حبوب الطلْع تساعد العلماء على تعقب آثار الجرائم

ترصد المخدرات وتتعرف على مواقعها

حبوب الطلع تحت المجهر
حبوب الطلع تحت المجهر
TT

حبوب الطلْع تساعد العلماء على تعقب آثار الجرائم

حبوب الطلع تحت المجهر
حبوب الطلع تحت المجهر

تنتشر بذور الطلع في كل مكان، ما يعني أنها تعرف الخبراء بـالمكان الذي كنتم توجدون فيه، أو لنقل إنها على الأقل هدية سهلة بيد أي شخص يعرف ما يبحث عنه. هذا الشخص هو أندريو لورنس، واحد من عالمين متخصصين بالطلع، يعملان اليوم لصالح الحكومة الأميركية. ويمضي لورنس معظم وقته في هذه الأيام يراقب الطلع الملتصق على الجثث، وعلى المخدرات.

حبوب الطلع
ينتشر غبار الطلع في كل مكان في هذه الفترة من العام. حالياً، وفي أي مدينة متوسطة الارتفاع، يحتوي كل متر مكعب في الهواء الخارجي على ما يقارب 100 ألف بذرة طلع، بينما يحتوي كل متر مكعب من الهواء في الأماكن المقفلة على 5 آلاف بذرة، وهي بغالبها غير مرئية للعين المجردة، وتكون هذه الأرقام أعلى طبعاً في المناطق الريفية. باختصار، يمكن القول إن غبار الطلع يغطي كل واحد منا وكل جسم يحيط بنا.
عندما يحتك غبار الطلع بملابسنا أو شعرنا، لا يتركهما أبداً. وتحتوي بعض بذور الطلع على الأشواك، بينما يأتي كثير منها مغطى بمادة دهنية تلتصق كالغراء. ينخفض عدد بذور الطلع قليلاً مع كل دورة عند الغسل بالغسالة، ولكنه لا يختفي تماماً أبداً. وحسب لورنس: «لن تستطيعوا أبداً انتزاعه عن ملابسكم أو شعركم، لأنه يرافقكم منذ اليوم الذي اشتريتم فيه الملابس».
يحتوي العالم على نحو 380 ألف نبتة مختلفة، ولكل واحدة منها بذرة طلع تتميز بشكل خاص. وتأتي هذه البذور على شكل أقفاص هندسية قاسية، مهمتها احتواء المادة الجنسية الذكرية في رحلتها من النبتة الأم، على أمل الوصول إلى الأجزاء الأنثوية في نبتة أخرى. وبذور الطلع ليست السائل المنوي الخاص بالنبات، بل «النموذج الأولي من المني»، أي أنها تملك القدرة على التحول إلى حيوانات منوية، ولكن فقط إذا اتصلت بالميسم، أي الجزء الأنثوي في نبتة أخرى.
تحفز المادة العضوية الموجودة في الطلع، أي حمولة «النموذج الأولي من المني»، الحساسية على أنواعها. ولكن بحث لورنس يستهدف قشرة الطلع الخارجية، وهي على حد تعبيره «هيكل خارجي» غير قابل للتدمير، مضيفاً: «هكذا عرفنا الشكل الذي كانت عليه البيئة قبل 500 مليون سنة من اليوم. هذه المعرفة حصلنا عليها من خلال استخدام بذور الطلع».
تعتبر بذور الطلع أمثلة مبهرة على الهندسة المركبة في أجسام أصغر حجماً من الشعرة البشرية، إذ إن كل واحدة من هذه البذور تأتي بتصميم خاص بنبتتها، ووظيفة لورنس هي التمييز بينها.

مكافحة المخدرات
يقع مختبر لورنس في شيكاغو. وترسل سلطات الأمن وجهات إنفاذ القانون عادة المخدرات التي تصادرها من الحدود الأميركية مع المكسيك إلى لورنس وشريكته في المختبر، شانون فرغسون، عالمة الطلع الوحيدة الأخرى التي تعمل مع الحكومة الفيدرالية. وكانت فرغسون بدأت العمل مع هيئة الجمارك وحماية الحدود كطالبة متدربة في العام 2015. ومن ثم التحقت للعمل في المختبر عام 2017، بعد الحصول على شهادة الدكتوراه.
مع تصاعد جهود مكافحة الاتجار بالأفيون، بات لورنس وفرغسون يحصلان على كمية متزايدة من مكعبات الفينتانيل ونظائره. وقال لورنس إنه وزميلته يسعيان لمعرفة المكان الذي تأتي منه هذه المواد، مؤكداً أن بذور الطلع زوّدتهما بمعلومات جديدة، ولكنه رفض الدخول في التفاصيل.
في مارس (آذار) الماضي، عمّمت هيئة الجمارك وحماية الحدود منشوراً يشجع أي ولاية أو جهة محلية لإنفاذ القانون صادرت أكثر من كيلوغرام من الفينتانيل أو الأفيون، على إرسالها إلى لورنس وفرغسون، ليتمكنا من تحديد أصل هذه المواد المخدرة.
يحتاج العالمان المتخصصان إلى كيلوغرام كامل من المخدرات للحصول على كمية كافية من بذور الطلع قادرة على تحديد أصل المخدرات، أي موقع انطلاقها، أو على الأقل ما مجموعه 200 بذرة طلع، يعملان على عدّها وتصنيفها يدوياً تحت المجهر. واختبر عالما الطلع ما يقارب 15 عينة من الفينتانيل خلال السنة ونصف السنة الماضية.

