عفرين... «انتهاكات» تطال البشر والشجر وتغيير في التركيبة

ترصد الواقعين الإنساني والاقتصادي في المدينة ذات الغالبية الكردية شمال سوريا

اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
TT

عفرين... «انتهاكات» تطال البشر والشجر وتغيير في التركيبة

اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)
اعتصام لسكان هُجّروا من عفرين إلى منطقة الشهباء (الشرق الأوسط)

في مارس (آذار) 2018، سيطر الجيش التركي وفصائل سورية معارضة على مدينة عفرين شمال حلب ذات الغالبية الكردية، ومنذ ذلك الحين تحدثت منظمات دولية وحقوقية عن تردّي الأوضاع الأمنية والإنسانية في هذا الجزء من سوريا.
وعلى أثر العملية العسكرية، نزح ما يزيد على نصف سكان المدينة البالغ عددهم قبل الحملة نحو نصف مليون شخص، وتمركزوا في مخيمات بمناطق الشهباء في ريف حلب الشمالي على بُعد عشرات الكيلومترات من منازلهم، ليحلّ مكانهم نازحون من بلدات الغوطة الشرقية لدمشق ومدن حمص وحماة وحلب، وغيرها من سكان المناطق التي استعادتها القوات النظامية من الفصائل المعارضة، وأجبروا على ترك مناطقهم وفق اتفاق مسار «آستانة» والدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران.
وعلى مدى الأيام الماضية، تواصلت «الشرق الأوسط» مع سكان مدنيين ونشطاء ومعارضين من داخل عفرين، إلى جانب شخصيات تركت مسقط رأسها، وقصدت دول الجوار، أو لجأت إلى دول أوروبية، لكنهم يحتفظون بيوميات حول طبيعة الحياة في ظل انتشار الجيش التركي وفصائل موالية له، كما تحدثت مع نازحين من حمص وغوطة دمشق لسماع وجهة نظرهم، وقامت بحجب الأسماء وبعض تفاصيل الحياة وأعادت نشرها، حفاظاً على سلامة الأشخاص الذين شاركوا في التحقيق.

- تغيير التركيبة السكانية
«كل شيء في عفرين تغير بعد 18 مارس (آذار) 2018... فرضوا واقعاً ولم يعد بإمكاني التكلم بلغتي الكردية، لأنها كافية لتكون تهمة»، بهذه الكلمات بدأت فتاة شابة من داخل مدينة عفرين تسرد وقائع حياتها الجديدة بعد دخول الجيش التركي والفصائل، وعند الحديث معها عبر خدمة تطبيق «واتس آب»، كان بالإمكان سماع أصوات طلقات رصاص وصيحات مرتفعة، وعند سؤالها عما يجري بالقرب منها، قالت: «مشاهد الاشتباكات أصبحت جزءاً من حياتنا، والفلتان الأمني سيد الموقف، زادت حالات السرقة وعمليات الخطف والقتل، التي تركت خوفاً وأثراً عميقاً في نفوسنا».
وأطلقت تركيا والفصائل عملية «غصن الزيتون» في 18 يناير (كانون الثاني) 2018، وسيطرت على مدينة عفرين في مارس (آذار) بالعام نفسه، وانتزعت مركز المدينة ونواحيها من قبضة «وحدات حماية الشعب» الكردية، ويدور حديث بين مَن تبقى من أكراد عفرين، حول ما سموه بـ«تتريك» المنطقة ومحاولات تركيا الحثيثة لطمس هوية سكانها الكردية، وتغيير تركيبتها الديمغرافية وتغيير أسماء الساحات العامة والشوارع والقرى، وإطلاق أسماء تركية وعربية عليها، كما وقعت حوادث طالت المواقع الثقافية والأثرية والدينية الخاصة بالأكراد، بالإضافة إلى إجبار السكان على حمل بطاقات هوية تركية، والتعامل بالليرة التركية.
وذكرت الفتاة أنّ غالبية سكان المدينة حُرموا من الاحتفال بعيد نوروز الكردي، الذي يصادف 21 مارس (آذار) من كل عام، بسبب الإجراءات والقيود التي تفرضها الجماعات المسلحة في مسقط رأسها، وأضافت قائلة: «من طقوس العيد ارتداء الأزياء الفلكلورية، التي تتميز بألوانها الزاهية وتكون فضفاضة، لكن لم تجرؤ أي فتاة على الخروج من منزلها، وفضّلت البقاء على أن تسمع كلاماً بذيئاً وسيئاً بحقها».
وبات بالإمكان مشاهدة السيارات العسكرية والجنود الأتراك وهم يتسوقون في شوارع المدينة، وبحسب شهادات من داخل عفرين، فإن كلّ ركن فيها يذكرهم بجارتهم تركيا، من مستشفيات بتمويل تركي إلى المدارس التي أصبحت تدرّس اللغة التركية إلى جانب العربية، كما كتبت اللوحات المرفوعة على واجهات المؤسسات والدوائر الرسمية بالتركية والعربية، وصولاً إلى انتشار شركات الكهرباء والبريد والصيرفة التركية، في إشارة للهيمنة التركية على تلك البقعة الجغرافية من سوريا.
واعتبر مواطن كردي يتحدر من عفرين، فضَّل البقاء في مدينته على النزوح واللجوء، أن انتشار الأعلام التركية ورايات الفصائل «تشعرك بأنك غريب عن أرضك وبلدك؛ فمنذ تاريخ دخولها اختلفت الوجوه والمظاهر والنفوس، ولم يبقَ شيء على حاله، لم يبقَ شيء يدلّك على أنك بعفرين». وكتب رسالة بخط يده يقول فيها: «كل ما يجري ويحدث بعفرين بعلم الجنود الأتراك وأمام أعينهم، حيث تم تقديم آلاف الشكاوى ضد ممارسات الفصائل إلى نقاط المراقبة التركية والمجلس المحلي، دون جدوى».
ويروي ناشط مدني شاب يتحدر من ناحية راجو بعفرين، وكان يقيم في مدينة غازي عنتاب التركية، أن اتصالاً في أغسطس (آب)، العام الماضي، غيّر مسار حياته، وأجبره على السفر عبر طرق التهريب، وركوب البحر، حيث أن تلقى اتصالاً من شعبة الأجانب بعنتاب تطلب منه فيه مراجعة الدائرة، وعند ذهابه كان ينتظره محققان يتساءلان عن رأيه في دخول الجيش التركي لمدينته (عفرين)، وقال: «رغم كل محاولاتي بالتهرُّب من الإجابة المباشرة، فإنهم طلبوا مني تجهيز حقائبي للعودة إلى بلدي بشكل طوعي، لأنها أصبحت آمنة».
لكنه اختار اللجوء إلى أوروبا على البقاء في تركيا، أو العودة إلى عفرين التي باتت خاضعة للسلطة التركية، ولا يعلم ما إذا كان سيعود مرة ثانية إلى بلده أو البقاء في المهجر، ليزيد: «ما يحدث بعفرين ترك أثراً بالغاً في نفسي، وتسبب لي ولعائلتي بانتكاسة حقيقية وإعادة صياغة العلاقة مع إخوتنا العرب، لا أقول الجميع، ولكن على الأقل مَن احتلوا مدينتي».

- حديقة خلفية لتركيا
منذ بداية النزاع في ربيع 2011، مدَّت تركيا يد العون للمعارضة المسلحة، وباتت اليوم تُعد أبرز داعميها، وعلى مرّ السنوات تطور الوجود التركي في سوريا، وبات نفوذها يمتد من مدينة جرابلس في أقصى ريف حلب الشمالي الشرقي، مروراً بمدينة أعزاز شمال حلب، وصولاً إلى عفرين، وتنتشر في هذا الجيب الملاصق لحدودها الجنوبية شرطة محلية مدعومة ومدرّبة من تركيا، ووجدت المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة التركية، خلال العام الماضي، موطئ قدم لها في هذه المنطقة الآمنة نسبياً ضمن مناطق خفض التصعيد بالشمال السوري، وتحولت إلى حديقة خلفية استثمارية لتركيا، حيث تحولت أشجار الزيتون التي يتجاوز عددها في عفرين 18 مليون شجرة إلى مصدر دخل لفصائل معارضة، وهذه السهول الخصبة وجبالها هي الأرض التي تنتج أحد أفضل أنواع زيت الزيتون في سوريا، وكانت تمثل 70 في المائة من دخل أبناء المنطقة ذات الغالبية الكردية.
واتهم ناشط إعلامي من مدينة عفرين، نزح قبل عام وأربعة أشهر وقصد مدينة كوباني (عين العرب) ليكون قريباً منها، عناصر مسلحة أقدمت على إحراق 300 شجرة لوز كان يمتلكها والده وعائلته، وبحسب خبراء اقتصاديين ونشطاء حقوقيين وثَّقوا الأشجار التي تعرضت للقطع والحرق، فقد وصل عددها لأكثر من 120 ألف شجرة. ويقول الناشط: «كل مواطن من عفرين مرتبط بشجرته كارتباطه بالحياة، اليوم نشاهد ونسمع كيف يقطعون ويحرقون مئات الأشجار... لماذا كل هذه الجرائم؟! احتلوا أرضنا ويحرقون ممتلكاتنا».
في حين يمنع الجنود الأتراك إخراج الزيت من المنطقة، مما أدى إلى تدهور الأسعار، إلى درجة أن سعر صفيحة الزيت (16 لتراً) يبلغ اليوم في عفرين 15 ألف ليرة سورية، ما يعادل نحو 25 دولاراً، بينما يتجاوز سعرها الضعف في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية والإدارة الذاتية الكردية، وبحسب مصادر كردية، تُقدر خسائر الموسم بما يقارب 105 ملايين دولار.
واتهمت المعارضة التركية الجماعات المسلحة في عفرين بتهريب 50 ألف طن من زيت الزيتون من عفرين إلى الأسواق التركية، الأمر الذي أثر على الإنتاج المحلي في بلدهم، ولم يكتفِ المسلحون بتهريب زيت الزيتون، بل قاموا بتدمير حقول الزيتون أيضاً.
ويقول مزارع من ناحية بلبلة إن الإدارات التي شكَّلَتها تركيا في عفرين وبلداتها «فرضت اقتطاع نسبة تتراوح ما بين 10 و20 في المائة من محصول الفلاحين من زيت الزيتون، مقابل السماح لهم بقطف حقولهم التي يملكونها».
فيما فرضت كل جماعة مسلحة ما تشاء من إتاوات على المزارعين، وفي أحيان كثيرة تقوم بسرقة المحصول من الفلاحين بقوة السلاح، ولم تكتفِ بذلك، حيث قام مسلحون بقطع آلاف أشجار الزيتون وبيعها حطباً في تركيا بهدف الكسب المادي.
وعبر مزارع ثانٍ من إحدى قرى راجو، ويمتلك مئات من أشجار العنب والزيتون، بأن موسم بيع أوراق العنب عادة في كل عام كان مربحاً نظراً لخير الشجرة، إذ كان يُباع سعر الكيلو الواحد بـ1500 ليرة (ما يعادل 3 دولارات أميركية) لكن الفصائل المسيطرة على القرية طلبت منه بيع المحصول بمبلغ 300 ليرة، نحو نصف دولار، لصالح عناصر فصيل يتبع «فيلق الشام»، واليوم ينتظر ذلك المزارع بيع موسع العنب والفاكهة الصيفية، ليقول: «لكن مع وجود هؤلاء الغرباء سيكون كباقي المواسم... خسارة بخسارة».
وتعمل مجموعة من النشطاء والمحامين على توثيق حالات الانتهاكات التي تحدث في عفرين، ويكون ضحاياها مدنيين أبرياء، ومن بين هؤلاء معارض كردي يقيم في مدينة حلب الخاضعة للنظام الحاكم بسوريا، وفي حديثه قال: «طالهم الخطف والقتل العمد والعشوائي، ليصل إلى درجة المعاملة المهينة والتعذيب، يُضاف إليها سرقة الممتلكات ومصادرة المحاصيل الزراعية والاستيلاء بالقوة على جزءٍ كبير منها».

- 1100 حالة خطف
سجلت منظمات سورية حقوقية ودولية إنسانية استمرار عمليات الاختطاف والاختفاء القسري والاعتقالات، وتصدر بيانات وتقارير عن هذه التجاوزات، وتابع السياسي الكردي حديثه برسالة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» يقول فيها: «هناك صعوبة بالغة في إجراء إحصاءات دقيقة للانتهاكات الجارية بعفرين، نظراً للحصار المفروض على المنطقة، وخوف ضحايا الانتهاكات والجرائم من الحديث عنها تفادياً لعقوبات أشد»، وبحسب تقديرات المجموعة سجلت أكثر من خمسة آلاف حالة خطف واعتقال «منها أكثر من 1100 مجهولي المصير حتى تاريخه، ووثقنا قائمة بأسماء 67 ضحايا مدنيين قُتلوا بظروف مختلفة، تحت التعذيب أو بالرصاص الحي، أما الآخرون، فأُفرج عنهم مقابل رشى مادية».
وقبل معركة عفرين، طالبت تركيا مراراً بانسحاب «وحدات حماية الشعب» من المناطق الواقعة شرق وغرب نهر الفرات، حيث تخشى من قيام حكم ذاتي قد يحصلون عليه في بلد يشهد نزاعاً دموياً منذ 8 سنوات، الأمر الذي سيدفع أبناء جلدتهم (أكراد تركيا) للمطالبة بالمثل، إذ تتهم الحكومة التركية هذه القوة الكردية بالارتباط بـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور لديها، والأخير يخوض تمرداً مسلحاً منذ 4 عقود، بهدف نيل الأكراد استقلالهم، جنوب شرقي تركيا، في وقت تنفي فيه قيادة الوحدات أي صلة بحزب العمال، وهو ما تؤكده الولايات المتحدة التي تدعم الوحدات.
وقال شخص يسكن في مركز المدينة تعرض للاعتقال، وبقي شهرين بالسجن: «اعتقلوني ونقلوني بين عدة سجون، تركزت جميع أسئلتهم على أنشطتي في وسائل التواصل الاجتماعي، واتهموني بالانتماء إلى (الوحدات) و(حزب الاتحاد)، وكتابة تقارير عن الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل».
وأردف قائلاً: «كان السجَّان والمحققون يضربون ويعذبون المعتقلين من باب اللهو والتسلية ليس إلا، وفي الليل كانت صرخات الرجال تتردد أصداؤها في أرجاء المبنى، وأطلقوا سراحي دون أن أمثل أمام قاضٍ»، وأكد أنه كان قد فقد الأمل بالخروج، مضيفاً: «كنت أشعر أنني لن أخرج من هذا المكان أبداً».
وشكلت مجموعة من الإعلاميين والنشطاء يتحدرون من عفرين، غرفاً مغلقة عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، للتواصل وتوثيق الانتهاكات الحاصلة في مسقط رأسهم، من خلال نشرات الأخبار ومقاطع الفيديو وصور فوتوغرافية انتشرت كالنار في الهشيم، بداية من السيطرة على عفرين، لدى أبرز الجهات الإعلامية المحلية، ومنها إلى الإعلام الغربي والعالمي، وصفحة Afrin media center، وغلافها أشجار الزيتون التي تشتهر بها مدينة عفرين.
تروي «أدمن» الصفحة، وتتحدر من عفرين، أنها خرجت أواخر 2016 بعد أحكام «جبهة النصرة» سابقاً (هيئة تحرير الشام) قبضتها على ريف حلب الشمالي ومدينة إدلب المتاخمة لحدود مدينتها، التي كانت تشهد اشتباكات متقطعة بين الحين والآخر، الأمر الذي دفعها للجوء إلى دولة أوروبية، وهي مقيمة هناك.
وبحسب منشورات الصفحة، تأتي عمليات الخطف في قمة الهرم بدافع الفدية، ونشر أخبار متعلقة بالاعتقال والقتل والحوادث اليومية، وتقول الناشطة: «ننشر جميع حالات الانتهاكات، ونوثّق بنسبة 70 في المائة مما يحدث في عفرين، والكثير من الحالات لا يمكن نشرها، إما بسبب الخوف من أصحابها أو حرصاً على سلامة من كان ضحية»، وذكرت «أدمن الصفحة» أنّ هذه الحالات مؤرشَفة على شكل ملفات مدعومة بالشهادات والصورة والفيديوهات، وتُرسَل بشكل دوري إلى المنظمات الإنسانية والمراكز الحقوقية والدولية، وتضيف: «بعد احتلال عفرين زاد خطاب الكراهية والحقد بين أهل المدينة والعسكر من جهة، والوافدين الجدّد من جهة ثانية»، ووصفت المشهد بـ«المؤلم والقاتم»، وعندما «تشاهد غرباء يستوطنون أرضك وممتلكاتك، فمن المستحيل أن أفكر بالعودة، لأنني لا أريد العيش مع ذلك الظلام».

- مهجرون ونازحون
بعد اقتحام عفرين قامت الفصائل بكسر تمثال كاوى الحداد، ويُعدّ رمز الحرية وشعلة عيد نوروز القومي الكردي، الذي كان يتصدر ميدان راجو، شمال غربي عفرين، وحل محله مجسَّم ملون بالعلَمَين التركي والسوري الحر، وتغير اسمها ليصبح «دوار صلاح الدين»، وكُتِب باللغتين التركية والعربية.
وتداول نشطاء أكراد قبل أيام على منصات التواصل الاجتماعي صورة لهوية سيدة كردية من عفرين تدعى «كردستان حسن»، مرفقة بصورة ثانية لبطاقة التعريف التي منحها المجلس المحلي في عفرين، وقد قاموا بتغيير اسم السيدة من «كردستان» إلى «كلستان» كون السجلات الشخصية في عفرين مرتبطة بالحكومة التركيّة التي تحظر تداول «كردستان» ضمن سجلاتها الرسمية، كما ظهرت «كردستان» في صورة هويتها الشخصية الجديدة مرتدية الحِجاب، رغم أنّها لم تكن قد ارتدته في صورتها الموجودة على الهوية السورية.
بدورها أكدت أدمن صفحة Afrin media center أن حالة كردستان حسن ليست الوحيدة التي استبدال اسمها على بطاقة التعريف، «فكثير من الحالات لا تصل إلى الإعلام نتيجة التعتيم الكبير المفروض على الداخل، والترهيب الممارَس بحقّ أهالي المنطقة من الكرد بهدف دفعهم للهرب واستكمال مخطّط التغيير الديمغرافي».
وتوزّعت فصائل الجيش الوطني المنتشرة في عفرين على أربعة فيالق، وهي: «الجيش الوطني»، و«فيلق الشام»، و«فيلق الرحمن»، أما «فيلق السلطان مراد»، فاستوعب جميع الفصائل، بمن فيها عناصر «جيش الإسلام» المهجرون من الغوطة الشرقية.
وبعد انهيار مناطق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية في أبريل (نيسان) 2018، وريف حمص الشمالي، وتهجير الفصائل إلى ريف حلب الشمالي، وجدت تركيا الفرصة سانحة لتوطين المهجّرين في منطقة عفرين بحجّة أنهم طُرِدوا من بيوتهم، وتعارضت شهادات المهجّرين، إذ قال بعضهم إنهم تلقّوا معاملة حسنة في عفرين من قبل القوات التركية والجيش الوطني، فيما قال آخرون إنهم عومِلوا بشكل سيّئ في منطقة الباب من أجل تشجيعهم على الانتقال إلى عفرين، وقد بلغ عدد المهجّرين والنازحين إلى عفرين نحو 88 ألفاً.
ويقول ناشط كردي يتحدر من عفرين، وهو لاجئ اليوم في إقليم كردستان العراق، إنّ الجهات السورية المعارضة، التي كانت تعمل على فضح انتهاكات النظام وممارساته خلال الأعوام الماضية، «هي حالياً وبكل بساطة تتستر على الجرائم التي تقع يومياً في عفرين، وتحولت إلى واجهة إعلامية للفصائل المسلحة التي ترتكب تلك الفظائع، وتضفي شرعية للوجود التركي هناك». وتابع: «أحد أصدقائي مهجّر بعفرين، شرح لي أن ما يحصل هنا يحدث في غير مناطق سوريا... أشعر وكأنها محاولة طمس الحقائق، وتوطين أناس من خارج المنطقة».
وأوضح نازح من مدينة حمص أنه، وبعد وصوله إلى عفرين أواخر يونيو (حزيران) 2018، كان المسلحون قد نهبوا وسرقوا وأساءوا إلى معظم الأهالي بحجة أن كل كردي متهم بانتسابه لحزب الاتحاد الديمقراطي أو «الوحدات الكردية» التي كانت تسيطر سابقاً على عفرين، ليقول: «أغلب العناصر جاءت من خلفيات إسلامية متشدّدة وانضموا للجيش الوطني، عندما كانوا يشاهدون فتاة أو سيدة تلبس (سبور) وألواناً زاهية، فإنهم يفرغون كل أمراضهم وحقدهم عليها».
ورفض النازح السكن في منزل مهجور أو الاقتراب من الممتلكات الخاصة عائدة لأهل عفرين، مشيراً: «شرحت وضعي لمواطن من عفرين وعرف أني من حمص ورحب بي وأجَّر لي منزله بسعر مقبول، وتجاوز الحساسية التي ارتكبتها الفصائل المسلحة».
أما نازح ثانٍ من الغوطة الشرقية، وبعد وصوله إلى ناحية بلبلة، قرر البحث عن صاحب المنزل الذي سكن فيه، لأن الفصيل المسلح المسيطر على تلك المنطقة قام بانتهاكات، وقال: «بحثت حتى وجدت رقم هاتفه واتصلت به، قلتُ: لن أسكن في المنزل دون موافقتك، وسأدفع إيجاراً، أو أي شيء يضمن حقوقه، وقلت له إن هذه الأملاك بأمانتنا». واتهم النازح جماعات مسلحة بأنها ارتكبت كثيراً من الانتهاكات، من بينها «الفرقة 55»، و«الجبهة الشامية»، و«فيلق الشام»، و«السلطان مراد»، و«أحرار الشرقية»، والأخيرة، بحسب سكان عفرين ونازحين سكنوا فيها، ارتكبت جرائم وفظائع خطيرة.

- كُتل خرسانية
عمدت الجماعات إلى مصادرة الممتلكات والمحال التجارية في عفرين، وقال نازحون من عفرين يقطنون في مخيمات الشهباء المجاورة، إن أقاربهم وجيرانهم ممن بقوا أخبروهم بأن منازلهم قد أصبحت مقارّ عسكرية للجماعات المسلحة الموالية لتركيا، أو سكناً تعيش فيه عائلات نازحة.
وقالت سيدة عفرينية تسكن في مخيم العودة بناحية شيراوا في منطقة الشهباء، إن جماعة «فيلق الشام» صادرت منزلها بمنطقة جنديرس: «قال لي جاري إن منزلي تمت مصادرته، وأرسل إليَّ صوراً يظهر فيها بوضوح اسم (فيلق الشام) مكتوباً على جدار مدخل البيت»، وأثناء الحديث معها عبر الهاتف، كان بالإمكان سماع صوت بكائها لشدة حزنها، لتضيف: «المسلحون قطعوا أشجار الزيتون وعبثوا بأشجار الورد في منزلي، أخشى أن أموت هنا بعيدة عن منزلي وأهلي، ويبقى هؤلاء الغرباء يعبثون بممتلكاتنا».
وينفذ الجيش التركي منذ أشهر عمليات هدم وجرف واسعة النطاق لمنازل وأملاك المدنيين في قرى جلبل وكيمار، بهدف استكمال أعمال بناء جدار إسمنتي لعزل مدينة عفرين عن محطيها السوري، وبحسب سكان المنطقة انتهت من بناء أكثر من ألف متر بالقرب من قرية كيمار، وتشمل الخطة بناء نحو 70 كيلومتراً من الجدار بكتل إسمنتية خرسانية بالمنطقة داخل الأراضي السورية، تمتد من جبل سمعان وقرى مريمين شمالاً إلى كيمار جنوباً، مروراً ببلدة جلبل في الجنوب الغربي، وربطها بأبراج مراقبة مع نقاط عسكرية عائدة للجيش التركي.
أما مزارع آخر من عفرين يتحدر من قرية دير مشمش التابعة لناحية شيراوا، التي باتت اليوم خاضعة لسيطرة فصائل «درع الزيتون»، فيشرح كيف نزح قبل عام وأربعة أشهر رفقة أسرته بعد دخول الجيش التركي، قاصداً أقرباءه الساكنين في قرية صوغانكه المواجهة لمسقط رأسه، وقال إنه يذهب يومياً إلى الحدود الفاصلة بين قريته ومكان إقامته الجديد، ليقول: «على بُعد أمتار أشاهد بحرقة أشجار الزيتون الخضراء، يخالجني شعور حزن عميق، فبسبب تركيا وفصائلها وهذه الحرب لا أستطيع الذهاب إلى حقلي وممتلكاتي».



قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

قوات الحكومة اليمنية تضغط على الحوثيين في «باب المندب» وتعز

جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)
جندي من القوات الحكومية اليمنية في تعز يطلق النار من رشاش على مواقع الحوثيين (أ.ف.ب)

اتسعت رقعة المواجهات العسكرية في اليمن، الثلاثاء، مع تجدد المعارك في جبهة باب المندب للضغط على بقايا الجيوب الحوثية، بالتزامن مع استمرار القتال على محاور مدينة تعز، وسط ضربات جوية مكثفة تستهدف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وخطوط إمدادهم، في وقت تقول فيه القوات الحكومية اليمنية إنها حققت تقدماً في مواقع استراتيجية.

وشهدت جبهة باب المندب، الثلاثاء، مواجهات عنيفة بين القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«قوات درع الوطن» و«الألوية التهامية»، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى، في معارك تستهدف السيطرة على التلال والمواقع المطلة على المضيق الاستراتيجي، بالتزامن مع غارات جوية طالت مواقع للجماعة في محيط مدينة المخا وعلى امتداد الساحل الغربي اليمني.

وأعلنت مصادر عسكرية حكومية السيطرة على تباب استراتيجية في باب المندب، عقب هجوم على مواقع الحوثيين، قالت إنه أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفهم وفرار آخرين عبر القوارب البحرية. كما تحدثت معلومات أولية عن استهداف زوارق وإمدادات بحرية يُعتقد أن الجماعة تستخدمها لنقل التعزيزات والمعدات إلى مواقعها في محيط المضيق.

معارك مستمرة تخوضها القوات الحكومية اليمنية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه التطورات في ظل مساعٍ حكومية لاستكمال السيطرة على المواقع المحيطة بباب المندب، فيما نفت مصادر عسكرية في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن سيطرة الحوثيين على جبال كهبوب، مؤكدةً استمرار انتشار قواتها في مطار ذوباب والسلسلة الجبلية المحيطة به.

تقدم ميداني في تعز

في محافظة تعز، تواصلت المواجهات على جبهات المدينة وريفها، وسط غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وتعزيزات حوثية، بالتزامن مع محاولات للقوات الحكومية والمقاومة الشعبية تحسين مواقعها القتالية ومنع الجماعة من تحقيق اختراقات ميدانية.

وأفادت مصادر عسكرية حكومية بسيطرة القوات على تبة الميدان، الواقعة عند نهاية سلسلة الجبل الأسود، عقب مواجهات عنيفة وإسناد جوي. كما تحدثت مصادر ميدانية عن فرض القوات الحكومية والمقاتلين المحليين سيطرة نارية على منطقتي حدائق الصالح والهنجر، ضمن نطاق خط الضباب.

رغم الزحف الحوثي المتواصل تمكنت قوات الجيش اليمني في مدينة تعز من التصدي للهجمات (أ.ف.ب)

وقال العقيد في الجيش اليمني عبد الباسط البحر إن القوات الحكومية والمقاومة حققت تقدماً في محيط نقطة الهنجر والجبل الأسود، ووصلت إلى مواقع حاكمة مطلة على خط الضباب، حيث بدأت عمليات تمشيط وتثبيت وتأمين المواقع التي جرى التقدم إليها.

