هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

رفاقه يذكّرونه بالتاريخ القديم... والشعب يتطلع إلى «أمان» باباجان

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟
TT

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

يرجح مراقبون أتراك الآن أن تكون تركيا باتت على أعتاب مرحلة كبيرة من التغيير، أبرز عناوينها «أفول العصر الذهبي» لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب إردوغان...
إنه أفول ربما صنعه إردوغان بيده، أو كان له الدور الأكبر فيه، بعدما فضّل إقصاء «رفاق دربه» الذين خاضوا معه مسيرة بناء الحزب وخروجه إلى النور عام 2001، ثم صعوده السياسي القوي ومحافظته على الغالبية على مدى 17 سنة، منذ أول انتخابات برلمانية خاضها في العام 2002.

يقف حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا اليوم، على أعتاب مرحلة جديدة قد تلقي به إلى مصير أحزاب مؤسس تيار «الإسلام السياسي» الدكتور نجم الدين أربكان. وبذا يتكرّر المشهد في أحد فصول إعادة التاريخ، يوم ذهب إليه إردوغان ليخبره هو ومجموعة من أعضاء حزب «الفضيلة»، قوامها 63 نائباً وعضواً بارزاً بالحزب، أبرزهم الرئيس السابق عبد الله غُل، ونائب رئيس الوزراء رئيس البرلمان الأسبق بولنت أرينتش، بقرارهم ترك الحزب.
وخلال الأسبوع الماضي، بعد مرور 18 سنة على تلك الواقعة، ذهب علي باباجان، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير الاقتصاد والخارجية وشؤون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي سابقاً، وأحد مؤسسي «العدالة والتنمية»، إلى إردوغان ليخبره بمغادرة الحزب، ويسلمه تقريراً مطولاً يشرح فيه الأسباب التي دعته إلى هذه الخطوة... والتوجه إلى تأسيس حزب جديد.
ردّ فعل إردوغان لم يختلف كثيراً هذه المرة عن ردّ فعل «أستاذه» أربكان في حينه. ومثلما وصف أربكان مجموعة إردوغان وغُل بـ«المنشقين» و«المارقين»، ولأن إردوغان أكثر حدة، فإنه يصف الآن مَن يختلفون معه ويرغبون في إكمال الطريق بعيداً عنه بـ«الخونة»، ويتوقع لهم الفشل كما توقع له أربكان.

خسائر كاشفة

كانت الخسائر التي مني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الأخيرة، وبخاصة في بلدية إسطنبول الكبرى، معقل الإسلاميين «الأثير»، خسائر كاشفة التشظي والغضب المعتمل في داخله. وهذا بجانب حالة الأسف التي تعتري قياداته التاريخية على المآل الذي انتهى إليه حزبهم على يد إردوغان، بسبب نزعته في السيطرة على كل السلطات، وتبنيه خطاباً استقطابياً، وضع الحزب في مرمى الاتهامات بالتعالي والانفصال عن الجماهير، والتحوّل إلى حزب عائلي، يديره إردوغان.
بوادر التراجع وانفراط العقد كانت بادية لمَن يستطيع قراءة الأحداث في ضوء مسار السياسة التركية طوال السنوات الثماني الأخيرة، وصولاً إلى بداية الانحدار الواضح للحزب في انتخابات 7 يونيو (حزيران) 2015. في هذه الانتخابات فقد الحزب الغالبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً للمرة الأولى، ليلجأ إلى انتخابات مبكرة، بعدما عجز رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عن تشكيل حكومة ائتلافية، ورفض إردوغان تكليف زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بتشكيل الحكومة الائتلافية وتفضيل خيار الانتخابات المبكرة. بالمناسبة، بات داود أوغلو أيضاً أحد الرفاق السابقين المرشحين لتأسيس حزب سياسي جديد.
ثم جاء المؤشر الأكثر وضوحاً على ما يعتمل داخل الحزب، عندما انحاز بعض قادته لخيار الديمقراطية، رافضين حكم الفرد، ورافضين التحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي يجمع عملياً جميع السلطات في يد رئيس الجمهورية. ومرة أخرى، كان الاستفتاء على تعديل الدستور للتحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017 كاشفاً عن تراكم الشعور بسخط رفاق إردوغان على مسلكه السياسي ونزوعه إلى الفردية. وبعد شهر واحد، ظهر ذلك مع استقالة أحمد داود أوغلو من منصبي رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، بعد خلافات حادة مع إردوغان، حاول الطرفان عبثاً ألا تخرج إلى العلن. لكن أجواء الخلاف تسرّبت، واتضحت تماماً من طريقة الاستقالة، وما تعرض له داود أوغلو من حملة شعواء من جانب الجيش الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية، للنيل من سمعته والتشكيك في نزاهته.

ساعة الحقيقة

لقد احتاج أحمد داود أوغلو إلى 3 سنوات قبل أن يخرج ويكشف حقيقة الوضع داخل الحزب، وأسباب الضعف التي قادت إلى خسارته المدن الكبرى في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية يوم 31 مارس (آذار) الماضي، ثم الخسارة المهينة في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول بين مرشح المعارضة الفائز في الجولة الأولى أكرم إمام أوغلو ومرشح «العدالة والتنمية» بن علي يلدريم. وكانت اللجنة العليا للانتخابات قررت إجراءها في 23 يونيو الماضي، تحت ضغوط من الحزب الحاكم والرئيس إردوغان، لكن الردّ جاء صفعة قوية سدّدها الناخبون الذين منحوا إمام أوغلو فوزاً جديداً بفارق 800 ألف صوت.
ومن ثم، في رسالة داود أوغلو المطوّلة التي نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في 22 أبريل الماضي، شخّص رئيس الوزراء الأسبق «الأمراض التي استشرت في جسد حزب العدالة والتنمية»، ولخصها في «الاستعلاء على الشعب، والخصام مع مبادئ الحزب، وانفراد إردوغان بكل الأمور، وإلحاحه في الظهور المكثف واستخدامه خطاباً استقطابياً مروعاً، والسيطرة على وسائل الإعلام، وإهدار دولة القانون، والسماح بتدخل أسرته في حكم البلاد، والانحراف نحو اليمين القومي، ما أدّى إلى انحسار الحزب بسبب التحالف الضارّ مع حزب (الحركة القومية) داخل الأناضول وخسارة الغرب والمدن الساحلية».
هذا، وسبقت رسالة داود أوغلو إشارات ومواقف إزاء بعض القرارات والسياسات والقوانين من الرئيس السابق عبد الله غُل، حملت انتقادات لنهج إردوغان في إدارة البلاد، فضلاً عن رفض غُل النظام الرئاسي. ولذا يرى مراقبون أن داود أوغلو عازم على تأسيس حزب سياسي، ولقد تشاور مع غُل، الداعم لنائب رئيس الوزراء الأسبق باباجان في تأسيس حزب آخر. وكانت هناك رغبة من داود أوغلو في الجمع بين الحزبين، لكن اختلافات في المنهج حالت دون ذلك.
أما ساعة الحقيقة، فكانت في الخطوة التي أقدم عليها باباجان، وهي استقالته من حزب العدالة والتنمية. وسبقتها زيارته لإردوغان، بتنسيق مع غُل، لإبلاغه بأمر الاستقالة ونيته تأسيس حزب جديد، وتقديم ملف تضمن أسباب الانتقادات، ورصد أوجه انحراف حزب العدالة والتنمية عن مساره وقيَمه التي أُسّس عليها. وبعد استقالته من الحزب الحاكم، حذف اسم باباجان من مجموعة مؤسّسيه على موقع الحزب الرسمي، كما حُذف من قبل اسم الرئيس عبد الله غُل، بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2014، وضغط إردوغان عليه كي لا يترشّح مجدداً.

رؤية للمستقبل

كشف باباجان في خطاب استقالته ما اعتبره انحرافات عن المبادئ في حزبه القديم. وجاء في الخطاب قوله: «كنت أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001، وأنا فخور بأنني أسهمت قدر الإمكان في تطوير بلادنا. وإبّان شغلي مناصبي في حكومات الحزب كنت مؤمناً بالمبادئ والقيَم التي أعلنها حزبنا، ولكن خلال السنوات الأخيرة نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في كثير من أنواع الأنشطة، ما شكّل صدمة كبيرة بالنسبة لي، وأدى إلى انفصال بين العقل والقلب».
وتابع الوزير البارز السابق: «العالم تغير سريعاً، وتركيا تواجه تحديات كثيرة، وباتت بحاجة إلى رؤية استراتيجية جديدة للمستقبل، وبرامج جديدة تستجيب لروح العصر ولرغبة الأجيال الجديدة في تركيا التي تطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً». وأكد باباجان أنه يشعر مع كثيرين من زملائه، الذين التقاهم في الفترة الأخيرة «بالمسؤولية التاريخية للقيام بهذا العمل، الذي سيكون - حسب رأيه - ممكناً في حال إشراك كوادر جديدة... وفي هذا السياق يرى استمرار عضويته في حزب العدالة والتنمية أمراً مستحيلاً».
اليوم، يعتقد مراقبون أنه ليس من المتوقع لأي حزب جديد أن يكون بقوة «العدالة والتنمية» في بداياته. لكن هؤلاء يؤكدون، مع ذلك، أن حزباً يضم عبد الله غُل - حتى إذا كان محرّكاً وموجهاً من الخلف - وباباجان لا يُعد أمراً مطمئناً لإردوغان وحزبه، في ظل حالة الاستقطاب وتقارب الحظوظ في المحطات الانتخابية الأخيرة، وفي ظل توحّد قوى المعارضة والقبول الواسع الذي يتمتع به غُل وباباجان في أوساط «العدالة والتنمية» والأحزاب الأخرى.
وعلى الرغم من محاولة إردوغان التقليل من شأن أي حزب يخرج من رحم «العدالة والتنمية» بترديده أن «هناك كثيرين انشقوا عن (العدالة والتنمية) وحاولوا السير وحدهم وفشلوا. يشعرون أن مَن ينزل من القطار لا يمكن أن يعود إليه مرة أخرى»، فإنه يستشعر الخطر. ولهذا السبب يحمل بشدة على رفاقه القدامى، ويصفهم بـ«الخونة»... «الذين انقلبوا على الحزب الذي منحهم المناصب، ثم عندما أخذها منهم ليعطي غيرهم انشقوا عليه».
غير أن الثمن الفادح الذي بات على إردوغان دفعه بسبب سياساته وسحقه كل من يختلف معه - كما يقول المراقبون – قد يكون تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. فبعد الهزيمة المهينة لحزبه في الانتخابات المحلية بإسطنبول، باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، إن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها، لأنه هو صاحب مقولة «مَن يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا».

