التوت الهندي... فوائد وأنواع كثيرة

من العناب الهندي إلى البرقوق الأسود

من أنواع التوت الهندي المتنوعة
من أنواع التوت الهندي المتنوعة
TT

التوت الهندي... فوائد وأنواع كثيرة

من أنواع التوت الهندي المتنوعة
من أنواع التوت الهندي المتنوعة

لا ينكر أحدنا حقيقة أن التوت قد اكتسب سمعة رائعة بوصفه أبرز الأطعمة خلال السنوات القليلة الماضية. وأشارت كثير من الدراسات العلمية إلى فوائد التوت الصحية للغاية وأنه ينبغي أن يكون جزءا من النظام الغذائي اليومي بسبب ارتفاع محتواه من مضادات الأكسدة.
وتعتبر هذه الفواكه حلوة المذاق من الإضافات اللذيذة إلى طبق الإفطار أو طبق السلطة المسائية، فهي مفيدة جدا للقلب والعقل والبشرة.
وهذا هو السبب في أن التوت الأزرق، وتوت غوجي، وتوت آكاس، والتوت البري، وحتى الفراولة، تحتل مكانها المرتفع على قمة هرم الأطعمة الممتازة.

بير - بور (العناب الهندي)
بير – بور هو نوع من التوت الهندي الصغير، باللون الأصفر والبني المحمر وقت نضوجه. وفي بعض الأحيان يُطلق عليه اسم العناب الهندي، وهو يوجد بين شهري أكتوبر (تشرين الأول) وأبريل (نيسان) في المعتاد. وهو يؤكل على حاله، ويحتوي على كثير من البذور.
ويعتبر توت بير - بور الهندي من أكبر مصادر مضادات الأكسدة لاحتوائه على كميات هائلة من فيتامين (ج)، و(أ) حيث يساعد كثيرا في تعزيز الجهاز المناعي. وهو غني أيضا بالكالسيوم، ويساعد في تقوية العظام والعضلات والأسنان. كما يمكنه المساعدة في مكافحة مرض ألزهايمر من خلال الحد من تدهور الخلايا وتحسين الأداء المعرفي للمخ. ويجري تجفيف توت بير - بور الهندي في الشمس ثم إضافته إلى المكونات النباتية على غرار الزيتون أو الطماطم المجففة في الشمس والتي تضاف لاحقا كمكونات على الأطباق الرئيسية.
يزرع العناب الهندي على نطاق واسع في كل أنحاء جنوب آسيا. والأكثر من ذلك أن مظهره الخارجي يشبه إلى حد كبير تمور النخيل، وبالتالي فهو غالبا ما يُعرف في بلدان أخرى باسم التمر الأحمر. وشجرة العناب الهندي معروفة في تلك المناطق باعتبارها شجرة الفاكهة التي تقضي على الحزن، وربما يرجع ذلك إلى خصائصها المهدئة التي يعرفها الناس.

راسبيري (عنب الثعلب أو العنب البري)
يحمل هذا التوت برتقالي اللون كثيرا من الأسماء، منها: التوت الذهبي، وتوت الإنكا، أو راسبيري (في الهند). ويتوافر توت عنب الثعلب لفترة وجيزة من الوقت بين شهري فبراير (شباط) ومايو (أيار) من كل عام. ويوجد توت راسبيري الهندي داخل إطار ورقي جاف ورقيق يشبه لون الرخام، وهو حلو المذاق مع نكهة حامضية خفيفة، كما أنه من أكثر الفواكه التي تحتوي على فيتامين (ج) التي يمكن تناولها. وهو يساعد في فقدان الوزن لما يحتويه من الألياف، فضلا عن مستويات عالية من المنغنيز الذي يعزز من معدل الأيض القاعدي (أي كمية الطاقة التي يحرقها الجسم أثناء فترات الراحة). ويمكن تناولها طازجة، كوجبة صحية خفيفة، أو مضافة إلى الحلويات الأخرى.
تقول كيناز ميسمان، التي تدير مخبزا للمعجنات والحلويات في مومباي، إنها تتناوله طازجا دائما لأنه مع طهي العنب البري فإن نكهته اللذيذة تضيع تماما.

