شغف الزعيم الكوري الشمالي بالسيارات الفاخرة يتحدّى العقوبات

يستخدم طرق شحن سرية لتجاوز الرقابة الغربية

كيم يجوب شوارع هانوي بسيارته في 26 فبراير الماضي (غيتي)
كيم يجوب شوارع هانوي بسيارته في 26 فبراير الماضي (غيتي)
TT

شغف الزعيم الكوري الشمالي بالسيارات الفاخرة يتحدّى العقوبات

كيم يجوب شوارع هانوي بسيارته في 26 فبراير الماضي (غيتي)
كيم يجوب شوارع هانوي بسيارته في 26 فبراير الماضي (غيتي)

تظهر سيارات ليموزين سوداء مصفحة في كل مكان يزوره الديكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي يمتلك عدداً من السيارات الغربية الفاخرة.
استخدم كيم سيارات «سيدان»، شُحنت جواً من بيونغ يانغ، للتنقل عبر شوارع سنغافورة وهانوي وفلاديفوستوك، بمناسبة القمم التي عقدها مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، على التوالي.
وتنتمي سيارات «مرسيديس بنز» الفاخرة، التي يقتنيها كيم، إلى الطرز المتطورة المفضّلة بين قادة العالم، مثل «مايباخ إس 62» و«مايباخ إس 600 بولمان غارد» التي تتراوح تكلفتها بين 0.5 مليون دولار، و1.6 مليون دولار للسيارة الواحدة. ويستخدم كيم هذه السيارات في تحدٍ صارخ للعقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة ضد بلاده، والتي يُفترض أن تحول دون دخول سلع فاخرة للبلاد.
ومع ذلك، تجد السلع الغربية الفاخرة طريقها إلى الطبقة الغنية في كوريا الشمالية، وذلك عبر منظومة معقدة من النقل عبر الموانئ والشحن البحري السري وشركات الواجهة المشبوهة، تبعاً لما خلص إليه بحث نشره «مركز دراسات الدفاع المتقدمة»، وهي مؤسسة فكرية غير هادفة للربح في واشنطن، تعنى بأمر شبكات التهريب، وتحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز».
ويكشف دخول هذه السلع إلى كوريا الشمالية نقاط الضعف المحتملة للعقوبات كأداة ضغط في يد إدارة ترمب في مواجهة بيونغ يانغ، سعياً إلى دفعها للدخول في مفاوضات جادة لوضع نهاية لبرنامج الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية. ويرى مسؤولون أميركيون أن أداة الضغط الوحيدة الحقيقية التي يملكونها أمام كوريا الشمالية هي العقوبات القاسية. يذكر أنه أثناء القمة الفاشلة التي عقدت في هانوي في فبراير (شباط)، تمثل مطلب كيم الأساسي من ترمب في رفع العقوبات الكبرى، والتي جرى تخفيفها بالفعل نهاية عام 2016.
تجدر الإشارة إلى أنه بناءً على طلب من إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، فرضت الأمم المتحدة عقوبات ضد كوريا الشمالية لحرمانها من السلع الفاخرة عام 2006، إلا أنه خلال الفترة بين عامي 2015 و2017 عمل ما يصل إلى 90 دولة كمصادر للسلع الفاخرة لمواطني كوريا الشمالية، تبعاً لما ورد في تقرير نشره «مركز دراسات الدفاع المتقدمة»، الثلاثاء. علاوة على ذلك، تمر شبكات وسلاسل الإمداد عبر مناطق تتبع بعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، وحلفاء للولايات المتحدة، بينهم الصين وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية.
تجدر الإشارة إلى أن كلاً من الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الكوري الجنوبي مون جاي - إن ركبا مع كيم داخل سيارات «مرسيدس بينز سيدان» أثناء زيارات حديثة لهما لبيونغ يانغ. وفيما يخص المسؤولين المعنيين بفرض العقوبات، من المهم تعقب شبكات تهريب السلع الفاخرة، خاصة النادرة منها، مثل السيارات المدرعة، نظراً لاستخدام كوريا الشمالية أساليب مشابهة في الحصول على التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام من أجل برنامج الأسلحة النووية الخاص بها، حسبما شرح خبراء معنيون بالعقوبات. وقال محللون إن كوريا الشمالية مستمرة في تخصيب اليورانيوم من أجل زيادة ترسانتها، التي تقدر بما يتراوح بين 30 و60 رأساً حربياً.
وفيما يتعلق بالالتفاف على العقوبات، تعتمد كوريا الشمالية على «مجموعة صغيرة، لكن معقدة من الأشخاص الموثوق بهم لنقل أي سلع تحتاج إليها الدولة، سواء أكانت سلعاً فاخرة أم مكونات صواريخ»، حسبما ذكر نيل واتس، الخبير بالشؤون البحرية والعضو السابق في لجنة الأمم المتحدة، المعنية بفرض العقوبات ضد كوريا الشمالية، وذلك في حديثه بوجه عام عن أنماط التجارة غير القانونية داخل البلاد.
وذكرت اللجنة التابعة للأمم المتحدة، في تقريرها هذا العام، ظهور سيارات ليموزين مصنوعة من جانب «مرسيدس بينز» و«رولز رويس» في بيونغ يانغ. ففي أكتوبر (تشرين الأول)، خرج كيم في سيارة ليموزين «فانتوم» من إنتاج «رولز رويس» لاستقبال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.
وتكشف الرحلة التي مرت بها سيارتان مدرعتان من «مرسيدس» طراز «مايباخ إس 600» من أوروبا إلى شرق آسيا، كيف تعمل واحدة من شبكات تهريب السلع الفاخرة. وقد اقتفى «مركز دراسات الدفاع المتقدمة» و«ذي نيويورك تايمز» مسيرة السيارتين عبر 5 دول، بالاعتماد على مصادر، منها وثائق شحن وصور أقمار صناعية.
كما أجرى الجانبان مقابلات مع مسؤولين وعاملين بمجال الأعمال، أكدوا بعض المعلومات التفصيلية المتعلقة بالشبكة. وفي فبراير، صادر مسؤولون من كوريا الجنوبية سفينة روسية تنقل السيارتين.
بدأت الرحلة العالمية في ميناء روتردام بهولندا، في يونيو (حزيران) 2018. وحملت شاحنتان حاويتين مغلقتين، تضم كل منهما سيارة من إنتاج «مرسيدس»، قيمة الواحدة منهما 500000 دولار إلى داخل ميناء شحن، تبعاً لسجلات الشحن. كانت الحاويتان في رعاية شركة «تشاينا كوسكو شيبينغ كورب» الصينية. ومن غير الواضح من اشترى السيارتين.
من ناحيتها، قالت «دايملر»، الشركة الأم لـ«مرسيدس»، إن الأخيرة تجري فحصاً لخلفية المشترين المحتملين للسيارات، لضمان عدم بيع الشركة سيارات لجهات تخرق العقوبات. وانتقلت السيارتان عبر السفينة لمدة 41 يوماً إلى داليان، في شمال شرقي الصين. وجرى تفريغ الحاويتين بعد رسو السفينة في 31 يوليو (تموز). وظلت السيارتان في الميناء حتى 26 أغسطس (آب). بعد ذلك، وُضعت السيارتان على متن سفينة متجهة إلى أوساكا في اليابان. ومن هناك، انتقلتا إلى سفينة أخرى في رحلة لمدة 3 أيام إلى بوسان، في كوريا الجنوبية؛ حيث وصلتا في 30 سبتمبر (أيلول).
بعد ذلك جاء الجزء الأكثر غموضاً من الرحلة، إذ جرى نقل الحاويتين إلى سفينة الشحن «دي إن 5505» التي تُبحر تحت علم توغو، الدولة الواقعة غرب أفريقيا، واتجهت إلى ميناء ناخودكا في أقصى شرق روسيا. عند هذه النقطة، أصبحت السيارتان تحت رعاية «دو يونغ شيبينغ»، شركة مسجلة في جزر مارشال، تملك «دي إن 5505»، وسفينة أخرى هي ناقلة النفط «كاترين» التي تبحر تحت علم بنما.
أما ملكية «دو يونغ شيبينغ»، فغير واضحة من السجلات، لكن يبدو أنها مرتبطة برجل الأعمال الروسي دانيل كازاشوك، حسبما تكشف وثائق ومقابلات. جدير بالذكر أن السفينة الحاملة للسيارتين «دي إن 5505»، كانت تدعى في الأصل «شيانغ جين»، لكن أعيد تسميتها «دي إن 5505» وانتقلت ملكيتها من شركة مسجلة في هونغ كونغ إلى «دو يونغ شيبينغ» في 27 يوليو، قبيل أيام من وصول السيارتين «سيدان» إلى داليان.
بعد مغادرة بوسان في الأول من أكتوبر حاملةً السيارتين، اختفت السفينة، وذلك بعد أن توقف نظام الرصد الأوتوماتيكي لديها من إرسال إشارات. يذكر أن هذه ممارسة شائعة بين السفن التي تخرق العقوبات.
وظلت الإشارة منقطعة طوال 18 يوماً. وعندما عاودت الظهور، كانت السفينة داخل مياه كوريا الجنوبية. الآن، أصبحت السفينة في رحلة العودة إلى بوسان، لكنها محملة بـ2588 طن متري من الفحم، الذي جرى تفريغه لاحقاً في ميناء آخر بكوريا الجنوبية «بوهانغ». وكشفت وثائق الجمارك في كوريا الجنوبية أن السفينة جرى تحميلها بالفحم في ميناء ناخودكا، حسب تقرير «مركز دراسات الدفاع المتقدمة».
يذكر أن هذا الميناء يقع بجوار فلاديفوستوك؛ حيث مقر إقامة كازاشوك. وذكرت بيانات تتعلق بالشحن أن السفينة أخطرت أن وجهتها هي ناخودكا، بعد انطلاقها من بوسان حاملةً السيارتين. ولم يذكر التقرير الصادر عن المركز بصورة مؤكدة ما حدث للسيارتين هناك، لكن باحثين ذكروا أنه ربما جرى نقل السيارتين جواً من روسيا إلى كوريا الشمالية.
جدير بالذكر أنه في 7 أكتوبر، وصلت 3 طائرات شحن من «إير كوريو»، شركة الخطوط الجوية المملوكة للدولة في كوريا الشمالية، إلى فلاديفوستوك، تبعاً لبيانات تعقب حركة الطائرات، علماً بأنه من النادر سفر طائرات شحن كورية شمالية إلى فلاديفوستوك. كما أن هذه الطائرات هي ذاتها التي يجري استخدامها في نقل سيارات كيم إلى خارج كوريا الشمالية، تبعاً للأرقام المسجلة على الطائرة. وأفاد التقرير بأنه «نظراً لقدرة الطائرات على حمل شحنات ثقيلة، ودورها في نقل سيارات الليموزين المصفحة المملوكة لكيم جونغ أون، يبدو ممكناً أنها تولت نقل سيارات (المرسيدس)».
بعد 4 أشهر، تحديداً في 31 يناير (كانون الثاني) 2019، سارت سيارة «مرسيدس» من الطراز نفسه عبر شوارع بيونغ يانغ إلى مقر رئاسة اللجنة المركزية للحزب الكوري الحاكم، تبعاً لمقاطع فيديو، تولت مؤسسة «إن كيه برو» تحليلها. أيضاً، ظهرت السيارتان «السيدان» في ذلك اليوم بجوار كيم في جلسة تصوير مع وفد فني.
وخلال مقابلة أجريت معه عبر الهاتف، أقرّ كازاشوك أنه المسؤول عن «دي إن 5505»، لكنه رفض الكشف عن تفاصيل حول شحن السيارتين أو الإجابة عما إذا كان تولّى نقلهما إلى كوريا الشمالية. واكتفى بقول: «هذه أسرار تخص شركتي. لماذا يتعين عليّ إخبار الجميع ممن اشتريت هاتين السيارتين، ولمن قمت ببيعهما؟»
يذكر أنه ليس هناك دليل يربط بين كازاشوك ونقل تكنولوجيا أو سلع عسكرية إلى كوريا الشمالية.
- خدمة «نيويورك تايمز»



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...