في المقابل، واجهت القوات المهاجمة مقاومة شديدة في محيط معسكر المطار القديم ومنطقة مدرات، حيث حالت كثافة النيران والأسلحة الثقيلة دون تحقيق التقدم المطلوب، وفق البحر، الذي أشار إلى سقوط قتلى وجرحى وأسرى في صفوف الحوثيين، وتدمير وإحراق آليات عسكرية.

وعلى جبهتي الشقب والأقروض، دارت مواجهات عنيفة تخللها قصف بالأسلحة المختلفة، فيما قالت مصادر حكومية إن القوات تصدت لهجوم حوثي في الأقروض. وأفاد مكتب شؤون الحصار في تعز بمقتل خمسة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، بينهم أطفال، برصاص قناصة الحوثيين في قريتي حمة والدمنة والقرى المجاورة.

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية في جبهات تعز (أ.ف.ب)

وامتد القصف إلى الأحياء السكنية في محيط المدينة، خصوصاً الجبهتين الشمالية والشمالية الغربية، مع استمرار الاشتباكات المتقطعة. كما أفادت مصادر محلية بوقوع غارات استهدفت محيط مطار تعز ومواقع في مناطق متفرقة من المحافظة، بينها التبة الحمراء وتباب الصالح والخزان والهياج، إلى جانب مواقع وتعزيزات في القريشة جنوبي مدينة التربة.

1276 عملية خلال يوم

في بيان يعكس اتساع نطاق العمليات، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، تنفيذ 1276 عملية استهداف خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ضمن عملية «فجر اليمن»، طالت قدرات عسكرية للحوثيين على مختلف الجبهات والمحاور.

وأوضح النزيلي أن العمليات استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، والمواقع الدفاعية ومرابض النيران، والتعزيزات ووسائل النقل والإمداد، ومخازن الأسلحة والذخائر، إضافةً إلى أهداف في العمق قال إنها تهدف إلى الحد من قدرة الجماعة على إدارة عملياتها وإعادة تجميع قواتها.

هجمات الحوثيين على مدينة تعز اصطدمت بمقاومة ضارية في عموم الجبهات المحيطة (أ.ف.ب)

وأضاف أن العمليات أسفرت، وفق الحصيلة العسكرية المعلنة، عن تحييد نحو 382 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 140 آلية وعربة وقطعة سلاح ثقيل، إلى جانب تدمير مخازن للأسلحة والذخائر.

وأشار إلى استمرار العمليات المتزامنة في جبهات الجوف ومأرب والبيضاء والجبهات الجنوبية والجنوبية الغربية، بهدف استهداف تحركات الحوثيين ومواضعهم الدفاعية وخطوط إمدادهم، والحد من قدرتهم على نقل الاحتياطيات وتركيز قواتهم في محور واحد.

وتزامنت هذه العمليات مع غارات مكثفة في الوازعية والمضاربة وكهبوب ورأس العارة، وفق مصادر عسكرية، فيما نفت مصادر في «قوات درع الوطن» صحة الأنباء عن استعادة الحوثيين مواقع في كهبوب، مؤكدةً استمرار السيطرة الحكومية على مطار ذوباب والمواقع الجبلية المحيطة به.

معاناة المدنيين

بينما تتواصل المواجهات، تتصاعد التحذيرات الحكومية والحقوقية من تداعيات القصف والحصار على المدنيين في تعز. وأدانت وزارة حقوق الإنسان استهداف الأحياء المكتظة بالسكان بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والصواريخ الباليستية، مشيرةً إلى سقوط قذيفة داخل منزل أسرة الناشطة مروة النظاري، في واقعة قالت إنها أثارت حالة من الرعب بين النساء والأطفال.

ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التحرك لوقف الاعتداءات ورفع الحصار، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والأعيان المدنية.

في سياق متصل، وثَّقت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية»، في تقرير بعنوان «وجع الأمهات»، مقتل 107 من النساء والأطفال، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً وطفلة، جراء انتهاكات قالت إن الحوثيين ارتكبوها في محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

القوات الحكومية اليمنية تهاجم زحف الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (أ.ف.ب)

وذكر التقرير تسجيل 1321 حالة اقتحام للمنازل، وتهجير 4860 شخصاً، بينهم 1650 امرأة و3210 أطفال، إلى جانب وجود 221630 نازحاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، و32 طفلاً تعرضوا للتجنيد الإجباري، فضلاً عن 1056 حالة من الجرائم والانتهاكات المتعلقة بالخدمات الصحية، و246110 أطفال خارج المؤسسات التعليمية.

وفي تحرك سياسي موازٍ، بحث رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه تطورات التصعيد العسكري وتداعياته الإنسانية، بما في ذلك استمرار حصار تعز واستهداف المنشآت المدنية.

ودعا الزنداني المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل إنهاء الحصار الحوثي وفتح الطرق أمام حركة المواطنين والإمدادات الإنسانية، مشيراً إلى تخصيص المفوضية الأوروبية 22.5 مليون يورو إضافية للمساعدات الإنسانية في اليمن.


اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
TT

اعتداءات الحوثيين تشرد 270 ألف يمني خلال شهرين

طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)
طفل يمني مشرد داخل خيمة في أحد مواقع النزوح القريبة من عدن (أ.ب)

بين مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة ورحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، يجد مئات الآلاف من اليمنيين أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة مع اتساع رقعة التصعيد العسكري الحوثي منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، في أزمة تجاوزت آثارها مناطق المواجهات لتضغط على المحافظات المستقبلة للنازحين، وتمتد إلى خارج البلاد، وسط نقص التمويل الإنساني، وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتكشف بيانات حديثة صادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 270 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، معظمهم منذ بداية التصعيد في سبتمبر، فيما امتدت حركة النزوح إلى 62 مديرية في عشر محافظات. وفي موازاة ذلك، وصل 3836 يمنياً إلى جيبوتي حتى منتصف الشهر الحالي، نصفهم تقريباً من الأطفال، بينهم 282 طفلاً دون الخامسة من العمر.

وتعكس هذه الأرقام اتساع حركة الفرار من مناطق المواجهات، خصوصاً في غرب تعز، ولحج، وجنوب الحديدة، حيث اضطرت أسر إلى مغادرة منازلها بحثاً عن الأمان، في وقت لم تعد فيه مناطق الاستقبال قادرة بسهولة على استيعاب الأعداد المتزايدة، وتوفير احتياجاتها الأساسية.

يمنيون نزحوا بسبب هجمات الحوثيين في تعز يتجمعون لتلقي مساعدات غذائية بضواحي عدن (أ.ب)

وفي عدن ارتفع عدد الوافدين من النازحين إلى أكثر من 42 ألف شخص، بما يزيد على ضعف العدد المسجل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما تستضيف محافظة لحج نحو 67 ألف نازح. وتمتد حركة النزوح إلى مناطق أخرى، وصولاً إلى المهرة شرقي البلاد.

ولم تقتصر رحلة الفرار على الطرق البرية؛ إذ لجأت أسر يمنية إلى البحر في محاولة للابتعاد عن مناطق التصعيد. ووصلت بعض القوارب إلى الشاطئ قبل بلوغ وجهتها النهائية بعدما نفد الوقود، في رحلة كشفت عن المخاطر التي تواجه المدنيين وهم يحاولون الوصول إلى مناطق أكثر أمناً.

ومع تزايد الوافدين تواجه الأسر التي تركت منازلها على عجل صعوبات في تأمين المأوى، ومياه الشرب، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. كما تتضاعف الضغوط على المجتمعات المستضيفة التي تعاني أصلاً محدودية الموارد، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة تفوق إمكانات الاستجابة المتاحة.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

ولا تنتهي معاناة النازحين بمجرد مغادرة مناطق المواجهات؛ إذ تضطر أسر إلى الإقامة في مبانٍ عامة مكتظة، بينما ينام آخرون في العراء، في ظل نقص مرافق الصرف الصحي، ومحدودية الخدمات الأساسية. وتزيد هذه الظروف من المخاطر التي تواجه الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.

نقص التمويل

ويقول عبد الستار عيسويف، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، إن الحجم الكبير لموجة النزوح وسرعتها وضعا الأسر أمام احتياجات ملحّة، في وقت تواجه فيه الفرق الإنسانية صعوبات في مواكبة الطلب المتزايد على المساعدة.

وأوضح أن الفرق تواصل توزيع المساعدات يومياً، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على الوصول إلى جميع المحتاجين، محذراً من أن غياب التمويل العاجل قد يحرم مزيداً من الأسر من مساعدات أساسية قد تكون حاسمة لبقائها.

تدفق مستمر للنازحين من أطراف محافظة لحج (إعلام محلي)

وفقدت 44 ألفاً و736 أسرة استقرارها نتيجة النزوح، ليجد كثير منها صعوبة في الحصول على مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والخدمات الأساسية. ويزيد النقص الحاد في الوقود والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والأدوية من أعباء الحياة اليومية، في وقت لم تعد فيه الموارد المتاحة كافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.

وتتفاقم هذه الصعوبات بفعل القيود المفروضة على دخول المنظمات الإنسانية إلى تعز، وهذه القيود تؤدي إلى إبطاء إيصال المساعدات إلى السكان المحتاجين إليها.

وفي مواجهة هذه الاحتياجات، حددت المنظمة الدولية للهجرة فجوة تمويلية تبلغ 30 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة. ويهدد هذا النقص قدرتها على توفير المأوى، والمساعدات النقدية الطارئة، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، فضلاً عن متابعة حركة النزوح، وتحديد احتياجات المتضررين.

مساعدات لا تواكب الاحتياجات

حذّر عيسويف من أن كثيراً من الأسر اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة، لتجد نفسها في كل مرة أمام رحلة جديدة للبحث عن مكان آمن، ومساعدة تتيح لها مواصلة الحياة. وشدد على ضرورة وصول الدعم إلى النازحين والمجتمعات المستضيفة معاً، قبل أن تتفاقم الظروف الإنسانية، ويتعرض مزيد من الأرواح للخطر.

ومنذ الأول من أغسطس (آب) عملت المنظمة الدولية للهجرة -بالتعاون مع السلطات المحلية، وشركاء من الأمم المتحدة، والمنظمات المحلية- على الوصول إلى 11 ألفاً و178 أسرة متضررة من الصراع.

اتسعت موجة النزوح جراء هجمات الحوثيين ما فاقم الوضع الإنساني (إعلام محلي)

وشملت المساعدات حقائب المأوى الطارئ، والمواد المنزلية، ومستلزمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية، إلى جانب المساعدات النقدية متعددة الأغراض. كما قدمت المنظمة خدمات الحماية إلى 6757 مهاجراً ونازحاً، وأجرت 56 ألفاً و863 استشارة في مجال الرعاية الصحية الأولية.

ورغم هذه الجهود، لا تزال الاحتياجات أكبر من الموارد المتاحة، مع استمرار النزوح، وتزايد الأعباء على الأسر والمجتمعات المضيفة. وتدعو المنظمة الدولية للهجرة الجهات المانحة إلى زيادة التمويل بصورة عاجلة، لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وعدم ترك الأسر المتضررة من دون الحد الأدنى من الدعم.


تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
TT

تعز على حافة الجوع بعد تفجير الطرق ومنع الإمدادات

تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)
تعز تعاني من نقص كبير في إمدادات الدواء والمستلزمات الطبية جرَّاء الحصار الحوثي (رويترز)

​حذَّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من التداعيات الإنسانية الخطيرة لتفجير الجماعة الحوثية أجزاءً من طريق «هيجة العبد»، الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، معتبرة أن استهداف البنية التحتية الضرورية لبقاء المدنيين قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، في وقت تقترب فيه مخزونات دقيق القمح في مدينة تعز من النفاد.

ويفاقم تعطيل الطريق، الذي يمثل شرياناً رئيسياً لنقل السلع والإمدادات الأساسية إلى المدينة المحاصرة منذ عام 2015، المخاوف من تدهور الأوضاع المعيشية لنحو 600 ألف مدني، يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية، وسط تحذيرات أممية من تعذُّر وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.

الحوثيون أغلقوا آخر طريق رئيسي يربط تعز بمدينة عدن (إعلام محلي)

وذكرت المنظمة، في بيان، أن جماعة الحوثي استخدمت متفجرات في 18 أكتوبر (تشرين الأول)، ما ألحق أضراراً جسيمة بطريق هيجة العبد، محذرة من أن تدميره المتعمد أو تعطيله لفترة طويلة قد يحرم السكان من الإمدادات الضرورية لاستمرار الحياة، ويهدد سلامتهم، فضلاً عن احتمال إلحاق أضرار غير متناسبة بالمدنيين.

وقالت نيكو جعفرنيا، الباحثة المعنية باليمن في المنظمة، إن الهجوم على آخر طريق تجاري لإمداد تعز يزيد المخاطر التي يواجهها السكان الذين يعانون أصلاً نقصاً حاداً في الغذاء والماء والدواء والوقود، محذرة من أن استمرار إغلاقه قد يفاقم الأخطار المحدقة بحياة المدنيين وظروفهم المعيشية.

ولفتت «هيومن رايتس ووتش» إلى وقوع هجوم مماثل على الطريق نفسه مطلع الشهر الحالي، على بُعد نحو 45 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة تعز. ونقلت عن مصادر أن قوات حوثية تسللت إلى طريق هيجة العبد، وزرعت متفجرات في عبَّارة مائية أسفل الطريق، بعد سوق الوهط مباشرة، قبل تفجيرها والانسحاب من الموقع.

طريق بديل لعبور السكان وناقلات البضائع إلى ريف تعز (إعلام محلي)

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار تعطيل طرق الإمداد إلى تعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إلى مئات الآلاف من السكان، وزيادة الأعباء على الأسر التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار. كما يهدد تراجع تدفق السلع بتفاقم نقص الوقود ومياه الشرب والغذاء والدواء، في وقت تعتمد فيه المدينة على الطرق المتاحة لتأمين احتياجاتها.

وأكدت المنظمة أن استهداف المنشآت والبنية التحتية التي لا غنى عنها لبقاء المدنيين قد يشكل انتهاكاً لقوانين الحرب، وقد يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبتت عناصر الجريمة وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

نفاد مخزونات القمح

وفي مؤشر على اتساع الأزمة، أفاد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى أكثر من 600 ألف شخص في تعز يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن هذا التطور يثير قلقاً بالغاً؛ خصوصاً أن معظم مديريات المحافظة تقع ضمن مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفقاً لما أورده البيان.

السكان في تعز يعانون نقصاً شديداً في المياه والغذاء (رويترز)

وحذَّر برنامج الأغذية العالمي من اقتراب مخزونات دقيق القمح في المدينة من النفاد؛ مشيراً إلى أن الإمدادات الغذائية المتبقية في الأسواق المحلية قد لا تكفي سوى فترة قصيرة إذا استمرت القيود المفروضة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

وتعكس هذه التحذيرات خطورة استمرار تعطل طرق الإمداد، في وقت يحتاج فيه مئات الآلاف من المدنيين إلى وصول منتظم وآمن للغذاء ومياه الشرب والوقود والأدوية. ويزيد تعطل الطرق من صعوبة إيصال المساعدات والسلع الأساسية إلى السكان، في ظل استمرار الحصار وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية.

استجابة أممية

في سياق متصل بتداعيات التصعيد الحوثي في تعز وغرب لحج، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استجابة سريعة تستهدف دعم التعافي المبكر في المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، وضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز قدرتها على الصمود في المناطق التي تواجه ضغوطاً متزايدة على الخدمات وسبل العيش.

وأوضح البرنامج أن اختيار مسارات التدخل في المواقع المستهدفة قد يتغير مع تطور الظروف، استناداً إلى مؤشرات تشمل التعرض للنزاع، وحجم النزوح، وتعطل الخدمات، وكفاءة عمل المؤسسات المحلية.

الحوثيون يمنعون دخول الوقود إلى مدينة تعز المحاصرة (رويترز)

وخصص البرنامج مليون دولار من موارده الأساسية لدعم فرص العمل الطارئة والتعافي المجتمعي، بالتنسيق مع السلطات المحلية، على أن تشمل التدخلات إعادة تأهيل أصول مجتمعية ذات أولوية في محافظتي عدن ولحج.

ومن المتوقع أن توفر الاستجابة نحو 18 ألف يوم عمل، وتسهم في تحسين 14 كيلومتراً من الطرق، وحماية وإعادة تأهيل 35 هكتاراً من الأراضي الزراعية. وتشمل الأعمال المخطط لها رصف الطرق، وتحسين شبكات التصريف، وإزالة النفايات، والتشجير، وإعادة تأهيل قنوات الري، وحماية الأراضي الزراعية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، قال البرنامج إنه سيعمل على توسيع نطاق تدخلاته، في حدود التفويضات الممنوحة، وإمكانية الوصول والاتفاقيات المبرمة مع الجهات المانحة، لتقديم مزيد من الدعم؛ مشيراً إلى أن الجهود مجتمعة تستهدف الوصول إلى أكثر من مليون يمني.