فهم إيران... أم سوء فهمها؟

وزير خارجية بريطانيا السابق يصدر كتاباً مليئاً بالمغالطات

غلاف الكتاب  -  جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)
غلاف الكتاب - جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)
TT

فهم إيران... أم سوء فهمها؟

غلاف الكتاب  -  جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)
غلاف الكتاب - جاك سترو أثناء زيارته إلى إيران عام 2003 (غيتي)

يعِد العنوان الفرعي للكتاب الجديد الذي ألفه جاك سترو بمساعدة القارئ على «فهم إيران». ومع هذا، فإن ما يحصل عليه المرء خلال 390 صفحة يمكن وصفه على أفضل تقدير بأنه سوء فهم لإيران اليوم. وهو سوء فهم منع بريطانيا، بجانب عدد من القوى الغربية الأخرى، من تطوير سياسة واقعية للتعامل مع إيران، وساهم في إطالة أمد أزمة سببها السلوك المتشدد للجمهورية الإسلامية على الساحة الدولية.
وربما ينبع سوء فهم سترو من «افتتانه المطلق» بإيران التي تسكن خياله، ويحمل سوء الفهم ذلك ثلاثة جوانب:
أولاً: يعتقد سترو لأن إيران حضارة قديمة وقدمت شعراء عظماء وتبرع بشكل خاص في صناعة السجاد وتقدم للعالم واحداً من أروع المطابخ، ولهذه الأسباب، فإنها تستحق التسامح مع النشاطات الغريبة التي تتورط فيها في عدد من المجالات الأخرى مثل احتجاز رهائن والترويج للكراهية وانتهاك حقوق الإنسان وتصدير الإرهاب تحت مسمى الثورة. ويبدو الأمر أشبه بإظهار التسامح تجاه ستالين لأن المرء يشعر بتقدير تجاه بوشكين وتشايكوفسكي ويستمتع بطبق من البورشتش الروسي. ودعونا نتساءل كيف كان سيكون الحال إذا تسامحنا تجاه هتلر لأننا نحب فريدريك شيلر وبيتهوفن وسلطة البطاطا؟ في الواقع، مسألة أن كورش الكبير كان ملكاً عظيماً، بل وربما راعى حقوق الإنسان في إيران، مثلما يشير سترو، لا يبرر القتل الجماعي للسوريين على يد جيش مرتزقة يقوده ملالي إيران ـ وهو مثال واحد على تجاوزات النظام الإيراني الحالي.
ثانياً: يدور «سوء الفهم» حول اعتقاد سترو الغريب بأن النخبة الخمينية الحاكمة تتضمن فصيلاً «إصلاحياً» يتوق لبناء علاقات وثيقة مع الأنظمة الغربية الديمقراطية، وبالتالي يجب دعمه لإلحاق الضعف بالفصيل «المتشدد» الذي يقوده «المرشد الأعلى» علي خامنئي، والتخلص منه تماماً نهاية الأمر. لكن من هم «الإصلاحيون» الذين يدعي سترو أنه اكتشف وجودهم داخل إيران؟ يذكر سترو عدداً من الأسماء منها الرئيسان السابقان هاشمي رافسنجاني ومحمد خاتمي، والرئيس الحالي حسن روحاني، والمرشحان الرئاسيان السباقان حسين موسوي ومهدي كاريبا، وكلاهما قيد الإقامة الجبرية، بجانب عدد من المسؤولين الحاليين أو السابقين من رتب أدنى، مثل محمد جواد ظريف وكمال خرازي، الذي وصفه سترو بـ«صديقي القديم» ومصطفى تاج زاده.
تكمن المشكلة هنا في أن سترو عجز عن ذكر إصلاح واحد جرى اقتراحه، ناهيك عن تنفيذه، من جانب الفصيل «الإصلاحي» المزعوم في طهران. الأسوأ من ذلك أن سترو ينسى أنه وقعت أعداد أكبر لعمليات إعدام وإلقاء قبض على أشخاص لأسباب سياسية في ظل خاتمي وروحاني عما حدث أثناء رئاسة محمود أحمدي نجاد الذي من المفترض أنه من الفصيل «المتشدد».
ثالثاً: يتضح من الكتاب أن سترو يرى أنه عند التعامل مع الجمهورية الإسلامية، ثمة خياران لا ثالث لهما: إما ابتلاع أي شيء تفعله إيران ولو على مضض، أو شن حرب شاملة ضدها.
جدير بالذكر، أن سترو كان واحداً من أقوى الأصوات المؤيدة لشن حرب لتدمير نظام صدام حسين في العراق، ولطالما أكد على أن النظام البعثي في بغداد لم تعد تجدي معه محاولات الإصلاح.
ومع ذلك، عندما ينتقل الحديث إلى الجمهورية الإسلامية، يتحول وزير الخارجية البريطاني السابق إلى حمامة سلام مسالمة تماماً، ويرى أن السبيل العقلاني الوحيد لتغيير سلوك إيران هو الاعتماد على الجهود الدبلوماسية. ويزعم سترو لنفسه بعض الفضل عما نعرفه اليوم بالخطة المشتركة الشاملة أو «الاتفاق النووي الإيراني» الذي تزعمته إدارة أوباما. وكان سترو أول من روّج لهذه الفكرة لدى وزيرة الخارجية الأميركية في رئاسة جورج دبليو. بوش، كوندوليزا رايس، عام 2006 قبل أن ينقله رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، إلى منصب آخر.
جدير بالذكر، أنه على مدار العقدين الماضيين، زار سترو إيران سبع مرات، خمس منها وزيراً للخارجية. وفي واحدة من هذه الزيارات كان جزءاً من وفد برلماني يضم لورد لامونت والزعيم الحالي لحزب العمال جيريمي كوربن الذي كان يعمل حينها لحساب قناة «بريس تي في» المملوكة للحرس الثوري الإسلامي في إيران. وفي واحدة من زياراته الخاصة لإيران، وكان برفقته زوجته واثنان من الأصدقاء، تعرض كوربن لمضايقات وجرى إخراجه من إيران نهاية الأمر على يد واحدة من الوكالات الأمنية التاسعة العاملة داخل الجمهورية الإسلامية.
ووجه سترو انتقادات للرئيس دونالد ترمب لرفضه الدبلوماسية السرية في وقت يرى زعماء إيران أي محاولة علنية للتقارب باعتبارها إهانة لنظامهم. وزعم أن «الاتفاق النووي» كان ليكتمل حال عقد مزيد من المحادثات السرية حول قضايا أخرى تهم القوى الغربية، بما في ذلك تدخل الجمهورية الإسلامية في الشؤون الداخلية لكثير من الدول العربية. ويرى سترو أن الخطة المشتركة الشاملة الأولى كان يمكن أن يتبعها الكثير من الخطط المشابهة للتعامل مع قضايا حقوق الإنسان، سعياً وراء تهميش وتقويض نفوذ «المرشد الأعلى» نهاية الأمر.
ومع ذلك، لم يقدم سترو أي دليل على أن هذا الاتفاق مختلف عن أي اتفاقيات أخرى أبرمت مع الجمهورية الإسلامية على مدار الأربعين عاماً الماضية، وسيترك تأثيراً دائماً على استراتيجية وسلوك النظام الخميني. الحقيقة أن حكام إيران الخمينيين أتقنوا دبلوماسية الخداع والتراجع. وفي أي لحظة يشعرون بوطأة ضغوط شديدة عليهم، يسارعون لتقديم تنازلات، يجري التراجع عنها لاحقاً بمجرد تخفيف الضغوط عليهم. الأهم عن ذلك، أن سترو أخفق في إدراك أن «المعتدلين» من وجهة نظره بما فيهم روحاني وخاتمي يفتقرون إلى الدعم الشعبي اللازم لتهميش خامنئي، ناهيك عن التخلص منه تماماً.
على مدار صفحات الكتاب، طرح سترو عدداً من الافتراضات تشيع بين من يطلقون على أنفسهم «محللين مختصين بالشأن الإيراني»، منها تقسيم السلطات داخل النظام الإيراني بين المسؤولين المنتخبين والآخرين غير المنتخبين. في هذا الإطار، يدعونا سترو للاعتقاد بأن خامنئي، الذي من المفترض أنه غير منتخب، يتمتع بشرعية أقل عن روحاني، مثلاً، باعتبار الأخير مسؤولاً منتخباً. ومع هذا، فإن الحقيقة أن مجلس الخبراء، المنتخب عبر التصويت الشعبي، هو من يتولى انتخاب خامنئي. في الوقت ذاته، فإن روحاني، مثل سابقيه، لم يكن باستطاعته أن يصبح رئيساً دون صدور حكم تنفيذي من «المرشد الأعلى».
أيضاً، فإن سترو خاطئ في اعتقاده بأن المجلس الإسلامي، الذي يصفه عن طريق الخطأ بأنه «المجلس الاستشاري الإيراني»، يخضع لمجلس الأوصياء الذي يصفه، عن طريق الخطأ كذلك، بأنه «صنيعة المرشد الأعلى» وحده.
وسعياً لتعزيز افتراضه بأن الملالي لديهم أحقية تكاد تكون فطرية في حكم إيران، يبالغ سترو في أهمية الدور الذي اضطلع به رجال الدين الشيعة على الساحة السياسية الإيرانية على مدار القرون الخمسة الأخيرة. على سبيل المثال، تحولت فتوى تحرم تدخين التبغ أطلقها آية الله مغمور من وجهة نظر سترو إلى حدث جلل. ومع أن رجال الدين لعبوا دوراً بالفعل في الثورة الدستورية عام 1906، لكن فقط باعتبارهم قوة فرعية. أيضاً، ساند الملالي الشاه في طرده رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، حدث وصفه سترو بأنه «انقلاب» دبرته الاستخبارات البريطانية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). أما مسألة أن الشاه عيّن وطرد بالفعل مصدق من منصب رئيس الوزراء مرتين دون أن يتحدث أي شخص عن انقلاب، فيتجاهلها سترو تماماً.
الواضح أن سترو يمقت الشاه بهلوي ويحاول جاهداً تقديمه في أسوأ صورة ممكنة، ربما سعياً لتبرير ثورة الملالي عام 1979.
أيضاً، يبالغ سترو في الدور الذي لعبه البريطانيون في إيران. كانت النخبة الإيرانية الحاكمة الفاسدة، وبخاصة خلال العقود الأخيرة من الحكم القاجاري، قد استغلت تدخل بريطانيا وروسيا، العدوين الإمبرياليين لإيران آنذاك، ذريعةً لتشتيت الأنظار بعيداً عن فسادها وافتقارها إلى الكفاءة.
في الواقع، ليس بإمكان أي قوة أجنبية فرض إرادتها ولو على أشد الأمم ضعفاً دون مساعدة على الأقل من بعض العناصر داخل الطبقة الحاكمة بهذا البلد. وتعكس المقولة الفارسية المشهورة «كله من صنع الإنجليز!» مشاعر سخط دفينة تجاه الدور الذي لعبه البريطانيون في الشؤون الإيرانية خلال قرن.
ومع هذا، فإن هذه المقولة غالباً ما يجري استغلالها مزحةً أكثر عنها تعليقاً جاداً على أحداث تاريخية. في الواقع، لم يكن هناك قط وجود بشري بريطاني كبير في إيران. وكانت شركة النفط الأنغلو ـ إيرانية تعمل على أقل من 1 في المائة من مساحة إيران، وفي ذروة نشاطها وظفت ما يقل عن 200 من غير الإيرانيين، معظمهم من الحراس والسائقين السيخ من إقليم البنجاب. علاوة على ذلك، لم تظهر بريطانيا بين أكبر خمسة شركاء تجاريين لإيران قط، ولم تتمكن من منافسة فرنسا وألمانيا، ومنذ عام 1960، أصبحت عاجزة عن منافسة الولايات المتحدة مع اجتذاب الدول الثلاث للكثير من الإيرانيين الساعين لاستكمال تعليمهم العالي بالخارج.
وقد غزا البريطانيون إيران بالفعل، بالتنسيق مع السوفيات، عام 1941 وليس عام 1942 مثلما ذكر سترو، لكنهم لم «يحتلوا كامل إيران»، مثلما يبدو أنه يعتقد. في الحقيقة تمركزت القوات الاستطلاعية التي كانت تتألف في الجزء الأكبر منها من مجندين من الهند، داخل واحدة من خمس محليات إيرانية، وبدءاً من عام 1943 خضعت هذه القوات لقيادة أميركية حتى الانسحاب الكامل بعد ذلك بعامين. أما خرافة «المهمة الإنجليزية» فقد جرى تصميمها لإطالة أمد العداء بين الأمتين اللتين عايشتا تقلبات بين علاقات الانجذاب والكراهية مثلما الحال مع الكثير من العلاقات البشرية على مر التاريخ.
أما رواية «عزيزي عمي نابليون» التي ألفها إيرج بزشكزاد فتستخدم عبارة «هذه مهمة إنجليزية» مزحةً. والمفارقة، أنها كتبت في سبعينات القرن الماضي، وليس الأربعينات حسبما يؤكد سترو.
بوجه عام، من الممتع قراءة كتاب سترو، لكنه يتضمن الكثير للغاية من الأخطاء في سرد الوقائع، وكذلك تكهنات دون أدلة تدعمها. مثلاً، أشك في أن نجل آية الله خامنئي الثاني، مجتبى، لديه أي فرصة في خلافة والده كـ«مرشد أعلى»، حتى وإن ظل النظام قائماً. أيضاً، يبالغ سترو في مكانة آية الله ناصر مكرم شيرازي وآية الله صادق لاريجاني الذي يترأس حالياً مجلس تشخيص مصلحة النظام. ربما يشعر سترو بالإعجاب تجاه لاريجاني لقدرته على الحديث بالإنجليزية «بطلاقة»، لكنه يفتقر إلى مكانة حقيقية في إطار هيئة رجال الدين الشيعة.
جدير بالذكر، أن اللغة الأم لخامنئي الفارسية وتنتمي والدته إلى أصفهان، وثمة ادعاءات بأنه من نسل الشاعر كمال الدين إسماعيل. أما والده فمن أذربيجان ويتحدث اللغة الأذرية، واحدة من اللغات الالتائية.
يذكر أن آية الله الخميني لم تكن لديه معرفة واسعة بالفلسفة اليونانية؛ لأن معظم أعمال الفلاسفة اليونانيين، بما في ذلك أفلاطون وأرسطو التي ذكرها سترو لم تترجم بعد إلى الفارسية أو أي لغة أخرى داخل العالم الإسلامي.
كما أن بعض ادعاءات سترو غريبة لدرجة لا تستحق التعليق عليها. مثلاً، يقول: «إيران واحدة من أكثر المجتمعات علمانية، فالناس يضحكون على ما يقوله الملالي». ومع هذا، يعتقد أن الملالي سيحكمون إيران ربما إلى الأبد. ومع هذا، يقول: «تحت السطح، إيران بعيدة كل البعد عن الهدوء، فالنظام يسير باتجاه وغالبية الشعب في اتجاه آخر».
وبالنسبة لشخص يبدو منحازاً إلى صف الجمهورية الإسلامية، يعد هذا بمثابة اعتراف خطير!


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً