التلوث بالنيتروجين: كيف نوازن بين إنتاج الغذاء وحماية البيئة؟

التلوث بالنيتروجين: كيف نوازن بين إنتاج الغذاء وحماية البيئة؟
TT

التلوث بالنيتروجين: كيف نوازن بين إنتاج الغذاء وحماية البيئة؟

التلوث بالنيتروجين: كيف نوازن بين إنتاج الغذاء وحماية البيئة؟

تعد المغذيات، مثل النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، إلى جانب الكالسيوم والكبريت والنحاس والزنك، وغيرها، عناصر ضرورية لنمو النبات وإنتاج الغذاء. وفي حين لا يتمكن المزارعون في بعض أنحاء العالم من الحصول على المغذيات الكافية لإنبات المحاصيل وتوفير الطعام للبطون الجائعة، فإن مناطق أخرى تشهد زيادة مفرطة في استهلاك العناصر المغذية وتسربها إلى البيئة المحيطة، مع ما يسببه ذلك من تلويث لإمدادات المياه وتقويض للنظم الإيكولوجية المهمة.

مشكلة خطيرة ومهملة
يوجد النيتروجين بشكل وفير في الطبيعة، إذ يشكل نحو 78 في المائة من الهواء الذي نتنفسه، وهو في حالته هذه مستقر للغاية، وليست له مضار تذكر على البيئة أو الإنسان. ويختلف الأمر عند إدخال النيتروجين في مركّبات أخرى ناشطة كيميائياً، مثل الأمونيا والنيترات واليوريا، التي يتم إنتاجها صناعياً على شكل أسمدة كيميائية منذ مطلع القرن الماضي.
إن الاختراق الذي حققه الألمانيان فريتز هابر وكارل بوش في صناعة الأسمدة، جعل من الممكن مضاعفة الإنتاج الزراعي مرات عدّة. ومع الوقت، تراجعت الممارسات التقليدية لتحسين إنتاجية الأراضي، التي تشمل مثلاً استخدام السماد الطبيعي الناتج عن تخمير روث الحيوانات، أو زراعة المحاصيل المثبّتة لنيتروجين الهواء، كالبقوليات، أو ببساطة الانتقال إلى قطعة أرض أخرى أكثر خصوبة.
ويقدّر العلماء حالياً أن نحو نصف سكان العالم يعتمدون في غذائهم على محاصيل تم إنتاجها باستخدام الأسمدة الكيميائية، لا سيما الأسمدة النيتروجينية (الأزوتية). على أن هذه الثورة الخضراء التي كان وقودها السماد الكيميائي، لم تكن دون مقابل. والأنشطة البشرية التي تنتج سنوياً نحو 120 مليون طن من مركّبات النيتروجين التفاعلي تخلّف قسماً كبيراً (نحو 80 مليون طن) يلوث الهواء والماء والتربة.
وتعد الزراعة مسؤولة عن ثلثي التلوث النيتروجيني العالمي، فيما يُعزى باقي التلوث إلى مياه الصرف الصحي المنزلي، ونفايات الماشية، وحرق الوقود الأحفوري. ولذلك فإن التعامل مع هذا التلوث يرتبط عادة بإدارة النيتروجين في القطاع الزراعي؛ خصوصاً أن مصادر التلوث الأخرى تندرج ضمن قضايا بيئية أوسع، كإدارة المياه ومواجهة تغيُّر المناخ والحد من تلوث الهواء.
وفي النتائج، لا يقتصر تأثير التلوث النيتروجيني على إلحاق الضرر بالتربة من خلال القضاء على الكتلة الحيوية فيها، واستنزاف خصوبتها وتصحّرها؛ بل يطال إمدادات المياه العالمية ويلوثها بطرق مختلفة كيميائياً وبيولوجياً. الانفجار الطحلبي هو أحد مظاهر التلوث النيتروجيني؛ حيث يتسبب إثراء المياه بالمغذيات في تحفيز النمو السريع للعوالق النباتية التي تستهلك الأكسجين الموجود في الماء، وتقضي بالتالي على الأنواع الحية، مما يتسبب في تشكيل مناطق مائية ميتة.
ويؤثر نضوب الأكسجين، الناجم عن الحمولة الزائدة من المغذيات، على مساحة 240 ألف كيلومتر مربع على مستوى العالم، منها 70 ألف كيلومتر مربع من المياه الداخلية، و170 ألف كيلومتر مربع من المناطق الساحلية. ويبلغ عدد المناطق البحرية الميتة حالياً نحو 400 منطقة عالمياً، من بينها عدة مناطق ميتة بالقرب من شواطئ البلدان العربية، كما في خليج عُمان، وفي البحر الأحمر قبالة مدينة جدة، وفي البحر المتوسط عند مصب نهر النيل وشمال تونس.
كما تتعرض المياه الجوفية للتلوث العالي بالنترات عن طريق الزراعة؛ حيث يصل هذا التلوث إلى مياه الشرب، فيرفع كلفة معالجتها ويعرّض صحة الإنسان للخطر. وتعاني جميع البلدان العربية التي تعتمد في اقتصادها على الزراعة من تلوث مصادرها المائية الجوفية بالنترات، وترتفع كمية النترات في المياه الجوفية في غزة مثلاً إلى 800 مليغرام في اللتر، وهي تفوق الحد الأقصى المسموح به عالمياً في مياه الشرب، وهو 50 مليغراماً.
كما يساهم التلوث النيتروجيني في زيادة الاحتباس الحراري، سواء بشكل غير مباشر نتيجة استهلاك الأسمدة لنحو 1 إلى 2 في المائة من الوقود الأحفوري عند تصنيعها، أو بطريقة مباشرة بفعل تحرر أكسيد النيتروز عن الأسمدة الكيميائية، وهو أحد الغازات الدفيئة، والذي يزيد تأثيره عن 300 ضعف تأثير أكسيد الكربون. ومن ناحية أخرى، فإن خسارة التربة لمحتواها من الكربون العضوي يعني في المقابل ارتفاع نسبة الكربون في الجو.
لهذه الأسباب، يرى كثيرون أن النيتروجين واحد من بين أربع مشكلات جديّة تجاوزها كوكب الأرض، مما قد يؤدي إلى حصول تغيير بيئي مفاجئ لا رجعة عنه. وبينما تحظى مشكلات تغيّر المناخ وإزالة الغابات وفقدان التنوع الحيوي باهتمام عالمي واسع، يجري تجاهل التلوث النيتروجيني وغض النظر عنه؛ خصوصاً في غياب اتفاق دولي أو منظومة عالمية تنسّق جهود مواجهته.

كفاءة استخدام النيتروجين
إن حماس المزارعين لزيادة كمية الغلال التي تنتجها أراضيهم، يجعلهم يفرطون في استخدام مركّبات النيتروجين الاصطناعية. وللمفارقة، فإن هذه المركّبات عادة ما تدمّر التربة بدل أن تثريها. وما يثير الدهشة هو تراجع مردود الأسمدة على النباتات خلال العقود الماضية؛ حيث تراجعت كفاءة استخدام النيتروجين عالمياً من 50 في المائة سنة 1961 إلى نحو 42 في المائة حالياً.
وتشهد قارة آسيا أسوأ أداء في استخدام النيتروجين، إذ انخفضت الكفاءة في الهند من 40 إلى 30 في المائة، أما الأداء الأسوأ فهو في الصين؛ حيث تراجعت الكفاءة من 60 في المائة سنة 1961 لتصل إلى 25 في المائة حالياً. ويقابل ذلك تحسينات متواضعة في كفاءة استخدام النيتروجين في كثير من الدول المتقدمة، إذ حافظت الولايات المتحدة على معدلها الذي يبلغ 68 في المائة طيلة نصف قرن.
هناك سببان لتراجع الكفاءة في الدول الآسيوية، هما توفر الأسمدة الكيميائية بأسعار رخيصة، والتركيب الوراثي لمحاصيل الثورة الخضراء، التي بدأت قبل نصف قرن لتوفير الطعام للأعداد المتزايدة من البشر.
في منتصف القرن العشرين، أنتج باحثون، مثل نورمان بورلوغ، الحائز على «جائزة نوبل»، أنواعاً مختلفة من بذار الحبوب، كالذرة والرز، التي تستجيب بشكل جيد لإضافة الأسمدة. وببساطة، لزيادة نمو هذه المحاصيل يجب على المزارعين نشر مزيد من الأسمدة. لكن مع الإفراط في التسميد يأخذ المردود في التناقص. وبين رخص سعر السماد والرغبة في زيادة الإنتاج إلى أبعد حد، يستمر المزارعون في إضافة مزيد من الأسمدة. نتيجة لذلك، ينشر المزارعون الصينيون في حقولهم ضعفي الكمية التي ينشرها نظراؤهم الأوروبيون.
ويخشى كثيرون أن تسير الدول الأفريقية على خطى الدول الآسيوية. ففي الوقت الحاضر، يستخدم معظم المزارعين الأفارقة كميات قليلة من الأسمدة بسبب محدودية عرض هذه المادة في الأسواق وضعف القوة الشرائية. ولذلك لا يزيد متوسط إنتاجية الحبوب في أفريقيا عن طن واحد لكل هكتار من الأرض، مقارنة بثلاثة أطنان في أغلب الدول الآسيوية، وسبعة أطنان في أوروبا وأميركا الشمالية. وعلى الرغم من محدودية كمية الأسمدة المضافة في أفريقيا، تستفيد المحاصيل منها بشكل جيد؛ حيث تصل كفاءة استخدام النيتروجين إلى 72 في المائة، وهي الأفضل عالمياً.
وبينما تسعى أفريقيا لتوفير الغذاء من خلال ثورة خضراء يؤيدها الجميع، بما فيهم البنك الدولي، ومؤسسة بيل غيتس الخيرية، تتعزز المخاوف من تطبيق السيناريو الآسيوي باستهلاك مزيد من الأسمدة في جميع أرجاء القارة السمراء. ولكن هل تجب التضحية بالجياع لتحسين إدارة النيتروجين العالمي؟
ربما يكون ابتكار أنواع من الغلال تستطيع تثبيت النيتروجين من الهواء ذاتياً أفضل خيار لمواجهة التلوث النيتروجيني، وضمان الأمن الغذائي في آن واحد. وحالياً يجري اختبار كثير من المقاربات للإفادة من السماد بشكل دقيق في المكان والزمان المناسبين، ومن ذلك مثلاً غرس حبيبات أسمدة متدنية الكلفة بالقرب من جذور النباتات، وهي طريقة يجري اختبارها في بنغلاديش، على الرغم من حاجتها الكبيرة لليد العاملة.
وتنطوي التكنولوجيا المتقدمة حالياً على ما بات يعرف باسم «الزراعة الدقيقة»، وهي ممارسة تتضمن اعتماد الحسابات المتقدمة، التي تعمل على تحليل صحة النباتات وظروف التربة وأحوال الطقس المحلية، من أجل توفير برنامج مخصص لكمية وتوقيت استخدام الأسمدة.
إن إصلاح القصور في استخدام الأسمدة ليس أكثر من حل جزئي لمشكلة النيتروجين، إذ تبقى الحاجة إلى جهود عالمية لإدارة روث الحيوانات، ومعالجة مياه الصرف الصحي، وتقليل هدر الطعام، وتغيير نظامنا الغذائي. ولعله تكون هناك حاجة لتشجيع الناس على الاهتمام ببصمتهم النيتروجينية بشكل مماثل لبصمتهم الكربونية.
من الواضح أن الاستخدام غير العقلاني للأسمدة النيتروجينية يستوجب المعالجة الفورية، باعتبارها المصدر الأهم لفائض النيتروجين في البيئة. فهل يكون ذلك من خلال الوصول إلى توافق عالمي لخفض التلوث النيتروجيني، كما جرى في باريس بشأن تغيُّر المناخ؟ إن خفض كمية النيتروجين الفائض إلى النصف بحلول سنة 2050 هدف يمكن تحقيقه، وهو هدف يتجاوز قدرة كوكبنا؛ لكنه قد يجنبنا الأسوأ.