الجامون (البرقوق الأسود)
يحمل صبغة أرجوانية داكنة، مع مذاق لاذع. والجامون عبارة عن الحنين في حجم حبة الزيتون الذي يرجع بكثيرين منا إلى أيام الطفولة ويجعلنا نتوق إلى أوقات الهدوء والبساطة. ويحمل كثير من المواطنين الهنود ذكريات الطفولة الجميلة وهم يلتهمون هذه الفاكهة اللذيذة في الأيام المشمسة، ثم ينظرون في ألسنة بعضهم لرؤية الرقعة الأرجوانية التي تركها لب الفاكهة. والجامون من أفضل فواكه الصيف التي تقدمها للضيوف، للفوائد الصحية الكبيرة والمذاق الجميل. كما أنها من الفاكهة متعددة الاستخدامات، حيث يمكن الاستعانة بها في المطبخ وتحويلها إلى مربى، أو عصير، أو إضافتها إلى الحليب المخفوق، أو مع سلطة الخضراوات أو سلطة الفواكه. وهي معروفة أيضا باسم البرقوق الأسود، ويشار إليها في كثير من الأحيان في الهند باسم «ثمرة الآلهة» بسبب لونها الأرجواني الداكن.
وفاكهة الجامون غنية بفيتامين (ج)، والحديد، والماغنسيوم، والألياف الغذائية، والبوتاسيوم، وفيتامين (أ)، مع كمية قليلة من البروتينات. وتحتوي الفاكهة على 75 سعرا حراريا لكل كوب مملوء منها، مع كميات ضئيلة من الدهون وغياب تام للكوليسترول. فإن كنت مهتما بصحتك للغاية فلا بد من تناوله فاكهة البرقوق الأسود من وقت لآخر.

التوت العادي (مولبيري)
يتميز توت مولبيري برائحته الطيبة ومذاقه اللذيذ، وهو يحمل اسم (شاهتوت) باللغة الهندية، ويمكن العثور عليه خلال فترة وجيزة مرتين في العام، من مارس (آذار) إلى مايو، ثم من أكتوبر إلى نوفمبر (تشرين الثاني). وهي تتساقط من جنس الشجار التي تنمو في بيئة متنوعة من المناطق المعتدلة حول العالم. وتتحول الثمار من اللون الأبيض الباهت إلى اللون الوردي الداكن أو الأسود. وتُصنع الصلصة من توت مولبيري المجفف، ويصلح في الوجبات الصحية الخفيفة، كما أنه يستخدم في صناعة المربى والشربات.
يحتوي توت مولبيري على كثير من العناصر الغذائية مثل فيتامين (ج)، والحديد، والكالسيوم، والبروتين، والألياف الغذائية. وأوراق هذه الفاكهة هي مصدر الغذاء الوحيد لديدان الحرير التوتية، ولا تتغذى هذه الديدان إلا على أوراق هذه الأشجار. كما أن توت مولبيري يستخدم في إضافة الألوان الطبيعية على مختلف المكونات الغذائية.

توت الفالس (التوت البري)
هو من الفاكهة الصيفية، والتي تتوافر بين أبريل إلى يونيو (حزيران) فقط من كل عام. وهو من الفاكهة الأصلية في الهند وباكستان. ويعتبر توت الفالس، أو الفالسا، من الفاكهة الهندية المعتبرة منذ زمن بعيد. واليوم، لا يزال يعتبر من الفاكهة الغريبة في تايلاند، وفيتنام، وكمبوديا، ولاوس. ووفقا لفلسفة الأيورفيدا، فإن هذه الفاكهة تهدئ الإحساس بالالتهاب، وتساعد في علاج اضطرابات القلب والدورة الدموية. كما هناك كثير من الفوائد التي توجد في توت الفالس. ومن الناحية التقليدية، فإنها تساعد في علاج التهابات المسالك البولية.
هي من الفواكه الصغيرة ذات اللون الأرجواني الداكن مع النكهة الحلوة اللاذعة، وهي أقرب ما تكون من التوت الأزرق. وهي فاكهة غنية للغاية بالكالسيوم، والحديد، والماغنسيوم، والبوتاسيوم، والفوسفور، وفيتامين (ج). وهي من الفواكه الممتازة مع تأثيرها المهدئ الفعال المناسب تماما لفصل الصيف. وهي تؤكل ناضجة وطازجة مع القليل للغاية من الملح والفلفل الأسود. ومع ذلك، يتم إعداد الشراب منها أو مخفوق الفاكهة، وذلك حتى يمكن الاستمتاع بفوائد هذه الفاكهة الصحية لفترة أطول.
ويساعد العصير المستخرج من توت الفالس في علاج آلام المعدة، والغثيان، والقيء. كما يساعد توت الفالس أيضا في حالات التجشؤ الحامضي أو الفواق وذلك عن طريق تناول كوب من عصير التوت الدافئ الممتزج بالزنجبيل.

