقوات الحماية وتأمين كوبري النيل الأزرق»، المسؤولية عن العملية، واتهمتها بتجاوز مهامها، ودخول بعض أفرادها ساحة الاعتصام، وأزالوا الحواجز والمتاريس، وإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص والأعيرة النارية بكثافة وعشوائية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وحرق الخيام وإتلاف الممتلكات والمركبات، وإخلاء المعتصمين من ساحة الاعتصام.
وقالت اللجنة إن التحقيقات أشارت إلى «شخصين ملثمين» مجهولي الهوية ويرتديان الزي المدني، أطلقا الأعيرة النارية بساحة الاعتصام، إضافة إلى ثلاثة أشخاص آخرين مجهولي الهوية يرتدون أزياء مدنية أطلقوا الأعيرة النارية من أعلى عمارة تحت التشييد مطلة على ساحة الاعتصام.
وحسب رئيس لجنة التحقيق، فإن عدد القتلى إبان أحداث فض الاعتصام بلغ 87 قتيلاً خلال أسبوع من فض الاعتصام، وأن 17 منهم لقوا مصرعهم داخل ساحة الاعتصام يوم 3 يونيو الماضي، وأن عدد المصابين بلغ 168 مصاباً، منهم 105 بآلات حادة وجروح قطعية وطعنية، واتُّخذت إجراءات قانونية بشأن حالات الوفاة كافة.
وتقول لجنة الأطباء السودانية المركزية، وهي لجنة موالية لقوى إعلان الحرية والتغيير، إنها أحصت 128 قتيلاً في أحداث فض الاعتصام، إضافة إلى أكثر من 1000 جريح ومصاب بينهم جثث لمعتصمين تم إلقاؤهم في نهر النيل وربطهم بـ«ثقالات إسمنتية» لمنع طفو جثثهم، وعدد من حالات الاغتصاب التي طالت نساءً ورجالاً، وعشرات المفقودين الذين لا يُعرف لهم مكان على الرغم من مرور قرابة الشهرين على الحادثة، فيما قالت وزارة الصحة إن عدد القتلى بلغ 68 قتيلاً.
لكن لجنة التحقيق نفت وجود «حالات اغتصاب» وعمليات حرق بالنار أو إغراق في نهر النيل، وقالت: «لم يتبين للجنة وجود أي حالات اغتصاب ارتُكبت داخل ساحة الاعتصام، أو حالات وفاة نتيجة لحرق بالنار، وأن جثتين انتُشلتا من النيل وعليهما أثقال لمنع طفوهما، وُجدت بهما آثار إصابة بطلق ناري، لكن لا علاقة لهما بساحة الاعتصام». وبرّأ تقرير اللجنة ساحة المجلس العسكري الانتقالي من إصدار أوامره بفض الاعتصام، وجاء فيه: «القرار الصادر من اللجنة الأمنية التابعة للمجلس العسكري الانتقالي، كان بغرض نظافة منطقة كولومبيا، ولم يصدر أي قرار أو توجيهات منها بفض ساحة الاعتصام». وقال سعيد إن لجنته اتخذت إجراءات جنائية بمواجهة 8 قادة عسكريين بينهم لواء ركن واحد، وعميدا أركان حرب، وعقيد، ومقدم، ورائدان، ورقيب أول، تحت المادة 186 من القانون الجنائي 1991، وتتعلق بارتكاب «الجرائم ضد الإنسانية» وتصل عقوبتها إلى السجن المؤبد والإعدام.
كما تعهدت اللجنة باستمرار الدعاوى ضد أفراد القوات التي شاركت في تنفيذ العملية، وهم «أفراد من قوات معسكر صالحة، وقوة الحماية، وقوة مكافحة الشغب، والأفراد الذين دخلوا ساحة الاعتصام، تحت مواد تصل عقوبتها إلى الإعدام من القانون الجنائي، إضافة إلى عناصر المدنيين الملثمين المجهولين الذين أطلقوا النار على المعتصمين، وأن تتواصل البلاغات لتشمل كل من تتوفر على مواجهته بينة في وقت لاحق». وقال سعيد إن النائب العام، وبصفته ممثل الدولة والمجتمع في الادعاء العام في القضايا الجنائية، خاطب المجلس العسكري الانتقالي، وطلب تسليمه محضر التحقيق الخاص الذي أجرته لجنة التحقيق العسكرية التابعة له.
وانتقد القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير بابكر فيصل، التقرير، ووصفه بأنه لن يجد الاعتراف اللازم لأنه من طرف واحد، وشكك في دواعي ميقات إعلانه الذي يسبق العودة للتفاوض اليوم. وقال فيصل لـ«الشرق الأوسط» إن قوى الحرية والتغيير وقّعت مع المجلس العسكري الانتقالي «الإعلان السياسي» الذي نص على تكوين لجنة تحقيق مستقلة بإشراف إقليمي بعد تكوين الحكومة الانتقالية، وهي المنوط بها كشف الحقائق بشأن أحداث فض الاعتصام والجرائم البشعة التي رافقتها.
من جهته، سارع حزب المؤتمر السوداني برفض محتوى تقرير لجنة التحقيق، وعدّه تأكيداً لأهمية قيام الحكومة المدنية الانتقالية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف وبإشراف إقليمي لكشف الحقائق، وتقديم المتورطين لمحاكمات عادلة.
وقال الحزب العضو في قوى إعلان الحرية والتغيير، حسب بيان صحافي حصلت عليه «الشرق الأوسط»، أمس، إن لجنة التحقيق المكونة من المجلس العسكري خيّبت الآمال، وأضاف: «كما هو متوقع لم تخيّب الظنون بها»، وإنها صاغت تقريرها بـ«هدف واحد لا غير، وهو إخفاء الحقائق ودفنها تحت الركام».
وأوضح البيان أن تقرير اللجنة كان عبارة عن تلاوة لـ«الرواية المختلقة حول منطقة كولومبيا وكونها المستهدف بتلك العملية البشعة»، وتابع: «الحقيقة الساطعة تقول بأن قرار فض الاعتصام تزامن في كل ولايات السودان التي شهدت 13 اعتصاماً». ورأى الحزب في تزامن فض الاعتصامات دليلاً يؤكد «اتخاذ قرار سياسي من الجهة التي تملك السلطة والرغبة والقدرة على فض الاعتصام، مع سبق الإصرار والترصد»، وسخر مما سماه «إرجاع جريمة بهذه الضخامة والبشاعة لمحض تفلتات من قوات أو ضباط خالفوا التعليمات»، باعتباره مجرد إخفاء للحقائق. وانتقد بيان الحزب نفي اللجنة حدوث حالات اغتصاب داخل محيط الاعتصام، ووصفه بأنه «يخالف تقارير معتمدة لمنظمات عديدة دوّنت هذه الجرائم ووثّقت لاغتصاب عدد كبير من النساء والرجال»، وتابع: «هي وقائع ثابتة وتشبه إلى درجة كبيرة الممارسات الراتبة التي ظلت تحدث في مناطق الحروب في السودان كأدوات للإذلال ولتنفيذ مشاريع الإبادة الجماعية».



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.