هاجس الاعتقال يطارد أهالي جنوب سوريا بعد سنة على عودة النظام

«الشرق الأوسط» ترصد الواقع المعيشي قرب حدود الأردن

دورية روسية في أحد شوارع درعا
دورية روسية في أحد شوارع درعا
TT

هاجس الاعتقال يطارد أهالي جنوب سوريا بعد سنة على عودة النظام

دورية روسية في أحد شوارع درعا
دورية روسية في أحد شوارع درعا

تدخل مناطق سوريا الجنوبية عامها الأول على سريان اتفاق التسوية فيها الذي وقع في يوليو (تموز) 2018 في اتفاق أبرم بين النظام السوري وفصائل المعارضة برعاية روسية، بعد حملة عسكرية شنتها قوات النظام بدعم روسي على المنطقة أواخر يونيو (حزيران)، حيث تعيش اليوم مناطق جنوب سوريا بعيداً عن أزيز رصاص المعارك وهدير الطائرات وقصف المدافع، لكن ابتعاد الآلة العسكرية عن المنطقة لم يعد الحياة الطبيعية بعد، فالكثير من الملفات لا تزال عالقة في المنطقة كالملفات الأمنية والخدمات والمعتقلين والمطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية.
يقول أحد أعضاء لجنة التفاوض في درعا إن المنطقة الجنوبية لا تزال تخضع لاتفاق، وإن التسوية الأمنية والسياسية لأبناء المنطقة غير محددة بزمن معين كما شاع مؤخراً، وستبقى التسوية فعالة حتى إزالة كافة مذكرات الاعتقال والمطالب الأمنية بحق أبناء المنطقة، وإن المهلة التي انتهت هي المهلة التي منحتها التسوية للمتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية التي حددت بستة أشهر منذ بدء الاتفاق، وإن اجتماعات دورية تتم لحل كافة الملفات العالقة في المنطقة.
وشهدت المنطقة استجابة من النظام السوري في بعض الملفات وبعضها لا يزال العمل قائما على حلها، وأبرز هذه الملفات هي إخراج الميليشيات الإيرانية من المنطقة، وملف المعتقلين، والمتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية، وإن تأخر حل هذه الملفات، وخروقات قوات النظام في تنفيذ اعتقالات في مناطق التسويات، أدى إلى حالة من التوتر والاستياء الشعبي وخروج عدة مظاهرات في مناطق التسويات، وعودة الكتابات المناهضة للنظام على الجدران.
وقال أحمد أحد السكان المحليين إن الاعتقالات التي نفذتها قوات النظام منذ سريان اتفاق التسوية في المنطقة كانت العائق الأكبر أمام عودة الثقة بين المواطن والدولة، أيضاً موضوع المعتقلين والكشف عن مصير المعتقلين الذين لا يزالون لسنوات في السجون أمر غير طبيعي، رغم خروج عشرات المعتقلين بعد اتفاق التسوية في المنطقة فإن أعدادا كبيرة وفقاً لإحصاءات محلية لا تزال موقوفة دون معرفة مصيرهم. ووصل عدد حالات الاعتقال في جنوب سوريا منذ بدء اتفاق التسوية قبل عام إلى 500 حالة، أيضاً الخدمات الأساسية في مناطق التسويات غير متناسبة مع باقي المناطق في مدينة درعا التي تفضل بها المناطق التي لم تخرج عن سيطرة النظام، فحال الكهرباء تبقى لساعات طويلة في مدينة درعا المحطة، بينما مدينة درعا البلد لا تحظى إلا بأربع أو خمس ساعات في اليوم، وشبكات المياه عملت المؤسسة المسؤولة في المنطقة على إعادة ترميم بعض المناطق ومناطق أخرى لم تصلها بعد بحسب درجة التخريب في بنيتها، كما أن الاتصالات عادت إلى بعض المناطق وتعمل مديرية الاتصالات على توزيع ورش فنية في البلدات والمدن لإعادة تأهيل الاتصالات في كل المناطق، أيضاً شهدت المدارس التي تعرضت لتدمير جزئي عمليات للترميم والإصلاح، أما المدارس المدمرة بشكل كامل فيتم إعادة تأهيلها، والمحروقات باتت متوفرة سواء البنزين والديزل والغاز وبأسعار أقل من قيمتها سابقاً بمعدل النصف، وحال المواد التموينية متوفرة في المنطقة، وشهدت المنطقة حركة تجارية جيدة بعد فتح معبر نصيب، وباعتبار مناطق جنوب سوريا حدودية مع الأردن فقد انتعشت أسواق المدينة بعد فتح المعبر والسياحة التسويقية التي يقوم بها الأردنيون في المنطقة.
