فهم إيران... أم سوء فهمها؟

وزير خارجية بريطانيا السابق يصدر كتاباً مليئاً بالمغالطات

غلاف الكتاب  -  جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)
غلاف الكتاب - جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)
TT

فهم إيران... أم سوء فهمها؟

غلاف الكتاب  -  جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)
غلاف الكتاب - جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)

يعِد العنوان الفرعي للكتاب الجديد الذي ألفه جاك سترو بمساعدة القارئ على «فهم إيران». ومع هذا، فإن ما يحصل عليه المرء خلال 390 صفحة يمكن وصفه على أفضل تقدير بأنه سوء فهم لإيران اليوم. وهو سوء فهم منع بريطانيا، بجانب عدد من القوى الغربية الأخرى، من تطوير سياسة واقعية للتعامل مع إيران، وساهم في إطالة أمد أزمة سببها السلوك المتشدد للجمهورية الإسلامية على الساحة الدولية.
وربما ينبع سوء فهم سترو من «افتتانه المطلق» بإيران التي تسكن خياله، ويحمل سوء الفهم ذلك ثلاثة جوانب:
أولاً: يعتقد سترو لأن إيران حضارة قديمة وقدمت شعراء عظماء وتبرع بشكل خاص في صناعة السجاد وتقدم للعالم واحداً من أروع المطابخ، ولهذه الأسباب، فإنها تستحق التسامح مع النشاطات الغريبة التي تتورط فيها في عدد من المجالات الأخرى مثل احتجاز رهائن والترويج للكراهية وانتهاك حقوق الإنسان وتصدير الإرهاب تحت مسمى الثورة. ويبدو الأمر أشبه بإظهار التسامح تجاه ستالين لأن المرء يشعر بتقدير تجاه بوشكين وتشايكوفسكي ويستمتع بطبق من البورشتش الروسي. ودعونا نتساءل كيف كان سيكون الحال إذا تسامحنا تجاه هتلر لأننا نحب فريدريك شيلر وبيتهوفن وسلطة البطاطا؟ في الواقع، مسألة أن كورش الكبير كان ملكاً عظيماً، بل وربما راعى حقوق الإنسان في إيران، مثلما يشير سترو، لا يبرر القتل الجماعي للسوريين على يد جيش مرتزقة يقوده ملالي إيران ـ وهو مثال واحد على تجاوزات النظام الإيراني الحالي.
ثانياً: يدور «سوء الفهم» حول اعتقاد سترو الغريب بأن النخبة الخمينية الحاكمة تتضمن فصيلاً «إصلاحياً» يتوق لبناء علاقات وثيقة مع الأنظمة الغربية الديمقراطية، وبالتالي يجب دعمه لإلحاق الضعف بالفصيل «المتشدد» الذي يقوده «المرشد الأعلى» علي خامنئي، والتخلص منه تماماً نهاية الأمر. لكن من هم «الإصلاحيون» الذين يدعي سترو أنه اكتشف وجودهم داخل إيران؟ يذكر سترو عدداً من الأسماء منها الرئيسان السابقان هاشمي رافسنجاني ومحمد خاتمي، والرئيس الحالي حسن روحاني، والمرشحان الرئاسيان السباقان حسين موسوي ومهدي كاريبا، وكلاهما قيد الإقامة الجبرية، بجانب عدد من المسؤولين الحاليين أو السابقين من رتب أدنى، مثل محمد جواد ظريف وكمال خرازي، الذي وصفه سترو بـ«صديقي القديم» ومصطفى تاج زاده.
تكمن المشكلة هنا في أن سترو عجز عن ذكر إصلاح واحد جرى اقتراحه، ناهيك عن تنفيذه، من جانب الفصيل «الإصلاحي» المزعوم في طهران. الأسوأ من ذلك أن سترو ينسى أنه وقعت أعداد أكبر لعمليات إعدام وإلقاء قبض على أشخاص لأسباب سياسية في ظل خاتمي وروحاني عما حدث أثناء رئاسة محمود أحمدي نجاد الذي من المفترض أنه من الفصيل «المتشدد».
ثالثاً: يتضح من الكتاب أن سترو يرى أنه عند التعامل مع الجمهورية الإسلامية، ثمة خياران لا ثالث لهما: إما ابتلاع أي شيء تفعله إيران ولو على مضض، أو شن حرب شاملة ضدها.
جدير بالذكر، أن سترو كان واحداً من أقوى الأصوات المؤيدة لشن حرب لتدمير نظام صدام حسين في العراق، ولطالما أكد على أن النظام البعثي في بغداد لم تعد تجدي معه محاولات الإصلاح.
ومع ذلك، عندما ينتقل الحديث إلى الجمهورية الإسلامية، يتحول وزير الخارجية البريطاني السابق إلى حمامة سلام مسالمة تماماً، ويرى أن السبيل العقلاني الوحيد لتغيير سلوك إيران هو الاعتماد على الجهود الدبلوماسية. ويزعم سترو لنفسه بعض الفضل عما نعرفه اليوم بالخطة المشتركة الشاملة أو «الاتفاق النووي الإيراني» الذي تزعمته إدارة أوباما. وكان سترو أول من روّج لهذه الفكرة لدى وزيرة الخارجية الأميركية في رئاسة جورج دبليو. بوش، كوندوليزا رايس، عام 2006 قبل أن ينقله رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، إلى منصب آخر.