توت كاروندا (التوت الشوكي)
هذا النوع من التوت هو المكافئ الهندي للتوت البري الشهير. وتمتاز هذه الفواكه ذات اللون الوردي الزهري، مع القليل من البذور في الوسط، بالمذاق اللذيذ، ومن الممتع حقا تناولها مع القليل من ملح البحر. ولحم هذه الثمرة صلب مع بعض الهشاشة، لا سيما إن كانت الثمرة ناضجة تماما. كما أنها تحمل سائلا فاتح اللون يسبب البقع إذا ما سقطت على الملابس.
وثمرة التوت الشوكي الخام تحمل لونا مخضرا إلى البياض، وهي تستخدم في أطباق الخضراوات، ومع نضوجها تتحول إلى اللون الأحمر أو الأرجواني الداكن ثم تستخدم في التعليب، والمحافظة على المخللات.
وللتوت الشوكي تاريخ طويل في خدمة الطب الشعبي الهندي. فقد كانت القبائل القديمة في منطقة غاتس الغربية تستخدم التوت الشوكي في تثبيت مستوى السكر في الدم، وللحماية من تلف الكبد. وعلى النحو الموضح لدى (المكتب الوطني للموارد النباتية الوراثية)، فقد استخدمت مجموعات مختلفة من الفاكهة في علاج الصفراء، وفقر الدم، والطفيليات، والديدان، والالتهابات الفطرية، والإسهال، والميكروبات، والجروح، والتهابات الجلد، والحمى، وأمراض الأذن. كما استخدمت هذه الفاكهة في نظام الأعشاب الهندي القديم في علاج عسر الهضم، واضطرابات المسالك البولية.
يقول الشيف بانكاج شارما، إنه يجهز شربات الكاروندا مع ملح البحر والفلفل الأسود، مع الزبادي المخبوز، والتوت المجمد، ومشروب الكاروندا الغازي. كما يستخدم التوت الشوكي في بهارات المائدة لدى كثير من الطهاة.

توت هارفاري (الأملج الحمضي)
يقترب هذا النوع من التوت من عنب الثعلب الهندي، وموطنه الأصلي في بعض أجزاء من الهند.
وعلى الرغم من وجود كثير من أشجار (الأملج الحمضي) في البلاد، فإن هذه الفاكهة ليست ذات فائدة تجارية، وبالتالي يصعب العثور عليها في الأسواق. بدلا من ذلك، هي تعتبر من نباتات الحدائق المنزلية، ويمكن مشاهدتها كثيرا في الريف والمناطق الريفية. ومع ذلك، تجده لدى بعض الباعة الصغار في بعض الأماكن.
وتوت (الأملج الحمضي) له مذاق حامضي ولاذع. وتستخدم ثمار التوت الصغيرة الصالحة للتناول في التغذية ولخدمة بعض الأغراض الطبية. وفي الهند، تستخدم هذه الفاكهة في تحسين تدفق الدم إلى الكبد.

غوندا - لاسودا (غلوبيري)
تزهر ثمار هذا التوت في شهور الصيف (رغم أنه يمكن العثور عليها في بعض الأحيان في الشهور الموسمية). وعادة ما تدخل في صناعة المخللات. يقول الطاهي فيشال: «إنها لزجة ومرة قليلا، ولذلك نعرضها للبخار المستمر حتى تكون طرية، وننزع التجويف الصلب مع الحفاظ على شكلها الطبيعي. ثم يتم حشو الثمرة المجوفة بمزيج من المانغو المبشور غير الناضج، وزيت الخردل، وبذور الحلبة، والفلفل الحار، والماسالا. وإنها عملية مجهدة ولكنها تستحق التعب والمجهود».

زارابيري
ينمو توت زارابيري في مدينة غوا بالأساس، وتباع الثمار في الأسواق المحلية هناك. وهي ذات لون أرجواني مائل للسواد مع البذور خضراء اللون في الداخل. وهي ذات مذاق جميل. ومن المعروف تناول البذور الخضراء الداخلية كأحد الأطعمة الشهية في مدينة غوا.
ووفقا لشيلبا أرورا، اختصاصية التغذية الهندية، فإن فوائد زارابيري الصحية تشبه فوائد الجامون (البرقوق الأسود) بسبب اللون الأرجواني الداكن الذي تتميز به مع توافر كميات معتبرة من مضادات الأكسدة. وتساعد الفلافونويدات في السيطرة على مرض السكري، وضبط ضغط الدم، والمحافظة على مستوى الكوليسترول في الدم.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».