ويرى أبو مهند أحد سكان ريف درعا أن اتفاق التسوية جنب المنطقة الدمار والمزيد من الموت، قائلا: «في مثل هذه الأيام من العام الماضي كنا في السهول الحدودية نتيجة شدة المعارك والحملة العسكرية على المنطقة، كنا نعيش ظروفا قاهرة برفقة الأطفال والنساء، وكانت أعداد الفارين من ويلات الحرب تتزايد يوما تلو الآخر، الناس كانت تفترش التراب والغبار وتلتحف السماء، وقلة المواد الغذائية والأدوية، دون معرفة زمن ووقت انتهاء هذا الوضع الذي كنا فيه حين بدأت الحملة العسكرية على المنطقة، فكان الحل الأنسب للمنطقة (وفقاً لتعبيره) بعد التخلي الدولي عنها هو التسوية ومحاولة تحقيق أكبر مكاسب للمنطقة وأبنائها بالاتفاق مع الجانب الروسي بعد أن فرضت نظرية الأمر الواقع على المنطقة».
وأكدت مصادر محلية أن المنطقة الجنوبية شهدت بعد سيطرة النظام عليها حالة من التنافس بين «الفيلق الخامس» الروسي و«الفرقة الرابعة» التي يقودها ماهر الأسد شقيق الرئيس السوري، بهدف كسب «فصائل التسويات» وعناصرها جنوب سوريا، التي فضلت أعداد كبيرة منهم البقاء في المنطقة وعدم التهجير إلى شمال سوريا، وامتناع أعداد كبيرة عن الالتحاق بالجيش السوري؛ حيث وصل عدد المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية في جنوب سوريا إلى أكثر من 100 ألف، ما دفع روسيا والفرقة الرابعة إلى تقديم الضمانات لهذه الفصائل، عبر إرسال تطمينات وإغراءات لقادة الفصائل والعناصر، وبأن الانضمام لها يحسب من مدة الخدمة الإلزامية والاحتياطية، وإدارة «فصائل التسويات» لحواجز المنطقة التابعة لها، في حين أن معظم الفصائل التي أبرمت اتفاقا مع الجانب الروسي فضلت الانضمام لـ«الفيلق الخامس الروسي»، لتلقيهم وعودا روسية أثناء عملية التفاوض بأن من يلتحق بـ«الفيلق الخامس» سيصبح تحت الإشراف الروسي، وتتلقى العناصر المنضمة للفيلق مرتبا شهريا يقدر بـ200 دولار، إضافة إلى ضمان عدم ملاحقتهم من قبل الأجهزة الأمنية السورية.
وأضافت المصادر أن مناطق جنوب سوريا بعد إبرام اتفاق التسوية تختلف بها الأوضاع الأمنية تبعاً للجهة العسكرية التي انتشرت فيها ونصبت حواجز داخلها، حيث إن المناطق التي تسيطر عليها فصائل التسويات التي انضوى بعضها لتشكيلات الفيلق الخامس الروسي مثل منطقة بصرى الشام ومدينة طفس ومدينة درعا البلد تتمتع بوجود قوات من الشرطة المدنية التابعة للنظام فقط، مع وجود رمزي لقوات من النظام السوري يمنع قيامها بمهام عسكرية كالمداهمات أو الاعتقال، بموجب اتفاق التسوية بين الجانب الروسي وفصائل المعارضة، والمناطق التي تسيطر عليها قوات من النظام السوري تنشر حواجز لها على مداخل ومخارج كل بلدة ومدينة، إضافة لوجود مفرزة عسكرية في كل منطقة معززة بقوات من الجيش السوري وشهدت هذه المناطق خروقات واعتقالات خاصة في مناطق سيطرة فرع الجوية.
وأكدت المصادر أن اتفاق التسوية كان له أثر على حرية الحركة بين المناطق جنوب سوريا أو الانتقال إلى العاصمة دمشق دون اعتراض من قبل حواجز النظام على حاملي بطاقة التسوية، مع تجاوزات لقوات النظام وتنفيذ اعتقالات على أشخاص رغم حصولهم على بطاقة التسوية، ووفقاً لإحصاءات محلية فقد وصل عدد هذه الحالات إلى 500 حالة اعتقال منذ بدء اتفاق التسوية في المنطقة الجنوبية، كما استطاع الكثير من طلاب الجامعات استئناف دراستهم بعد المرسوم الأخير الذي شمل الطلاب المنقطعين من المناطق التي سيطر عليها الجيش السوري وأجرت عملية التسوية، وأنه رغم التخلف عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية خلال السنوات الماضية، استطاع الطلاب في المنطقة الجنوبية بعد إجراءات التسوية والتمديد الذي شملها المرور على حواجز النظام من درعا إلى دمشق، ولكن الآن بعد الأنباء التي تتحدث عن انتهاء مدة التسوية للمتخلفين عن الالتحاق بالجيش السوري سوف يحرم الطلاب من استكمال تعليمهم الجامعي والتخرج من الكلية، وأنه إذا صحت الأنباء التي تتحدث عن انتهاء مهلة التسوية للمتخلفين عن الالتحاق بالجيش سواء كانوا طلاب جامعة أو غيره، فالكثير يتوقع إعادة إدراج الأسماء المطلوبة على لوائح حواجز قوات النظام السوري المنتشرة في المنطقة، وتصاعد ظاهرة الاعتقالات والسوق الفورية للخدمة الإلزامية.