جدير بالذكر، أنه على مدار العقدين الماضيين، زار سترو إيران سبع مرات، خمس منها وزيراً للخارجية. وفي واحدة من هذه الزيارات كان جزءاً من وفد برلماني يضم لورد لامونت والزعيم الحالي لحزب العمال جيريمي كوربن الذي كان يعمل حينها لحساب قناة «بريس تي في» المملوكة للحرس الثوري الإسلامي في إيران. وفي واحدة من زياراته الخاصة لإيران، وكان برفقته زوجته واثنان من الأصدقاء، تعرض كوربن لمضايقات وجرى إخراجه من إيران نهاية الأمر على يد واحدة من الوكالات الأمنية التاسعة العاملة داخل الجمهورية الإسلامية.
ووجه سترو انتقادات للرئيس دونالد ترمب لرفضه الدبلوماسية السرية في وقت يرى زعماء إيران أي محاولة علنية للتقارب باعتبارها إهانة لنظامهم. وزعم أن «الاتفاق النووي» كان ليكتمل حال عقد مزيد من المحادثات السرية حول قضايا أخرى تهم القوى الغربية، بما في ذلك تدخل الجمهورية الإسلامية في الشؤون الداخلية لكثير من الدول العربية. ويرى سترو أن الخطة المشتركة الشاملة الأولى كان يمكن أن يتبعها الكثير من الخطط المشابهة للتعامل مع قضايا حقوق الإنسان، سعياً وراء تهميش وتقويض نفوذ «المرشد الأعلى» نهاية الأمر.
ومع ذلك، لم يقدم سترو أي دليل على أن هذا الاتفاق مختلف عن أي اتفاقيات أخرى أبرمت مع الجمهورية الإسلامية على مدار الأربعين عاماً الماضية، وسيترك تأثيراً دائماً على استراتيجية وسلوك النظام الخميني. الحقيقة أن حكام إيران الخمينيين أتقنوا دبلوماسية الخداع والتراجع. وفي أي لحظة يشعرون بوطأة ضغوط شديدة عليهم، يسارعون لتقديم تنازلات، يجري التراجع عنها لاحقاً بمجرد تخفيف الضغوط عليهم. الأهم عن ذلك، أن سترو أخفق في إدراك أن «المعتدلين» من وجهة نظره بما فيهم روحاني وخاتمي يفتقرون إلى الدعم الشعبي اللازم لتهميش خامنئي، ناهيك عن التخلص منه تماماً.
على مدار صفحات الكتاب، طرح سترو عدداً من الافتراضات تشيع بين من يطلقون على أنفسهم «محللين مختصين بالشأن الإيراني»، منها تقسيم السلطات داخل النظام الإيراني بين المسؤولين المنتخبين والآخرين غير المنتخبين. في هذا الإطار، يدعونا سترو للاعتقاد بأن خامنئي، الذي من المفترض أنه غير منتخب، يتمتع بشرعية أقل عن روحاني، مثلاً، باعتبار الأخير مسؤولاً منتخباً. ومع هذا، فإن الحقيقة أن مجلس الخبراء، المنتخب عبر التصويت الشعبي، هو من يتولى انتخاب خامنئي. في الوقت ذاته، فإن روحاني، مثل سابقيه، لم يكن باستطاعته أن يصبح رئيساً دون صدور حكم تنفيذي من «المرشد الأعلى».
أيضاً، فإن سترو خاطئ في اعتقاده بأن المجلس الإسلامي، الذي يصفه عن طريق الخطأ بأنه «المجلس الاستشاري الإيراني»، يخضع لمجلس الأوصياء الذي يصفه، عن طريق الخطأ كذلك، بأنه «صنيعة المرشد الأعلى» وحده.
وسعياً لتعزيز افتراضه بأن الملالي لديهم أحقية تكاد تكون فطرية في حكم إيران، يبالغ سترو في أهمية الدور الذي اضطلع به رجال الدين الشيعة على الساحة السياسية الإيرانية على مدار القرون الخمسة الأخيرة. على سبيل المثال، تحولت فتوى تحرم تدخين التبغ أطلقها آية الله مغمور من وجهة نظر سترو إلى حدث جلل. ومع أن رجال الدين لعبوا دوراً بالفعل في الثورة الدستورية عام 1906، لكن فقط باعتبارهم قوة فرعية. أيضاً، ساند الملالي الشاه في طرده رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، حدث وصفه سترو بأنه «انقلاب» دبرته الاستخبارات البريطانية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). أما مسألة أن الشاه عيّن وطرد بالفعل مصدق من منصب رئيس الوزراء مرتين دون أن يتحدث أي شخص عن انقلاب، فيتجاهلها سترو تماماً.