ميلاد قوي

اليوم، يحضّر غُل وباباجان لمولد قوي لحزبهما الجديد، الذي من المنتظر أن يحمل اسم «الأمان». وهذا اسم يقول المراقبون إنه معبِّر بشكل كبير عن توق الأتراك إلى الأمان، بعد مناخ الترويع والاستقطاب الذي تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، التي وقعت منذ 3 سنوات. ومعلوم أن البلاد شهدت بعدها حملة اعتقالات وإقالات وإغلاق لمنافذ الإعلام وتعطيل لسيادة القانون والحريات بشكل غير مسبوق.
ومما نُقل عن مقربين من باباجان، أن حزب «الأمان» يرجح أن يرى النور في سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إذا ارتُؤي التعجيل بإطلاقه، إذا ما تقرّرت الدعوة إلى انتخابات مبكرة. كما عُلم أنه سيضم خليطاً من الوجوه القديمة والجديدة الناجحة، وستكون له رؤية ذات أبعاد عالمية. وبحسب المصادر، بالإضافة إلى باباجان، تضم قائمة مؤسسي الحزب وجوهاً مشهوداً لها بدعم الديمقراطية والسلام، عندما عملت في حكومات «العدالة والتنمية»، في مقدمتها سعد الله أرجين، الذي كان وزيراً للعدل لسنوات عدة، ودشّن حزمة قوانين لدعم الديمقراطية، وبشير أطالاي وزير الداخلية الأسبق، الذي حاول خلال السنوات الماضية تدشين مفاوضات سلام مع الأكراد، ورئيس المحكمة الدستورية الأسبق سابق هاشم كيلتش، ووزير الثقافة والسياحة الأسبق أرطغرل غوناي، إضافة إلى مديرين لشركات استطلاعات الرأي، وتجار، ورجال أعمال، وكبار موظفين، ووجوه جديدة، غالبيتهم من الأكاديميين الذين يعملون بالخارج.

تشكيلة محكمة

جدير بالذكر أنه يُعرف عن باباجان (52 سنة) دقته الشديدة ومعاييره العالية، إذ إنه يعمل على التفاصيل الصغيرة لكل الخطط قبل الإعلان عنها. وهو اسم كبير في السياسة التركية، خاصة فيما يتعلق ببصمته على الاقتصاد، ويملك كل المؤهلات ليكون رئيساً، ما يجعل الأتراك ينتظرون حزبه بشغف كبير. كذلك يتوقع كثيرون أن يكون باباجان الشخص الذي سيُنهي حكم «العدالة والتنمية» لتركيا، في العام ذاته الذي كان يتطلع فيه إردوغان لإعلان الجمهورية الثانية «تركيا الجديدة» عام 2023. وهو يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، وسيشهد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي سيترشح فيها إردوغان مجدداً.
من ناحية أخرى، تقول جهات مقربة من باباجان، إنه ومجموعته لا يريدون الظهور بمظهر حزب شكّله «منشقون» عن حزب العدالة والتنمية، كما يسعى إردوغان إلى تصويرهم، ولذا بالنسبة لاسم الحزب، يهدفون إلى أن يكون مختلفاً عن «العدالة والتنمية»، ثم إنهم لا يسعون إلى تشكيل كتلة في البرلمان، رغم توقع أن ينضم إليهم 40 نائباً من نواب «العدالة والتنمية» يمثلون الكتلة الموالية للرئيس السابق غُل.
أيضاً يرفض باباجان ورفاقه أن يظهر في كوادر الحزب الجديد أشخاص وردت أسماؤهم في منظمات مختلفة، أو سبق اعتقالهم، أو صدرت بحقهم أحكام قضائية، أو كانوا على علاقة مع أشخاص سُجنوا أو صدرت بحقهم عقوبة السجن، أو فروا خارج البلاد، لقطع الطريق على محاولة إردوغان توجيه ضربة إلى الحزب والقضاء عليه في مهده. وبالتالي، فالشخصيات التي يفكرون بضمها للحزب شخصيات تتمتع بشعبية لدى الشارع في مناطقها أو في تركيا، وليست على خلاف مع أي جهة. والهدف هو دمج شخصيات من يمين ويسار الوسط والمحافظين والقوميين في حزب واحد جديد، يملأ الفراغ الحاصل في سياسة يمين الوسط... أما بالنسبة للرئيس السابق عبد الله غُل، فاختار أن يكون بمثابة «صانع ألعاب» فقط، ولا يفكر أن يكون ضمن كوادر الحزب، بحسب وصف كثير من المراقبين، ذلك أن غُل كان قد أعلن عقب انتهاء فترة رئاسته عام 2014 أنه لن يخوض غمار السياسة مجدداً.



«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
TT

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)
«مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا، وذلك بعد أن قامت طهران بعمليات تغيير ديموغرافي في المنطقة، وإحلال سكان جدد من ميليشياتها بدل السكان الأصليين الذين تم تهجير غالبيتهم والاستيلاء على أملاكهم. الزائر اليوم للمنطقة يدرك، من أحاديث السكان، أن العام الذي مضى على إسقاط الأسد، «شهد عودة أعداد كبيرة من السكان الذين هجّرهم نظام الأسد والميليشيات الإيرانية والميليشيات الأخرى التابعة لإيران و(حزب الله) قسراً من منطقتهم ومنازلهم».

تقع «السيدة زينب»، على أطراف دمشق الجنوبية، وتتبع إدارياً محافظة ريف دمشق، وتبعد عن مركز العاصمة نحو 8 كيلومترات. وقبل اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد في مارس (آذار) 2011 كانت التركيبة السكانية للمنطقة عبارة عن خليط غالبيته من السُّنة، ويضم السكان الأصليين (الفلاحين) المنحدرين من الغوطة الشرقية، وآخرين من نازحي هضبة الجولان السوري المحتل، ولاجئين فلسطينيين، بالإضافة إلى قلة من أتباع المذهب الشيعي المنحدرين من بلدتي الفوعة وكفريا بريف إدلب، وآخرين غير سوريين قدِموا إليها من لبنان والعراق وبلدان الخليج وأقاموا فيها.

ولا توجد أرقام دقيقة لعدد سكانها؛ إذ يتحدث نشطاء عن أن عددهم بلغ نحو 136 ألف نسمة حسب إحصاء عام 2004، في حين تذكر دراسات أخرى أن العدد وصل إلى نحو 400 ألف شخص قبل اندلاع الثورة.

سوق «شارع التنين» حيث الحركة أفضل منها في سوق «بهمن» (الشرق الأوسط)

التغيير الديموغرافي تجاوز 08 %

منذ العام الأول لاندلاع الثورة، تدخلت إيران إلى جانب نظام الأسد، واتخذت من مسألة «الدفاع عن مقام السيدة زينب» الذي كان يؤمُّه آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، حجّة لجذب عشرات آلاف المسلحين إلى سوريا. وعملت، حسب تأكيدات مصادر محلية، مع نظام الأسد، على تهجير مقاتلي المعارضة المسلحة والاستيلاء على ممتلكاتهم، ومنحها لعائلات مقاتلي الميليشيات التابعة لها في المنطقة التي باتت المعقل الرئيسي لإيران في جنوب دمشق، وأُلبست الصبغة الإيرانية، وباتت توصف بأنها «مدينة إيرانية» وليست سورية، في ضوء تغيير أسماء شوارعها، والانتشار الكبير لصور رموز لإيران وأعلامها ورايات ميليشياتها، وتشييد وافتتاح مزيد من المراكز الدينية فيها.

تؤكد مصادر مقربة من الحكومة السورية، وأخرى محلية، لـ«الشرق الأوسط»، أن نسبة التغيير الذي أحدثته إيران في التركيبة السكانية لـ«السيدة زينب» والبلدات المحيطة بها، تجاوز الـ80 في المائة، بحيث أصبح السكان الأصليون أقلية ومعظمهم من كبار السن.

يذكر عنصر من قوى الأمن الداخلي، وهو من سكان المنطقة الأصليين، أنه عاد مع عائلته إلى منزله بعد تهجيرهم إلى الشمال السوري لأكثر من 12 عاماً. ويؤكد أنه «بعد بضعة أيام من سيطرة فصائل المعارضة وسقوط الأسد وفراره، وهروب الطغاة (في إشارة إلى قادة ومقاتلي الميليشيات الإيرانية) بدأ سكان المنطقة يعودون من الشمال ومحافظات أخرى، كما من دول اللجوء، والحكومة تعمل على إعادة أملاكهم إليهم، سواء كانت منازل أو محال تجارية أو أرضاً».

ولا يزال عدد كبير من أهالي بلدتي الفوعة وكفريا يقيمون في «السيدة زينب» بعد أن تم نقلهم إليها ضمن ما يُعرف بـ«اتفاق المدن الأربع» الذي تم التوصل إليه في عام 2017 بين «هيئة تحرير الشام» و«حركة أحرار الشام» من جهة، والنظام السوري و«حزب الله» والجانب الإيراني من جهة أخرى.

عرّف شاب على نفسه باسم «صالح»، وقال إنه تم إخراجه من بلدة الفوعة ونقله مع آخرين إلى «السيدة زينب»، حيث لا يزال يقيم فيها مع عائلته حتى اليوم. وبعد أن يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه مدني ولم ينضم إلى الميليشيات التابعة لإيران أو للنظام السابق، يؤكد أن أهالي الفوعة وكفريا المدنيين الذين لا يزالون يقيمون في «السيدة زينب»، لم يتعرضوا لأي مضايقات من سلطات الحكم الجديد، لكن من ارتكبوا جرائم بحق الأهالي واختفوا عن الأنظار تجري ملاحقتهم للقبض عليهم ومحاسبتهم.

وبموجب «اتفاق البلدات الأربع» تم إخراج 3800 شخص، بينهم مقاتلون من المعارضة المسلحة، من منطقة الزبداني بريف دمشق الغربي باتجاه محافظة إدلب، وإخراج 8000 شخص بينهم مسلحون من الميليشيات الموالية لنظام الأسد من بلدتي كفريا والفوعة باتجاه مناطق سيطرة النظام السابق وحلفائه.

سوق «بهمن» المجاور لمقام «السيدة زينب» وهو شبه خالٍ من المارة ويطلق عليه الأهالي حالياً اسم «شارع عبد الرحمن بن عوف» (الشرق الأوسط)

إعادة الحقوق لأصحابها

وتعمل الجهات المعنية في الحكومة السورية الجديدة على إعادة أملاك أهالي «السيدة زينب» الأصليين، إليهم. وتوضح المصادر المقربة من الحكومة أن العملية تتم «وفق ضوابط قانونية، تتضمن أن يقدم صاحب الحق طلباً إلى الجهة الحكومية المعنية، مرفقاً بأوراق ثبوتية تؤكد ملكيته المنزل أو المحل التجاري أو العقار... وبالنسبة إلى من أجبرتهم إيران على بيع ممتلكاتهم بالإكراه، فيجب عليهم أن يُحضروا شهوداً على ذلك، وفي حال ثبت أنهم أصحاب حقوق، تعاد أملاكهم إليهم».

وتتم إعادة الحقوق بعد عمليات تدقيق كبيرة في الأوراق الثبوتية التي يقدمها الأهالي، من الجهات المعنية؛ لأن هناك عمليات تزوير لوثائق ملكية جرت خلال سنوات الحرب، وفق قول المصادر نفسها.

ورغم ذلك، تؤكد المصادر أن عملية إعادة الأملاك إلى أصحابها تجري «بوتيرة سريعة؛ إذ لا يكاد يمر يوم إلا وتُعاد فيه أملاك إلى أصحابها، لكن الانتهاء من هذه العملية سيستغرق وقتاً طويلاً؛ نظراً إلى العدد الكبير للطلبات وعمليات التدقيق».

بدورها، تذكر مصادر محلية عدة أن طلبات إعادة الأملاك تُقدَّم إلى «هيئة الأملاك» في ناحية ببيلا الواقعة شمال «السيدة زينب». وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول منها على إحصائية لعدد العقارات والمنازل والمحال التجارية التي استولت عليها إيران، لكن لم يتسنَّ لها ذلك، وسط مؤشرات إلى احتمال أن يكون العدد كبيراً جداً.

وكشفت مصادر مطلعة، تتردد دائماً على «الهيئة»، عن أن طلبات استعادة الأملاك باتت تشكل «مجلداً ضخماً للغاية»، لافتةً لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن عمليات استيلاء إيران على الأملاك وصلت إلى المناطق المحيطة بـ«السيدة زينب» من كل الجهات، حيث كانت تخطط لإنشاء ضاحية جنوبية في دمشق شبيهة بضاحية بيروت الجنوبية.

وبينما لا يزال مقام «السيدة زينب» يفتح أبوابه أمام زواره، يلفت الانتباه حالياً انعدام أفواج الزوار الذين كانوا يقصدونه بالآلاف من إيران والعراق ولبنان في سنوات ما قبل إسقاط النظام السابق.

وكانت مصادر محلية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» قبل سقوط النظام، عن أن قادة الميليشيات الإيرانية اشتروا بالإكراه عدداً كبيراً من المحال التجارية في أسواق «السيدة زينب»؛ طمعاً في إيراداتها المالية الضخمة، خصوصاً أن المنطقة تُعدّ وجهة للسياحة الدينية، حيث يبلغ عدد المحال التجارية فيها أكثر 500 محل، بالتوازي مع عمليات شراء مماثلة لأبنية ذات مساحات كبيرة وتحويلها فنادق، وصل عددها إلى نحو 50 فندقاً.

ووصلت عملية استملاك إيران وشرائها العقارات والأبنية خلال سنوات الحرب إلى مدينة دمشق؛ إذ سبق لخبير اقتصادي أن تحدث إلى «الشرق الأوسط»، بأنها سيطرت على سوق العقارات عبر شبكات من المؤسسات وتجار العقارات وبنوك إيرانية مرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقدمت تسهيلات، ومنحت قروضاً كبيرة للراغبين في شراء العقارات في سوريا، فتملّك إيرانيون ومقاولون ورجال أعمال، وقادة وعناصر الميليشيات، آلاف العقارات في أكثر المناطق حيوية في دمشق وفي الوسط التجاري، في حين استملكت السفارة الإيرانية فنادق عدة، ومساحات واسعة خلف «مستشفى الرازي» على أوتوستراد المزة لإنشاء أبراج سكنية، إضافةً إلى تملك أراضٍ وعقارات في ريف دمشق.


تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
TT

تواديرا... أستاذ الرياضيات الذي هندس نفوذه في «أرض الغابات»

ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته
ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحاته

على مسرحٍ أفريقي مضطربٍ تتقاطع في كواليسه «الانقلابات» مع الصراعات المسلحة، ويتداخل فوقه تنافسٌ دوليٌ حاد بين فرنسا وروسيا، يبرز فاوستين أركانج تواديرا قائداً سياسياً مثيراً للجدل في أفريقيا الوسطى، يخوض واحدة من أكثر الرحلات تعقيداً فيما يُعرف على نطاق واسع بـ«أرض الغابات». فمن قاعات الرياضيات إلى «دهاليز السلطة»، برز الرجل بوصفه أهم لاعب سياسي منذ التسعينات، حاملاً مشروعه لإعادة تشكيل موازين الحكم في دولة أرهقتها الحروب وخلخلتها هشاشة المؤسسات. دولة تتنازعها القوى الإقليمية والدولية، ويُثقل تاريخها إرثٌ طويل من الانقلابات التي هزّت أفريقيا الوسطى وغرب القارة، بحسب ما يقول محللون. في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي توجه أكثر من مليوني مواطن إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في انتخابات تشمل الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية، وهي انتخابات تمثّل اختباراً سياسياً حاسماً لتواديرا؛ إذ يتشابك الاستحقاق الانتخابي مع جدل حول تمديد الولاية الرئاسية، وسط تطلعات لتعزيز الشرعية وبناء المؤسسات الهشة للدولة المثقلة بتحديات الأمن والتنمية.

من رحم أسرة بسيطة، ولد تواديرا عام 1957 في بلدة دامارا على بعد 75 كيلومتراً من العاصمة بانغي، فهو ابن سائق فقير. لم يرضخ تواديرا لدوامة الفقر التي أحاطت بطفولته، بل جعل من علم الرياضيات جسراً لطموحه، وأظهر تفوقاً نادراً فيه، حتى التحق بالقسم العلمي في بانغي، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريا عام 1976.

استمر في مساره الأكاديمي، فحصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات من جامعة بانغي عام 1981، ثم الماجستير في ساحل العاج، قبل أن يتوجه إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا ويحصل على الدكتوراه في الرياضيات عام 1986.

وبعد عودته، التحق تواديرا بالعمل الأكاديمي، حيث أصبح عميد كلية ورئيساً في جامعة بانغي، واستمر في التدريس حتى بعد انتقاله للعمل الحكومي، متمسكاً برغبته في التواصل المباشر مع الطلاب والجمهور.

فمشوار أكاديمي استثنائي للبروفسور تواديرا في بلد يعاني من ندرة الأساتذة المؤهلين، أهداه صورة قيادية بعيدة عن الخطاب العسكري التقليدي، لكنه لم يبعده عن صراعات السلطة.

تحالفات محلية ودولية

وعلى الرغم من خلفيته العلمية، دخل تواديرا عالم السياسة الواقعية، حيث فرضت عليه الظروف بناء تحالفات محلية ودولية، خصوصاً مع روسيا والفصائل المسلحة المحلية والدولية. وقبل وصوله إلى قصر الرئاسة في 2016، شغل منصب رئيس الحكومة، ما منح مسار حكمه بعد ذلك قاعدة سياسية متينة، وخبرة واسعة أهلته لتكون صورة واضحة لمعادلات السياسية المعقدة في بلاده.أُعيد انتخاب تواديرا في 2020، وواجه تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة، وإبرام اتفاقات سلام متقطعة مع فصائل مسلحة، مع اللجوء أحياناً إلى أدوات وأحلاف مثيرة للجدل على المستويين الداخلي والدولي.

ولطالما كان الأمن نقطة ضعف رئيسية في جمهورية أفريقيا الوسطى لسنوات، وقد ورث الرئيس تركة صراع بين تحالف «سليكا» المسلم وميليشيات «أنتي بالاكا» المسيحية، أدى إلى صراع طائفي واسع بعد الإطاحة بالرئيس فرنسوا بوزيزي عام 2013. وازدادت فصائل مسلحة محلية وتدخلات دولية وروسية وفرنسية أزمة البلاد تعقيداً، بحسب «مجموعة الأزمات الدولية».

وبعد انسحاب فرنسا من معادلة النفوذ في أفريقيا الوسطى، وتراجع فاعلية بعثات حفظ السلام التقليدية، اتجه قصر الرئاسة في عهد تواديرا نحو شراكة أمنية واقتصادية مع روسيا وشبكات مقاتلين خاصة تعرف إعلامياً بـ«فاغنر»، ثم وريثتها مجموعة «الفيلق الأفريقي».

الاعتماد على روسيا

ويبدو أن هذه المعادلة غير قابلة للتغيير؛ إذ لا يستبعد باحثون، ومنهم مستشارة «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتورة أماني الطويل، «استمرار تكريس اعتماد النظام الحاكم في أفريقيا الوسطى على الشركاء الخارجيين، وخصوصاً روسيا؛ إذ إن موسكو هي الضامن الأمني الأول لنظام الرئيس تواديرا، نظراً لسيطرتها الواسعة على الموارد الطبيعية وغياب أي منافس غربي بعد انسحاب فرنسا»، وفق ما قالت الطويل لـ«الشرق الأوسط».هذا الوضع منح الرئيس هامش مناورة داخلياً لمواجهة التهديدات، لكنه أثار اتهامات بانتهاكات حقوقية ومخاوف من فقدان السيادة الوطنية مقابل تنازلات على الموارد الطبيعية مثل الذهب والمعادن.

«أرض الغابات» ودوامة الانقلابات

وعلى الصعيد الإقليمي، عزز تواديرا مكانته بتعيينه في 2023 ميسراً للمجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا خلال الأزمة في الغابون، ما أسهم في صورته كقائد قادر على لعب دور إقليمي. كما ألغى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2024 الحظر عن الأسلحة المفروض على قواته المسلحة. كذلك أنهت عملية «كيمبرلي» تعليقها لصادرات الألماس الخام من أفريقيا الوسطى، علماً بأنها نظام دولي تم إنشاؤه للحد من تجارة الألماس الدموي؛ أي الألماس الذي يُستخدم لتمويل النزاعات المسلحة.وفي بلد لم تبارحه دوامة الانقلابات منذ استقلاله في ستينات القرن الماضي، لم تكن فترة ولاية الرئيس المنتخب تواديرا استثناءً من هذه الدائرة. ففي عام 2021، قاد الرئيس السابق فرنسوا بوزيزي محاولة «انقلاب فاشلة» ضد تواديرا، فانخرط الجيش الوطني، بدعم من قوات روسية ورواندية، في صدّ الجماعات المسلحة ودفعها إلى حدود البلاد، ما منح الرئيس تواديرا «نصراً عسكرياً» مؤقتاً استغله لتعزيز موقعه في حملته الانتخابية.

وتزداد المفارقات في «أرض الغابات» وضوحاً حين يظهر تدخل محمد حمدان دقلو «حميدتي» عام 2023، وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب في السودان، لإحباط مخطط انقلاب في جمهورية أفريقيا الوسطى عبر ضبط الحدود وتعطيل تحركات فصائل مسلحة.

محاولتا الانقلاب العسكري على حكم تواديرا لم تمنعاه من القيام بـ«انقلاب دستوري»، وفق وصف أماني الطويل، في 2023، حين أقرّت البلاد استفتاءً دستورياً أثار جدلاً واسعاً، مدّد فترة الولاية الرئاسية إلى سبع سنوات، وألغى القيد المتعلق بحصرها في ولايتين، ما فتح المجال أمام ترشحه لولاية ثالثة.

استقرار أم تمديد للحكم؟

مؤيدوه رأوا في ذلك خطوة نحو الاستقرار المؤسسي، بينما أعرب معارضون عن خشيتهم من مسار لتمديد الحكم بطريقة غير ديمقراطية، وهو ما حدا بمنظمة «المرصد من أجل الحوكمة الديمقراطية» إلى التقدم بطلب رسمي إلى المجلس الدستوري للطعن في ترشحه.أما على مستوى حياة المواطن العادي، فما زال البطء يهيمن على مؤشرات التنمية بشكل واضح؛ إذ يعتمد الاقتصاد على قطاعات محدودة، بينما تتحول الموارد الطبيعية إلى محور تنافس داخلي وخارجي.

ورغم رهان الحكومة على استثمارات جديدة لتمويل تكاليف الأمن، فإن مشكلات الشفافية والحوكمة ظلّت عقبة بنيوية حالت دون تحويل الثروات إلى نمو فعلي داخل الاقتصاد الوطني. وبقيت مناطق الشمال الشرقي مهمّشة ومحرومة من الخدمات والمشروعات الأساسية، في مقابل تركّز الجهود الحكومية في بانغي والمناطق الأكثر نمواً، وفق تقديرات منظمات المجتمع المدني وتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب أفريقيا.

المعارضة عاجزة

ومع ذلك، يستبعد محللون، ومنهم الطويل، أي فرص للإطاحة بحكم تواديرا عبر صناديق الاقتراع، أو حتى اندلاع احتجاجات واسعة ضده، وهو ما عزته إلى «عجز المعارضة عن خلق وجود فعلي على الأرض بسبب التضييق والانقسام في بلد أنهكته الحروب بين المسلمين والمسيحيين».ويشار إلى أن أبرز خصوم فاوستين تواديرا في الانتخابات (تُعلن نتائجها خلال أيام)، هم أنيست جورج دولوغليه عن حزب «الاتحاد من أجل النهضة»، وهنري ماري دوندرا، مرشح مستقل ورئيس وزراء سابق، إلى جانب عدد من المرشحين الصغار المحدودي التأثير.

وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن المفارقات والصراعات بعيدة عن حياة الرئيس تواديرا لكن بشكل ناعم، فهو «متعدد الزوجات»؛ إذ إنه متزوج من كل من بريجيت، وكذلك تينا تواديرا، ولديه ثلاثة أبناء، بينما ترد تقارير عن منافسة بين الزوجتين على لقب «السيدة الأولى» خلف الكواليس.

