هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

رفاقه يذكّرونه بالتاريخ القديم... والشعب يتطلع إلى «أمان» باباجان

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟
TT

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

يرجح مراقبون أتراك الآن أن تكون تركيا باتت على أعتاب مرحلة كبيرة من التغيير، أبرز عناوينها «أفول العصر الذهبي» لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب إردوغان...
إنه أفول ربما صنعه إردوغان بيده، أو كان له الدور الأكبر فيه، بعدما فضّل إقصاء «رفاق دربه» الذين خاضوا معه مسيرة بناء الحزب وخروجه إلى النور عام 2001، ثم صعوده السياسي القوي ومحافظته على الغالبية على مدى 17 سنة، منذ أول انتخابات برلمانية خاضها في العام 2002.

يقف حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا اليوم، على أعتاب مرحلة جديدة قد تلقي به إلى مصير أحزاب مؤسس تيار «الإسلام السياسي» الدكتور نجم الدين أربكان. وبذا يتكرّر المشهد في أحد فصول إعادة التاريخ، يوم ذهب إليه إردوغان ليخبره هو ومجموعة من أعضاء حزب «الفضيلة»، قوامها 63 نائباً وعضواً بارزاً بالحزب، أبرزهم الرئيس السابق عبد الله غُل، ونائب رئيس الوزراء رئيس البرلمان الأسبق بولنت أرينتش، بقرارهم ترك الحزب.
وخلال الأسبوع الماضي، بعد مرور 18 سنة على تلك الواقعة، ذهب علي باباجان، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير الاقتصاد والخارجية وشؤون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي سابقاً، وأحد مؤسسي «العدالة والتنمية»، إلى إردوغان ليخبره بمغادرة الحزب، ويسلمه تقريراً مطولاً يشرح فيه الأسباب التي دعته إلى هذه الخطوة... والتوجه إلى تأسيس حزب جديد.
ردّ فعل إردوغان لم يختلف كثيراً هذه المرة عن ردّ فعل «أستاذه» أربكان في حينه. ومثلما وصف أربكان مجموعة إردوغان وغُل بـ«المنشقين» و«المارقين»، ولأن إردوغان أكثر حدة، فإنه يصف الآن مَن يختلفون معه ويرغبون في إكمال الطريق بعيداً عنه بـ«الخونة»، ويتوقع لهم الفشل كما توقع له أربكان.

خسائر كاشفة

كانت الخسائر التي مني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الأخيرة، وبخاصة في بلدية إسطنبول الكبرى، معقل الإسلاميين «الأثير»، خسائر كاشفة التشظي والغضب المعتمل في داخله. وهذا بجانب حالة الأسف التي تعتري قياداته التاريخية على المآل الذي انتهى إليه حزبهم على يد إردوغان، بسبب نزعته في السيطرة على كل السلطات، وتبنيه خطاباً استقطابياً، وضع الحزب في مرمى الاتهامات بالتعالي والانفصال عن الجماهير، والتحوّل إلى حزب عائلي، يديره إردوغان.
بوادر التراجع وانفراط العقد كانت بادية لمَن يستطيع قراءة الأحداث في ضوء مسار السياسة التركية طوال السنوات الثماني الأخيرة، وصولاً إلى بداية الانحدار الواضح للحزب في انتخابات 7 يونيو (حزيران) 2015. في هذه الانتخابات فقد الحزب الغالبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً للمرة الأولى، ليلجأ إلى انتخابات مبكرة، بعدما عجز رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عن تشكيل حكومة ائتلافية، ورفض إردوغان تكليف زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بتشكيل الحكومة الائتلافية وتفضيل خيار الانتخابات المبكرة. بالمناسبة، بات داود أوغلو أيضاً أحد الرفاق السابقين المرشحين لتأسيس حزب سياسي جديد.
ثم جاء المؤشر الأكثر وضوحاً على ما يعتمل داخل الحزب، عندما انحاز بعض قادته لخيار الديمقراطية، رافضين حكم الفرد، ورافضين التحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي يجمع عملياً جميع السلطات في يد رئيس الجمهورية. ومرة أخرى، كان الاستفتاء على تعديل الدستور للتحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017 كاشفاً عن تراكم الشعور بسخط رفاق إردوغان على مسلكه السياسي ونزوعه إلى الفردية. وبعد شهر واحد، ظهر ذلك مع استقالة أحمد داود أوغلو من منصبي رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، بعد خلافات حادة مع إردوغان، حاول الطرفان عبثاً ألا تخرج إلى العلن. لكن أجواء الخلاف تسرّبت، واتضحت تماماً من طريقة الاستقالة، وما تعرض له داود أوغلو من حملة شعواء من جانب الجيش الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية، للنيل من سمعته والتشكيك في نزاهته.

ساعة الحقيقة

لقد احتاج أحمد داود أوغلو إلى 3 سنوات قبل أن يخرج ويكشف حقيقة الوضع داخل الحزب، وأسباب الضعف التي قادت إلى خسارته المدن الكبرى في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية يوم 31 مارس (آذار) الماضي، ثم الخسارة المهينة في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول بين مرشح المعارضة الفائز في الجولة الأولى أكرم إمام أوغلو ومرشح «العدالة والتنمية» بن علي يلدريم. وكانت اللجنة العليا للانتخابات قررت إجراءها في 23 يونيو الماضي، تحت ضغوط من الحزب الحاكم والرئيس إردوغان، لكن الردّ جاء صفعة قوية سدّدها الناخبون الذين منحوا إمام أوغلو فوزاً جديداً بفارق 800 ألف صوت.
ومن ثم، في رسالة داود أوغلو المطوّلة التي نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في 22 أبريل الماضي، شخّص رئيس الوزراء الأسبق «الأمراض التي استشرت في جسد حزب العدالة والتنمية»، ولخصها في «الاستعلاء على الشعب، والخصام مع مبادئ الحزب، وانفراد إردوغان بكل الأمور، وإلحاحه في الظهور المكثف واستخدامه خطاباً استقطابياً مروعاً، والسيطرة على وسائل الإعلام، وإهدار دولة القانون، والسماح بتدخل أسرته في حكم البلاد، والانحراف نحو اليمين القومي، ما أدّى إلى انحسار الحزب بسبب التحالف الضارّ مع حزب (الحركة القومية) داخل الأناضول وخسارة الغرب والمدن الساحلية».
هذا، وسبقت رسالة داود أوغلو إشارات ومواقف إزاء بعض القرارات والسياسات والقوانين من الرئيس السابق عبد الله غُل، حملت انتقادات لنهج إردوغان في إدارة البلاد، فضلاً عن رفض غُل النظام الرئاسي. ولذا يرى مراقبون أن داود أوغلو عازم على تأسيس حزب سياسي، ولقد تشاور مع غُل، الداعم لنائب رئيس الوزراء الأسبق باباجان في تأسيس حزب آخر. وكانت هناك رغبة من داود أوغلو في الجمع بين الحزبين، لكن اختلافات في المنهج حالت دون ذلك.
أما ساعة الحقيقة، فكانت في الخطوة التي أقدم عليها باباجان، وهي استقالته من حزب العدالة والتنمية. وسبقتها زيارته لإردوغان، بتنسيق مع غُل، لإبلاغه بأمر الاستقالة ونيته تأسيس حزب جديد، وتقديم ملف تضمن أسباب الانتقادات، ورصد أوجه انحراف حزب العدالة والتنمية عن مساره وقيَمه التي أُسّس عليها. وبعد استقالته من الحزب الحاكم، حذف اسم باباجان من مجموعة مؤسّسيه على موقع الحزب الرسمي، كما حُذف من قبل اسم الرئيس عبد الله غُل، بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2014، وضغط إردوغان عليه كي لا يترشّح مجدداً.

رؤية للمستقبل

كشف باباجان في خطاب استقالته ما اعتبره انحرافات عن المبادئ في حزبه القديم. وجاء في الخطاب قوله: «كنت أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001، وأنا فخور بأنني أسهمت قدر الإمكان في تطوير بلادنا. وإبّان شغلي مناصبي في حكومات الحزب كنت مؤمناً بالمبادئ والقيَم التي أعلنها حزبنا، ولكن خلال السنوات الأخيرة نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في كثير من أنواع الأنشطة، ما شكّل صدمة كبيرة بالنسبة لي، وأدى إلى انفصال بين العقل والقلب».
وتابع الوزير البارز السابق: «العالم تغير سريعاً، وتركيا تواجه تحديات كثيرة، وباتت بحاجة إلى رؤية استراتيجية جديدة للمستقبل، وبرامج جديدة تستجيب لروح العصر ولرغبة الأجيال الجديدة في تركيا التي تطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً». وأكد باباجان أنه يشعر مع كثيرين من زملائه، الذين التقاهم في الفترة الأخيرة «بالمسؤولية التاريخية للقيام بهذا العمل، الذي سيكون - حسب رأيه - ممكناً في حال إشراك كوادر جديدة... وفي هذا السياق يرى استمرار عضويته في حزب العدالة والتنمية أمراً مستحيلاً».
اليوم، يعتقد مراقبون أنه ليس من المتوقع لأي حزب جديد أن يكون بقوة «العدالة والتنمية» في بداياته. لكن هؤلاء يؤكدون، مع ذلك، أن حزباً يضم عبد الله غُل - حتى إذا كان محرّكاً وموجهاً من الخلف - وباباجان لا يُعد أمراً مطمئناً لإردوغان وحزبه، في ظل حالة الاستقطاب وتقارب الحظوظ في المحطات الانتخابية الأخيرة، وفي ظل توحّد قوى المعارضة والقبول الواسع الذي يتمتع به غُل وباباجان في أوساط «العدالة والتنمية» والأحزاب الأخرى.
وعلى الرغم من محاولة إردوغان التقليل من شأن أي حزب يخرج من رحم «العدالة والتنمية» بترديده أن «هناك كثيرين انشقوا عن (العدالة والتنمية) وحاولوا السير وحدهم وفشلوا. يشعرون أن مَن ينزل من القطار لا يمكن أن يعود إليه مرة أخرى»، فإنه يستشعر الخطر. ولهذا السبب يحمل بشدة على رفاقه القدامى، ويصفهم بـ«الخونة»... «الذين انقلبوا على الحزب الذي منحهم المناصب، ثم عندما أخذها منهم ليعطي غيرهم انشقوا عليه».
غير أن الثمن الفادح الذي بات على إردوغان دفعه بسبب سياساته وسحقه كل من يختلف معه - كما يقول المراقبون – قد يكون تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. فبعد الهزيمة المهينة لحزبه في الانتخابات المحلية بإسطنبول، باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، إن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها، لأنه هو صاحب مقولة «مَن يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا».

ميلاد قوي

اليوم، يحضّر غُل وباباجان لمولد قوي لحزبهما الجديد، الذي من المنتظر أن يحمل اسم «الأمان». وهذا اسم يقول المراقبون إنه معبِّر بشكل كبير عن توق الأتراك إلى الأمان، بعد مناخ الترويع والاستقطاب الذي تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، التي وقعت منذ 3 سنوات. ومعلوم أن البلاد شهدت بعدها حملة اعتقالات وإقالات وإغلاق لمنافذ الإعلام وتعطيل لسيادة القانون والحريات بشكل غير مسبوق.
ومما نُقل عن مقربين من باباجان، أن حزب «الأمان» يرجح أن يرى النور في سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إذا ارتُؤي التعجيل بإطلاقه، إذا ما تقرّرت الدعوة إلى انتخابات مبكرة. كما عُلم أنه سيضم خليطاً من الوجوه القديمة والجديدة الناجحة، وستكون له رؤية ذات أبعاد عالمية. وبحسب المصادر، بالإضافة إلى باباجان، تضم قائمة مؤسسي الحزب وجوهاً مشهوداً لها بدعم الديمقراطية والسلام، عندما عملت في حكومات «العدالة والتنمية»، في مقدمتها سعد الله أرجين، الذي كان وزيراً للعدل لسنوات عدة، ودشّن حزمة قوانين لدعم الديمقراطية، وبشير أطالاي وزير الداخلية الأسبق، الذي حاول خلال السنوات الماضية تدشين مفاوضات سلام مع الأكراد، ورئيس المحكمة الدستورية الأسبق سابق هاشم كيلتش، ووزير الثقافة والسياحة الأسبق أرطغرل غوناي، إضافة إلى مديرين لشركات استطلاعات الرأي، وتجار، ورجال أعمال، وكبار موظفين، ووجوه جديدة، غالبيتهم من الأكاديميين الذين يعملون بالخارج.

تشكيلة محكمة

جدير بالذكر أنه يُعرف عن باباجان (52 سنة) دقته الشديدة ومعاييره العالية، إذ إنه يعمل على التفاصيل الصغيرة لكل الخطط قبل الإعلان عنها. وهو اسم كبير في السياسة التركية، خاصة فيما يتعلق ببصمته على الاقتصاد، ويملك كل المؤهلات ليكون رئيساً، ما يجعل الأتراك ينتظرون حزبه بشغف كبير. كذلك يتوقع كثيرون أن يكون باباجان الشخص الذي سيُنهي حكم «العدالة والتنمية» لتركيا، في العام ذاته الذي كان يتطلع فيه إردوغان لإعلان الجمهورية الثانية «تركيا الجديدة» عام 2023. وهو يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، وسيشهد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي سيترشح فيها إردوغان مجدداً.
من ناحية أخرى، تقول جهات مقربة من باباجان، إنه ومجموعته لا يريدون الظهور بمظهر حزب شكّله «منشقون» عن حزب العدالة والتنمية، كما يسعى إردوغان إلى تصويرهم، ولذا بالنسبة لاسم الحزب، يهدفون إلى أن يكون مختلفاً عن «العدالة والتنمية»، ثم إنهم لا يسعون إلى تشكيل كتلة في البرلمان، رغم توقع أن ينضم إليهم 40 نائباً من نواب «العدالة والتنمية» يمثلون الكتلة الموالية للرئيس السابق غُل.
أيضاً يرفض باباجان ورفاقه أن يظهر في كوادر الحزب الجديد أشخاص وردت أسماؤهم في منظمات مختلفة، أو سبق اعتقالهم، أو صدرت بحقهم أحكام قضائية، أو كانوا على علاقة مع أشخاص سُجنوا أو صدرت بحقهم عقوبة السجن، أو فروا خارج البلاد، لقطع الطريق على محاولة إردوغان توجيه ضربة إلى الحزب والقضاء عليه في مهده. وبالتالي، فالشخصيات التي يفكرون بضمها للحزب شخصيات تتمتع بشعبية لدى الشارع في مناطقها أو في تركيا، وليست على خلاف مع أي جهة. والهدف هو دمج شخصيات من يمين ويسار الوسط والمحافظين والقوميين في حزب واحد جديد، يملأ الفراغ الحاصل في سياسة يمين الوسط... أما بالنسبة للرئيس السابق عبد الله غُل، فاختار أن يكون بمثابة «صانع ألعاب» فقط، ولا يفكر أن يكون ضمن كوادر الحزب، بحسب وصف كثير من المراقبين، ذلك أن غُل كان قد أعلن عقب انتهاء فترة رئاسته عام 2014 أنه لن يخوض غمار السياسة مجدداً.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.