هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

رفاقه يذكّرونه بالتاريخ القديم... والشعب يتطلع إلى «أمان» باباجان

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟
TT

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

هل يشهد عام 2023 أفول عهد إردوغان... بدلاً من إعلان «تركيا الجديدة»؟

يرجح مراقبون أتراك الآن أن تكون تركيا باتت على أعتاب مرحلة كبيرة من التغيير، أبرز عناوينها «أفول العصر الذهبي» لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب إردوغان...
إنه أفول ربما صنعه إردوغان بيده، أو كان له الدور الأكبر فيه، بعدما فضّل إقصاء «رفاق دربه» الذين خاضوا معه مسيرة بناء الحزب وخروجه إلى النور عام 2001، ثم صعوده السياسي القوي ومحافظته على الغالبية على مدى 17 سنة، منذ أول انتخابات برلمانية خاضها في العام 2002.

يقف حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا اليوم، على أعتاب مرحلة جديدة قد تلقي به إلى مصير أحزاب مؤسس تيار «الإسلام السياسي» الدكتور نجم الدين أربكان. وبذا يتكرّر المشهد في أحد فصول إعادة التاريخ، يوم ذهب إليه إردوغان ليخبره هو ومجموعة من أعضاء حزب «الفضيلة»، قوامها 63 نائباً وعضواً بارزاً بالحزب، أبرزهم الرئيس السابق عبد الله غُل، ونائب رئيس الوزراء رئيس البرلمان الأسبق بولنت أرينتش، بقرارهم ترك الحزب.
وخلال الأسبوع الماضي، بعد مرور 18 سنة على تلك الواقعة، ذهب علي باباجان، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وزير الاقتصاد والخارجية وشؤون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي سابقاً، وأحد مؤسسي «العدالة والتنمية»، إلى إردوغان ليخبره بمغادرة الحزب، ويسلمه تقريراً مطولاً يشرح فيه الأسباب التي دعته إلى هذه الخطوة... والتوجه إلى تأسيس حزب جديد.
ردّ فعل إردوغان لم يختلف كثيراً هذه المرة عن ردّ فعل «أستاذه» أربكان في حينه. ومثلما وصف أربكان مجموعة إردوغان وغُل بـ«المنشقين» و«المارقين»، ولأن إردوغان أكثر حدة، فإنه يصف الآن مَن يختلفون معه ويرغبون في إكمال الطريق بعيداً عنه بـ«الخونة»، ويتوقع لهم الفشل كما توقع له أربكان.

خسائر كاشفة

كانت الخسائر التي مني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الأخيرة، وبخاصة في بلدية إسطنبول الكبرى، معقل الإسلاميين «الأثير»، خسائر كاشفة التشظي والغضب المعتمل في داخله. وهذا بجانب حالة الأسف التي تعتري قياداته التاريخية على المآل الذي انتهى إليه حزبهم على يد إردوغان، بسبب نزعته في السيطرة على كل السلطات، وتبنيه خطاباً استقطابياً، وضع الحزب في مرمى الاتهامات بالتعالي والانفصال عن الجماهير، والتحوّل إلى حزب عائلي، يديره إردوغان.
بوادر التراجع وانفراط العقد كانت بادية لمَن يستطيع قراءة الأحداث في ضوء مسار السياسة التركية طوال السنوات الثماني الأخيرة، وصولاً إلى بداية الانحدار الواضح للحزب في انتخابات 7 يونيو (حزيران) 2015. في هذه الانتخابات فقد الحزب الغالبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً للمرة الأولى، ليلجأ إلى انتخابات مبكرة، بعدما عجز رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عن تشكيل حكومة ائتلافية، ورفض إردوغان تكليف زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بتشكيل الحكومة الائتلافية وتفضيل خيار الانتخابات المبكرة. بالمناسبة، بات داود أوغلو أيضاً أحد الرفاق السابقين المرشحين لتأسيس حزب سياسي جديد.
ثم جاء المؤشر الأكثر وضوحاً على ما يعتمل داخل الحزب، عندما انحاز بعض قادته لخيار الديمقراطية، رافضين حكم الفرد، ورافضين التحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي يجمع عملياً جميع السلطات في يد رئيس الجمهورية. ومرة أخرى، كان الاستفتاء على تعديل الدستور للتحوّل إلى النظام الرئاسي، الذي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017 كاشفاً عن تراكم الشعور بسخط رفاق إردوغان على مسلكه السياسي ونزوعه إلى الفردية. وبعد شهر واحد، ظهر ذلك مع استقالة أحمد داود أوغلو من منصبي رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، بعد خلافات حادة مع إردوغان، حاول الطرفان عبثاً ألا تخرج إلى العلن. لكن أجواء الخلاف تسرّبت، واتضحت تماماً من طريقة الاستقالة، وما تعرض له داود أوغلو من حملة شعواء من جانب الجيش الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية، للنيل من سمعته والتشكيك في نزاهته.

ساعة الحقيقة

لقد احتاج أحمد داود أوغلو إلى 3 سنوات قبل أن يخرج ويكشف حقيقة الوضع داخل الحزب، وأسباب الضعف التي قادت إلى خسارته المدن الكبرى في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية يوم 31 مارس (آذار) الماضي، ثم الخسارة المهينة في جولة الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول بين مرشح المعارضة الفائز في الجولة الأولى أكرم إمام أوغلو ومرشح «العدالة والتنمية» بن علي يلدريم. وكانت اللجنة العليا للانتخابات قررت إجراءها في 23 يونيو الماضي، تحت ضغوط من الحزب الحاكم والرئيس إردوغان، لكن الردّ جاء صفعة قوية سدّدها الناخبون الذين منحوا إمام أوغلو فوزاً جديداً بفارق 800 ألف صوت.
ومن ثم، في رسالة داود أوغلو المطوّلة التي نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في 22 أبريل الماضي، شخّص رئيس الوزراء الأسبق «الأمراض التي استشرت في جسد حزب العدالة والتنمية»، ولخصها في «الاستعلاء على الشعب، والخصام مع مبادئ الحزب، وانفراد إردوغان بكل الأمور، وإلحاحه في الظهور المكثف واستخدامه خطاباً استقطابياً مروعاً، والسيطرة على وسائل الإعلام، وإهدار دولة القانون، والسماح بتدخل أسرته في حكم البلاد، والانحراف نحو اليمين القومي، ما أدّى إلى انحسار الحزب بسبب التحالف الضارّ مع حزب (الحركة القومية) داخل الأناضول وخسارة الغرب والمدن الساحلية».
هذا، وسبقت رسالة داود أوغلو إشارات ومواقف إزاء بعض القرارات والسياسات والقوانين من الرئيس السابق عبد الله غُل، حملت انتقادات لنهج إردوغان في إدارة البلاد، فضلاً عن رفض غُل النظام الرئاسي. ولذا يرى مراقبون أن داود أوغلو عازم على تأسيس حزب سياسي، ولقد تشاور مع غُل، الداعم لنائب رئيس الوزراء الأسبق باباجان في تأسيس حزب آخر. وكانت هناك رغبة من داود أوغلو في الجمع بين الحزبين، لكن اختلافات في المنهج حالت دون ذلك.
أما ساعة الحقيقة، فكانت في الخطوة التي أقدم عليها باباجان، وهي استقالته من حزب العدالة والتنمية. وسبقتها زيارته لإردوغان، بتنسيق مع غُل، لإبلاغه بأمر الاستقالة ونيته تأسيس حزب جديد، وتقديم ملف تضمن أسباب الانتقادات، ورصد أوجه انحراف حزب العدالة والتنمية عن مساره وقيَمه التي أُسّس عليها. وبعد استقالته من الحزب الحاكم، حذف اسم باباجان من مجموعة مؤسّسيه على موقع الحزب الرسمي، كما حُذف من قبل اسم الرئيس عبد الله غُل، بعد انتهاء فترة رئاسته عام 2014، وضغط إردوغان عليه كي لا يترشّح مجدداً.

رؤية للمستقبل

كشف باباجان في خطاب استقالته ما اعتبره انحرافات عن المبادئ في حزبه القديم. وجاء في الخطاب قوله: «كنت أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001، وأنا فخور بأنني أسهمت قدر الإمكان في تطوير بلادنا. وإبّان شغلي مناصبي في حكومات الحزب كنت مؤمناً بالمبادئ والقيَم التي أعلنها حزبنا، ولكن خلال السنوات الأخيرة نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في كثير من أنواع الأنشطة، ما شكّل صدمة كبيرة بالنسبة لي، وأدى إلى انفصال بين العقل والقلب».
وتابع الوزير البارز السابق: «العالم تغير سريعاً، وتركيا تواجه تحديات كثيرة، وباتت بحاجة إلى رؤية استراتيجية جديدة للمستقبل، وبرامج جديدة تستجيب لروح العصر ولرغبة الأجيال الجديدة في تركيا التي تطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً». وأكد باباجان أنه يشعر مع كثيرين من زملائه، الذين التقاهم في الفترة الأخيرة «بالمسؤولية التاريخية للقيام بهذا العمل، الذي سيكون - حسب رأيه - ممكناً في حال إشراك كوادر جديدة... وفي هذا السياق يرى استمرار عضويته في حزب العدالة والتنمية أمراً مستحيلاً».
اليوم، يعتقد مراقبون أنه ليس من المتوقع لأي حزب جديد أن يكون بقوة «العدالة والتنمية» في بداياته. لكن هؤلاء يؤكدون، مع ذلك، أن حزباً يضم عبد الله غُل - حتى إذا كان محرّكاً وموجهاً من الخلف - وباباجان لا يُعد أمراً مطمئناً لإردوغان وحزبه، في ظل حالة الاستقطاب وتقارب الحظوظ في المحطات الانتخابية الأخيرة، وفي ظل توحّد قوى المعارضة والقبول الواسع الذي يتمتع به غُل وباباجان في أوساط «العدالة والتنمية» والأحزاب الأخرى.
وعلى الرغم من محاولة إردوغان التقليل من شأن أي حزب يخرج من رحم «العدالة والتنمية» بترديده أن «هناك كثيرين انشقوا عن (العدالة والتنمية) وحاولوا السير وحدهم وفشلوا. يشعرون أن مَن ينزل من القطار لا يمكن أن يعود إليه مرة أخرى»، فإنه يستشعر الخطر. ولهذا السبب يحمل بشدة على رفاقه القدامى، ويصفهم بـ«الخونة»... «الذين انقلبوا على الحزب الذي منحهم المناصب، ثم عندما أخذها منهم ليعطي غيرهم انشقوا عليه».
غير أن الثمن الفادح الذي بات على إردوغان دفعه بسبب سياساته وسحقه كل من يختلف معه - كما يقول المراقبون – قد يكون تفكك حزبه إلى 3 أحزاب. فبعد الهزيمة المهينة لحزبه في الانتخابات المحلية بإسطنبول، باتت المقولة الأكثر رواجاً في تركيا الآن، وخارجها أيضاً، إن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها، لأنه هو صاحب مقولة «مَن يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا».

ميلاد قوي

اليوم، يحضّر غُل وباباجان لمولد قوي لحزبهما الجديد، الذي من المنتظر أن يحمل اسم «الأمان». وهذا اسم يقول المراقبون إنه معبِّر بشكل كبير عن توق الأتراك إلى الأمان، بعد مناخ الترويع والاستقطاب الذي تعيشه البلاد في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، التي وقعت منذ 3 سنوات. ومعلوم أن البلاد شهدت بعدها حملة اعتقالات وإقالات وإغلاق لمنافذ الإعلام وتعطيل لسيادة القانون والحريات بشكل غير مسبوق.
ومما نُقل عن مقربين من باباجان، أن حزب «الأمان» يرجح أن يرى النور في سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إذا ارتُؤي التعجيل بإطلاقه، إذا ما تقرّرت الدعوة إلى انتخابات مبكرة. كما عُلم أنه سيضم خليطاً من الوجوه القديمة والجديدة الناجحة، وستكون له رؤية ذات أبعاد عالمية. وبحسب المصادر، بالإضافة إلى باباجان، تضم قائمة مؤسسي الحزب وجوهاً مشهوداً لها بدعم الديمقراطية والسلام، عندما عملت في حكومات «العدالة والتنمية»، في مقدمتها سعد الله أرجين، الذي كان وزيراً للعدل لسنوات عدة، ودشّن حزمة قوانين لدعم الديمقراطية، وبشير أطالاي وزير الداخلية الأسبق، الذي حاول خلال السنوات الماضية تدشين مفاوضات سلام مع الأكراد، ورئيس المحكمة الدستورية الأسبق سابق هاشم كيلتش، ووزير الثقافة والسياحة الأسبق أرطغرل غوناي، إضافة إلى مديرين لشركات استطلاعات الرأي، وتجار، ورجال أعمال، وكبار موظفين، ووجوه جديدة، غالبيتهم من الأكاديميين الذين يعملون بالخارج.

تشكيلة محكمة

جدير بالذكر أنه يُعرف عن باباجان (52 سنة) دقته الشديدة ومعاييره العالية، إذ إنه يعمل على التفاصيل الصغيرة لكل الخطط قبل الإعلان عنها. وهو اسم كبير في السياسة التركية، خاصة فيما يتعلق ببصمته على الاقتصاد، ويملك كل المؤهلات ليكون رئيساً، ما يجعل الأتراك ينتظرون حزبه بشغف كبير. كذلك يتوقع كثيرون أن يكون باباجان الشخص الذي سيُنهي حكم «العدالة والتنمية» لتركيا، في العام ذاته الذي كان يتطلع فيه إردوغان لإعلان الجمهورية الثانية «تركيا الجديدة» عام 2023. وهو يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، وسيشهد إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي سيترشح فيها إردوغان مجدداً.
من ناحية أخرى، تقول جهات مقربة من باباجان، إنه ومجموعته لا يريدون الظهور بمظهر حزب شكّله «منشقون» عن حزب العدالة والتنمية، كما يسعى إردوغان إلى تصويرهم، ولذا بالنسبة لاسم الحزب، يهدفون إلى أن يكون مختلفاً عن «العدالة والتنمية»، ثم إنهم لا يسعون إلى تشكيل كتلة في البرلمان، رغم توقع أن ينضم إليهم 40 نائباً من نواب «العدالة والتنمية» يمثلون الكتلة الموالية للرئيس السابق غُل.
أيضاً يرفض باباجان ورفاقه أن يظهر في كوادر الحزب الجديد أشخاص وردت أسماؤهم في منظمات مختلفة، أو سبق اعتقالهم، أو صدرت بحقهم أحكام قضائية، أو كانوا على علاقة مع أشخاص سُجنوا أو صدرت بحقهم عقوبة السجن، أو فروا خارج البلاد، لقطع الطريق على محاولة إردوغان توجيه ضربة إلى الحزب والقضاء عليه في مهده. وبالتالي، فالشخصيات التي يفكرون بضمها للحزب شخصيات تتمتع بشعبية لدى الشارع في مناطقها أو في تركيا، وليست على خلاف مع أي جهة. والهدف هو دمج شخصيات من يمين ويسار الوسط والمحافظين والقوميين في حزب واحد جديد، يملأ الفراغ الحاصل في سياسة يمين الوسط... أما بالنسبة للرئيس السابق عبد الله غُل، فاختار أن يكون بمثابة «صانع ألعاب» فقط، ولا يفكر أن يكون ضمن كوادر الحزب، بحسب وصف كثير من المراقبين، ذلك أن غُل كان قد أعلن عقب انتهاء فترة رئاسته عام 2014 أنه لن يخوض غمار السياسة مجدداً.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».