وسط هذه التفاعلات، يبقى السؤال المحوري أمام الرئيس تواديرا: هل سيقدّم تمديد فترة حكمه إطاراً حقيقياً لإرساء السلام والمؤسسات، أم أنه سيُعمّق الانقسام ويزيد الاعتماد على الفاعلين الخارجيين؟


الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
TT

الأمم المتحدة في قلب أزمات أفريقيا الوسطى

الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)
الشعار الرسمي للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك الولايات المتحدة 23 أغسطس 2022 (رويترز)

تظل القارة الأفريقية بيئة خصبة للصراعات العرقية والدينية والسياسية، وفي قلبها تتشابك الأزمات الأمنية والاجتماعية في جمهورية أفريقيا الوسطى مع هشاشة مؤسساتها، كأنها أرض تئن تحت وطأة الصراعات المتواصلة.

ومع اندلاع حرب أهلية عام 2013، إثر انقلاب أطاح بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزي، تصاعدت التحديات والاقتتال الأهلي على أساس ديني بين فصيلين، أحدهما مسلم، والآخر مسيحي، ما استدعى تدخلاً دولياً عاجلاً تحت مظلة الأمم المتحدة لحماية المدنيين ودعم الاستقرار، رغم إدراك الجميع أن الحل لن يكون سريعاً أو سهلاً.

وفي أبريل (نيسان) 2014، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في أفريقيا الوسطى، المعروفة باسم «مينوسكا»، لتكون ركيزة أساسية لمحاولة إعادة الاستقرار. وصُممت بعثة حفظ السلام لتعمل كـ«فرقة إطفاء دولية» تحاول السيطرة على ألسنة اللهب الصراعية المشتعلة في بلد تعصف به النزاعات المسلحة، وتتفكك فيه الدولة.

وتكفلت «مينوسكا» بمهام شاملة، شملت حماية المدنيين، ودعم الانتقال السياسي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ومراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز العدالة وسيادة القانون، في محاولة لإعادة بناء الدولة وسط فوضى مستمرة.

وعلى الرغم من هذه التحديات، حقّقت البعثة بعض الإنجازات الملموسة. فقد نجحت في منع موجات من العنف الجماعي، ونزعت سلاح أكثر من 800 مقاتل منذ منتصف 2025، كما دمّرت بنية تحتية للفصائل المسلحة، ما ساهم في تقليل التهديد على المناطق السكنية. كما دعمت «مينوسكا» المسار السياسي، وعزّزت سلطة الدولة، وشجّعت على تنفيذ اتفاقيات السلام، وإصلاح قطاع الأمن، وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع المدني، ما مثّل خطوة مهمة نحو استقرار جزئي.

وفيما يعكس التحديات السياسية والدولية المحيطة بعمل البعثة الدولية، مدّد مجلس الأمن الدولي مهمة قوات حفظ السلام، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لعام إضافي، وسط تحفظ أميركي عن القرار، تمثّل في امتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

إضافة إلى المهام الأمنية، لعبت «مينوسكا» دوراً محورياً في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية، وتسليط الضوء على الانتهاكات الحقوقية، ما ساعد في دعم العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب. ففي مناطق ساخنة مثل أوت مبومو، جنوب شرقي البلاد، وسّعت البعثة وجودها منذ 2024 لتخفيف تهديد الفصائل المسلحة، وتمكين السلطات المدنية من استعادة السيطرة على الأرض.

ومع ذلك، لم تكن الإنجازات شاملة. فقد رفضت بعض الجماعات المسلحة الالتزام الكامل باتفاقيات السلام، واستمرت في نشاطها في مناطق يصعب الوصول إليها، بينما واجهت قوات حفظ السلام هجمات مباشرة واحتجاجات محلية، ما كشف هشاشة الوضع الأمني وصعوبة بناء ثقة كاملة مع السكان. كما عانت البعثة من تحديات هيكلية، مثل نقص الموارد وتأخر الانتشار في البداية، ما أعاق السيطرة الفورية على بعض المناطق.

ويبقى دور الأمم المتحدة في أفريقيا الوسطى رمزاً مزدوجاً، فهي تحمي المدنيين وتتيح وصول المساعدات، لكنها عاجزة عن إخماد الحرائق بالكامل. القوة موجودة، لكن تأثيرها محدود، والسلام جزئي وهشّ.

ويعتقد محللون أن السلام المستدام لن يتحقق إلا بتكامل الدعم الدولي مع بناء دولة وطنية قوية قادرة على توفير أمن دائم، وعدالة حقيقية، وتنمية شاملة، وهو تحدٍ عسير يشكّل رهاناً استراتيجياً للرئيس فاوستين أركانج تواديرا في الولاية الرئاسية الثالثة المتوقعة.

وتبرز هذه التحديات نفسها، بصورة أو أخرى، في دول أفريقية مختلفة، تضم بعثات للأمم المتحدة، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وجنوب السودان، والسودان (إقليم دارفور سابقاً)، والصومال، حيث تسعى المنظمة الدولية إلى تقديم نموذج محدود لسلام مستدام في قارة تعاني أزمات متكررة ومعقدة.