المتنبي مثقف باحث عن السلطة لا مثقف سلطة

تمثال المتنبي في الشارع المسمى باسمه في بغداد
تمثال المتنبي في الشارع المسمى باسمه في بغداد
TT

المتنبي مثقف باحث عن السلطة لا مثقف سلطة

تمثال المتنبي في الشارع المسمى باسمه في بغداد
تمثال المتنبي في الشارع المسمى باسمه في بغداد

كتب ميرزا الخويلدي في صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 19 يونيو (حزيران) 2019 مقالة بعنوان «المتنبي أول مثقفي السلطة» ليستفز به عقل كل قارئ عموماً وألباب محبي المتنبي خصوصاً، سيما أنه استهل مقالته بقوله: «المتنبي نموذج للمثقف الانتهازي» ثم يؤكد على ذلك مفتتحاً فقرته الثانية بقوله: «كان المتنبي مثقف سلطة بامتياز»، وقد قدم الخويلدي تشخيصاً جيداً نتفق مع بعضه ونختلف مع بعض آخر لكن ما كتبه جدير بالتأمل والمناقشة.
وقد صدق المتنبي حين وصف شعره بقوله:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
فقد شغل الدنيا بحثاً ودراسة، بل إن الأمر قد تعدى شعره ليصل إلى شخصيته العامة نقداً وتحليلاً، وقد صنفت بذلك المصنفات ونشرت عنه المقالات.
قبل النظر في «الحالة المتنبوية» علينا إلقاء نظرة إلى المحيط السياسي:
في القرن الرابع الهجري ضعفت الدولة العباسية فقسمتها النزعات وثورات الممالك المستقلة فرأى نفسه يفوق بعض من انتصر وتملك مملكة في العقل والفصاحة والشجاعة فحدثته نفسه بالملك لكنه علم أنه لا قوة تسعفه ولا قبيلة تنصره في ذلك، فقومه على ما يبدو لم يكونوا بذاك حتى إنه قال:
ما بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرت لا بجدودي
فبحث عن سبيل يكفل له ذلك ويشبع طموح نفسه التواقة للسلطة فقال:
رِدي حياض الردى يا نفس واتركي
حياض خوف الردى للشاء والنعم
إن لم أذرك على الأرماح سائلة
فلا دعيت ابن أم المجد والكرم
إن بلاد الخلافة العربية تمزقت فالأخاشيد في مصر وسوريا، والبويهيون في إيران، والأندلس أموية عربية اسماً غير عربية واقعاً، ويتفرد الحمداني بإمارة عربية.
فبرز الحس الانتمائي والولاء العرقي عند المتنبي ليتناغم مع طموحه في السلطة المتماهي مع طبيعة شخصيته التواقة للارتفاع أقصى ما يمكن.
وهذا ما عبر عنه د. محمد نجم «وحزنه العميق على ما آل إليه السلطان العربي الممثل في الخليفة، إذ أصبح خرقة بالية ورمزاً دينياً واهياً وانتقل من يدي أبنائه إلى أيدي المتآمرين من الأتراك وأتباعهم».
ورأى ذلك المتنبي بأم عينه حتى قال:
وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عُربٌ ملوكها عجم
إذن كان المتنبي صاحب هدف كما هو صاحب رسالة تمثلت بالانتصار لثقافته العربية وأمته قيماً وأصلاً وأخلاقاً وحضارة، وهذا ما أشار له الفرنسي د. أندريه مايكل بقوله: «كان في ذلك الزمان صوت يرتفع من بين المناقشات والاختلافات كان صاحبه المتنبي... ما أراد المتنبي إلا أن يطالب للعروبة ولقيمها بالمقام الذي كان مقامها من قبل».
ومعلوم أن مثقفي السلطة لا هدف سامٍ لهم سوى طلب رضا صاحب السلطة مقابل فتات من الهبات، وهذا ما يميز المتنبي عنهم، كما أن هذا يدعونا للبحث في مفهومي «المثقف» و«مثقف السلطة»، فالمثقف في أبرز تعريف له هو من يمتلك المعرفة المؤثرة في فكره وسلوكه ومن ثم يبني مواقفه مما يحيط به من حوادث على هذا الأساس المعرفي ويصرح بموقفه من القضايا العامة متحملاً ثمن ذلك، بينما نجد تعريف مثقف السلطة بأنه مثقف منضوٍ تحت سياسة السلطة وإرادتها وينافح عن قراراتها وأفكارها مقابل حظوة وهبات، وهذا ما لم يكنه المتنبي الذي صرح عدة مرات برؤاه وأفكاره بما يخالف أفكار ورؤى السلطة التي كان في كنفها.