ومنذ بداية الشهر الماضي ساد في مناطق جنوب سوريا حالة من الترقب والقلق بعد انتشار أنباء بانتهاء مدة التسوية في المنطقة الجنوبية، بعدما مُددت مهلة التسوية سابقاً إلى ستة أشهر بعد انتهاء المهلة الأولى التي بدأت في يوليو الماضي، حيث أعطت المهلة الثانية للمطلوبين للأفرع الأمنية أو المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية والمنشقين عن الجيش السوري مهلة 6 أشهر إضافية لإدارة أمورهم قبل تسليم أنفسهم لشعب التجنيد المسؤولة عن تسليمهم لمراكز الخدمة الإلزامية في الجيش السوري والتحاق المنشقين بالقطعات العسكرية التي انشقوا عنها.
وقالت مصادر إن مناطق جنوب سوريا لا تزال تحوي آلاف المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية والمنشقين، الرافضين الالتحاق بقوات النظام السوري، ومنهم من التحق بقوات النظام السوري بشكل طوعي خلال مدة التسوية الثانية، مشيرا إلى أن الأعداد الكبيرة لهؤلاء المطلوبين قد تسبب توترا جديدا في المنطقة إذا ما عادت حواجز النظام السوري استخدام أسلوب اعتقالهم وسوقهم بشكل إجباري وفوري إلى الخدمة الإلزامية، وأن أعدادا كبيرة من المتخلفين عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية من أبناء المناطق الموقعة على اتفاق التسوية في جنوب سوريا التحقوا بشكل طوعي بالجيش السوري بعد سيطرة النظام على المنطقة، إلا أنه مع اندلاع المعارك في شمال سوريا، شهدت المنطقة الجنوبية تصاعدا في ظاهرة الانشقاق والفرار من الجيش، حيث فرت هذه الأفراد بعد نقلهم إلى مناطق مشتعلة المعارك أو خطوط تماس مباشرة في شرق سوريا أو شمالها الغربي، وفضلوا البقاء في مناطق خاضعة للاتفاق الروسي مع المعارضة الذي أجري في يونيو العام الماضي 2018، وهي المناطق التي لا توجد بها مقرات لقوات النظام أو سلطة فعلية للنظام حتى الآن.
حسام الحوراني ناشط من جنوب سوريا يقول إن ظاهرة الانفلات الأمني عادت إلى الواجهة في مناطق جنوب سوريا، بعد أشهر قليلة من بدء اتفاق التسوية، حيث شهدت المنطقة عمليات اغتيال وتصفية ترسم حالة من صراع النفوذ على المنطقة، وكان معظم قتلى عمليات الاغتيال التي وقعت جنوب سوريا عقب سيطرة النظام على المنطقة، بحق شخصيات إما مقربة من الجانب الروسي، أو الميليشيات الإيرانية و«حزب الله»، وهما قوتان تسعيان لكسب مناطق الجنوب السوري وقدراته البشرية ومواقعه الجغرافية.
كما استفاق عدد من قرى وبلدات درعا جنوب سوريا بعد أشهر على دخول المنطقة في اتفاق التسوية على شعارات مناهضة للنظام، إذ انتشرت هذه الكتابات على جدران بعض الأبنية والمحال التجارية والمدارس، كما ظهرت تشكيلات مناهضة لوجود النظام في المنطقة تحمل اسم «المقامة الشعبية» وأخرى «سرايا الجنوب»، وتبنت هذه التشكيلات شن عدة هجمات ضد قوات النظام في الجنوب، حيث شهدت المناطق التي خضعت لاتفاق التسوية هجمات استهدفت حواجز ومقرات عسكرية تابعة لقوات النظام السوري، في حين انقسمت الآراء حول حقيقة تشكل «المقاومة الشعبية» ومن يقف وراءها، معتبرين أن المقاومة الشعبية قد تكون شماعة لاستدراج من تبقى من أبناء الجنوب، ويحمل فكر التسلح ضد قوات النظام بهدف القضاء على هذه الفئة، آخرون اعتبروا أن المرحلة الأخيرة التي مرت على جنوب سوريا مفتوحة على كل الاحتمالات، خصوصاً مع بقاء أعداد كبيرة من عناصر وقادة المعارضة سابقاً في الجنوب، ورفضهم للتهجير إلى شمال سوريا، مع استمرار خروقات قوات النظام واعتقال العشرات من أبناء المنطقة، رغم اتفاق التسوية.
أيضاً من ضمن حالات الاغتيال التي شهدتها المنطقة مؤخراً كانت شخصيات موالية للنظام منها وجهاء محليون من أبناء المنطقة تعرضوا لعمليات استهداف مباشرة ومحاولات اغتيال.
ويرى مراقبون أن النظام يدرك أهمية الجنوب والحفاظ على ما وصل إليه من السيطرة على هذه المنطقة الحدودية، وعدم عودة الأعمال العسكرية إليها، فيحاول الأخير إعادة تعويم نفسه في المنطقة الجنوبية من خلال عدة زيارات قامت بها شخصيات رسمية عسكرية ومدنية للمنطقة مؤخرا.



الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تحذِّر من تفاقم مأساة النزوح في اليمن

فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)
فرار جماعي لسكان الساحل الغربي اليمني بعد دخول الحوثيين (إعلام محلي)

أظهرت بيانات حكومية يمنية أن أكثر من 158 ألف شخص فرُّوا من المناطق التي دخلتها جماعة الحوثيين في الساحل الغربي، بينما حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين، مع فرار العائلات من العنف، داعية المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم للنازحين والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم مواردها المحدودة.

ووفقاً للوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، ارتفع عدد الفارين من مناطق الساحل الغربي والمسجلين في 8 محافظات إلى 158109 أشخاص، يمثلون 23550 أسرة، نتيجة استمرار العمليات العسكرية والقصف والاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وتشير البيانات الحكومية، حتى 20 سبتمبر (أيلول)، إلى أن محافظة تعز تصدَّرت المحافظات المستضيفة، باستقبال 11867 أسرة، تضم 83123 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تلتها محافظة لحج بـ5472 أسرة (38304 أشخاص) في 9 مديريات، أبرزها المضاربة ورأس العارة وتبن والمسيمير.

وفي العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ بلغ عدد الأسر النازحة المسجلة 3114 أسرة، تضم 15003 أشخاص موزعين على مديريات المحافظة، بينما سجلت محافظة الحديدة 1471 أسرة، تضم 10297 شخصاً في مديريتي حيس والخوخة.

عشرات الآلاف من اليمنيين النازحين يعيشون تحت الأشجار (إعلام محلي)

ورصدت الوحدة الحكومية حركة نزوح جديدة من مديريتي حيس والخوخة جنوب الحديدة باتجاه عدن، وقالت إنها تتابع هذه الحركة، في وقت استقبلت فيه محافظة أبين 1420 أسرة، تضم 9940 شخصاً في مخيمَي خنفر وزنجبار.

وتوزعت بقية الأسر النازحة -وفق البيانات الحكومية- على حضرموت بواقع 110 أسر، والمهرة 70 أسرة، وشبوة 26 أسرة.