مقالات ذات صلة

لماذا تخلى مبيلي عن سلاحه الأقوى أمام كانيلو؟

رياضة عالمية الفرنسي مبيلي دفع ثمن الحذر أمام اللكمات المرتدة (أ.ب)

لماذا تخلى مبيلي عن سلاحه الأقوى أمام كانيلو؟

دخل الفرنسي كريستيان مبيلي حلبة الرياض وهو أحد أبرز الملاكمين الهجوميين في وزن فوق المتوسط، لكنه خرج منها بأول هزيمة في مسيرته الاحترافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة عالمية احتفالات كبيرة قام بها الملاكم المكسيكي عقب فوزه (أ.ف.ب)

«نزال المكسيك ضد العالم»: كانيلو يستعيد عرش الملاكمة العالمية من قلب الرياض

استعاد أسطورة الملاكمة المكسيكية ساول «كانيلو» ألفاريز لقب المجلس العالمي للملاكمة للوزن فوق المتوسط، بعدما تغلب على الفرنسي كريستيان مبيلي بإجماع الحكام.

إبراهيم الشليل (الرياض) لولوة العنقري (الرياض)
رياضة عالمية المكسيكي خايمي مونغويا يحتفل بفوزه على الروسي نيكيتا زون في الرياض (رويترز)

«نزال المكسيك ضد العالم»: مونغويا يحتفظ بلقبه في ليلة انتصارات عالمية بالرياض

احتفظ الملاكم المكسيكي خايمي مونغويا بلقب رابطة الملاكمة العالمية في الوزن فوق المتوسط، بعد فوزه على الروسي نيكيتا زون بإجماع الحكام.

إبراهيم الشليل (الرياض) لولوة العنقري (الرياض)
يوميات الشرق أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

في مشهد فني حمل الكثير من المشاعر، عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى لقاء جمهوره على المسرح في مدينة الخبر، وسط استقبال جماهيري حافل، في حفل جمعه بنجله محمد.

علي القطان (الخبر)
رياضة عالمية تحد كبير يترقب الملاكمين الكبيرين (سعد العنزي)

«نزال المكسيك ضد العالم»: مبيلي يختبر نفسه أمام الأسطورة «كانيلو» في الرياض

سيقام النزال المرتقب بين الفرنسي كريستيان مبيلي والمكسيكي ساول (كانيلو) ألفاريس مساء السبت في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.