وانطلاقاً من هدف المتنبي العروبي وطموحه في الارتفاع السلطوي وما يصح تسميتهما معاً «بالرؤية المتنبوية» التي آمن بها فقد اتصل المتنبي بسيف الدولة علي بن أبي الهيجاء الحمداني أمير حلب سنة 337هـ أو قبل ذلك فحضر معه بعض وقائع الروم ولازمه أكثر من تسع سنين قبل أن يفارقه عام 346هـ إثر الغيرة التي أصابت بعض حظوة سيف الدولة، ثم كتب كافور الإخشيدي حاكم مصر إليه يطلبه للقدوم عليه فطلب منه أن يوليه ولاية فوعده كافور بذلك إلا أن كافوراً قد تراجع عن وعده فرحل المتنبي عن مصر ليلة الأضحى عام 350 هـ.
طلبه وزير بغداد المهلبي سنة 352هـ ليمدحه فرفض المتنبي ذلك لعدم قناعته باستحقاقه المدح، كما كتب له الصاحب بن عباد وزير الري يطلبه ليمدحه فرفض المتنبي ذلك قائلا إن غليماً معطاء في الري يطلبنا لمدحه ولا سبيل لذلك، رغم أنه زار ابن العميد وزير ركن الدولة بن بويه في أرجان كما أنه زار عضد الدولة بن بويه في شيراز وقد مدح من يستحق المدح بما يتوافق مع مبادئ المتنبي المبنية على نصب الفعل التاريخي فمدح بدر بن عمار حاكم طبرية:
وأعجب منك كيف قدرت تنشا
وقد أعطيت في المهد الكمالا
ومدح سيف الدولة بقصائد عديدة خالدة ليس هذا محل تفصيلها لكننا نذكر ما يدعم فكرتنا ببعض أقواله.
فها هو يمدحه بقول جبار لا معقول:
يحيد الرمح عنك وفيه قصد
ويقصر أن ينال وفيه طول
أو:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى
إلى قول قوم أنت بالغيب عالم
أو:
أنت الذي لو يعاب في ملأ
ما عيب إلا لأنه بشر
لقد رأى المتنبي أحلامه وطموحاته وأفكاره تتجسد بالعربي الحمداني فمثل نفسه به فمدحه لا لأنه منافق متزلف من أجل حفنة دراهم كمثقفي السلطة اليوم، بل لأنه يراه الحلم العربي الذي يتجسد عبره ويرجوه والذي من خلاله طمح للوصول إلى هدفه بالسلطة والارتفاع في القدر، لذا طلب منه مشاركته بالوقائع الحربية، وما أجمل ما قاله د. علي شلق «صورة سيف الدولة في شعر المتنبي هي صورة المتنبي المناضل الفارس الذي يطلع إلى القدر ويتأهب لمجهوده ويزدري واقع الناس».
كما رأى سيف الدولة بالمتنبي إعلامياً كبيراً يؤرخ وينشر إنجازاته السياسية والعسكرية عبر لغة شعرية متنبوية لا يجيد صناعة مثلها إلا المتنبي، إضافة إلى أنه بمثابة مستشار خبير لمعرفته بحجم ثقافة وفكر المتنبي وما يمكن أن يقدم من آراء صائبة، فقد كانت المنفعة السياسية متبادلة للطرفين وإن كانت القوامة لسيف الدولة وهذا ما دفع المتنبي ليقول:
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم
ويكره الله ما تأتون والكرم
وهذا المنهج السياسي الذي كان يعمل به سيف الدولة مع المتنبي بات منهجاً سياسياً معمولاً به عالميا في العصر الحالي حتى بات رئيس الدولة يحيط نفسه بالمفكرين والمثقفين كمستشارين وخبراء، ومن ذلك حكومة جون كيندي التي عرفت «بحكومة هارفارد» لأن أغلب مستشاريه من هارفارد، وقد أدى هذا المنهج إلى أسلوب إدارة في الولايات المتحدة معتمداً على ثقافة تقوم على ما سمي باللغة الأميركية غير الإنجليزية وقد يرمز لها بـThink Tank كنمط جديد في التمازج بين أداة الفكر وأدوات إدارة الحكم وهي التي سعى إليها سيف الدولة ثم كافور عبر المتنبي.
كان المتنبي - وهذه حقيقة لا خلاف عليها - معتداً بنفسه مفاخراً بها يرى نفسه أعلى من غيره شجاعاً لا يهاب دفع الثمن وهو القائل في حضرة سيف الدولة:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
أنني خير من تسعى به قدم
ما أريد أن أشير إليه فيما أسلفت أنه لم يكن مداحاً من أجل المال والحظوة فقط كمثقفي هذه الأيام إنما كان يمدح من يسعفه فعله للمدح كسيف الدولة وكان يرفض أن يمدح من لا يسعفه فعله للمدح مثل الصاحب بن عباد الذي عرض أن يشاطره ماله!
- كاتب كويتي



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».