وأكدت الوحدة أن معظم الأسر اضطرت إلى ترك منازلها وممتلكاتها بصورة مفاجئة، الأمر الذي فاقم معاناتها الإنسانية وزاد هشاشتها الاقتصادية، مشيرة إلى أن الاحتياجات الأكثر إلحاحاً تشمل المأوى ومواد الإيواء الطارئة والسلال الغذائية والمساعدات النقدية متعددة الأغراض، إلى جانب مياه الشرب والخدمات الصحية ومستلزمات النظافة.

أرقام أممية

من جهتها، حذَّرت المنظمة الدولية للهجرة من استمرار ارتفاع أعداد النازحين في اليمن، ودعت المجتمع الدولي إلى دعم الفارين من العنف والمجتمعات المضيفة التي تتقاسم معهم «ما تملكه من موارد شحيحة».

وأظهرت أحدث بيانات المنظمة أن 129438 شخصاً، أي ما يعادل 21573 أسرة، نزحوا في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال، مع تسجيل زيادة قدرها 11352 شخصاً خلال 3 أيام فقط، مقارنة بـ118086 نازحاً في 18 سبتمبر.

وقال عثمان بلبيسي، المدير الإقليمي للمنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن كثيراً من النازحين اضطروا إلى النزوح أكثر من مرة بحثاً عن الأمان، محذراً من أن الأعداد «في ازدياد مستمر».

الغالبية العظمى من النازحين اليمنيين يفتقدون أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وتستضيف تعز العدد الأكبر من النازحين المسجلين لدى المنظمة، بواقع 73494 شخصاً، تليها لحج بـ33828، وعدن بـ8946، والحديدة بـ8244، إضافة إلى أبين وحضرموت ومأرب.

وقال بلبيسي إن هذه العائلات فقدت منازلها ومصادر دخلها، وتصل إلى بلدات تعاني أصلاً أوضاعاً صعبة، مضيفاً أن المجتمعات المضيفة «لا تستطيع القيام بذلك بمفردها»، في إشارة إلى الحاجة المتزايدة للدعم الإنساني.

وبالتزامن مع النزوح الداخلي، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن 3106 أشخاص عبروا البحر الأحمر من اليمن إلى جيبوتي حتى مساء الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها تقدم مساعدات عاجلة لعدد من الوافدين، ومجددة دعوتها إلى توفير مزيد من الدعم في ظل استمرار حركة الفرار.


التضليل... سلاح حوثي للتضليل حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
TT

التضليل... سلاح حوثي للتضليل حول خطوط النار

في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)
في سبيل رفع معنويات مقاتليهم يلجأ الحوثيون إلى الدعاية والإشاعات (أ.ب)

لم يتوقف التصعيد العسكري للجماعة الحوثية عند خطوط الجبهات؛ إذ فتحت بالتوازي جبهة أخرى في الفضاء المعلوماتي، مستخدمة التسجيلات المفبركة والمقاطع القديمة والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وإشاعات الانتصارات وتهويل نتائج الهجمات لتقديم رواية مغايرة لمسار المعارك.

وتترافق الحملة الدعائية الحوثية مع نشر مقاطع تحت مسمى «توثيق انتصارات عسكرية واسعة»، بينها مشاهد للسيطرة على مواقع في تعز والجوف ومأرب، وأخرى أعيد تقديمها بوصفها لعمليات حديثة، في حين تشير الخريطة الميدانية إلى واقع أكثر تعقيداً.

جاء ادعاء الجماعة إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب نموذجاً بارزاً؛ إذ بث إعلامها الحربي مقاطع زعم أنها لحطام الطائرة، قبل أن تكشف منصات تدقيق الحقائق عن أن اللقطات مقتطعة ومعاد تدويرها من حادثة قديمة، وجرى دمجها مع مشاهد لسقوط مسيّرة أميركية.

ويصف سكان مديرية الشمايتين جنوب غربي تعز الإشاعات التي تبثها الجماعة عن قرب سقوط مناطقهم بـ«الغزو الفيسبوكي»، بعد تدفق أنباء مفبركة حول سقوط مواقع حاكمة، عقب فشل محاولات تسلل؛ بهدف إثارة الذعر بين القوات الحكومية وسكان مدينة التربة.

يقول نجيب عباس، وهو معلم وناشط سياسي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الإشاعات لم تؤثر كثيراً في معنويات السكان، لكنها دفعت بعضهم إلى تخفيف الحركة في الأسواق والمرافق العامة وشراء احتياجات منزلية إضافية؛ خشية استهداف الطرق ومركبات نقل المواد الضرورية.

ويستقبل سكان مناطق تعز التي تسعى الجماعة للسيطرة عليها رسائل التودد الحوثية ومحاولات استمالتهم بالتهكم، مبدين مخاوفهم من ممارساتها ورفضهم توسعها.

وكثّفت خلال التصعيد الأخير حملات التضليل والفبركة لاستهداف المواطن اليمني بالدرجة الأولى، عبر نشر الإشاعات وإرباك الرأي العام ورفع معنويات أنصارها، مع محاولة استثمارها خارجياً لصناعة صورة غير حقيقية عن الوضع في اليمن، هذا ما يقوله وكيل وزارة الإعلام اليمنية، فياض النعمان، الذي شرح لـ«الشرق الأوسط» كيفية تعامل الحكومة مع سيل التضليل.

يوضح النعمان أن الحكومة ترصد المحتوى وتتحقق من مصدر التزييف وتاريخ نشره ومكان تصويره ومقارنته بالمعلومات الرسمية والميدانية، مؤكداً أن سرعة التحقق خلال العمليات العسكرية ضرورية لمنع تحول المعلومة الكاذبة روايةً يصعب تصحيحها.

لقطة من فيديو فبركه الحوثيون عن استهدافهم مواقع للجيش اليمني بالطيران المسيَّر (إعلام حوثي)

ومنذ إعلان الحوثيين في يوليو (تموز) الماضي بدء التصعيد في البحر الأحمر، تصاعدت روايات الجماعة عن إجبار قطع بحرية دولية على مغادرة الممر، وتدمير سفن وناقلات نفط بالكامل، مع تضخيم نتائج الهجمات البحرية لتقديم الجماعة بوصفها قادرة على تغيير قواعد الملاحة.

«معركة» الرواية

رفعت الهجمات الحوثية مخاطر الشحن وتكاليف التأمين وأدت إلى تغيير بعض الناقلات لمساراتها، إلا أن الجماعة، وبعد سيطرتها على باب المندب ناقضت نفسها وأعلنت أنها لن تمنع مرور السفن، بالتزامن مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب كشف فيها عن مبادرة الجماعة للتواصل مع حكومته وطمأنته بعدم الدخول في قتال معها أو استهداف سفنها. وتعمد الجماعة إلى الخلط بين الأحداث الحقيقية وتأويلها المبالغ في نتائجها، بما يجعل الرواية أكثر قابلية للانتشار.

العروض العسكرية من أهم وسائل الدعاية الحوثية (أ.ف.ب)

وتتخذ الدعاية الحوثية في مأرب طابعاً أكثر تنظيماً، يستهدف ضرب التلاحم القبلي والعسكري من خلال مزاعم «التسليم الوهمي» للمواقع، وإشاعات عن قرب دخول المدينة أو خلافات مالية داخل الجيش اليمني أدت إلى انسحابات من مواقع استراتيجية.

ويرى أنور العامري، المستشار السياسي والإعلامي لرئيس هيئة الأركان العامة السابق، أن خطورة الإشاعة تكمن في وصولها إلى المتلقي قبل المعلومة الموثقة، منتقداً عدم اهتمام الحكومة الشرعية بهذا الجانب بالشكل المناسب، بما يسهل انجرار ناشطين وإعلاميين ومثقفين محسوبين عليها إلى الاستجابة للروايات الحوثية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن سرعة الاتصال العسكري ووضوح المعلومة يمثلان جزءاً أساسياً من الحفاظ على المعنويات، مشيراً إلى جهود وزارة الدفاع ودائرة التوجيه المعنوي في هذا الجانب.

الحوثيون استغلوا استيلاءهم على مدينة المخا لرفع معنويات مقاتليهم (أ.ب)

وينوّه إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً نوعياً في أدوات التضليل، لكنه لا يلغي أساليب الحرب النفسية التقليدية، وإنما يزيد سرعة إنتاج المحتوى وحجمه وإمكانات التلاعب به. ويقسم الدعاية الحوثية إلى ثلاثة مستويات: الإشاعة والبيان الدعائي والمبالغة في الانتصارات، ثم إعادة تدوير المحتوى عبر المنصات والحسابات المتعددة، وأخيراً إنتاج وتعديل الصور والأصوات والفيديوهات والنصوص بالذكاء الاصطناعي.

انتصارات مصنّعة

كانت الجماعة الحوثية ردّت على مقاطع الجيش اليمني التي توثق استهداف عناصرها بطائرات مسيَّرة، بمقاطع مشابهة مولدة بالذكاء الاصطناعي، وظهر التزييف بوضوح في غالبيتها، في محاولة لرفع معنويات مقاتليها، إلى جانب إعادة تداول محتوى قديم أو مصطنع لتقديم صورة عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية.

ويلفت العامري، وهو إعلامي سابق في دائرة التوجيه المعنوي للجيش اليمني، إلى أن مواجهة إشاعات الحوثيين عن سقوط مناطق أو مدن تتطلب إدارة الفارق بين سرعة انتشار الرواية وقدرة الميدان على التحقق منها، محذراً من التضحية بالدقة في السباق مع الإشاعة.

الحوثيون يستخدمون مجسمات لطائرات مسيَّرة وصواريخ خلال تجمعات أنصارهم (غيتي)

ويشيد بدور الدائرة التوجيه المعنوي في القوات المسلحة اليمنية في هذه المواجهة، عبر الرصد المبكر للإشاعات منذ ظهورها، وتحديد مصادرها ومضمونها ومدى انتشارها، ثم تصنيفها بين معلومة كاذبة أو ادعاء غير مؤكد أو خبر يحتاج إلى تحقق، عبر تنسيق المعلومات العسكرية وتوحيد مصدرها، ومقارنة الروايات، ثم إيصال المعلومات الموثقة بسرعة ووضوح يمنعان استغلال الفراغ المعلوماتي وتضارب التصريحات.

ولا تستهدف المواد الدعائية التي تنتجها الجماعة الحوثية القوات المسلحة الحكومية فقط؛ بل إنها موجهة أساساً إلى جمهورها الداخلي بدرجة أكبر، وإلى المجتمعات المحلية في مناطق سيطرة الحكومة، فالروايات عن السيطرة على المخا مثلاً، أو تحقيق انتصارات خاطفة يمكن أن ترفع معنويات المقاتلين والأنصار وتحجب أخبار الخسائر والتراجع الميداني.

وفي المقابل، تنقل روايات مثل «الحصار الاقتصادي» وتحميل الحكومة والتحالف مسؤولية أزمة الرواتب والأسعار النقاش من أداء الجماعة الداخلي إلى خصومها، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.


معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

معارك تعز و«باب المندب» تكبح هجمات الحوثيين للتوغل شرقاً

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

كثفت القوات الحكومية اليمنية، الثلاثاء، غاراتها الجوية على مواقع وتحصينات وتعزيزات تابعة للحوثيين في محافظة تعز (جنوب غرب)، بالتزامن مع استمرار المواجهات في عدد من الجبهات، بينما أعلنت القوات استعادة مواقع في جنوب وغرب المحافظة، وإسقاط طائرتين مسيّرتين، وأسر عدد من عناصر الجماعة قرب «باب المندب».

وقال محور تعز العسكري التابع للقوات المسلحة اليمنية إن الطيران الحربي شن خمس غارات على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهة الأحكوم بمديرية حيفان، جنوب شرقي المحافظة، مشيراً إلى أن الضربات استهدفت، وفق مصادر عسكرية، تعزيزات كانت في طريقها إلى جبهتي حيفان والصبيحة.

وفي غرب تعز، تواصلت المواجهات في مناطق العنين وبني بكاري وجرداد والكدحة، وسط محاولات حوثية للتسلل والهجوم. وأعلن محور تعز إسقاط طائرتين مسيّرتين، إحداهما في جبل جرداد جنوب غربي المحافظة، والأخرى في جبهة الكدحة، وقال إن الأخيرة كانت محملة بقذيفة هاون قبل وصولها إلى هدفها.

وأفادت مصادر ميدانية باستعادة القوات الحكومية مواقع وتلالاً في جبهات جنوب وغرب تعز، بينها مواقع في محيط كهبوب القريبة من «باب المندب»، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين.

وقالت المصادر إن قوات «العمالقة» و«درع الوطن» استعادت عدداً من التلال المهمة والمسيطرة في كهبوب، بعدما كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الأيام الماضية. كما أعلنت القوات الحكومية أسر سبعة من عناصر الحوثيين على ساحل السقيا، جنوب «باب المندب»، والاستيلاء على عربة عسكرية تابع للجماعة.

وفي جبهة غرب جرداد بني عمر، الواقعة بين مديريتي الوازعية والشمايتين، قالت مصادر إن القوات الحكومية تصدت لهجوم حوثي وأجبرت المهاجمين على التراجع.

كما شهدت الوازعية غارات جوية استهدفت مواقع للحوثيين في منطقتي الظريفة والمشجب، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في عدد من مناطق التماس. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات ألحقت خسائر بالجماعة وأفشلت محاولات تعزيز مواقعها والتقدم في الجبهة.

وفي جبهة كهبوب المطلة على «باب المندب»، أعلنت «ألوية العمالقة الجنوبية» أسر قيادي حوثي وأحد مرافقيه، إلى جانب تنفيذ ضربات قالت إنها دمرت آليات واستهدفت تجمعات للحوثيين في كهبوب والوازعية.

خسائر بشرية

تأتي التطورات الميدانية وسط تقارير عن خسائر بشرية كبيرة خلال اليومين الماضيين. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية من الجانبين مقتل 154 شخصاً على الأقل في المعارك التي شهدتها عدة محافظات يمنية.

وقالت مصادر عسكرية تابعة للحوثيين إن 118 شخصاً قُتلوا جراء الغارات والمواجهات والقصف المدفعي في تعز والجوف ومأرب وصعدة، معظمهم في تعز، بينما أفادت مصادر عسكرية حكومية بمقتل 36 عسكرياً خلال يومين من المواجهات، غالبيتهم في جبهات جنوب وغرب تعز.

مقاتلون من القوات الحكومية اليمنية يتصدون للهجمات الحوثية غرب تعز (إعلام عسكري)

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر ميدانية بمقتل القيادي الحوثي محمد عبد الله سعد جلافة العوير، المعروف باسم «أبو مالك العوير»، مع عدد من مرافقيه، خلال المواجهات في محيط جبل جرداد بمديرية الوازعية.

امتداد القتال

لا تقتصر المواجهات على تعز ومحيط «باب المندب»، إذ استمر القصف والاشتباكات في عدد من الجبهات الأخرى. وفي مأرب، تواصلت المواجهات في حريب والجوبة والكسارة والمشجح، من دون تغير في خريطة السيطرة.

وفي الجوف، أعلنت القوات الحكومية غارات على مواقع حوثية في رحوب وصلبة بمديرية برط العنان، ومواقع في المراشي والظاهر. كما أعلنت القوات الحكومية استهداف عناصر وعتاد حوثي في البيضاء، وإسقاط طائرة مسيّرة في شبوة.

مقاتل يمني على خط النار في إحدى جبهات تعز خلال معارك ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

وفي تطور منفصل، أدانت وزارة حقوق الإنسان اليمنية قصفاً صاروخياً استهدف سوقاً شعبية في منطقة الحجف بمديرية المضاربة ورأس العارة في محافظة لحج، وقالت إن الهجوم أدى إلى إصابة عدد من المدنيين وإلحاق أضرار بالممتلكات والمركبات.

وذكرت الوزارة أن السوق تعرضت، الاثنين، لقصف بصاروخين باليستيين سقطا بفارق زمني يقارب ساعة، مشيرةً إلى أن المعطيات الأولية المتعلقة بالتوقيت والمسار تشير، وفقاً لها، إلى إطلاقهما من مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في مديرية السبرة بمحافظة إب. وأكدت أنها تواصل جمع المعلومات والتحقق من حجم الإصابات والأضرار.

هجمات الحوثيين شردت نحو 150 ألف يمني من الساحل الغربي وغرب تعز (رويترز)

وفي الصبيحة، أكد رئيس الأركان والقائم بأعمال قوات «درع الوطن»، اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي، ثبات القوات في الجبهة، وقال إن المنطقة لن تكون طريقاً لعودة الحوثيين إلى عدن، داعياً إلى مواصلة القتال والثبات في مواجهة الجماعة.

تأتي هذه التطورات امتداداً لمواجهات شهدتها خلال الأيام الماضية المرتفعات الواقعة بين غرب تعز وشمال لحج، حيث تركز القتال حول مواقع جبلية في الشمايتين وجبل حبشي والوازعية وكهبوب، وسط محاولات متبادلة لتثبيت المواقع والتحكم بالمرتفعات المطلة على طرق الساحل و«باب المندب». وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق استعادة مواقع وإحباط هجمات وتسللات حوثية في عدد من هذه الجبهات.