عوامل رصد بيئية
لتحديد معنى كل نوع من أنواع الطلع في التحقيقات، درس لورنس عوامل متغايرة كثيرة.
لجأ أولاً إلى أنماط الرياح، ولكنها لم تساعده في تحديد خصائص كل نبتة. إذ تعمل شجرة الصنوبر مثلاً بالتلقيح الريحي، وتضم أكياساً هوائية تبقيها مرتفعة مع أي نسيم عليل، ما يعني أنه يمكن العثور على طلع الصنوبر على مسافة 62 كلم من أقرب شجرة صنوبر؛ حيث تتراكم كثافة بذور لقاح الصنوبر لتشكل عينة صالحة للدراسة. في حال وجد الباحثان أن 40 في المائة من بذور الطلع تعود لشجرة الصنوبر، هذا يعني أنهما على مقربة من غابة صنوبر، ما يضيق الخيارات الجغرافية بشكل كبير، أما في حال وجدا أن العينة تحتوي على واحد أو اثنين في المائة فقط من لقاح الصنوبر، فهذا قد لا يعني الكثير، بل «يؤكد أننا موجودون على كوكب الأرض» على حدّ تعبير لورنس.
يتحدث الباحثان أيضاً عن نوع آخر من النباتات، كنبتة السنفية المشعرة fire weed التي تتميز بزهور بنفسجية، ولها قصة مختلفة تماماً. إذ يشرح لورنس أن «نبتة السنفية المشعرة تنتج بذور لقاح قليلة جداً في كل موسم، وهي بذور شديدة الثقل، أي أنها لا تنتقل لمسافات طويلة. لذا، فإن العثور على بذور منها على الملابس أو المخدرات، يشير إلى أن أصحابها كانوا يعيشون في بيئة تنمو فيها هذه النبتة».
يقول لورنس إنه ينظر إلى العالم من وجهة نظر البقع النباتية، وليس بحسب حدود الدول وخطوط الحكومات، لأن «النباتات لا تأبه بالحدود البشرية».

تحقيقات جنائية
في يوليو (تموز) 2015، تلقى لورنس نباتات صغيرة، وبطانية، وحفنة من الشعر البشري. وكانت السلطات قد عثرت على جثة طفلة مجهولة الهوية في كيس للمهملات على ضفة جزيرة «دير» في بوسطن. هذه الفتاة، التي أشار إليها المحققون باسم «الطفلة دوي»، كانت في السنة الرابعة من عمرها. لم ينجح هؤلاء في تحديد هويتها أو من أين أتت، ولكن لورنس وجد دليلاً مهماً على وجود آثار من نباتات الزينة.
والقصة كما أوردتها صحيفة «بوسطن غلوب» في ذلك الوقت هي أن الطفلة دوي كانت تلعب بين أشجار الصنوبر والبلوط في إقليم نيو إنغلاند، تغطيها آثار من نبتتي التمر حنة والأرز اللبناني، النبتتان اللتان لا تعود جذورهما إلى الولايات المتحدة، ولكنها غالباً ما تُزرع في الضواحي. استنتج المحققون من السخام الممزوج ببذور الطلع على ملابسها أن الفتاة الصغيرة آتية من بيئة مدنية، ومن مكان قريب من بوسطن.
ونجح المحققون عبر تحاليل بذور الطلع في التأكيد على أن الطفلة آتية من مكان محلي قريب. وتم بعد أشهر قليلة، إدانة أمّ الطفلة وصديقها بقتلها. وقد ساهمت هذه القضية في إبراز أهمية عمل لورنس، وأثبتت أن هذا النوع من الأبحاث قد يساعد في حل القضايا الجنائية. وفي حديث له مع صحيفة «ذا أتلانتك»، قال لورنس إنه «شعر بالسرور لرؤية النتيجة النهائية وتأثير عمله عليها».
ومنذ ذلك الحين، بدأ يشارك في التحقيق في جرائم قتل أخرى، وقضايا الاتجار بالمخدرات كالميث (الميثامفيتالين البلوري، وهو مادة مخدرة قوية) والكوكايين والهيرويين، وهو يركز في الجزء الأكبر من عمله على الاختبارات العلمية.

حبوب الطلع لاستكشاف النفط ورصد الجرائم
> يضم العالم نحو 1000 عالم متخصص بدراسة بذور الطلع فقط، يعمل معظمهم في شركات النفط، التي تستخدم تحاليل متحجرات الطلع لتحديد مواقع وعمر مخازن النفط، «تعتبر فصائل الطلع المتحجرة على عمق معين مؤشراً إلى المنطقة الجيولوجية التي عاشت فيها هذه النباتات».
تأخرت الولايات المتحدة في البدء باستخدام الطلع كأداة جنائية، خاصة أن المملكة المتحدة ونيوزيلندا تستخدمانها منذ عقود. وتعتمد الولايات المتحدة الطلع كأداة للتحقيق فحسب، بينما تعتبر نيوزيلندا النتائج الصادرة عن تحاليل الطلع أدلة مقبولة في المحاكم. ولكن مع تصاعد أهمية التحقيقات المرتبطة بالأفيون في عصرنا الحالي، لا شك أن دور علم الطلع الجنائي سيكون كبيراً في الولايات المتحدة.
- «كوارتز»، خدمات «تريبيون ميديا»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