«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني

«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني
TT

«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني

«سيدات القمر»... رواية تستجوب المكان العُماني

بتصور كلود ليفي شتراوس، ليس بمقدور ابن القبيلة أن يتحدث عن قبيلته، وذلك لانتفاء الحياد فيما سيقوله. حيث الارتباط العاطفي الذي يجرفه باتجاهات غير متعادلة من الوجهتين: المعرفية والوجدانية. وذلك هو ما عاندته جوخة الحارثي في روايتها (سيدات القمر). إذ بدت محاولتها واضحة للانحياز بالسرد من وظيفته الإخبارية التعليمية إلى مهمته الجمالية. فالمكان العماني كما تستذكره، ليس مجرد خلفية حاضنة لوقائع الحُبّ التي تتبدد بكثافة في الرواية لأسباب موضوعية، بقدر ما هو أحد العناصر الفاعلة والمؤثرة في تشكيل مزاج وأفكار الشخصيات، وتزمين الأحداث.
الرواية مسرودة بمنظور (سيدات) وهو ما يعني من الوجهة النقدية أن الرواية تتكئ على نزعة نسوية، ليس بالمعنى الخطابي، المحمول على نبرة المرافعات الحقوقية الصاخبة، بل بحمولات نسوية ناعمة قوامها الحسّ الأنثوي. وهذا هو ما يفسر الحضور الطاغي لثيمة الحُبّ، التي تشكل قدر المرأة في كل مفاصل الرواية. كما تفسر كثافة الفضاءات النسائية التي تتحرك فيها الشخصيات، مقارنة بالهامش الضئيل للفضاءات الذكورية. وانخفاض منسوب الوجود الأنطوقي للرجل. وهو ما يعنى أن عدسة جوخة الحارثي كانت أكثر حضورا والتصاقا بالعوالم النسائية منها بعالم الرجال. ومرد ذلك كما يبدو إلى أنها استهلت الرواية بالكتابة من داخل الحالات التي تعرفها وليس عن تلك التي تجهلها.
وهذا البعد خاصة هو الذي رفع من منسوب جاذبية الزوايا المتوغل فيها، حيث التفاصيل الدقيقة وجماليات الإحساس السردي بها، فيما جعل من الفضاءات المتكلم عنها بشكل عابر مجرد هوامش لا قيمة بنيوية لها. وهو منحى يبدو على درجة من الوضوح والإتقان التفصيلي فيما ترويه وتتلفظ به (ظريفة) العبدة الوحيدة التي يُسمح لها باقتحام عالم نساء الأسياد. حيث تستأثر بمفاصل طويلة في السرد، باعتبارها لسان القاع أو الهامش الاجتماعي، وخزان العادات والتقاليد والأمثال والطقوس الاجتماعية. لدرجة أن السرد يتحول إلى فضاء إغوائي أنثوي باعتباره حيلة سردية نسوية مضاعفة، مقابل المرور العابر للفضاء الذكوري في حرب الجبل الأخضر مثلا، أو سوق (عبرية) وهكذا.
النصوص السردية بالمجمل لا تمتلك ذلك الترتيب الهرمي التعلمي المنظم، برأي رولان بارت. وهو استنتاج ينطبق تمام الانطباق على رواية (سيدات القمر). حيث تتوفر القصدية لفرط النص. كما بدا ذلك جليا في العرض الشكلي للرواية. الذي تبدى بهيئة لوحات على شكل نُتف نصّية، يتناوب على سردها شخصيات الرواية بالإضافة إلى الراوي، بما هو امتداد لصوت جوخة الحارثي، باعتبارها الإله الخفي الذي يحرك كل شخصيات الرواية، ويحضر في كل تفاصيل النص، من دون أن يشعر القارئ بوجوده. وذلك بالتحديد هو ما أدى إلى استعصاء (حبكنة) النص، وانعدام لحظات التوتر الدرامي. إذ لا عقدة كُبرى تتبأر حولها الأحداث، التي كانت تنجدل في سلسلة من الوقائع المتتالية والحبكات متناهية الصغر بشكل خطي داخل الزمن الواقعي، المبعثرة في المتن الروائي.
هذا السرد الانبساطي إنما يعني في جانب من جوانبه انتصار جوخة الحارثي لمفهوم القصة بمعناها الحكائي، كما يبدو ذلك في سيرة السيدات العاشقات وخيباتهن في درس الحُبّ. إلا أن ذلك لا يعنى أيضا عدم وجود طبقات للنص التحتي الذي يرفد الحكاية ويقويها، فكل قصة من تلك القصص المتداخلة تعيد تركيب عالم عائلة (عزان) من منظور يخدم مراداتها الاستنطاقية للمكان ذي الطابع الذكوري. حيث يتخصب السرد بالتفاصيل المعرفية والعاطفية، التي تجسد الفضاء العماني بين عهدين، ما قبل الدولة الحديثة وما بعدها من مشاهد عصرية. كما تتورط الرواية في عرض وتفكيك البناءات القبلية والطبقية، وكذلك تقديم سجل اجتماعي ثري للعادات والتقاليد وطقوس الموت والميلاد والزواج، في الريف والبادية. حيث ارتقت الرواية إلى مستوى الوثيقة الاجتماعية، ولم تكن في وارد التأريخ على ما يبدو.
هكذا بدا النص الروائي المكتوب بمزاج وإحساس. ومفردة عمانية، وكأنه قد صُمم لإشباع خبرات القارئ الحياتية والمعرفية وتحريضه - بوعي أو لا وعي - على القيام بما يسميه أمبرتو إيكو الجولات الاستدلالية لسبر طبوغرافية المكان بمقتضى حيلة سردية بينصية، تستقرئ الفضاء العماني انطلاقًا مما يتردد كمآثر مشهدية في النص. وكل ذلك يحدث في مكان متخيل هو قرية (العوافي) التي تحتشد فيها كل عناصر المكان العماني، بعد نزع حمولاته التصنيفية. فهو النص المكاني الجامع لكل الفضاءات العمانية، ولذلك جاءت تلك الانحرافة المجازية بمثابة منبه من منبهات التخييل، المفارق للواقع والمرتد إليه في الآن نفسه.
الرواية مهندسة بلغة تعبيرية ملتصقة بالفضاءات وأحاسيس الشخصيات. بجُمل قصيرة خاطفة، وإيقاعات استرواحية بطيئة. خصوصا في بداية الرواية. عندما كانت (ميا) تتبتل بما يشبه الصلاة السرية «يا ربّي حلفت بك... حلفت لك بكل شيء. فلماذا أرسلت ولد سليمان لبيتنا؟ تعاقبني على حبّي؟». وهذا التبتل إنما جاء بعد أن رسمت جوخة الحارثي هيئة جاذبة لعلي بن خلف، أشبه ما تكون بالتمثال المنغرس بعمق في محراب العشق «حين رأت ميا علي بن خلف، كان قد أمضى سنوات في لندن للدراسة وعاد بلا شهادة. لكن رؤيته صعقت ميا في الحال. كان طويلا لدرجة أنه لامس سحابة عجلى مرقت من السماء، ونحيلا لدرجة أنّ ميا أرادت أن تسنده من الريح التي حملت السحابة بعيدا. كان نبيلا. كان قدّيسا. لم يكن من هؤلاء البشر الذين يتعرّقون وينامون ويشتمون». لكن لذة البطء السردي تلك اختفت بمجرد أن توقفت ميا عن الخياطة. عندما سألتها مرّة: «لماذا لا تخيطين يا ميا؟»، فردت عليها: «إيش أخيط والخياطين في كل مكان... وبصراحة ملّيت». حيث التلازم البنيوي ما بين التهادي الحياتي والبطء السردي.
بعد هذه اللقطة، التي تشكل فاصلا بين زمنين، بدأت الرواية تتخلى عن نسج المشاهد بلغة تفصيلية هادئة، وتسارع الإيقاع بشكل مخل. حيث تسيدت اللغة الإخبارية مشاهد الرواية. وتعطلت مفاعيل وسحرية الشخصيات المؤمكنة. ومرد ذلك يعود إلى اتساع المكان والمسافات، بعد الخروج من محدودية (العوافي) إلى رحابة (مسقط). وانتقال السرد إلى لحظة زمنية سريعة الإيقاع مؤسسة على حركة الشخصيات المستعجلة، والبيوت التي فقدت سحرانية تأثيرها بأضواء النيون، والأدوات الاستعمالية البلاستيكية، التي تحيل إلى واقع جديد بارد الملامح. الأمر الذي لم تتمكن فيه جوخة الحارثي من الإبقاء على ديمومة المتعة المترسبة في النصف الأول من قاع الرواية. وهو أداء بدا أكثر وضوحا في اللوحات المتأخرة، حيث الكتل الكلامية المفككة، والتعبيرات الكلامية المستعجلة. والمشهدية الشكلية التي تؤكد أن تشبّع الروائية بمشاهد القرية والاستمتاع باستذكارها سرديا يفوق درايتها والتصاقها باللحظة والفضاءات الجديدة.
لكل سيدة من (سيدات القمر) قصة حُبّ موجعة سببها الرجل. ليس بالضرورة من خلال حضوره الغادر، وإنما بسبب وجوده على رأس هرم بطريركية راسخة الجذور تجعله في موقع المتسلط على المرأة. وهذا هو جوهر استراتيجية النص. إذ لا وجود للمرأة خارج النظام الاجتماعي المعقد، المحتشد بالعادات والتقاليد والأعراف التي تحد من حرية المرأة على الرغم من الهامش البسيط المتأتي من التحولات التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية. ولا مستقبل لأي حالة ارتواء عاطفي على ذلك القاع الاجتماعي الرجراج الذي لا يسمح باستواء قصة حُبّ. وهذا هو منطق الرواية باعتبارها الكون السردي الصغير الذي يحيط به كون واقعي حياتي أوسع وأكبر بكثير.
لا تشي الرواية بأي قراءة تأويلية ضالة، بقدر ما تستعرض مآزق الذات الأنثوية العاشقة بشكل تكراري إلى الأمام، من خلال عرض تراتبية أجيال يتغير فيها كل شيء إلا قدر المرأة مع الحُبّ. انطلاقًا من (سالمة) التي زوّجها عمها قسرا لـ(عزان) حيث انحرف فيما بعد عنها إلى علاقة جارفة مع (نجية القمر) فانفصلت عنه جسديا. ثم ابنتها (ميا) التي كانت تحلم بالزواج من (علي بن خلف) لكنها تُجبر وفق الأعراف الاجتماعية على الزواج من (عبد الله) ابن التاجر سليمان لتكمل حياتها زوجة شكلية مع زوج يعشقها لكنها لا تبادله الشعور نفسه. وهو المآل الذي صادفته حفيدتها (لندن) في علاقتها بـالشاعر المتمرد (أحمد) المتورط بعلاقة هو الآخر مع رئيسة الجماعة الأدبية في الجامعة. وهو المصير نفسه لعلاقة (خولة) بابن عمها (ناصر) حيث هجرها ليلتحق بزوجته الكندية. لتبقى قصة (أسماء) مع (خالد) استثناء في تلك السلسلة من الإخفاقات، التي تؤكد انهزام المرأة واستسلامها أمام مجتمع يتفنن في إعادة إنتاج البطريركية مهما تقدم في الزمان والمكان.
إنها رواية استجوابية لماضي وحاضر عمان، بالمعنى الحداثي للكلمة. ومن الزاوية التي ترى بها المرأة الوجود تحديدا. حيث تمدد جوخة الحارثي حكايا (السيدات) في نص يستمد قوته في البداية من شكله الجمالي، ومن ثراء مضامينه. وإن كانت واقعيته الصريحة تؤمم المعنى لصالحها بصفتها روائية مهيمنة لا متسائلة. لولا أنها تتخلى فيما بعد عن التعبيرات المسكوكة بعناية بلاغية، وعن العلامات الإشارية التي شيدت بها استهلالات الرواية إلى فكرة تلقين القارئ بما ينبغي عليه أن يستنبطه من حركية النص. وهي أدائية استدراجية لاستدماج القارئ في استراتيجية النص واعتباره جزءا من عملية بنائه. حيث اللهاث وراء قدر شخصيات معاندة للتنميط داخل النص، وسيرورة الواقع. وكأن الرواية بذلك الانحياز لقصص النساء تستنطق ذكورية المكان العماني، أو بمعنى أدق تستعمله، لتشييد لعبة تأويلية بنبرة أنثوية خافتة خالية من عنف المناقدة.
- ناقد سعودي



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.