الواضح أن سترو يمقت الشاه بهلوي ويحاول جاهداً تقديمه في أسوأ صورة ممكنة، ربما سعياً لتبرير ثورة الملالي عام 1979.
أيضاً، يبالغ سترو في الدور الذي لعبه البريطانيون في إيران. كانت النخبة الإيرانية الحاكمة الفاسدة، وبخاصة خلال العقود الأخيرة من الحكم القاجاري، قد استغلت تدخل بريطانيا وروسيا، العدوين الإمبرياليين لإيران آنذاك، ذريعةً لتشتيت الأنظار بعيداً عن فسادها وافتقارها إلى الكفاءة.
في الواقع، ليس بإمكان أي قوة أجنبية فرض إرادتها ولو على أشد الأمم ضعفاً دون مساعدة على الأقل من بعض العناصر داخل الطبقة الحاكمة بهذا البلد. وتعكس المقولة الفارسية المشهورة «كله من صنع الإنجليز!» مشاعر سخط دفينة تجاه الدور الذي لعبه البريطانيون في الشؤون الإيرانية خلال قرن.
ومع هذا، فإن هذه المقولة غالباً ما يجري استغلالها مزحةً أكثر عنها تعليقاً جاداً على أحداث تاريخية. في الواقع، لم يكن هناك قط وجود بشري بريطاني كبير في إيران. وكانت شركة النفط الأنغلو ـ إيرانية تعمل على أقل من 1 في المائة من مساحة إيران، وفي ذروة نشاطها وظفت ما يقل عن 200 من غير الإيرانيين، معظمهم من الحراس والسائقين السيخ من إقليم البنجاب. علاوة على ذلك، لم تظهر بريطانيا بين أكبر خمسة شركاء تجاريين لإيران قط، ولم تتمكن من منافسة فرنسا وألمانيا، ومنذ عام 1960، أصبحت عاجزة عن منافسة الولايات المتحدة مع اجتذاب الدول الثلاث للكثير من الإيرانيين الساعين لاستكمال تعليمهم العالي بالخارج.
وقد غزا البريطانيون إيران بالفعل، بالتنسيق مع السوفيات، عام 1941 وليس عام 1942 مثلما ذكر سترو، لكنهم لم «يحتلوا كامل إيران»، مثلما يبدو أنه يعتقد. في الحقيقة تمركزت القوات الاستطلاعية التي كانت تتألف في الجزء الأكبر منها من مجندين من الهند، داخل واحدة من خمس محليات إيرانية، وبدءاً من عام 1943 خضعت هذه القوات لقيادة أميركية حتى الانسحاب الكامل بعد ذلك بعامين. أما خرافة «المهمة الإنجليزية» فقد جرى تصميمها لإطالة أمد العداء بين الأمتين اللتين عايشتا تقلبات بين علاقات الانجذاب والكراهية مثلما الحال مع الكثير من العلاقات البشرية على مر التاريخ.
أما رواية «عزيزي عمي نابليون» التي ألفها إيرج بزشكزاد فتستخدم عبارة «هذه مهمة إنجليزية» مزحةً. والمفارقة، أنها كتبت في سبعينات القرن الماضي، وليس الأربعينات حسبما يؤكد سترو.
بوجه عام، من الممتع قراءة كتاب سترو، لكنه يتضمن الكثير للغاية من الأخطاء في سرد الوقائع، وكذلك تكهنات دون أدلة تدعمها. مثلاً، أشك في أن نجل آية الله خامنئي الثاني، مجتبى، لديه أي فرصة في خلافة والده كـ«مرشد أعلى»، حتى وإن ظل النظام قائماً. أيضاً، يبالغ سترو في مكانة آية الله ناصر مكرم شيرازي وآية الله صادق لاريجاني الذي يترأس حالياً مجلس تشخيص مصلحة النظام. ربما يشعر سترو بالإعجاب تجاه لاريجاني لقدرته على الحديث بالإنجليزية «بطلاقة»، لكنه يفتقر إلى مكانة حقيقية في إطار هيئة رجال الدين الشيعة.
جدير بالذكر، أن اللغة الأم لخامنئي الفارسية وتنتمي والدته إلى أصفهان، وثمة ادعاءات بأنه من نسل الشاعر كمال الدين إسماعيل. أما والده فمن أذربيجان ويتحدث اللغة الأذرية، واحدة من اللغات الالتائية.
يذكر أن آية الله الخميني لم تكن لديه معرفة واسعة بالفلسفة اليونانية؛ لأن معظم أعمال الفلاسفة اليونانيين، بما في ذلك أفلاطون وأرسطو التي ذكرها سترو لم تترجم بعد إلى الفارسية أو أي لغة أخرى داخل العالم الإسلامي.
كما أن بعض ادعاءات سترو غريبة لدرجة لا تستحق التعليق عليها. مثلاً، يقول: «إيران واحدة من أكثر المجتمعات علمانية، فالناس يضحكون على ما يقوله الملالي». ومع هذا، يعتقد أن الملالي سيحكمون إيران ربما إلى الأبد. ومع هذا، يقول: «تحت السطح، إيران بعيدة كل البعد عن الهدوء، فالنظام يسير باتجاه وغالبية الشعب في اتجاه آخر».
وبالنسبة لشخص يبدو منحازاً إلى صف الجمهورية الإسلامية، يعد هذا بمثابة اعتراف خطير!


مقالات ذات صلة

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ...

عبد اللطيف بن يوسف المبارك

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح
TT

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن القراءة الأولى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية ممدوح بمحطات حياتها المعروفة لدينا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عدم وجود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب السيرة الذاتية تشكِّله صيغ لسانية وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الكاتبة المكرَّسة في توصيف وتسمية نصها؟ لا أظن؛ فهوية الجنس الأدبي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عامة، مثل الرواية تعيدان تحديد خصائهما النوعية حسب موضوعهما، وهو هنا سردية المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض.

غلاف خلوة النقص

ونظل عند حدود التصنيف الأجناسي لـ«خلوة النقص»؛ أهي سيرة ذاتية للكاتبة العراقية المعروفة عالية ممدوح، أم هي رواية؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غالباً، للمؤلف الكاتب، هو الجوهر الأساسي لنصوص ما بعد الحداثة عامة، فهي نصوص تؤسس لمجالها الصنفي بنفسها، وتسعى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر ببال القارئ في هذا السياق المتمرد هو رفض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هو، إنما يجري إعادة اختراعه بالاستعانة بمسمياته. هكذا سنجد «خلوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أساس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لسيرة الكاتبة تحت ضغط موضوع أساسي جديد هو المرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض!

لكن المرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هنا؟ إنه المكان الذي نهبط إليه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خلوة» مع «النفس» وأوهامها، فيكون المرض مجازاً كليّاً عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع.

المرض... تاريخ آخر للعائلة

ليس المرض قدراً فردياً يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت، بعد تشرد طويل، في باريس. هذا استهلال غير كافٍ لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام في «مدرسة داخلية». هل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كذلك، ولا شكَّ؛ بل إنه الدلالة الأساسية الأولى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الذاكرة نقص، وكذلك النسيان إنه نقص فادح. وفي المستهل تشدد الكاتبة، في خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابتداءً، بالتصرفات الشخصية كلها؛ ويتَّسع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا.

لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كأنه صار الرواية كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهو القول بتهافت المعنى وضموره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيداً فيصيب قدرة العالم السردي على إنتاج معنى يُعتدُّ به؛ فليس النقص هنا ما يختصُّ قدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الراوي، من يتولى سرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المعرفة نقصان التجربة، ونقصان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة.

النقص: خلوة الذات الأخيرة

سوى أن النقص لا يكون نقصاً قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهماً مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجبارية. وقد يكون الأمر مضحكاً أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فيما الأصل هو ماذا ستفعل بنا تلك الخلوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعادة تصورنا عن ذاتنا؛ إذ لا نعود، بعدها، أصحاء، نحن مرضى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، من دون الإقرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعافٍ إلى مريض يفقد تدريجياً قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي للمرض ولتأمل الذات بعد تبدُّل أحولها. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الذات بصفتها الرئيسة، وهي الإجبار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟

أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفاً كافياً لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل للخلاص سوى إعادة تعريف المرض وضبط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، سوى سردية «الألم» المتدفقة بلا هوادة. وهل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نقول الحكائي، للرواية؛ إذ يكاد التسلسل الحكائي أن ينعدم في أغلب الفصول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابتداءً، بلا كنايات، أو مجازات كبرى؛ فـ«الألم حالة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جداً (..). أن تكون متألماً وحدك، وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع. ص 30»، هذا أول العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة.

الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيراً في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلاً هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشكالية التعبير عنه، ثم لا نعرف أن «الهاء» تعود لـ«المحبوب» الذي «سيحضر» ويقاسم الكاتبة شقتها في باريس. يقول لنا النص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عن المرض وآلامه عندما يصبح «بروفة» التأليف السردي الأخيرة. كيف هذا؛ والنص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها!

فما مأثرة «خلوة النقص»، إن كان يجب أن يكون للرواية مأثرة تميزها عن روايات عراقية وعربية كثيرة؟ إنها سردية النقص الكبرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقصد خلوته، أقصد النقص الذي يعجزنا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها!


استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة
TT

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كياناً أوّلاً، ومن ثمّ مفهوماً. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثراً ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولاً فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيداً ضروريّاً لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيّاً من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيراً الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقاً.

يخوض القسم الثاني «استحضار المنام، عادة أم عبادة؟» في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلاً عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً.

ينتقل القسم الثالث «في قميص يوسف» إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب «الفرج بعد الشدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود -وزير المهديّ (حكم 158-169/775-785) 123- الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهاً واضحاً بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف، ويمتدّ هذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّداً تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر.

يقارب القسم الرابع «بين الرؤية والرؤيا» بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المناماتِ بصفتها تجسيداً رمزيّاً للرحلة، أو انتقالاً من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.


كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي
TT

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟

ويمثل الكتاب، الصادر حديثاً عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبداخله تتشكل الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.

ويطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، في مقابل المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.

ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بوصفها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو المؤلف إلى سياسات تحريرية تجعل الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك.

ويوظف الكتاب نظريات التغيير أداةً لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر. ويعرض، ضمن هذا الإطار، مجموعة من التدخلات المصوغة خصيصاً للسياق السوري، مدعومةً بأهداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه.

يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قراءتها من منظور خصوصية البيئة السورية. واستند في هذا السياق، إلى أطروحات الباحثة السنغافورية ركا شومي حول ضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلاً لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من فحص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة.

كما يستند المؤلف، في مقاربته لطبيعة التدخل الإعلامي، إلى المنظور السوسيولوجي لعالم الاجتماع Anthony Giddens، الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقاً من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث.

وحول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصبّ جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطر نظرية متينة حول المدخلات الإعلامية، وإعادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أما ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المعارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق».

يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام بوصفه جزءاً من البيئة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير في تصميم مبادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري.

ومرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل عدداً من المواقع التحريرية والمهنية، من بينها مدير تحرير صحيفة «جيرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع.