المدينة هي القصيدة وحياة خفيفة ووادعة كما نراها في الأحلام

الموسم الحادي والأربعون لمنتدى أصيلة الثقافي

جانب من مدينة أصيلة
جانب من مدينة أصيلة
TT

المدينة هي القصيدة وحياة خفيفة ووادعة كما نراها في الأحلام

جانب من مدينة أصيلة
جانب من مدينة أصيلة

لم أكن لسنتين خلتا أعرف عن مدينة أصيلة المغربية سوى كونها مقراً للمنتدى الثقافي السنوي الذي يحمل اسمها منذ أن أسسه محمد بن عيسى، الكاتب والمثقف التنويري والوزير السابق، قبل أربعة عقود من الزمن، تحت عنوان «موسم أصيلة الثقافي الدولي». ورغم أن أصدقاء لي كثيرين، ممن أتيحت لهم زيارة المدينة أو المشاركة في منتداها الثقافي، كانوا يحدثونني عن جمال أصيلة وفرادتها العمرانية والهندسية، فإن البون كان شاسعاً بين ما سمعته من الأصدقاء وبين ما شاهدته بأم العين من معالم المدينة الصغيرة التي بدت لي شبيهة بمتحف فني وثقافي واسع، حتى ليتساءل المرء حقا وهو يتجول بين أحيائها المختلفة، كيف يمكن لبلدة صغيرة كهذه أن تضم بين جنباتها كل هذا القدر من الجداريات الفنية والمنمنمات والمكتبات العامة وقصور الثقافة والمساجد والملاعب الرياضية والمؤسسات التربوية المختلفة. أما فندق «أصيلة 32» الذي استضاف معظم المشاركين في الأنشطة الثقافية والفنية لهذا العام، فقد بدا متناغماً تماماً مع بساطة المدينة وفضائها الأليف. وهو إذ يطل على المحيط، كما على الكورنيش البحري الملاصق، يتيح لنزلائه أن يوزعوا نظراتهم بين الزرقة المترامية للمياه، وبين البيوت الأفقية المتخاصرة التي يعكس بياضها حرارة الشمس وطهارة قلوب ساكنيها في الآن ذاته. وكان علينا، نحن المشاركين في ندوة الشعر، أن نوزع أوقاتنا بين قاعة الفندق السفلية، وبين التجول على الكورنيش البحري أوفي شوارع المدينة وساحاتها وأحيائها، حيث تتواجه المعالم القديمة والحديثة في المدينة المبنية على الطراز الأندلسي، والتي سكنها الفينيقيون وأعطوها اسم أزيلا، ثم تحولت زمن الرومان إلى زيليس، قبل أن يطلق عليها العرب اسمها الحالي.
ثمة شعورٌ غامرٌ بالطمأنينة تمنحه المدينة لأبنائها، الذين يركنون رغم مصاعب الحياة وتحدياتها إلى هدوء دهري وسكينة عميقة، وإلى بطء الزمن الذي يتماهى مع النسيم في طراوته وانسيابه. أما الأسوار التي رفعها البرتغاليون لدى احتلالهم المدينة، لتكون سداً منيعاً في وجه الأعداء فلا تفلح في شطر الزمن المحلي إلى شطرين متضادين، بل يبدو الحاضر فضاءً للماضي، ويبدو الماضي ذخيرة للحاضر، وحصناً منيعاً يعصمه من التذرّر والإمّحاء، وبين الشطرين المتجاورين ثمة عربات وقاطرات صغيرة تتكفل بنقل الزائرين لا من مكان إلى آخر فحسب، بل من حقبة إلى حقبة ومن زمان إلى زمان. وإلى البيئة النظيفة التي تمتاز بها المدينة، فقد تمّ طلاء جدرانها وواجهاتها بالألوان المبهجة والمتناغمة، وتزيينها بالرسوم والنقوش والزخارف، كما تمت إقامة غير نصب وتمثال للكثير من رموز الفكر والأدب والفن وسط ساحاتها الكثيرة، بحيث تحولت المدينة برمتها إلى متحف واسع للألوان والمنحوتات وفنون التشكيل. ولعل كل ذلك لم يكن ليحدث لولا اللمسات الإبداعية الخاصة للوزير الفنان محمد بن عيسى، ابن المدينة ورئيس بلديتها منذ عقود، الذي عمد بموازاة موسمها الثقافي السنوي إلى ترميم الكثير من قصور المدينة ومبانيها، كما عمد إلى إنشاء الحدائق المختلفة التي تحمل أسماء مبدعين عرباً وعالميين، من أمثال محمود درويش، وبلند الحيدري والطيب صالح وتشكايا أوتامسي ومحمد عابد الجابري وآخرين.
لم يتح لي خلال الأيام القليلة التي قضيتها في أصيلة أن أتابع من أنشطة الموسم الثقافي الممتد لشهر كامل سوى الجزء المتعلق بالشعر، والذي توزع بين ندوتين نقديتين انعقدتا نهاراً تحت عنوان «الشعر العربي في مشهد ثقافي متحول»، إضافة إلى قراءات شعرية مسائية شارك فيها عدد من الشعراء العرب المدعوين. وحيث بدا العنوان المطروح للنقاش فضفاضاً إلى حد كبير، فقد ذهبت المداخلات والأوراق النقدية في غير زاوية واتجاه، بحيث بات من الصعب وضع الطروحات المقدمة في نسق أو نصاب محددين. فبعد أن تحدث الوزير المضيف عن الحاجة إلى الشعر في زمننا الراهن، أدار الشاعر والناقد شرف الدين ماجدولين الندوة الأولى، حيث قدم الشاعر والروائي المغربي محمد الأشعري مطالعة عميقة حول راهن الشعر العربي الذي لم يعد فن اليقينيات، بل فن الحيرة والشكوك، واعتبر أن على الشعر بما هو فضاء للحرية أن يتفاعل مع الجماليات الأخرى القادمة من جهة السينما والمسرح وفنون التشكيل. ونفى الناقد المصري صلاح فضل عن الشعر تهمة التراجع والانحسار؛ إذ كثير على لغة واحدة أن تشهد خلال فترة زمنية قصيرة ثلاث ثورات شعرية، هي الرومانسية والشعر الحر وقصيدة النثر، منوهاً بالدور الفاعل الذي يلعبه برنامج «أمير الشعراء» في مصالحة الشعر مع جمهوره وإعادته إلى بعض وهجه القديم. وفي حين اعتبر الناقد الأردني صلاح جرار أن على الشعر ألا يكون صوت صاحبه فحسب، بل صوت الجماعة التي ينتمي إليها وهي تكافح من أجل الحرية والوحدة والتقدم، دعا البحريني كريم راضي إلى شعر جديد يدير ظهره للملاحم وهاجس الخلود، ليحتفي بالهامشي والبسيط والمتواري من الأشياء. كما دعا الشاعر العراقي حميد سعيد إلى رؤية القصيدة من دواخلها المتحولة وغير المرئية، لا من جهة سطوحها البلاغية الظاهرة فحسب. وفي الجلسة الثانية التي تمحورت حول الشعر ووسائل الاتصال الحديثة.
في الجلسة النقدية الثانية التي أدارها الشاعر الأردني جريس سماوي، بدا الشاعر البحريني قاسم حداد بعيداً عن التفاؤل بمستقبل الشعر وجدواه في ظل التنافس القائم بين الأنظمة الحاكمة والمعارضات المختلفة حول تغييب الحرية وتعطيل العقل وتهميش الثقافة والإبداع. ولم يكن المشهد الشعري العربي أقل قتامة من وجهة الكاتب والمترجم التونسي حسونة المصباحي، الذي اعتبر أن عزلة الشاعر العربي وشعوره باليتم والتهميش، قد وفرا له فرصة التجديد وأخذ النص نحو مساحات مغايرة وغير مسبوقة. أما الشاعر المغربي المهدي أخريف فقد لاحظ وقوع الشعر العربي الراهن في النثرية والتنميط الأسلوبي، مشدداً على اعتبار الإيقاع، بما هو عصب الشاعر وبصمته الخاصة، أساساً في تشكّل اللغة وتحديد الهوية الإبداعية. وحيث رأى الناقد المغربي خالد بلقاسم أن لقراءة الشعر شروطاً ثقافية ومعرفية موازية لتلك التي تتطلبها الكتابة نفسها، اقترحت الشاعرة التونسية ربيعة الجلطي على الشعراء أن يفيدوا من منجزات العلم الحديث وكشوفه الصادمة، معتبرة في الآن ذاته بأن الوظيفة الأهم للشاعر هي الدفاع عن الحرية. وإلى جلستي النقد الصباحيتين كانت هناك جلستان مسائيتان مخصصتان للقراءات الشعرية، حيث تناوب على المنبر كلٌّ من الشعراء قاسم حداد، زهير أبو شايب، محمد الأشعري، حميد سعيد، جريس سماوي، ربيعة جلطي، علي عبد الله خليفة، ثريا ماجدولين، مباركة بنت البراء، إكرام عبدي وعمر الراجي. وقد استمعنا في كلتا الأمسيتين، ورغم تفاوت التجارب والمستويات، إلى الكثير من الأصوات التي انتزعت لنفسها مكانة مرموقة في خريطة الشعر العربي المعاصر. أما الشاعر والكاتب الإماراتي سلطان العميمي الذي لم يتمكن من المشاركة في الأمسية الثانية لظروف طارئة، فقد قرأ على مسامعنا في قاعة الفندق قصائد نثرية شديدة التكثيف، هي أقرب إلى قصيدة الومضة أو الحالة منها إلى أي مسمى آخر. ولن تفوتني في هذا السياق الإشارة إلى أن عدداً من الضيوف المدعوين، ممن لم ترد أسماؤهم في البرنامج الرسمي، من أمثال الشاعرة السورية نوال الحوار، والروائية لينا هويان الحسن، والإعلاميين اللبنانيين أحمد علي الزين وإسماعيل حيدر وعلي عجمي، قد شكلوا قيمة إنسانية ومعرفية مضافة إلى المنتدى، لما بثوه في كواليسه الخلفية وجلساته الحميمة من طاقة إيجابية وحيوية بالغة، ولما أشاعوه خلال السهرات واللقاءات الجامعة، من مناخات المرح والدفء والتواصل الأليف.
لا بد، في ختام هذه المقالة، من الإشارة إلى زيارتين خاطفتين لطنجة، عروس الشمال المغربي. كانت أولاهما برفقة الشعراء حيدر محمود وزهير أبو شايب وجريس سماوي، ورئيس الوزراء الأردني السابق عدنان بدران، والأخرى برفقة الشاعر المغربي أحمد الحريشي. والزيارتان على قصرهما كانتا كافيتين لمنحنا كل ما يحتاج إليه الخيال للوقوف على جاذبية المدينة المترعة بالألوان والروائح والمذاقات والرغبات الفائرة. فهنا على الذرى الشاهقة للحواس تتقاطع الذكورة والأنوثة في عناق رمزي يجرده الشعر من التسطيح والابتذال. وهنا حيث كل حقيقة مواربة، وكل رؤيا تتربى في عهدة الكتمان. هنا حيث يختلط الواقع بالأسطورة في الرواية التي تتحدث عن جنوح سفينة نوح باتجاه الغرب، لتنتزع طنجة اسمها من «الطين الذي جاء» بعد الطوفان. هنا حيث المغارة التي اتخذها هرقل مقراً له، بعد أن تكفلت قبضته الهائلة بإحداث الشرخ المائي الفاصل بين أوروبا وأفريقيا. وهنا حيث انزلق أبو عبد الله الصغير عن صخرة الأندلس، يمكن للمرء أن يعثر على الأسباب والمسوغات الفعلية التي دفعت محمد شكري إلى كتابة «الخبز الحافي»، وعلى العوامل التكوينية والمستجدة التي أعطت لطنجة فرادتها وحضورها الآسر، ومنحتها القدرة على إغواء العشرات من كتاب العالم وفنانيه، من أمثال بول بولز، وتينيسي وليمز، وبراين جيسن، وجان جينيه، وكُثر آخرين.



الغلاء والطقس يؤثران في تنزه مصريين خلال عيد الفطر

قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية
قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية
TT

الغلاء والطقس يؤثران في تنزه مصريين خلال عيد الفطر

قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية
قلص الطقس السئ من التردد على الشواطئ - محافظة الإسكندرية

فوجئ أحمد بهجات، وهو رب أسرة في نهاية العقد الثالث من عمره، عند اصطحاب أسرته لمشاهدة أحد أفلام العيد بسينما التحرير في حي الدقي بقرار زيادة سعر التذكرة في الحفلة المسائية بواقع 20 في المائة ليصبح سعر التذكرة 120 جنيهاً (الدولار يساوي 52.3 جنيه في البنوك) مما اضطره إلى زيادة ميزانية حضور فيلم وسهرة أول أيام العيد.

يقول بهجات لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادة لم تكن في سعر التذكرة فقط ولكن أيضاً في سعر الفيشار والمياه الغازية التي قام بشرائها لنجليه عن آخر مرة قاموا فيها بدخول السينما خلال إجازة نصف العام الدراسي قبل أقل من شهرين، وهو أمر جعله يفكر في حساب نسب الزيادة على أي تحرك جماعي لرغبته في تجنيب نفسه مواقف محرجة».

ودفعت زيادة أسعار المحروقات منتصف الشهر الجاري بنسب تجاوزت 30 في المائة بعض مقدمي السلع والخدمات لتطبيق زيادات سعرية مع اختلافها من مكان لآخر، بوقت غيَّرت فيه بعض دور العرض أسعار التذاكر نتيجة ارتفاع تكلفة التشغيل.

الطقس السييء تسبب في الحد من إقبال المواطنين على الشواطئ (محافظة جنوب سيناء)

في هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي كريم العمدة لـ«الشرق الأوسط» أن الأمور الترفيهية على غرار دخول دور العرض السينمائية أو التنزه تعد من البنود الاقتصادية الأكثر تضرراً في ظل الأزمات الاقتصادية، لكون الترفيه يعد من الأمور التي يسهل الاستغناء عنها سريعاً.

وأضاف أن تقليص نفقات التنزه أو وقفها بشكل كامل أمر يحدث في أي مجتمع وليس فقط في مصر، لافتاً إلى أن «الأمر لن يقتصر على فترة العيد فقط ولكن سيستمر أيضاً خلال الفترة المقبلة مما قد يؤثر في الإقبال على بعض القطاعات الترفيهية من جانب المواطنين».

طقس سيئ

وشهدت البلاد موجة من الطقس السيئ بالتزامن مع عيد الفطر وسط تحذيرات من السفر على بعض الطرق السريعة خلال أول أيام العيد بالإضافة إلى سقوط أمطار ورياح على كثير من المناطق، لكن رئيس الإدارة المركزية لحدائق الحيوان، إبراهيم متولي، أكد لـ«الشرق الأوسط» إن إسعار تذاكر مختلف حدائق الحيوان في المحافظات لم تتغير، وأن بعض الحدائق التي شهدت تطوير بإضافة حيوانات جديدة أو تطويرات داخلية شهدت إقبالاً أكبر من المواطنين.

مشيراً إلى أنه حتى منتصف اليوم الثالث من عيد الفطر بلغت نسبة الزيادة في التذاكر المباعة مقارنةً بنفس الفترة في العيد الماضي نحو 30 في المائة.

وأضاف أنه على الرغم من موجة الطقس غير المستقر التي شهدتها البلاد فإنه كان لافتاً إقبال المواطنين على زيارة الحدائق والبقاء في الأماكن المفتوحة والاستمتاع بقضاء العيد فيها بأجواء احتفالية، لافتاً إلى أن الإقبال كان من مختلف الأعمار وليس مرحلة عمرية محددة.

تأثرت الاحتفالات في العيد بزيادات الأسعار وموجة الطقس (محافظة جنوب سيناء)

ودفع الطقس المتقلب عدداً ليس بالقليل من رواد نادي الصيد في الدقي إلى الاكتفاء بالبقاء في الأماكن المغلقة بالنادي مع تجنب الخروج والسير في أروقة النادي الذي يوجد به عديد من المساحات الخضراء والاكتفاء بتحركات محدودة في أوقات اعتدال الطقس.

وشهدت الفنادق في عدد من المدن السياحية على غرار شرم الشيخ والغردقة إقبالاً ملحوظاً من المواطنين لقضاء عطلة العيد وفق برامج حجوزات سابقة اعتمدت غالبيتها على رحلات الإقامة ما بين 3 و4 أيام في فنادق غالبيتها مطلة على البحر أو لديها شواطئ خاصة قريبة.

وأكد الخبير السياحي وليد البطوطي لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية الحجوزات التي تم تنفيذها خلال موسم عيد الفطر لم تتأثر بتغيرات الأسعار التي طرأت بالفعل على الحجوزات الجديدة، مشيراً إلى أن غالبية المترددين على الفنادق خلال موسم العيد كانت حجوزاتهم في أوقات تسبق الزيادات الجديدة.

وأضاف البطوطي أن الفنادق ملتزمة بالأسعار التي حددتها مسبقاً لكن في الوقت نفسه لديها زيادات جديدة بدأت تطبيقها بالفعل لتجنب التعرض لخسائر مالية، وهو أمر متفهم يجري بشكل دوري مع إعادة التسعير ليس فقط للمواطنين المصريين ولكن للأجانب أيضاً.

Your Premium trial has ended


سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)
قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)
TT

سرقة متحف «غاردنر» في بوسطن... تحقيق جديد يعيد تقييم النظريات حول هوية الفاعلين

قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)
قطع اللصوص بعض اللوحات من إطاراتها التي لا تزال معلّقة أملاً في عودتها يوماً ما (نيويورك تايمز)

لا يكاد يكون هناك شخص لم تُوجَّه إليه أصابع الاتهام، في وقتٍ ما، بارتكاب أكبر سرقة فنية في تاريخ الولايات المتحدة: السطو على متحف «إيزابيلا ستيوارت غاردنر» في بوسطن عام 1990. ففي 18 مارس (آذار) 1990، وبعد الساعة الواحدة صباحاً بقليل، حضر رجلان متنكران بزيّ شرطيين إلى باب المتحف، في حين كانت المدينة تستريح عقب احتفالات «يوم القديس باتريك». قيَّدا الحارسين المناوبين، ثم غادرا حاملين 13 قطعة فنية، من بينها روائع لرامبرانت ويوهانس فيرمير.

وعلى مدى العقود التالية، تكاثرت النظريات حول الجهة التي تقف وراء الجريمة: المافيا الكورسيكية، العصابات الآيرلندية، لصوص فنون محترفون، مجرمون صغار مجهولون، أشخاص عملوا داخل المبنى، بل حتى «الجيش الجمهوري الآيرلندي».

جيفري كيلي، عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الذي أمضى 22 عاماً في متابعة القضية، استمع إلى هذه الروايات وحقق في كثير منها. وفي كتابه الجديد «ثلاثة عشر هارباً مثالياً»، يفنّد العديد من هذه الفرضيات، ويعرض تصوّره لمن يعتقد أنهم ارتكبوا الجريمة، رغم أنه لم يكن بالإمكان ملاحقتهم قضائياً.

وفيما يلي أبرز قراءاته لبعض هذه النظريات، وروايته لما يُرجَّح أنه حدث:

هل كانت المافيا الكورسيكية؟

رسم توضيحي للسرقة (نيويورك تايمز)

من بين القطع المسروقة عنصر غير مألوف: قطعة زخرفية من رأس سارية علم كانت تحمل راية الفوج الأول من الحرس الإمبراطوري لنابليون. ليست من روائع الصف الأول، لكن في عام 2006 أبلغ محققون من الشرطة الوطنية الفرنسية مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنهم سمعوا معلومات تفيد بأن جماعة إجرامية كورسيكية تسعى إلى بيع بعض مقتنيات المتحف.

وعلى أثر ذلك، تسلل عميل فيدرالي متخصص في جرائم الفن متنكراً في هيئة وسيط لمشترٍ مهتم بشراء أعمال فنية مسروقة، ضمن تحقيق عُرف باسم «عملية التحفة». وشملت العملية كميناً على متن يخت، إلى جانب تحركات سرية أخرى. وقد كشفت التحقيقات عن أنشطة إجرامية مرتبطة بالفن، غير أن كيلي يؤكد أن الكورسيكيين كانوا يدّعون فحسب؛ إذ لم يكن بحوزتهم أي من مسروقات «غاردنر».

هل لم تغادر اللوحات المتحف أصلاً؟

طُرحت فرضية مفادها أن الأعمال لم تغادر المتحف أصلاً، بل ظلت مخبأة في مكانٍ ما داخله. ويشير كيلي إلى أن هذه النظرية، المعروفة بـ«نظرية أن اللوحات لم تغادر المتحف»، كانت تتكرر باستمرار، خصوصاً مع عدم ظهور أي أثر لتلك القطع في الأسواق أو في أي مكان آخر.

ويتساءل كيلي: «لماذا لم نفكر في ذلك؟»، قبل أن يجيب: «في الواقع، فعلنا». ففي منتصف تسعينات القرن الماضي، خضع المتحف لأعمال تحديث شملت نظام التهوية والتكييف، وكجزء من تلك الأعمال دخلت فرق متخصصة وزحفت عبر كل زاوية وركن في المبنى أثناء تركيب القنوات الجديدة. وقد عثروا على الغبار، لكن لم يعثروا على أي لوحات.

هل كان الجيش الجمهوري الآيرلندي وراءها؟

ثمة وقائع صحيحة: جيمس (وايتي) بولغر، الزعيم سيئ الصيت لعصابة «وينتر هيل» في جنوب بوسطن، كان متورطاً في تمرير الأموال والأسلحة إلى الجيش الجمهوري الآيرلندي. وفي عام 1974، سرقت روز دوغديل ومسلحون من الجيش الجمهوري الآيرلندي أعمالاً فنية من متحف آيرلندي في محاولة لمبادلتها مقابل إطلاق سراح سجناء.

ومع ذلك، يؤكد كيلي أنه لا يوجد ما يدعم نظرية تربط الجيش الجمهوري الآيرلندي، وربما بولغر، بسطو «غاردنر». فبعد فرار بولغر، وُجِّهت اتهامات إلى أفراد من مجموعته، وكانوا، بحسب كيلي، مستعدين للتعاون مقابل تخفيف العقوبات. وعندما سُئلوا عن أعمال «غاردنر»، أكدوا أنهم لا يملكون أي معلومات.

هل دُفنت الأعمال في فلوريدا؟

في عام 2018 أعادت تقارير إعلامية إحياء تساؤلات حول ما إذا كانت الأعمال الفنية مدفونة في فلوريدا، في أرض كان يستأجرها رجل متوفى تقول السلطات إنه كان على صلة بعالم الجريمة في أورلاندو. وكانت هذه شائعة قديمة، لكن عودتها إلى الواجهة دفعت مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى النظر فيها، رغم اعتقاده بأنها غير مرجحة.

ويتساءل كيلي ساخراً: «مَن الذي يدفن أعمالاً فنية مسروقة؟». ومع ذلك، جرت أعمال حفر في الموقع، لتنتهي إلى خزان صرف صحي مهجور، من دون العثور على أي أثر للأعمال.

هل كان ذلك الرجل الذي قال إنه نام داخل المتحف؟

لصٌّ من بوسطن قال إنه نام تحت طاولة داخل المتحف (نيويورك تايمز)

برز اسم لويس رويس، وهو مجرم من بوسطن، في مرحلةٍ ما. فقبل سنوات من السرقة، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد تلقى معلومات من مخبرين تفيد بأن رويس وشريكاً له ناقشا خطة لسرقة المتحف. وبعد عقود من الواقعة، صرّح رويس في مقابلات بأنه، خلال مراهقته، كان يتسلل إلى داخل المتحف في الليالي الباردة لينام فيه، أحياناً تحت طاولة أثرية في الطابق الثالث، في إشارة إلى سهولة الدخول إليه.

كان رويس في السجن ليلة السرقة، لكنه قال لصحافي إنه يعتقد أن شركاءه سرقوا فكرته. غير أن كيلي لا يرى رويس مصدراً موثوقاً، ويشكك في قصة النوم تحت الطاولة التي عاينها بنفسه، قائلاً: «حتى مراهقاً نحيلاً من أبناء ساوثي لا يمكنه الانزلاق تحت تلك الطاولة».

إذن... مَن نفَّذ العملية؟

وفق كيلي، خلص مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى أن السرقة كانت من تنفيذ مجموعة عشوائية من رجال العصابات في بوسطن. وكان زعيمهم، كارميلو ميرلينو، على صلة بأحد الأشخاص الذين قال رويس إنه أطلعهم على نقاط ضعف المتحف، وإن لم يكن واضحاً ما إذا كانت تلك المعلومة هي مصدر الفكرة.

ويؤكد كيلي أن ميرلينو أبلغ المحققين في تسعينات القرن الماضي بأنه، رغم عدم حيازته الأعمال، قد يعرف من يمتلكها. وعرض عليه المحققون الحصانة مقابل استعادة أي من القطع، لكنه أصبح لاحقاً غير متعاون، وانتهت المفاوضات.

واشتبه المحققون في أن اثنين من أفراد مجموعته، ليونارد دي موزيو وجورج رايسفيلدر، هما من تنكّرا بزيّ الشرطيين، نظراً لتشابه ملامحهما مع الرسوم المستندة إلى إفادات الحراس. وقد تُوفي رايسفيلدر عام 1991، لكن بعد نحو عقدين أقر شقيقه بأنه شاهد إحدى اللوحات المسروقة، وهي عمل للفنان إدوار مانيه، داخل شقته.

وفي عام 2010 أفادت زوجة أحد شركاء ميرلينو بأن زوجها عرض عليها، قبل سنوات، بعض الأعمال داخل سيارة في مزرعتهما بولاية مين، قبل أن ينقلها لاحقاً إلى رجل يُدعى بوبي جنتيلي من كونيتيكت. غير أن جنتيلي رفض التحدث، بحسب كيلي.

وخلال السنوات التالية نفذ مكتب التحقيقات الفيدرالي عدة مذكرات تفتيش لمنزل جنتيلي. وفي إحدى هذه العمليات عثر العملاء على قائمة مكتوبة بخط اليد تضم القطع الـ13 المفقودة، مع مبالغ مكافآت مدونة بجانب كل منها، لكن لم يُعثر على أي عمل فني، حتى بعد حفر أجزاء من الأرض.

وقد تُوفي ميرلينو ودي موزيو. وحتى وفاته عام 2005، ظل ميرلينو يؤكد أنه لم يعرف مكان الأعمال. أما جنتيلي، الذي تُوفي عام 2021، فظل يصرّ على أنه لا يعرف شيئاً عنها، ولم يفسر قَطّ سبب امتلاكه تلك القائمة.

وقد دافع محاموه عنه بشدة لسنوات، مشيرين إلى التناقض في موقفه: رجل مريض، بحاجة إلى المال، وعُرضت عليه الحصانة، ومع ذلك رفض فرصة للحصول على مكافأة كبيرة، رغم أن الأعمال كانت قد أصبحت شديدة الحساسية بحيث يصعب بيعها. وقال أحد محاميه عام 2015: «هل يُعقل أن يرفض 5 ملايين دولار لو كان يعلم شيئاً؟».

ويقر كيلي بأن عجز مكتب التحقيقات الفيدرالي عن استعادة الأعمال طوال هذه السنوات أثار كثيراً من الانتقادات، بعضها وُجِّه إليه شخصياً. ويكتب: «لا شك أن كونك عميل القضية في تحقيق متحف (غاردنر) هو تميّز ملتبس». ويضيف أنه كان يُعرَّف أحياناً لزملائه بأنه «صاحب قضية (غاردنر)»، فتكون ردود الفعل غالباً مزيجاً من العبوس وتعاطف صامت.

ويرد كيلي على «المحققين الهواة» الذين يعتقدون أن العثور على الأعمال كان أمراً سهلاً، قائلاً: «إذا كنتم ترون الأمر بهذه السهولة، فاذهبوا واعثروا عليها».

أما قيمة المكافأة المعلنة حالياً، فقد بلغت 10 ملايين دولار.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مصر تنتهي من ترميم مبانٍ أثرية بقلعة صلاح الدين

جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر تنتهي من ترميم مبانٍ أثرية بقلعة صلاح الدين

جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم عدة مبانٍ أثرية بمنطقة القلعة في القاهرة التاريخية، وذلك في إطار جهود الوزارة للحفاظ على التراث الأثري والحضاري وتعزيز المقومات السياحية للمقصد المصري، حيث تم الانتهاء من الأعمال التي يشرف عليها المجلس الأعلى للآثار، لترميم ثلاثة من أبرز المعالم الأثرية بمنطقة القلعة، وهي إيوان أقطاي، وساقية الناصر محمد بن قلاوون، ومسجد محمد باشا.

وأكد وزير السياحة والآثار، شريف فتحي، أن هذه المشروعات تأتي في إطار استراتيجية الوزارة الهادفة إلى صون التراث الحضاري المصري والحفاظ عليه للأجيال القادمة، إلى جانب تعظيم الاستفادة منه كأحد أهم عناصر الجذب السياحي.

وأضاف في بيان، الأحد، أن منطقة القلعة تُعد من أهم المواقع الأثرية في مصر، وتطويرها بشكل مستمر يسهم في إبراز تنوع وتفرد التراث الإسلامي، ويعزز من مكانة مصر الثقافية عالمياً.

ترميم أحد المواقع الأثرية بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتأتي هذه الأعمال ضمن استراتيجية الدولة لإعادة تخطيط وتطوير منطقة القلعة وميدان السيدة عائشة ليصبح أقرب إلى متحف مفتوح تطل عليه قلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية، وقد تم بالفعل تطوير مجموعة من الأماكن الأخرى، بالإضافة إلى فتح محاور مرورية جديدة لتسهيل الحركة في المنطقة السياحية وتأهيلها لجذب المزيد من السياح.

ونُفذت أعمال الترميم للمواقع الثلاثة بواسطة فريق عمل متخصص من مرمّمي قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، وفق أحدث الأساليب العلمية والفنية، بما يضمن الحفاظ على أصالة المواقع وقيمتها التاريخية والأثرية، مع العمل في الوقت ذاته على تحسين تجربة الزائر ورفع كفاءة الخدمات المقدمة داخل المواقع، بحسب تصريحات الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي.

وأشار رئيس قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، مؤمن عثمان، إلى أن أعمال ترميم إيوان أقطاي تضمنت تنظيف وترميم الأحجار المتدهورة بالواجهات، إلى جانب ترميم العناصر الخشبية والأعتاب، وتدعيم الإيوان من الداخل، واستكمال أعمال السقف، واستكمال الأجزاء المفقودة باستخدام مواد متوافقة مع الأصل. «كما شملت الأعمال تنسيق الموقع العام المحيط بالإيوان، وإعادة تركيب البوابة الحديدية، وتنظيف الساقية المجاورة والأرضيات، بالإضافة إلى تنفيذ أعمال الترميم الدقيق للحوائط الداخلية، وإعادة طبقات البياض بما يتماشى مع الطابع الأثري، وتنظيف المحراب ومعالجة أرضية الإيوان»، وفق قوله.

وتعود ساقية الناصر محمد بن قلاوون إلى عام 712هـ/ 1312م، وأوضح الدكتور ضياء زهران، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، أن أعمال الترميم بها تضمنت معالجة الشروخ بالواجهات، وحقن الحوائط، واستكمال الأجزاء المفقودة باستخدام نوعية الأحجار الأصلية نفسها، إلى جانب رفع المخلفات والوصول إلى منسوب الأرضية الأصلية، وتنظيف الواجهات وإزالة آثار العوامل الجوية، وإعادة تأهيل العرانيس وتكحيلها بما يحافظ على الطابع المعماري الأصيل.

ترميم مواقع أثرية بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أما مسجد محمد باشا، الذي يعود تاريخه إلى عام 1112هـ/ 1701م، فقد تضمن مشروع ترميمه فك وإعادة بناء الغرف الملحقة المتضررة باستخدام الأحجار الأصلية واستبدال التالف منها، بالإضافة إلى حقن الحوائط الداخلية، واستكمال جوسق المئذنة وفقاً للصور والوثائق التاريخية، وفتح القبة وتركيب أبواب خشبية لها، وإعادة عزل السقف، إلى جانب إعادة تبليط ساحة المسجد والمصلى.

وقبل أيام قام الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر بجولة في منطقة آثار القلعة، تفقد خلالها أعمال الترميم بعدة مواقع، من بينها مسجد محمد علي باشا بالقلعة، وأعمال ترميم قصر الجوهرة، حيث تم استعراض نسب الإنجاز التي شملت الانتهاء من الدراسات التاريخية والتوثيقية للأثر، ومسجد سليمان باشا الخادم والمدافن الملحقة به التي تضم مجموعة متميزة من شواهد القبور العثمانية، فضلاً عن تفقد منطقة محكى القلعة والحديقة المتحفية، وكذلك جامع الناصر محمد بن قلاوون، حيث تابع أعمال تنظيف الأعمدة الرخامية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالجداول الزمنية المحددة للانتهاء من جميع مشروعات الترميم الجارية بالمنطقة.